لأجلها

غلاف قصة حطام امرأة

لأجلها

✍️ المؤلف: أمل نصر
📚 التصنيف: روايات, رومانسية
🌐 اللغة: العربية

📖 ملخص القصة

حطام امرأة كرهت الرجال فلم يتبقى لها سوى أمل واحد تتعلق به، تحيا عليه، تفعل المستحيل من أجله. فكان للقدر رأي آخر، عشق يظهر من العدم. من نفس الصنف الذي كرهته يأتي من يفرض عليها الحياة التي نبذتها، يستغل الفرص كي يستحوذ عليها بسيطرته، حتى وعلى غير إرادتها. يخلق الحجج من أجل الوصول إليها، يتحدى الأعراف وكل البشر من أجلها.

فصول القصة

رواية لاجلها الفصل الاول

داخل قرية صغيرة تتبع مركز من مراكز المحافظة الجنوبية الشهيرة، لكنها تبتعد بمراحل عن الحضر واوجه التقدم، حيث الاحتفاظ بالعادات المتوارثة عبر الأجيال، برفض تام عن التخلي عنها حتى لو كانت سيئة وتتسبب بالعديد من المأسي، ومن يستطيع محوها او تغيرها مدامت الاذية لا تطول الا الطرف الضعيف وفقط !

امام المراَة وقف عرفان الأشقر وهذا اللقب الذي أطلقه اهل البلدة على عائلته نظرا لصفات الشكلية المميزة لعائلته، بشرة فاتحة بشدة لأفرادها وبفرق ملحوظ عن باقي العائلات، بالإضافة إلى سمات أخرى زادت من تثبيت الأمر كألوان العيون المختلفة

كان في هذه اللحظات يعدل من وضع العباءة السوداء فوق أكتافه، لينثر عطره الفواح الثقيل حول جسده الضخم ، فيتأمل هيئته المتأنقة بتخايل وغرور، وكأن العمر لا يمر عليه، مدام بصحته وعنفوانه ولا ينقصه شيء.

- كفاية بص على نفسك في المراية يا ابو الولاد لتتخايل، دا انت رايح شغلك مش بتتهندس لخطوبتك يعني.

صدرت الكلمات من خلفه من زوجته صفا والتي كانت تطالعه بعدم ارتياح فهي الأدرى بغدره ان اراد وقرر ، فجاءت إلاجابة منه كالعادة بابتسامة مستخفة يغيظها:

- كل مرة اجف ع المراية جلبك ياكلك يا صفا، هتموتي من الخوف لاعملها واجيب التالتة.

واكمل بضحكاته يتراجع للخلف كي يرتدي ساعة يده، غير عابئًا بالنيران التي اشتعلت بها حتى صارت تهتز بجسدها أمامه معبرة عن سخطها:

- طب اغلط واعملها يا عرفان ، عشان أن ما كنت اولعلك فيها حية مبقاش انا صفا، مش انا اللي اقبل بضره يا حبيبي.

اطلق ضحكته عالية يسخر من منطقها في الحديث معه:

- ما انتي قبلتيها على نفسك زمان تيجي ضرة على اللي سبقتك، دلوك لما اتمكنتي بترفضي ان يحصل معاكي اللي حصل مع غيرك، صحيح اما عجايب دي والله

سمعت منه لتشتعل ثورتها بذكر عدوتها اللدود منذ أن حطت قدميها بداخل المنزل أو من قبل على الأصح:

- متجمعش ولا تقارن بيني وما بينها يا عرفان عشان انا مرة كاملة من كله، واللي جابني هنا ضرة عليها انها ناقصة عني وعن كل الستات، متخلنيش افتح على أول الصبح ، عشان حسي ميطلعش ويوصلها هي تحتينا في الدور الأول وانت مش ناقص نكد.

استطاعت بكلماتها ان تعكر من صفو مزاجه الرائق صباحًا، ليحتل العبوس ملامحه فيزجرها محذرًا:

- خلاص اجطمي وفوضيها، واصطبحي وجولي يا صبح، انا غاير وسايبهالك خالص جفلتيلي اليوم من اوله ببوزك الفقر.

انهى الكلمات يضع محفظته الجلدية داخل جيب الصديري الذي يرتديه، ليستدير متوجهًا نحو المغادرة، ولكن ما هو سوى خطوتين حتى التف برأسه قائلا بتذكر:

- حريم بيت العيسوي احتمال يجوا يزوروكم النهاردة او بكرة، متسينش تبلغي ليلى وامها يعملو حسابهم، جاكم الهم انتو التلاتة.

بصق كلماته وخرج من المنزل تتبعه ابصار صفا التي تبدل حالها للنقيض ، وابتسامة شيطانية ارتسمت بثغرها تغمغم بمرح مفاجيء بعد حديثه:

- حريم العيسوي جاين يزرونا النهاردة، يا حلاوة يا ولاد،، يا ترى رد فعلك هيبجى ايه يا مزيونة لما تعرفي اللي فيها؟ دي شكلها جربت جوي يا صفا

من خلف نافذة المطبع التي تتوسط الحائط، والمؤدية إلى الحديقة الأمامية الصغيرة لمنزلهم، حيث الأشجار التي قامت بزراعة معظمها، هي وباقي أحواض الخضروات، لتتمتع برائحتها ومشاهداتها كما يحدث الآن وهي واقفة تراقب سرب الطيور التي بلغت اصواتها حد الازعاج في هذا الوقت من الصباح ، تتقافز وتلهو وتطعم صغارها على الأغصان والفروع لتشهد ميلاد يوم جديد، تدور معه الحياة في دورتها الطبيعية

ولكنه ليس عاديًا بالنسبة لها، هو مختلف عن بقية الأيام السابقة، فهذا يوم الحصاد؛ حصاد تعبها وتحملها لمرار لا يحتمله بشر، من اجلها، من اجل صغيرتها التي تعد لها طعام الأفطار الآن قبل أن تقوم بإيقاظها ...

انتبهت فجأة على قرب فوران إناء الحليب فوق الموقد الغازي، لتسرع في إطفاء نيرانه، ثم رفعته لتصغه على الصنية النحاسية المتوسطة بجوار باقي الأطعمة، لتحملها وتخرج بها متمتمة بالأدعية والإستغفار حتى تصل إلى داخل غرفة صغيرتها، وينطلق لسانها

- ليلى يا نن عين امك ، ليلى يا عمري كله، جومي يا بت النهاردة نتيجتك.

حينما لم تجد ردا كعادتها خطت حتى اقتربت تجلس بجوارها وتهزهزها بخفة من كتفها وبصوت حنون :

- ليلى يا ليلى، جومى ياضي عين امك، يابت جومي .

استجابت ابنتها تصدر صوتًا متذمرًا وهى تشد الغطاء عليها اكثر وقالت بصوت ناعس:

- اممم، سيبنى انام شوية ياما، الوجت لسه بدرى .

- بدري من عمرك ياعين امك ، جومي يابت بلاش دلع.

لم تتأثر ليلى بل تابعت تغمغم بصوتٍ ناعس وكلام غير مفهوم.:

منعت مزيونة ضحكة ملحة بصعوبة وهي تزيد بهزهزتها وتذكرها:

- يا بت جومى وبطلي كسل بقى، خلينا نطمن على نتيجتك النهاردة ونشوف مستقبلك رايح لفين

تمتمت ليلى بالكلمات توميء برأسها بنعاس وكأنها تراضيها ، لتشد عليها الغطاء وتعتدل بنومها للجانب الاخر مما أثار استياء والدتها وحنقها فهدرت فيها صائحة بصرامة:

- جومى يابت، هافضل اصحى فيكى اليوم كله ولا إيه؟ جومي اخلصي بلاجلع ماسخ .

انتفضت ليلى بزعر هذه المرة تأثرا بلهجة والدتها الحازمة وهي تعتدل بجذعها في الفراش لتحاول الجلوس والإيقاظ، فهي على قدر محبتها لوالدتها الحنونة، على قدر خوفها منها حينما تغضب.. لتردد لها بمهادنة:

- انا جومت اها ياما، انا فوقت وصحيت كمان.

نهضت مزيونة من جوارها وهى تحدثها بحزم :

- طب يالا استعجلى وقومي من فرشتك دي ادخلي الحمام واشطفي ولا صلي على ما اروح اوكل الطير كمان وافتحلو عشته

اومأت ليلى رأسها بطاعة وهي تهم للقيام والنهوض بجذعها، لكن بمجرد ذهاب مزيونة وتحركها، سقطت للدخول مرة ثانية فى الفراش لاستكمال النوم حتى اجفلتها صرخة مزيونة من الخارج وكأنها داخل الغرفة معها:

انتفضت بفزع تأثرا بصرختها تردد بنشاط مفاجيء :

- حاضر ياما، انا قومت المرة دي صح والنعمة قومت.

بعد قليل كانت ليلى تضع اللمسات الأخيرة فى لف حجابها امام المراة، بعدما تناولت طعامها وقد أدت فرض الصلاة كما عودتها والدتها، والان هي تتجهز للذهاب، برفقة تلك الواقفة خلفها تراقبها بأعين تفيض بالحب، حتى إذا انتهت لم تقوى على كتم ما يجول بخاطرها، فور أن التفت نحوها :

تمتمت نعيمة بالرد تقبل وجنتها الناعمة فتتلمسها بأناملها مرددة :

- من ساعة ما خلصتي الإعدادي وكل الناس تقريبا بتكلمني عنك، اللي عايزك لولده واللي عايزاكي لاخوها، وانا طول الوقت بنكر واعمل نفسي مش شايفة، لكن الحقيقة كل يوم تظهر جدامي كيف عين الشمس ، بت جلبي كبرت وبجت احلى بنية في بر البلد كلها، تُسر العين وتشرح القلب

- يعني بجيت عروسة زينة صح ياما زي الناس ما شايفاني؟

تفوهت بها ليلى بعفوية ندمت عليها بعد ذلك فور أن انتبهت لملامح والدتها التي تبدلت لغضب مفاجيء تحذرها:

- انا جولت احلى بنية، انما عروسة دي بعيدة خالص، لسة جدامك سنين طويلة على ما تخلصي السنة الاخيرة في الثانوي وبعدها سنين الكلية ولو طلبت تعليم اكتر برضو مفيش مانع، لكن قبل كدة لا، كام مرة هنبه عليها، ولا انتي ناسية اننا رايحين دلوك نشوف نتيجة السنة، والله ما تكوني نازلة درجة عن السنة اللي فاتت لا تبجي بتي ولا اعرفك يا ليلى.

سمعت منها الاخيرة لتسارع في ترضيتها والتلطيف معها:

- لا والله ياما ما تجولي كدة، اهون عليكي برضو، دا انا حبيبتك ليلى اللي هتشرفك وترفع راسك جدام البلد بحالها، وهي الواحدة ليها ايه غير تعليمها ووظيفتها بعد كدة ان شاء الله؟ دا عهد وخدته على نفسي ياما .

عاد وجه مزيونة للإشراق مرة اخرى، وقد طمأنتها ابنتها بما تتمناه لها وتسير على خطاه، لتحتضنها متمتمة بالادعية ان يحدث ما تصبو إليه، لتبعدها بعد لحظات تلقي نظرة اخيرة على ما ترتديه من ملابس محتشمة زاهية تتمثل في دريس صيفي واسع وحجاب كبير غطى نصف صدر الفستان بلونه الزهري لينعكس على وجهها فاظهر تورد وجنتيها الطبيعي دون مساحيق على بشرتها الخمرية تزيد من فتنتها وتضاعف من خوف مزيونة لتتبع بالآيات الحافظة لها من أعين الحاسدين، حتى إذا انتهت صدر التعقيب من ليلى:

- يعني عمالة تقري وتحاوطيني بالقرآن ومش واخدة بالك من نفسك، وأنت الناس بتفتكرك صاحبتي مش امي، دا انتي احلى مني يا مزيونة، ليه مش حاسة بنفسك؟

ابتسامة باهته احتلت محياها في استجابة ضعيفة لتصريح ابنتها عن شي فقدت معناه منذ انجابها لها، شيء أصبح التذكير به يؤلمها لفرط ما جرحت كرامتها به!

- انت هاتفضلي بصالي كدة كتير يامّا؟ يا ست الحبايب اليوم هيروح مننا

هتفت بها ليلى لتنتشلها بمرحها من شرود يرهقها، فتواصل بتفكه:

- واعملي حسابك تتجلي جيبك عشان أن شاء الله لو النتيجة كانت عالية عمي بيومي الفراش ولا زملاته ما حد فيهم هيعتقك قبل ما ياخدو الحلاوة

قالتها مزيونة لتخرج حافظتها النقدية، فتخرج مجموعة من الاوراق المالية تلوح بها امامها:

- دا انا على كدة احمد ربنا ان خالك عدى عليا امبارح واداني ايجار الزرعة طازة، قبل ما اتصرفلك فيهم، ساعتها بجى مكنتيش هتلاقي غير صفا ، تروحي تقنعيها تكلم ابوكي يديكي .

هللت ليلى بلهفة برؤية النقود، معقبة على ذكر صفا بسخط:

- ربنا ما يعوزني ليها الله جاتها ضربة في كرشها الكبير دي كمان، دي عليها شوية تجل دم يامّا تقوليش سم، اعوذ بالله ، انا مش عارفة ابويا حاببها على إيه بس ؟

- عشان هو كمان دمه تقيل ياعين امك، مش بيقولك الطيور على اشكالها تقع .

ابتسمت ليلى بشقاوة وهي تتناول مجموعة من النقود داخل حقيبتها متمتمة:

- طيور ايه بس يامّا؟ دا ابويا كيف الحيطة وصفا كيف الباب، انهي طيور اللي تبقى بالوزن ده .

استطاعت بطرفاتها ان تؤثر بوالدتها التي صدحت ضحكتها النادرة ، تقهقه من قلبها، فتتمنى الصغيرة لو استطاعت ان ترسم الابتسامة دائما على وجهها وقد شبع منها الحزن وشبعت منه، لتشاركها الضحك هي الأخرى حتى تحركتا متخذين طريقهما نحو الخروج والذهاب إلى المدرسة لاستطلاع نتيجة امتحان الصف الثاني لها في الدراسة

داخل منزل حماد القناوي، في الطرف الاخر من القرية، والذي يتكون من مبنى كبير يتسع لجميع أفراد العائلة بعدد من الشقق لكل فرد وأسرته، ولكن يجمعهم الترابط في كل شيء الطعام والعمل وكافة الشئون الحياتية، بتنظيم مدبر من السيدة الكبرى الحاجة حسنية زوجة الرجل صاحب المنزل الذي توفاه الله وتكفلت هي بإكمال رسالته ، يساعدها ابنها حمزة اكبرهم في تدبير الشئون معها، والذي كان في هذا الوقت داخل الساحة الخارجية الشاسعة، حيث تدريب الصغار من أبناء اخوته وولده الوحيد على ركوب الخيل بمساعدة عمهم معاذ اصغر اشقائه، والعضو الأقرب إلى قلب الكبير.

- شد ضهرك زين يا واد، وجمد جلبك الحصان ميحبش اللي يخاف منه.

- حاضر يا عم بس انت متزعجش عشان بيخاف من صوتك انت كمان .

قالها الصغير الذي يمتطي الفرس ويسير به بروية تنفيذا لتعليمات معاذ الذي صدحت ضحكته ردًا عليه، فعلق من خلفهم حمزة الذي شاركهم المرح هو الآخر:

- جدع يا ريان متستكلوش، وخليه يشوف شطارتك، عشان ميظنش انه هو بس اللي خيال في البيت ده.

- وه عاد، كدة الواد هيصدق نفسه يا عم حمزة

تمتم بها معاذ يسبق الصغير ريان والذي جاء رده بتفاخر:

- بكرة ابجى خيال أمهر منك كمان ، حتى بص الحصان ماشي معايا كيف.

صدرت من معاذ ليتركه بالفعل بعد ان اطمأن من جاهزية الفتى للاعتماد على نفسه، وعاد يتخذ مقعده بجوار شقيقه الذي كان يرتشف الشاي أسفل إحدى الأشجار العالية في الفناء الضخم يتابعهم، والذي علق يستقبله

- أنا جولتلك من الاول ما تخافش عليه وسيبه ياخد ع الحصان والحصان ياخد عليه.

- بس انا مش خايف عليه انا خايف ع الحصان

قالها معاذ بمناكفة اضحكت شقيقه الأكبر، والذي لوح بغصن اخضر من الشجرة كان قد تم قطعه سابقًا، يدعي انه سيضربه:

- هتتشقلب يا شيخ معاذ على اخوك الكبير وولده، شكلك عايز ظبط وربط من بتوع زمان ولا فاكر نفسك كبرت ياض عشان بجيت مهندس ولا إيه؟

- لهو انا أجدر برضو اغلط في الكبير ولا واد الكبير، السماح يا كبيرنا السماح .

توقف حمزة عن محاولاته والضحك، ليتنبه بعد ذلك حينما ارتفعت ابصاره لأعلى نحو الشرفة الكبيرة للمنزل حيث مجلس والدته مع بعض شقيقاته، وزوجة شقيقهما الثالث، وقد بدأ انهن يتابعن ما يحدث،

- عاجبك كدة، اخواتك البنات ومرة اخوك هيمسكوا عليها سنة كاملة دي.

عقب بها معاذ يدعي استياءًا جعل شقيقه يعود لمشاكسته بتسلية:

- ايوة عشان يعرفوا ان انت مهما كبرت برضو هتفضل جلوعة العيلة، وأصغر واحد اهزقه براحتي.

- تاني يا عم جلوعة، باين الحكاية دي محدش شايفها

غيرك يا كبير، اصل امك رايحة جاية تلمحلي عن بنت عمك، شكل مرات اخوك اقنعتها بما اني خلصت الكلية خلاص، وبما ان شجتي جاهزة للجواز على طول.

تمتم بها حمزة يناظره باهتمام شديد وقد اثار فضوله :

- طب وانت رأيك ايه؟ ليك غرض لبت عمك ولا عينك على غيرها ؟

- يا سيدي لا عليها ولا على غيرها، هو انا لسة خدت نفسي من الدراسة اصلا، ادخل في حوار جواز ووقعة كبيرة ما يعلم بيها غير ربنا كدة دوغري

توقف يلحق الحصان يوقفه، لينزل ريان من فوق ظهره، ثم يأخذ مكانه ويعتليه، فيتابع :

- انا لسة جدامي كتير يا واد ابوي، حاجات بالهبل عايز انفذها، اقل حاجة فيهم الوظيفة اللي لازم امسكها وأسس نفسي وبعدها افكر في الجواز، استعجل ليه انا على المسؤلية والهم، عن اذنك بجى.

تبسم حمزة يطالعه باعجاب وهو يتحرك للابتعاد وقد اللجمه على المجادلة، فلم يملك سوى سؤاله:

- طب وانت رايح فين دلوك بالحصان؟

- هروح اللف شوية في البلد واشوف الزرعة، ويمكن اعدي على صحابي، بس ان شاء الله اجي بدري.

ردد بها حمزة من خلفه، ليهديه ابتسامة قبل أن يهرول مبتعد بفرسه نحو وجهته، فعاد لابنه ذو السبع سنوات وقد وجد ضالته في اللعب بالكرة مع أبناء عمومته، ليطالعه بحسرة، لأنه الوحيد بين اقرانه الذي لا يملك ام أو اشقاء، نظرا لظروف طلاقه من والدته منذ سنوات بعد تجربة فاشلة، أثارت في قلبه عقد عطلته حتى الآن للعثور على البديلة التي تصلح لتربية طفل وملء عقله كرجل، فربما قد تجد بعد ذلك مكانا بالقلب.

عودة إلى مزيونة التي دلفت منزلها بصحبة ابنتها وفمها لا يتوقف عن إطلاق الزغاريد، فرحًا وابتهاجًا بالمجموع الكبير الذي حصلت عليه عزيزتها، مما يعزز فرصتها في العام التالي لتحقيق غايتها بنتيجة تمكنها باللحاق بواحدة من الجامعات الكبرى، كي تؤسس لها مستقبل يضمن لها حياة كريمة بعيدا عن المصير البائس الذي حل بها هي بزواجها المبكر.

ولج خلفها الجيران والأحباب يشاركنها الفرحة بالتهاني والمباركات

- يا الف مبروك يا مزيونة، ربنا يباركلك فيها وتبجى اعلى الناس،

- ايوة يا بت يا ليلى شدي حيلك خلينا نفتخر بيكي، كفاية تطلع واحدة من البلد بدل ما كلنا موكوسين

قالتها احداهن لتصدح الضحكات من البقية فيأتي رد مزيونة التي كانت فرحتها تصل لعنان السماء.

- يبارك فيكم يا حبايب يا غاليين، منحرمش منكم ولا من دخلتكم عليا ، ربنا يفرحكم بعيالكم انتو كمان وادعولنا تكمل معانا على خير

- ان شاء الله يا مزيونة بس احنا عايزين حلاوتنا.

- حلاوة وبس، دا انا هفرق النهاردة شربات من الغالي، لازم الكل يشرب حلاوة النجاح، نجاح البرنسيسة ليلى

قالت الأخيرة بغبطة جعلتها تحتضن الأخيرة والتي تمثل فرحها الحقيقي ليس بالمجموع الكبير ولا بالنتيجة التي حققتها بعد اجتهاد، وإنما هو تلك السعادة التي تجلت بوضوح بوجه مزيونة الحزينة الدائما، وقد أشرقت الآن وكأنها فتاة في مثل عمرها ولم تتزوج من الأساس.

وصلت أصوات الضجيج في الطابق الأعلى إلى الزوجة الثانية صفا وقد عرفت من ابنها الصغير عن سبب الصخب الدائر في الأسفل بعد عودة مزيونة وابنتها من الخارج، وقد أتى إليها بكل الحديث الذي سمعه من النساء في الأسفل، لتزداد ابتسامتها اتساعًا وتسلية ، يقتلها الشوق لمعرفة رد فعلها حين تعلم بما يدبره زوجها بغفلة منها، لذا عليها التروي وعدم الاستعجال

وبالفعل صبرت صفا حتى خفت اقدام المهنئين والمباركين قبل أن تنزل إليها، فوجدتها كما توقعت، تلملم الأثاث كي تنظف المنزل من فوضى توزيع المشروبات وحلوى النجاح على المهنئين داخل المنزل وخارجه، وكل المنازل القريبة منهم.

قالتها بعد ان وقفت في نصف الدرج، لترفع الاَخيرة ابصارها إليها فتراها من اعلى بهيئتها المقصودة، والتي تتفنن بها دائما، كي تذكرها بالفرق القاسم بينهما.

هي وقد كانت ترتدي مئزر محتشم إلى حد ما، لكنه لا يخفي المنامة الصاخبة بلونها الاحمر في الأسفل من تلك الفتحة الكبيرة الجانبية، شعرها المطلوق للخلف وحول جانبي وجهها،، وألوان مساحيق عديدة تغطي البشرى المكتنزة وتلك العلكة التي أصبحت سمة اساسية بها، كلما تكلمت وخاطبت تلك المسكينة التي لم تخلع عنها الملابس السوداء منذ وفاة والدها منذ خمس سنين مضت، وما فائدة الألوان ان كان القلب مشبعا بالحزن.

هذا وبرغم الفرق الواضح في العمر بينهما فصفا تزيد عنها بست سنوات ولكنها نالت الدلال والحظ الاوفر اما هي فقط كتب عليها الشقاء منذ زواجها بعرفان الأشقر.

- الله يبارك فيكي يا صفا....... عقبال ولادك.

سمعت منها المذكورة لتكمل النزول بخطوات بطيئة قائلة:

- لا انا عارفة ولادي يا حبيبتي آخرهم اعدادية اذا وصلولها كمان، ويعني لو كملوا هياخدوا ايه؟ كفاية عليهم بس يفكوا الخط ويساعدوا ابوهم في تجارته، هو مش عايز اكتر من كدة، بلا تعليم ولا وجع دماغ.

كظمت مزيونة غضبها بصعوبة، فهي الاعلم بقصد هذه الافعي في تعكير صفو فرحتها بابنتها، ولكن لن تدعها تنال منها:

- عندك حق، هما آخرهم يساعدوا ابوهم، وبعدها يفتخروا باختهم أن شاء الله، حكم دي دونا عن عيال عرفان بتحب التعليم زي أمها.

ضحكة قميئة تجلت السخرية بها بوضوح صدرت من صفا تعلق على كلماتها :

- على رأيك، بتحب التعليم زيك، انا بجى عيالي بيحبوا الفلوس والدلع زي امهم، البت تتجوز عشان تتهنن والواد يمسك مع ابوه تجارته، كل واحد بيورث حظ امه

هكذا وفي في كل مرة تلقي بكلماتها السامة بالتقليل منها ومن اي شيء يسعدها في إصرار متعمد بإدخال الحسرة في قلب مزيونة، وتذكيرها بمكانتها عند عرفان، حتى لا تظن في يوما ما أن فرق السنوات بينهما او جمالها الواضح للعيان قادر ان يجعلها تتفوق عليها او تأخذ مكانها في قلب الرجل الذي استطاعت ان تستحوز عليه بمكرها ومؤمرات نجحت فيها ومازالت تفعلها حتى الآن.

بابتسامة كاشفة تطلعت إليها مزيونة ترد لها الصاع بقولها:

- طبعا من رأيك، كل واحد بيورث عقل امه، ان كان تخين وغبي ولا زكي وشاطر ، ولا تافه واهبل مينظرش غير تحت اجدامه، وانا بشكر ربنا فى كل صلاة ان بتي ربنا كملها من كله، حلاوة مفيش بنت في البلد زيها وعقل امها اللي كل الناس تشهد بيه

اجادت مزيونة قصف جبهتها لتعكر من مرحها ، فجاء ردها بابتسامة صفراء خط بها فمها تغير دفة الحديث نحو الجهة التي تريدها:

- ربنا يخليهالك، هي فينها بجى عشان اسلم عليها واباركلها، دا انا فرحتلها جوووي.

جارتها مزيونة في الرد لتعرف اخر الحديث:

- طلعت يا صفا مع صاحبتها هدى، هتجعد معاها شوية وبعدها تطل على بيت خالها قبل ما تاجي هنا ، انزلي تاني بعد شوية تكون رجعت لو مصرة لسة تباركيلها بنفسك .

- اممم يعني على كدة مش جاعدة، خسارة كنت عايزة اباركلها بنفسي، بس برضو هي لازمن تخف حركتها شوية وترسى على حيلها، هي معدتش صغيرة، على العموم انا جيت ابلغك يا نعيمة تعملي حسابك حريم بيت العيسوي احتمال يجو على البيت النهاردة ولا بكرة، متنسيش تعملي حسابك

- اعمل حسابي في ايه بالظبط؟ وحريم العيسوي جاين البيت ليه اصلا؟

جاء التساؤل من مزيونة بنبرة لا تخلو من الدهشة والانفعال، فقابلت ردها الأخرى بمكر تدعي عدم الفهم:

- وانا اش عرفني بجى، ثم ما يجو الحريم يا مزيونة واحنا هنبخل نضايفهم؟ من امتى كنت بخيلة يا نعيمة؟

- وايه دخل البخل في سؤالي، انا بسأل على غرض الزيارة، جايين ليه؟

كالحية المتلونة جاءت إجابة صفا بابتسامة ماكرة:

- وه يا مزيونة، وانا اش عرفني، جوزك جالي ابلغك واديني عملت اللي عليا، اسيبك بجى

رددت بها مزيونة من خلفها بسخرية قاتمة، تتبعها بعيناها وهي تصعد أمامها الدرج الذي نزلته منذ قليل، تتغنج بخطواتها عن قصد لم تعد هي تعطي له بالا، لكثرة ما رأت هذا المشهد طوال السنوات التي مرت عليها داخل هذا المنزل ، في عصمة زوج لم يعد يعنيها بشيء، صفتها متزوجة منه، وفي حقيقة الأمر هي امرأة عزباء تجاهد في الحياة من اجل ابنتها وفقط، ولا اي شيء اخر، ولكن لما ينتابها القلق الآن من بعد حديثها؟ وما سر تبليغها بهذا الأمر، وهي من الأساس بعيدة كل البعد عن كل ما يخص أمور العمل وما يتعلق به من اشياء اخرى، يُقدم الأخرى في كل شيء وهي موضعها الهامش وقد ارتضت به موقعا، مدامت بعيدة عن يده وتتقي شره، ترجو الا يفعل شيء يعيدها لنقطة البداية وما يتخللها من مأسي مازالت محفورة برأسها.

قضت نصف النهار مع صديقتها الأقرب ، كما انها تناولت وجبة الغداء عند خالها الوحيد وصفي وابناءه، بعد أن اخذت الإذن من والدتها التي سمحت لها اليوم لفعل ما تشاء حتى تفرحها، كما أدخلت هي السعادة بقلبها، بالنجاح الباهر في الصف الثاني الثانوي، قاطعة نصف الطريق في اتجاه غرضها الأساسي في الالتحاق بالجامعة التي تتمناها.

جاء الآن وقت العودة ولكنها لم تنسى تعليمات مزيونة بالذهاب إلى منزل جدها القديم، كي تطل على برج الحمام المتواضع بداخله والذي يبلغ بناءه من عمر المنزل بعشرات السنين ليظل شاهدا على عظمة البناء رغم انه طيني ومتشقق نتيجة عوامل الزمن التي تركت أثرها به، ولكنه عفي كما تصنفه مزيونة

اطعمت الحبوب للطيور ثم قامت بتنظيف اعشاشها من المخلفات العضوية والتي يتم جمعها داخل اشولة للاستخدام بعد ذلك لاغراض تخصها.

حينما انهت كل شيء خرجت إلى الساحة المؤدية نحو الزرعات لتغتسل من مجرى المياه القريب ، مستغلة خلو المنطقة من البشر في هذا الوقت من المغرب، وقد ذهب المزارعين والعمال إلى منازلهم .

وفي الناحية الأخرى كان هو في طريق عودته إلى منزل عائلته بعد قضاءه وقتًا لا بأس به مع اصدقائه، وباقي اليوم تريض بحصانه داخل الحقول الزراعيه من أملاك عائلته ، حتى شعر بتعب الحصان وحاجته للشرب، ليتوقف بالقرب من المجرى المائي الذي يعرفه في هذه المنطقة، وتتسمر قدميه نحو اجمل صورة تلتقطها عينيه، حتى كاد أن يكذب ابصاره لروعة ما يرى

بدأت تسير بكفيها المبللة بالمياه على سائر الخصلات المبعثرة من شعرها الغجري الزاهي بلونه العسلي والتي انعكست عليها أشعة الشمس لتزيده سحرًا.

غافلة عن ذلك المتجمد محله منذ آن نزل عن حصانه وتوقف بالقرب منها، بغرض ان يسقيه من ذلك المجرى المائي، ليدهش بتلك الحورية، وثوبها الزاهي برسوم الزهور المنتشرة على انحائه.

لم يكن ابدا من المتربصين بالفتيات الجميلات او حتى تتبعهم وتعمد النظر اليهم، لكن في مثل تلك الحالة كيف يجد القدرة لأن يتغاضى او يتجاهل؟ يراقبها الآن وهي تعبأ الكفتين الصغيرتين بالمياه تدفعها على بشرتها مرة واثنان وثلاثة، ثم تجففها بطرف شالها الناعم والذي وضعته على رأسها بعد ذلك لتلتف فجأة؛ فتتقابل عينيه بوجه البدر

ذلك الوجه المستدير وتلك الملامح الفاتنة، بلون العيون المشابه للون الشعر ، حتى ذكرته بتلك الفناتة الشهيرة في صغرها

لم يكمل الاسم وقد تفاجأ بها تهدر به موبخة بعد ان تحولت تعابيرها من الإجفال برؤيته إلى الغضب الشديد:

- انت مين؟ وايه اللي موجفك في وشي كدة تسد عني الطريج.

استدرك لخطأه بالفعل، فتحرك بحصانه يبتعد به للخلف مرددًا باعتذار:

- اسف والله، انا كان غرضي بس اسجي الحصان واتفاجأت......

قاطعته بها بحدة، لتتحرك وتتخطاه ذاهبة نحو وجهتها، فتركزت ابصاره تتبعها وهي تغمغم بحنق يحق لها:

- واجف زي التيس سادد الطريج في وشي، جال ويندهلي بإسمي، وعايز يشرح ويحكي، جلة حيا.

تمتم بها بخجل من نفسه، يعطيها الحق في سبته وشتمه ايضًا فهذا الفعل لم يكن ابدا من اخلاقه، ولكن....

توقف فجأة وتوسعت عينيه باستدارك لباقي عبارتها، مرددًا:

تابعها بعيناه وهي تختفي من أمامه ذاهبة نحو وجهتها، وشيء ما داخله يحثه على الذهاب خلفها ولكنه يخشى رد فعلها بعد نعته منذ قليل بالتيس، ربما المرة القادمة يتحول السباب إلى عرض مجاني للجمهور من اهل البلدة، ولكن لما هذا الخفقان القوي من ذلك الصغير بصدره؟ كيف لطيف امرأة ان يفعل الأفاعيل برجل مثله؟ وهو الذي يتخذ الاخلاق الكريمة منهجه ويغض البصر عن جميع النساء إلا عن هذه الفتاة، وكأنها طاقة من السحر قد أسر داخلها

صهل الحصان بقوة ليفيقه من غمرة الشرود الذي لفه لينتفض مستدركًا حجم جرمه، معبرا له عن اسفه:

- وه، دا انا نسيت ان احنا جايين هنا ليه؟ سامحني يا عزوز ، دلوك اخليك تشرب وترتوي.

قالها ليقوم بسحبه باتجاه المجرى ينفض رأسه من أفكارها الحمقاء مغمغًا بحديث نفسه فور أن انقض فرسه على الماء يرتشف منه بعطش:

- دا انت شكلك عطشان جوي يا جزين، معلش بجى اعذر صاحبك المرة دي، واوعدك ان مش هتكرر تأتي، احنا من امتى اصلا بنبص على الحريم، ودول ميجيش من وراهم غير الهم و...........

قطع جملته فور أن وقعت عينيه على ذلك الشيء، أسفل قدميه، ذلك المتلصق بالأرض الطينية المبتلة، دنا يرفعه إليه يستكشفه، وقد بدأ واضحًا في كفه، اسورة نسائية قديمة من الذهب المثقل، صغيرة الحجم لكنها رائعة التصميم، بها نقش صغير جدا لكلمة، لا بل........

ارتسمت فجأة ابتسامة كبيرة بثغره مغمغمًا بالأسم الذي استكشفه بعد تأمل دقيق:

- ليلى! يعني كمان زيادة تأكيد بأسمها، هي ايه حكايتك معايا بالظبط يا ست ليلى؟

عاد إلى المنزل بعد انتهاء جولته داخل البلدة بتلك الخاتمة الغريبة، والتي مازالت عالقة بذهنه حتى الآن، يده تتحسس الاسورة داخل جيب جلبابه كل دقيقة ، وعقله يشرد بصاحبة العيون الجميلة والجدائل الغجرية المتمردة ، حتى انفعالها به ونعتها بالتيس.

- وه دا الشيخ معاذ وصل اخيرا كمان يا ولاد، سقفولوا انه ما بيتش في الزرعة ولا هو راكب ع الحصان.

صدرت الكلمات من والدته التي كانت تجلس بصحن الدار تستقبله بسخريتها، مما جعله يبتسم مقابلا تهكمها بالضحكات مشاركا مرح الاطفال الذين التفو حوله بالتهليل وكأنها قالت مزحة اسعدتهم:

- الله يجازيكي يامة، وصلت كمان للنومة ع الحصان

قالها يقبل الأطفال قبل ان يصرفهم بلطف ويحل محلهم جوارها مشاكسًا:

- ست الحبايب شكلها رايقة وعندها غاية تتمقلت عليا .

- لا يا غالي مش بتمقلت، بس انت حالك صح ما يعجبش حد، خلصت كليتك وفضيت للسرمحة، طب حتى فضي وقت لأمك ولا الجعدة مع اخواتك، طول اليوم يا مع صحابك، يا ع الحصان بتلف ع البلد.

قابل معاذ انتقادها بروية ولطف يهادنها :

- مع ان الكلام في شوية من المبالغة، لكن ماشي يا ست الكل، انا يمكن صح مجصر معاكم من ساعة ما خدت الاجازة، بس انتي لازم تعذريني ياما، انا بجالي شهور في الدراسة وحرق الدم، ما صدقت ارجع البلد وانسى أسيوط والجامعة والدنيا كلها لأجل ما اعيشلي يومين وانطلق على حصاني زي ما بتقولي ولا مع اصحابي، المهم اصفي عقلي من المسؤوليات، ما هي اصلا جاية جاية، فيها ايه بجى لما اعيش الاجازة بكيفي.

زامت حسنية بفمها تدعي تفهمًا، ثم تتابع ويدها تتلاعب بحبات المسبحة التي لا تتركها إلا للضرورة:

- وعلى كدة بجى اجازتك دي هتطول ولا ناوي تجصر وتفضى للكلام اللي فتحناه قبل سابق.

- اي موضوع ياما انا مش فاكر والله

- موضوع الجواز يخرب مطنك، خلاص مخك جفل ضبة ومفتاح عن الفهم.

قالتها بعصبية جعلته ينفجر من الضحك حتى استفزها لينعقد حاجبيها بضجر واضح، مما أجبره على التوقف لينهض من جوارها منهيًا النقاش من اوله، قبل أن تبدأ في الضغط على عاطفته كي يزعن لرغبتها وينفذ ما تأمره به في أمر يخصه وحده، ولا يحق لأحد التدخل في اختياره:

- ربنا يسهل يا ست الكل ويعدلها من عنده.

تبعته سائلة وهي تتابعه بعيناها ينصرف من أمامها نحو الدرج يصعده بخطوات متسرعة

- يعني ايه مفهمتش، كدة جصدك ايوة ولا لاه؟

- لا ايوة ولا لاه، انا عايز اروح انام ياما، انااااام

غمغمت بها تمصمص بشفتيها مرة اخرى، فلم يريحها بالهروب كعادته، لتفاجأ بمن سقطت بثقلها على الاريكة تجاورها، وقد كانت زوجة ابنها الأوسط خليفة، تسألها بفضول:

- ها يا عمتي، خلاص وافق على اسراء يخطبها، ولا برضك اجل زي المرة اللي فاتت.

اجابتها بثقة نابعة من شخصيتها القوية:

- حتى لو هرب زي كل مرة، برضو هيرضى ويوافق في الاخر، انا محدش من عيالي طلع عن طوعي وطلع كسبان يا هالة.

تبسمت الأخيرة لتضيف على قولها بتأكيد:

- ايوة طبعًا، ما هو جدامه حمزة خير دليل، لما جرب وطلع عن العيلة، في الآخر بجى عايش مع ولده لوحده بعد ما طلق بنت البندر، ايوة أمال ايه؟ احنا بناتنا يشهد على جمالهم الكفر كله، وإسراء اختي احلى البنات كلها كمان.

رواية لاجلها الفصل الثاني

بنشاط اعتادت عليها، استيقظت مبكرا تسقي أشجار التين والعنب وبعض الخضروات الموسمية التي زرعتها حذيثًا في تلك الحديقة الصغيرة التي تعتبرها جنتها ومتنفسها، بعيدا عن ذلك المنزل الخانق، الذي لا يربطها به سوى ابنتها حبيبتها، هي التي تضع عليها الآمال وتتحمل من أجلها كل شيء ، عرفان القاسي وضرتها الماكرة صاحبة سجل طويل من المؤامرات التي حاكتها لها من وقت ان وطأت اقدامها ذلك المنزل.اغلقت صنبور المياه تطوي خرطوم الري، حتى تضعه في جانب أسفل إحدى الشجيرات، ثم تناولت حزمتي البقدونس والجرير التي قطعتهم من الأرض قبل أن تسقيها لتدخل بهم المنزل تستنشق رائحتهم القوية داخل صدرها فتزداد انتعاشًا.وضعتهم على مائدة السفرة الفارغة في هذا الوقت والتي تتوسط المدخل، متجهة إلى غرفة ابنتها تنوي ايقاظها، وكانت المفاجأة حينما وجدتها جالسة على جانب الفراش بوضع لم تعتاد عليه ابدا منها- وه، من الساعة سبعة الصبح الأميرة ليلى صاحية يا ولاد، دي مبتحصلش حتى في عز امتحاناتها.ابتسامة خفيفة ارتسمت بثغر ليلى، تجاري والدتها المزاح حتى تخفي توترها:- واهي حصلت يا ست الكل، تفرحي ببتك بجى ولا تحرضيني عشان ارجع انام تاني، انا على تكة اصلا .- لا يا ختي وعلى ايه، جومي ياللا اغلسي وشك وصلي عبال ما احضر انا الفطار ، خلينا ناخد اليوم من اوله، ياللا جومي.قالتها وما ان همت بالخروج حتى اوقفتها ليلى بالنداء :- ما انا كنت عايزة اروح بيت جدي النهاردة .قطبت مزيونة تسألها:- تروحي ليه؟ ما انتي كنتي امبارح هناك.بابتسامة اجادتها ردت ليلى:- ما انااا شكلي نسيت اغير مية الشرب من قدام الحمام، معرفش عقلي كان فين؟ راعيت انضف العشش تحتيهم، ونسيت ان الميا نفسها كانت معكرة.طقطقت مزيونة بفمها صوت استياءًا، تستنكر فعلها:- وه، معكرة يا ليلى وسبتيها، حرام عليكي يا بتي، دي بجالها اسبوع اصلا، انتي تخلصي فطار وتخطفي رجلك عليهم وتاجي بسرعة، مش عايزة كلام وحديت من مرة ابوكيعبست ليلى رغم راحتها بموافقة والدتها للخروج لتغمغم في أثرها فور أن تحركت ذاهبة من أمامها:- ضربة في كرشها، مالها هي اطلع ولا ادخل، كانت ابويا ولا كانت امي.- تكون زي ما تكون مش عايزين رط ولا وجع دماغ يا ليلى.تمتمت بالكلمات مزيونة من خارج الغرفة لتصل إلى ابنتها القلقلة من الأساس، لتتذكر تلك الاسورة التي كانت تزين رسغ يدها منذ الأمس، ولكنها استيقظت مبكرا على اختفائها بعدما غفلت عن الانتباه ولم تدرى متى فقدتها، لينتفض عقلها من ثباته ويجعلها تعي على هفوتها في وقت راحتها، فتحدث نفسها الان بحيرة:- يا ترى راحت فين بس يا ربي؟ انا مش كد زعل امي، دي أغلى هدية جابتهالها في عز حوجتها.❈-❈-❈في منزل حماد القناويكانت الأسرة مجتمعة بأكملها تقريبا على مائدة الطعام في تناول وجبة الإفطار، تترأس الطاولة الحاجة حسنية ، وبجوارها من الناحية اليمنى حمزة ابنها الأكبر، ومن الناحية الأخرى خليفة ابنها الأوسط وزوجته، ثم باقي المقاعد للاطفال من ابناءهم او أبناء شقيقاتهمفلا ينقصها إلا الابن الأصغر معاذ، وقد اعتاد الجميع غيابه نظرا لظروف سفره الدائمة في الدراسة او تأخره في النوم ايضا، لكنه اليوم فاجأهم بحضوره على غير العادة مما اجبر الجميع للتوقف عن الطعام، والتطلع إليه فور أن طل أمامهم بهيئته المتأنقة، ليقابل فعلهم بالضحكات ساخرا:- ايه يا جدعان في ايه؟ شوفتو حاجة غرببة؟- ما غريب إلا الشيطان، هما بس متفاجئين يا غالي، دي من مدة طويلة معملتهاش وجومت فطرت معانا، ولا يكونش معاك مشوار؟كان هذا الرد من حمزة لتضيف عليه حسنية:- لا هو اكيد معاه مشوار، مش شايفه لابس الحتة اللي ع الحبل.تدخل خليفة ايضا يشاركهم الترجيح:- اه والله ياما، مش محتاجة فراسة، المهم بجى السؤال ، مشوار ايه ده بالظبط اللي صاحيله بدري ولابسله الجلبية؟تمتم معاذ يقترب من الطعام فيتناول بعض اللقيمات واقفا دون ان يجلس كالبقية:- وه يا خليفة حتى انت كمان بتسأل؟ هي النضافة والنشاط كانوا حاجة جديدة عليا يعني ولا ايه بس يا جدعان؟ دا العادي بتاعي على فكرة، دا انتو كمان ماشوفتونيش في السكن الجامعي، بطبخ وبنشر واكوي هدومي مع الزملاء، دول يفضحوني لو ما كنتش ايدي في ايدهم،...... ايوة أمال ايه؟ ما هو هناك محدش احسن من حدكان يردف كلماته بتقطع نظرا لامتلاء فمه، مما أجبر حمزة ان يزجره صائحًا:- طب كل لجمتك وانت جاعد، متخليش العيال تقلدك يا معاذسمع منه لينفص كفيه منهيًا طعامه:- لا خلاص يا عم لا يقلدوني ولا اقلدهم، انا اساسا شبعت ويدوب اللحق مشواري مع اصحابي، عن اذنكم.هم ان يذهب وفور أن تحركت قدميه ليستدير صاحت به حسنية:- طب مش هتقول رايح فين الأول يا واد؟- ياما بجولك مشوار مع اصحابي، سلام بجىتمتم كلماته متوجها نحو الخروج دون انتظار، لتغمغم في أثره هاله هامسة لزوجها بصوت بالكاد يصل لأذنه:- يا خوفي ليكون المشوار ده وراه حريم .توقف خليفة عن مضغ طعامه، والتفت رأسه نحوها بعبوس يأمرها بصوت خفيض هو الاخر:- حطي همك في وكلك يا هالة، وبلاش تشغلي مخك بحد، كُلي ووكلي عيالك، ربنا يهديكي.❈-❈-❈بقطعة قماش كانت مزيونة تمر على الأثاث تمسحه وتنظفه من الأوساخ، فداء النظافة مستفحل بها لأقصى درجة.مرت على الصالون ومائدة السفرة فلم يتبقى سوى المرآة والتي كانت تضغط عليها بدقة رغم نظافتها من الأساس، حتى اضاءت بلمعة اسعدتها جعلتها تتبسم براحة وهي تطالع الصورة بها، فانتبهت على انعكاس وجهها به، فخبئت ابتسامتهاتتذكر ملامحها التي قاربت على نسيانها من كثرة الأهمال، وكأنها تنظر إلى مرأة لا تعلمها؛ وجه اهلكته الهموم وسرقت منه حيويته، امرأة بائسة، وليست تلك المدللة كما كانت في بيت ابيها قديمًا، والتي كانت ممتلئة حياتها بالمرح واحلام الفتيات الوردية في العيش مع فارس الاحلام وحياة سعيدة، بعد ان حُرم عليها حلم اكمال تعليمها بحكم العادات القديمة المتحكمة في القرية بزواج الفتيات صغيرات، وترك التعليم.نظرت جيدًا لوجهها الباهت من كل مظاهر الحياة، فهى دائما ماتبدوا حزينة وذلك لما عاشته ورأته فى حياتها ، بعد تلك الحادثة في ولادة ابنتها التي افقدتها الجزء القاسم في أنوثتها، حتى جعلها ناقصة امام زوجها القاسي والذي لم يحتمل او يصطبر عليها، فأتى بالزوجة الثانية لكي تذيقها الامرينمتسلطة وخبيثة، ومع انحياز عرفان لها كانت تفعل كل شيء من اجل كسرها، حتى اطفأتها من الداخل وافقدها ثقتها بنفسها، فكلما حدثت مواجهة او شجار بينهما يتحول لصالحها مهما كانت مخطئة، مدامت تجد دائما من يساندها، وأن اعترضت هي او اشتكت تُعاير بذلك الشيء الذي انقصها عن جميع النساءمسحت مزيونة دمعتها الغادرة، بعدما أتت برأسها كل الذكريات السيئة، لتبتعد بوجهها عن المرآة تلك التي جلبت عليها المواجع بمجرد ان نظرت بها ورأت وجهها الذي كان يتغنى بجماله معظم من يعرفها ،ألقت بالقماشة ارضا تهم الذهاب إلى الحمام وغسل وجهها، يا ليتها تغسل همومها ايضا.......................بحثت في منزل جدها وفي اعشاش الحمام وفي كل ركن حتى أصابها التعب دون فائدة، لتواصل رحلتها حتى مكان المجرى المائي، تنظر اسفله وحوله ف جميع الاتجاهات محدثة نفسها:- راح فين دا بس؟ راح فين يا ربي؟- بتدوري على حاجة يا آنسة؟اتاها الصوت الرجولي من خلفها تلتف إليه مجفلة، ولكن وفور وقعت عينيها عليه، عبست ملامحها في الرد عليه دون اهتمام:- وانت مالك باللي بدور عليه؟ خليك في حالك .- حتى لو كان معايا اللي تايه عنكالتفت تطالعه بانتباه امتزج بريبة تسأله:- جصدك ايه؟ انت تعرف انا بدور على ايه؟لم تكد تنهي سؤالها حتى وجدته يرفع الأسورة نصب عينيها لتشهق بلهفة متوجهه نحوه ، لكن وفور أن اقتربت منه، رفع الاسورة للأعلى بعيدا عن متناول يدها، فبرقت عينيها بغضب نحوه:- انت هتهزر معايا إياك، اديني اسورتي يا جدع انت.- لا والله ما بهزر ، انا بس عايز اتأكد، هي بتاعتك ولا لاه، اصل يعني حضرتك جاية تسحبيها كدة من غير كلام، طب انا إيش ضمني انها تخصك؟خرجت منه الكلمات بمشاكسة لها، رغم الذهول العجيب الذي أصابه، وهو يرى مزيجُا من الشراسة والفتنة، جريئة وبرية لا تهاب احد، حتى وهي في منطقة خالية الان ولا يوجد معها سوى رجل غريب عنها- وعايزيني اثبتلك كيف ان شاءالله؟ ما انت شوفتني بنفسك وانا هنا امبارح وبغسل وشي، يعني اكيد لما جيت ورايا لجيتها، بدليل انك جاي النهاردة تجولي عليهارفع كف يده امامها ملوحًا"- ودا يثبتلك اني راجل امين وبدور على صاحبة الاسورة ، لكن دا مش معناه اني على يقين أنها بتاعتك،حضرتك دي اول مرة اشوفك، هو انا اعرفك بت مين انتي اساسًا ؟باستنكار احتل محياها تربعت بذراعيها تردد بسخرية :- شوف ازاي، يعني جنابك عايزني اجيبلك اسمي واسم اهلي كمان عشان تديني حاجتي .تبسم يميل برقبته نحوها قائلا:- اجل ما فيها، مش يمكن لما اعرف اسم ابوكي اعرفه من عيلة مين؟ وان هو كان راجل صالح ولا غير صالح، وبناءا عليه احدد تربية بنته.إلى هنا والتهبت عينيها ببريق خطر تهدر به:- اسمع اما اجولك، انا متربية احسن من مية زيك، واسورتي مش محتاجة إثبات، لأنها بتاعتي، ومعمولة مخصوص عشاني، يعني مفيش غيرها اساسًا .ولو روحت لأي صايغ هيقولك مش من عندي، الا عملناها عنده، هيخبرك انها بتاع فلانة الفلانية، ومكتوب عليها اسمي كمان ليلىتبسم باتساع حينما تفوهت بإسمها الذي علمه منذ الأمس بالقرائن، ليقبض عليه داخل كفه معقبا على قولها:- ياااه، لدرجادي انتي اهلك اغنيا يا ليلى، عشان يتعملك دهب مخصوص .رفعت اليه ذقنها بعزة لتتحدث عن شيء يزيدها فخرا كلما ذكرته:- انا ابويا غني صح، بس مش لدرجة يعملي دهب مخصوص عشان مخلف غيري، لكن عندي ام تعملي النجوم في عقد لو طالت، وتبقى أسد لو حد بس هوب ناحيتي بنص سنتي، زي ما هتعمل معاك لما اجولها انك سارق اسورتي.قالت الأخيرة بتهديد ووعيد، توهجت به عينيها الجميله أمامه بشر أثار بقلبه مرحًا جعله يطلق ضحكة مدوية:- انتي مفترية جوي يا ليلى، يعني مش كفاية لسانك طويل وبتشتمي على الفاضي والمليان، كمان عندك ضمير ميت تتهميني تهمة كبيرة زي دي عشان بس عايز اتأكد انها بتاعتك .- انا بس بقول كدة عشان اثبتبتلك اني حاجتي هاخدها يعني هاخدها، يعني الأحسن تديهاني بالزوق.يعجبه هذا التحدي بلهجتها، كما يعجبه لغة الاعتزاز بنفسها وبوالدتها، اخلاقه تأمره ان يعطيها اسورتها، ولكن قلبه يمنعه، ويجبره على المجادلة معها واقتناص الحجج من اجل بقاءها اكثر امام عينيه:- والله يا آنسة ليلى انا مش ممانع اديهالك ، يعني مفيش داعي للتهديد، بس بما انك دخلتيني في السكة دي، ممكن تفهميني هتعمليها ازاي لو انا مشيت دلوك بالاسورة وركبت الحصان على بيتنا، انتي تعرفي اصلا انا واد مين عشان تبعتي ورايا اللي يهددني ولا يشكمني.تلبكت لوهله تتخيل لو فعلها بحق، وذهب بالاسورة هذا الرجل، مين أين لها أن تأتي به وهي لا تعرفه من الأساس، اءن فالتخفف من حدتها:- انت مصمم تكبر الموضوع، ما تحط الاسورة جدام عينك وشوف الاسم المحفور داخلها، هكدب عليك ليه انا .- اممم عندك حق.تمتم بها بلؤم ليرفع الاسورة امام عينيه يدعي البحث عن الاسم بالفعل، رغم حفظه لكل نقوش الاسورة التي ظل ساهرا عليها طوال الليل.- ليلى .... ليلى... ل...... ايه ده؟صدرت الأخيرة منه بإجفال ناظرًا نحوها، بعدما باغتته بخطفها من بين انامله، لا يعلم كيف فعلتها بهذه الفرق الشاسع بينها وبينه في الطول، ولكن لما العجب؟ فالقطة الشرسة قادرة على فعل كل شيء- حضرتك الحركة دي مش حلوة خالص، انك تخطفيها من ايدي، كان لازم تديني فرصتي عشان اتأكدقبضت على الاسورة داخل كفها بانتصار تخاطبه بتحدي؛- حلوة ولا عفشة ميهمنيش عشان انا خدت حقي، ولا انت لسة شاكك انها تخصني، تقدر تسأل عني زين، انا بنت عرفان الاشقر، أسأل عن عيلة الأشقر ولا عيلة الاحرار، عيلة امي، مزيونة الحرة وابجى اشتكي براحتك عشان تبقى جيبت لنفسك الكلام.ختمت كلماتها وتحركت مغادرة من أمامه، لتتبعها عينيه بسعادة غامرة، بعد أن نال الحظ بالحديث معها ومشاكستها، ثم الختام بمعرفة هويتها ولقب عائلتها منها، لقد وفرت عليه نصف الطريق.❈-❈-❈بأنفاس لاهثة عادت ليلى الى المنزل، قابضة داخل كفها على الاسورة العزيزة التي وجدتها مع ذلك الشاب الغريب، لتنقذ الذكرى الأجمل لها مع والدتها، تلك التي تدفعها دائما للتقدم، وهي قد أقسمت الا تخيب رجاءها.ارتدتها مرة اخرى تزين رسغها، قبل أن تنادي والدتها بثقة:- امي انا جيت انتي فين؟جاءها الصوت من مسافة بعيد إلى حد ما بداخل الفناء الخلفي للمنزل:- انا هنا بوكل الطير يا ليلى، دقايق ورجعالكهمت ان تتحرك متوجهة نحوها ولكن منعها جرس المنزل الذى دوى فجأة، يرافقه بعض الأصوات الانثوية وكأنه حديث بين عدد من النساء، لتفاجأ ليلى فور أن قامت بفتح الباب بتلك الملعونة زوجة ابيها تقف امامها ومعها امرأتان لا تعلمهم ولم يسبق لها ان رأتهم سابقًا، يحدقن بها متفحصات بأعين متربصة كالصقور من راسها الى اخمص قدميها، ابتسمت صفا ابتسامة كبيرة بعرض وجهها الممتلئ وموده غير معهوده :- ازيك ياحبيبة جلبي، عاملة ايه النهاردرة؟بشيء من الذهول ردت تجيبها بضيق لا تخفيه:- اهلًا، انا زينة والحمد لله، هو انتِ عايزة حاجة؟تجاهلت صفا، تصطنع الابتسام امامها:- طب سلمي يا حبيبتي الأول على الناس الضيوف ولا انتِ هتتكسفي منهم ؟رغم عدم ارتياحها من الأمر، تقدمت ليلى نحو احداهنتمُد كفها للمصافحة بارتياب، فجذبتها المرأة الأولى تقبلها في وجنتيها عنوة حتى اثارت امتعاضها وهي تردد :-- اهلًا يا حبيبتى ما شاء الله عليكي اسم النبي حارسك وصاينك .قالتها المراة المتشبثة بليلى والتي فور ان نزعت نفسها عنها بصعوبة، وجدت الآخرى تجذبها ايضا، لتفعل نفس الشئ، بشكل زاد من استيائها خصوصًا وهي تشعر بيد المراة على اضلعها وكأنها تتبين حجم الدهون بها، تراجعت عنهم بخوف وهي لا تدري ما سر انقباض قلبها منهم؟ ومن هذه الزيارة الغريبة.بقلب وجل تراجعت للداخل حتى تناست الاصول وواجب الضيافة، تريد الهروب او الذهاب بعيدًا عن أعين هاتان المراتان المريبتان ومعهما صفا التي لم تكن زياتها ابدًا تبشر بالخير ولكنها فاجائتها مرة اخرى تتقدم ساحبة النساء داخل المنزل خلفها وهي تسألها بابتسامتها السمجة والمزعجة:- شوفليلنا امك يا نور عيني تاجي تسلم على الحبايب؟- نور عيني! ودا من امتى ان شاء الله؟رددت بالكلمات داخلها، تستهجن الوصف الغريب من فم امرأة مثلها، ثم تمالكت تجيبها بفظاظة تقصدها:- امي جاعدة جوت بتأكل الطيور.... هو انتوا عايزين حاجة؟للمرة الثانية استطاعت صفا كبح غيظها من ليلى وقصدها الواضح في احراجها، لتصدر ضحكتها المائعة وهي تزيحها من امامها بخفةلتواصل التقدم الى داخل غرفة الضيافة وتدعو النساء وكأنها صاحبة المنزل للدخول، وهي تقول بتفكه بغير محله:- طب استني لما ندخل ونستربح الاول انا والضيوف وبعدها اتكلمي واسالي، يخرب مطنك يا ليلى .عبست الأخيرة بضيق متعاظم وهي تجدها تجلسعلى كنب الصالون لتجبر على اتباعهم قائلة:- طب انا هادخل جوا اروح اندها.خرج صوت المراة الاولى يوقفها :- لا استنى عندك يا حلوة وتعالي اجعدي هنا جمبي شوية.توسعت ابصار ليلى نحو المرأة التي تشير بيدها كي تجلس بجوارها على الاربكة الاثيرة للصالون .فهمت لتعترض ولكن صفا احرجتها بقولها :- يا حبيبتي واجفة ليه ؟ خالتك عايدة مش غريبة دي تبجى بت عم ابوكي ومن عيلته يعني تقوليلها يا عمة، يعني جوزها مش بس شريك ابوكي ، لا دا كمان جريبه .أكملت المرأة بتشجيع :- عمتها طبعًا امال ايه ؟ تعالي يا بنيتي تعالي .لم تنصاع ليلى لمطلبها، ولكنها اضطرت للجلوس على كرسي بعيد ما عنها، تتحاشى النظر نحو تلك المرأة التي تمشطها بغير توقف وهي تسألها :- على كدة انتِ عندك كام سنة يا قمر انتي؟قطبت مستنكرة السؤال، ولكن صفا تولت الرد- عندها ١٧ سنة وشهرين، يعني عشر اتشهر شاء الله وتكمل ١٨.نقلت المراة رأسها نحو المرأة الاخرى لتتبادل معها بنظرة رضا، فتردف بلهجة غامضة:- عال عال دا عز الطلب.رددت خلفها ليلى:- هو ايه اللي عز الطلب ؟ردت المرأة بابتسامة فقالت صفا بملاوعة:- عمتك ام همام قصدها انك صغيرة وحلوة ودا احلى سن ؟- هو ايه اللي احلى سن ؟قالتها مزيونة التي اتت فجأة من الداخل، لتتنفس ليلى الصعداء، لمجرد رؤيتها حتى تتمكن من الهروب من هذا الحصار الخانق حولها، نهضت المرأتان لاستقبالها ، ومعهم صفا التي ردت :- تعالي يا ام ليلى سلمي على ضيوفك اللي جولك النهاردة مخصوص يتعرفوا عليكي .قطبت مزيونة حاحبيها بحيرة وهي تتقدم نحوهما لتتولى الترحيب بالضيفات، فقبلتها الأولى بمودة :- يا اهلًا يا غالية من بدري ماحد شافك، والله وليكي وحشةبادلتها الرد بروتينية كما يحدث في هذه المواقف، وكما فعلت مع الأخرى، لتدعوهم للجلوس، قبل أن تتوجه لابنتها بنظرة محذرة وهي تدعوها للذهاب :- جاعدة ليه وسطيهم يا بت؟ مش تعملي حاجة تضايفيهم بيها ؟سمعت منها ليلى لتنهض بلهفة وكأن امر والدته قد َأتى اليها نجدة:- حالًا ياما .. هاقوم اعملهم حاجة يشربوها او حتى ياكلوها ونهضت مهرولة رغم سماعها لاعتراض المدعوة عايدة :- ماتسيبها يا مزيونة تقعد وسطينا هو احنا اغراب عشان تضايفنا .ردت تجيب المرأة بدبلوماسية:- وماله يا حبيبتي، حتى لو كنتوا اصحاب بيت، برضك الاصول اصول ولا إيه ؟قالت الاخيرة مخاطبة الأخرى ايضا، حتى وافقتها بحرج، متجاهلة صفا التي كانت تجز على اسنانها من غرور تلك المزيونة وجلستها بين النساء مرفوعة الرأس والهامة رغم كل ماتفعله هي بيها كي ترى منها ولو مرة واحدة نظرة انهزام او تحسر ترضيها من الداخل .استمرت جلسة النساء مع مزيونة وهن يحادثنها بمودة وكأنهن يعرفنها منذ فترة طويلة، وهي تجاريهن في الحديث بكل زوق وترحاب رغم تعجبها؛ لتلك الزيار الغريبة وهذا الود المبالغ فيه من المرأتين التي كانت بالكاد تعرفهم، وتلك المتلونة تتحدث معها بلطف مفاجيء، وكأنها حبيبة وليست افعى في هيئة أنثى،اذن ما سر تلك الزيارة؟ فهي لم يحدث ابدًا ان وطدت علاقتها بهما طوال فترة زواجها، وشراكة المدعو عيسوى او ابنه همام و....... اللعنة، كيف نست ان تلك المرأة تبحث لابنها عن عروس كما سمعت من إحدى النساء؟-❈-❈داخل غرفة مكتبه في المنزلوقد كان منكفئا على إحدى الملفات يراجعها بدقة وتركيز حتى انه لم يشعر بدلوف والدته اليه، فجاء التنبيه منها هي:- شكل البيه بتاعنا مشغول جوي النهاردة وياعالم هيرضى يسمعنا ولا لاه؟انتفض على الفور يتلقفها يالترحاب مستنكرا:- وه يا حجة حسنية، هو احنا نطول اصلا، تشريفك اوضة المكتب دا اصلا حاجة كبيرة، دا احنا زارنا النبي يا ولاده- وووه ، بطل بكش يا وادغمغمت بها تدفعه بقبضتها بكتفه، مستهجنة المبالغة، رغم غبطتها بالتفخيم الذي يغمرها به، وقد تناولت يده كفها تسحبها للجلوس على الكرسي المقابل له بإجلال مرددًا :- ماسمهوش بكش يا حجة، اسمه إعطاء حق، دا انتي البرنسيسة بتاعتنا، والكلام ده كله قليل عليكي.جلس يشاهد تأثير الكلمات على بشرتها التي طفح بها اللون الوردي يرافق ابتسامة السعادة لإطراءه، رغم استنكارها:- يا واد كفاية عاد، برنسيسة ايه؟ وكلام فاضي ايه؟ خف الجلع والمسخرة عشان اعرف اكلمكوعلى عكس ما طلبت، زاد من جرعة المشاكسة:- جلع ايه بس يا حجة يا حلوة انتي، هو انا لحقت اجول كلمتين بس عشان وشك يورد كدة ولا بت ١٧ ، قلبه جامد الحج حماد انه سابك والله .اخجلها بحق حتى لوحت بقبضتها والمسبحة به، حتى يكف، تكتم بصعوبة ابتسامتها، مما جعله يضحك بملء فمه حتى توقف اخيرا يردف بجدية:- وه يا حجة يا حسنية لو الاقي بس واحدة زيكتحولت هي أيضا تتذكر السبب في مجيئها اليه، لتردف بشيء من الحدة:- وهو اللي خلق امك مخلقش غيرها ولا احسن منها كمان، انت بس أنوي يا ولدي ولا ادي لنفسك فرصة، وانا من بكرة اجيبلك احلى البنتة، ان شالله حتى بت خمس اتاشرعبست ملامحه بضيق حينما سمع الأخيرة مرددًا:- خمس اتاشر ياما! واحد داخل على الاربعين زيي ياخدها بت خمس اتاشر ، ليه هربيها مع ولدي؟فغرت حسنية فمها للمجادلة، ولكنه أوقف المحاولة من البداية:- اااا مجولتيش يا ست الكل، عن سبب الزيارة الاساسي لغرفة مكتبي المتواضعة؟زفرت حسنية انفاسا مشحونة بغيظها، فها هو كالعادة يغلق الطريق عليها حتى لا يستجيب لطلبها، وكأن أمره لا يعنيها، ولكن لا بأس، هي خلفه حتى يرضخ، ويصلح خطأه الأول في عدم طاعتها:- ماشي يا حمزة، هعمل نفسي مش واخدة بالي واطنش، عشان مزعلش منك يا ولد بطني.... على العموم انا كنت دخلالك اساسا عشان المشجلب التاني، اخوك الصغير اللي شكله هو كمان عايز يقلدك، بس انا لا يمكن اسمح انه يكرر الغلط.- غلط ايه ياما اللي لا يمكن يتكرر؟ وماله معاذ اصلا عشان يبقى مشجلب؟تمتم حمزة بالكلمات معبرا عن استياءه من طريقتها، وقد علم بما ترنو إليه دون جهد، ليأتي ردها بتأكيد ظنه:- يعني انت عايز تفهمني انك مش واخد بالك؟ من ساعة ما خلص اجازته وانا لساني اتدلدل عليه عشان يتكلم على بت عمه، هيستنى ايه تاني؟ لما تتخطب بقى وتروح للغريب؟عض على باطن خده من الداخل يكتم غيظه، فهو الادرى بغضبها الآن وثورتها التي سوف تقوم به؛ ان اعترض او عبر عن رفضه، وقد تضعه محل اتهام في تشجيع الفتى على العصيان:- طب انا إيه دخلي يا حجة؟ اذا كنتي بنفسك كلمتيه ومردش، بيتشجلب بقى ولا يستهبل، انا راجل ملهي في شغلي ورعاية ولدي، معرفش ألامور الشخصية دي يا أمي.ردت حسنية بابتسامة ماكرة احتلت محياها حتى اظهرت زوج الأسنان الفضية في الصف الامام في الجانب الايسر من ثغرها:- لا ما انا عايزاك تقعنه يا غالي.لم يكن اقل مكرا منها في استجابة فورية، يبادلها بابتسامة شقت فمه من الإذن إلى الإذن الأخرى حتى يتجنب غضبها:- عيوني، هكلمه واعمل اللي عليه وانصحه عشان ميغلطش غلطتي ويسيب بت عمه اللي رباها على يده، ليكي طلب تاني يا حجة حسنية؟غمرها رضاء تام تجيبه متلاعبة بالمسبحة بين اناملها:- لا عين الحجة حسنية، قلبي وربي راضين عنك يا ولدي................... ....عودة إلى منزل عرفانوقد عاد إلى المنزل متأخرا من اعماله، بالقرب من الساعة العاشرة مساءًا بهيئته الضخمة، يدلف حاملا العديد من أكياس الطعام المعلب والفاكهة والحلوى، وغيرها من الأشياء التي لا يبخل بها عن نفسه ولا عن زوجته الأخرى المطيعة التي ترضيه، عكس مزيونة والتي تفاجأ بها اليوم جالسة في ردهة الاستقبال، تبدو وكأنها في انتظاره، مما أثار داخله التسلية والسخرية التي عبر عنها قائلا:-- مفوتة ميعاد نومك ومجمعزة جصاد الباب، لا تكوني مستنياني يا غالية؟!اعتدلت بجلستها تجيبه ساخرة بابتسامة باهتة خالية من الحياة:- نبيه طول عمرك يا عرفان، انا فعلا جاعدة مستنياك عشان عايزة اتكلم معاك.ضحك بتحشرج، يسند الأكياس على إحدى الارائك الخشبية، يخرج من أحدها ثمرة تفاحة يقضم منها بشراهة وعيناه تشملها بنظراته الوقحة قائلا بفجاجة:- طب واللي تسهر وتستنى جوزها، مش برضك كان واجب تجهزلوا نفسها بهدمة حلوة ولا قميص يبين المخفي عنه بجاله سنين تحت التوب الأسود اللي مش جلعاه ده.تجمدت ملامحها بغضب واضح تهدر به:- بلاش التريقة على اخر الليل يا عرفان انا عايزاك في موضوع يخص الناس اللي جم البيت النهاردة، عايزة اعرف مرتك جابت حريم بيت العيسوي على بيتي ليه؟سمع منها ليقضم من التفاحة هذه المرة بغيظ قبل أن يلقيها جانبا يردد خلفها:- مقلتة! بجى المرة لما تجهز لجوزها خلتيها مقلتة، ماشي يا محروسة، انا فعلا بتمسخر لا تكوني فكرتيني حنيت ولا حاجة، وعن حريم بيت العيسوي، دول يجيوا في اي وجت اساسا، ولا انتي نسيتي انهم شركاتي في الشغل- لا متنستش يا عرفان، بس ايه دخل الشغل بالبيت، والحريم من امتى بتيجي على بيتنا؟ انا شامة ريحة مش عجبانيضحك يدنو نحو الأكياس ليرفعها اليه معقبا على قولها باستخفاف:- شمي براحتك يا ستي، ع العموم هما ناس نضيفة اصلا وريحتهم حلوة، يعني القرب منهم زين مش عفش.اندفعت الدماء بعروقها، فهي ليست بالغبية، حتى لا تفهم من مراوغته في الحديث، لتتصدر أمامه بجسدها تمتعه من الصعود هاتفه به:- جيب من الاخر يا عرفان وقول ان مرتك الحرباية جايبة جوز الحريم تفرجهم على بتي لولدهم، انا مش هبلة عشان مفهمش، بتي مش للفرجة، بتي هتتعلم يا عرفان ولا انت نسيت شرطي زمان.مرة اخرى يعود لضحكاته القميئة ولكنه هذه المرة باغتها على حين غرة، حينما امتدت يده الحرة نحوها ، يقبض بأنامله القاسية على وجنتيها مقربا وجهها إليه قائلا بتهديد:- لا منستش الشرط القديم يا أعز الناس، ولا كمان نسيت الشرط التاني ، انك تعيشي في بيتي عشان تربي البت وبس ، لكن انتي بجى اللي معدتيش واخدة بالك، زي ما بتك كبرت وبجت عروسة، انتي كمان اتدورتي وراح عنك صفار الضعف اللي كان ماسك فيكي والعيا.نزل بعيناه سريعًا نحو الأسفل ومفاتنها، ليردف مبتلعا ريقه:- ولا تكوني مفكرة اني لبس الأسود والهدوم الجديمة، هيخبوا اللي ظاهر من تحت العباية، ولا الخدود اللي طفح فيها الدم دي من الحمار ولا ....قطع مجفلا من فعلها حينما نفضت كفه عنها بعنف تبتعد عنه صائحة به:- يدك دي متتمدش تاني عليا، ولو غرضك ان تلحس وعودك الجديمة يبقى على موتي يا عرفان، لا هتمنع بتي من تعليمها ولا هتقدر تلمس شعرة منيوبدون انتظار رده، اندفعت تدلف داخل منزلها الصغير تدلف داخلها لتحتمي به، صافقة الباب امام وجهه بعنف ، ليهدر في اثرها بتوعد:- على أساس انك هتقدري تمشي كلمتك عليا، ولا حتة باب هيحميكي مني، شكلك اشتجتي لشجاوة زمان يا مزيونة، انا بجى على استعداد، والأرض اللي معدتش تنفع للزرع، بجت تنفع للدلع يا حلوة.وبعكس القوة التي كانت تدعيها امامه، كاتت هي في الداخل ملتصقة بالباب ترتجف، تترك لدموعها العنان، بعدما ذكرها بأسوأ الذكريات، تقسم الا تترك لابنتها نفس المصير والا يعاد الزمن مرتين .❈-❈-❈كان غافيًا على فراش ابنه الوحيد يحتضنه، بعدما قص عليه عدد من القصص واخذه الحديث معه جتى غاصا الاثنان في النوم كعادتهما منذ سنوات، لينتفض الان على لكزات خفيفة يتلاقاها على كتف ذراعه، وصوت خشن يهمس بجوار أذنه ليوقظه:- حمزة، حمزة ، حمممممزة، جوم يا واد ابوي عااايزك .- اييييه، في حد يصحي حد كدة؟تمتم بها يعتدل بجذعه متوجها نحو صاحب الصوت، الذي ضحك له ببرود:- اسف لو ازعجتك يا ابو ريان، بس ممكن تصحى عشان عايزك.طالعه حمزة عاقد الحاجبين بضجر، ثم تناول ساعته الموضوع فوق الكمود فيزداد غضبًا نحوه:- بجى جاي ع الساعة اتناشر في عز نومتي عشان تصحيني يا عديم الدم عشان عاوزني!تبسم معاذ يجيبه برجاء:- غصب عني يا واد ابوي، ما انا بصراحة مجدرتش انام، كان لازم لازم اكلمك عن طلبي الضروري، وحياة غلاوة ريان تجوم وتسمعني.كان يود ان يلكمه، حتى يطير له الصف الأمامي من أسنانه البيضاء والتي يتفاخر بها بابتساماته اللزحة في استعطافه، ولكن حينما أتى الحلفان بابنه، زفر بغيظ أشد لييعد الغطاء عن اقدامه فيضطر للنهوض متوعدًا:- قسما بالله ما يطلع طلب هايف ولا استظراف من جنابك، لاكون مبيتك في المستشفى يا معاذ الليلة دي، وما لك عندي دي❈-❈-❈خرج معه حتى وصلا إلى شرفة المنزل في الناحية الخلفية، حيث الهدوء وبعيدًا عن ابصار الجميع، مزعنا لرغبته، حتى إذا جلس على الكرسي المقابل لكرسيه، تمتم متوجها له بحنق:- جر كلمتينك ومتحرقش كتير عشان انا على اخريسحب معاذ شهيقا مطولا ثم اخرجه، ليهديء به ذاته، قبل أن يدخل في الموضوع مباشرة:- انا عايز اتجوز.قطب حمزة في البداية ثم سرعان ما استدرك لتحتل الابتسامه ثغره معقبا بمناكفة وتلاعب:- وعايزني اخد رأي بت عمك بنفسي ولا اكلم امك تجس النبض؟عبس معاذ وقد استشف السخرية في لهجته ، ليباغته دون مواربة او انتظار:- لا يا واد ابوي عايزك تجف جمبي ضد الجميع، عشان انا اللي رايدها لا من العيلة ولا نعرفها اصلا، انا عايز اتجوز اللي حاببها قلبي يا حمزة- اللهصدرت من الاخير كرد فعل فوري ، وقد التمس الجدية في قول شقيقه العنيد من الأساس وهو الاعلم بطبعه، ليردف ساخرا- وطبعا عايزني اقنع امك بالنصيبة اللي مصحيني من عز نومتي عشانها ، يا غُلبك يا حمزة ......

بنشاط اعتادت عليها، استيقظت مبكرا تسقي أشجار التين والعنب وبعض الخضروات الموسمية التي زرعتها حذيثًا في تلك الحديقة الصغيرة التي تعتبرها جنتها ومتنفسها، بعيدا عن ذلك المنزل الخانق، الذي لا يربطها به سوى ابنتها حبيبتها، هي التي تضع عليها الآمال وتتحمل من أجلها كل شيء ، عرفان القاسي وضرتها الماكرة صاحبة سجل طويل من المؤامرات التي حاكتها لها من وقت ان وطأت اقدامها ذلك المنزل.

اغلقت صنبور المياه تطوي خرطوم الري، حتى تضعه في جانب أسفل إحدى الشجيرات، ثم تناولت حزمتي البقدونس والجرير التي قطعتهم من الأرض قبل أن تسقيها لتدخل بهم المنزل تستنشق رائحتهم القوية داخل صدرها فتزداد انتعاشًا.

وضعتهم على مائدة السفرة الفارغة في هذا الوقت والتي تتوسط المدخل، متجهة إلى غرفة ابنتها تنوي ايقاظها، وكانت المفاجأة حينما وجدتها جالسة على جانب الفراش بوضع لم تعتاد عليه ابدا منها

- وه، من الساعة سبعة الصبح الأميرة ليلى صاحية يا ولاد، دي مبتحصلش حتى في عز امتحاناتها.

ابتسامة خفيفة ارتسمت بثغر ليلى، تجاري والدتها المزاح حتى تخفي توترها:

- واهي حصلت يا ست الكل، تفرحي ببتك بجى ولا تحرضيني عشان ارجع انام تاني، انا على تكة اصلا .

- لا يا ختي وعلى ايه، جومي ياللا اغلسي وشك وصلي عبال ما احضر انا الفطار ، خلينا ناخد اليوم من اوله، ياللا جومي.

قالتها وما ان همت بالخروج حتى اوقفتها ليلى بالنداء :

- ما انا كنت عايزة اروح بيت جدي النهاردة .

- تروحي ليه؟ ما انتي كنتي امبارح هناك.

- ما انااا شكلي نسيت اغير مية الشرب من قدام الحمام، معرفش عقلي كان فين؟ راعيت انضف العشش تحتيهم، ونسيت ان الميا نفسها كانت معكرة.

طقطقت مزيونة بفمها صوت استياءًا، تستنكر فعلها:

- وه، معكرة يا ليلى وسبتيها، حرام عليكي يا بتي، دي بجالها اسبوع اصلا، انتي تخلصي فطار وتخطفي رجلك عليهم وتاجي بسرعة، مش عايزة كلام وحديت من مرة ابوكي

عبست ليلى رغم راحتها بموافقة والدتها للخروج لتغمغم في أثرها فور أن تحركت ذاهبة من أمامها:

- ضربة في كرشها، مالها هي اطلع ولا ادخل، كانت ابويا ولا كانت امي.

- تكون زي ما تكون مش عايزين رط ولا وجع دماغ يا ليلى.

تمتمت بالكلمات مزيونة من خارج الغرفة لتصل إلى ابنتها القلقلة من الأساس، لتتذكر تلك الاسورة التي كانت تزين رسغ يدها منذ الأمس، ولكنها استيقظت مبكرا على اختفائها بعدما غفلت عن الانتباه ولم تدرى متى فقدتها، لينتفض عقلها من ثباته ويجعلها تعي على هفوتها في وقت راحتها، فتحدث نفسها الان بحيرة:

- يا ترى راحت فين بس يا ربي؟ انا مش كد زعل امي، دي أغلى هدية جابتهالها في عز حوجتها.

كانت الأسرة مجتمعة بأكملها تقريبا على مائدة الطعام في تناول وجبة الإفطار، تترأس الطاولة الحاجة حسنية ، وبجوارها من الناحية اليمنى حمزة ابنها الأكبر، ومن الناحية الأخرى خليفة ابنها الأوسط وزوجته، ثم باقي المقاعد للاطفال من ابناءهم او أبناء شقيقاتهم

فلا ينقصها إلا الابن الأصغر معاذ، وقد اعتاد الجميع غيابه نظرا لظروف سفره الدائمة في الدراسة او تأخره في النوم ايضا، لكنه اليوم فاجأهم بحضوره على غير العادة مما اجبر الجميع للتوقف عن الطعام، والتطلع إليه فور أن طل أمامهم بهيئته المتأنقة، ليقابل فعلهم بالضحكات ساخرا:

- ايه يا جدعان في ايه؟ شوفتو حاجة غرببة؟

- ما غريب إلا الشيطان، هما بس متفاجئين يا غالي، دي من مدة طويلة معملتهاش وجومت فطرت معانا، ولا يكونش معاك مشوار؟

كان هذا الرد من حمزة لتضيف عليه حسنية:

- لا هو اكيد معاه مشوار، مش شايفه لابس الحتة اللي ع الحبل.

تدخل خليفة ايضا يشاركهم الترجيح:

- اه والله ياما، مش محتاجة فراسة، المهم بجى السؤال ، مشوار ايه ده بالظبط اللي صاحيله بدري ولابسله الجلبية؟

تمتم معاذ يقترب من الطعام فيتناول بعض اللقيمات واقفا دون ان يجلس كالبقية:

- وه يا خليفة حتى انت كمان بتسأل؟ هي النضافة والنشاط كانوا حاجة جديدة عليا يعني ولا ايه بس يا جدعان؟ دا العادي بتاعي على فكرة، دا انتو كمان ماشوفتونيش في السكن الجامعي، بطبخ وبنشر واكوي هدومي مع الزملاء، دول يفضحوني لو ما كنتش ايدي في ايدهم،...... ايوة أمال ايه؟ ما هو هناك محدش احسن من حد

كان يردف كلماته بتقطع نظرا لامتلاء فمه، مما أجبر حمزة ان يزجره صائحًا:

- طب كل لجمتك وانت جاعد، متخليش العيال تقلدك يا معاذ

سمع منه لينفص كفيه منهيًا طعامه:

- لا خلاص يا عم لا يقلدوني ولا اقلدهم، انا اساسا شبعت ويدوب اللحق مشواري مع اصحابي، عن اذنكم.

هم ان يذهب وفور أن تحركت قدميه ليستدير صاحت به حسنية:

- طب مش هتقول رايح فين الأول يا واد؟

- ياما بجولك مشوار مع اصحابي، سلام بجى

تمتم كلماته متوجها نحو الخروج دون انتظار، لتغمغم في أثره هاله هامسة لزوجها بصوت بالكاد يصل لأذنه:

- يا خوفي ليكون المشوار ده وراه حريم .

توقف خليفة عن مضغ طعامه، والتفت رأسه نحوها بعبوس يأمرها بصوت خفيض هو الاخر:

- حطي همك في وكلك يا هالة، وبلاش تشغلي مخك بحد، كُلي ووكلي عيالك، ربنا يهديكي.

بقطعة قماش كانت مزيونة تمر على الأثاث تمسحه وتنظفه من الأوساخ، فداء النظافة مستفحل بها لأقصى درجة.

مرت على الصالون ومائدة السفرة فلم يتبقى سوى المرآة والتي كانت تضغط عليها بدقة رغم نظافتها من الأساس، حتى اضاءت بلمعة اسعدتها جعلتها تتبسم براحة وهي تطالع الصورة بها، فانتبهت على انعكاس وجهها به، فخبئت ابتسامتها

تتذكر ملامحها التي قاربت على نسيانها من كثرة الأهمال، وكأنها تنظر إلى مرأة لا تعلمها؛ وجه اهلكته الهموم وسرقت منه حيويته، امرأة بائسة، وليست تلك المدللة كما كانت في بيت ابيها قديمًا، والتي كانت ممتلئة حياتها بالمرح واحلام الفتيات الوردية في العيش مع فارس الاحلام وحياة سعيدة، بعد ان حُرم عليها حلم اكمال تعليمها بحكم العادات القديمة المتحكمة في القرية بزواج الفتيات صغيرات، وترك التعليم.

نظرت جيدًا لوجهها الباهت من كل مظاهر الحياة، فهى دائما ماتبدوا حزينة وذلك لما عاشته ورأته فى حياتها ، بعد تلك الحادثة في ولادة ابنتها التي افقدتها الجزء القاسم في أنوثتها، حتى جعلها ناقصة امام زوجها القاسي والذي لم يحتمل او يصطبر عليها، فأتى بالزوجة الثانية لكي تذيقها الامرين

متسلطة وخبيثة، ومع انحياز عرفان لها كانت تفعل كل شيء من اجل كسرها، حتى اطفأتها من الداخل وافقدها ثقتها بنفسها، فكلما حدثت مواجهة او شجار بينهما يتحول لصالحها مهما كانت مخطئة، مدامت تجد دائما من يساندها، وأن اعترضت هي او اشتكت تُعاير بذلك الشيء الذي انقصها عن جميع النساء

مسحت مزيونة دمعتها الغادرة، بعدما أتت برأسها كل الذكريات السيئة، لتبتعد بوجهها عن المرآة تلك التي جلبت عليها المواجع بمجرد ان نظرت بها ورأت وجهها الذي كان يتغنى بجماله معظم من يعرفها ،

ألقت بالقماشة ارضا تهم الذهاب إلى الحمام وغسل وجهها، يا ليتها تغسل همومها ايضا

بحثت في منزل جدها وفي اعشاش الحمام وفي كل ركن حتى أصابها التعب دون فائدة، لتواصل رحلتها حتى مكان المجرى المائي، تنظر اسفله وحوله ف جميع الاتجاهات محدثة نفسها:

- راح فين دا بس؟ راح فين يا ربي؟

اتاها الصوت الرجولي من خلفها تلتف إليه مجفلة، ولكن وفور وقعت عينيها عليه، عبست ملامحها في الرد عليه دون اهتمام:

- وانت مالك باللي بدور عليه؟ خليك في حالك .

- حتى لو كان معايا اللي تايه عنك

التفت تطالعه بانتباه امتزج بريبة تسأله:

- جصدك ايه؟ انت تعرف انا بدور على ايه؟

لم تكد تنهي سؤالها حتى وجدته يرفع الأسورة نصب عينيها لتشهق بلهفة متوجهه نحوه ، لكن وفور أن اقتربت منه، رفع الاسورة للأعلى بعيدا عن متناول يدها، فبرقت عينيها بغضب نحوه:

- انت هتهزر معايا إياك، اديني اسورتي يا جدع انت.

- لا والله ما بهزر ، انا بس عايز اتأكد، هي بتاعتك ولا لاه، اصل يعني حضرتك جاية تسحبيها كدة من غير كلام، طب انا إيش ضمني انها تخصك؟

خرجت منه الكلمات بمشاكسة لها، رغم الذهول العجيب الذي أصابه، وهو يرى مزيجُا من الشراسة والفتنة، جريئة وبرية لا تهاب احد، حتى وهي في منطقة خالية الان ولا يوجد معها سوى رجل غريب عنها

- وعايزيني اثبتلك كيف ان شاءالله؟ ما انت شوفتني بنفسك وانا هنا امبارح وبغسل وشي، يعني اكيد لما جيت ورايا لجيتها، بدليل انك جاي النهاردة تجولي عليها

- ودا يثبتلك اني راجل امين وبدور على صاحبة الاسورة ، لكن دا مش معناه اني على يقين أنها بتاعتك،

حضرتك دي اول مرة اشوفك، هو انا اعرفك بت مين انتي اساسًا ؟

باستنكار احتل محياها تربعت بذراعيها تردد بسخرية :

- شوف ازاي، يعني جنابك عايزني اجيبلك اسمي واسم اهلي كمان عشان تديني حاجتي .

- اجل ما فيها، مش يمكن لما اعرف اسم ابوكي اعرفه من عيلة مين؟ وان هو كان راجل صالح ولا غير صالح، وبناءا عليه احدد تربية بنته.

إلى هنا والتهبت عينيها ببريق خطر تهدر به:

- اسمع اما اجولك، انا متربية احسن من مية زيك، واسورتي مش محتاجة إثبات، لأنها بتاعتي، ومعمولة مخصوص عشاني، يعني مفيش غيرها اساسًا .

ولو روحت لأي صايغ هيقولك مش من عندي، الا عملناها عنده، هيخبرك انها بتاع فلانة الفلانية، ومكتوب عليها اسمي كمان ليلى

تبسم باتساع حينما تفوهت بإسمها الذي علمه منذ الأمس بالقرائن، ليقبض عليه داخل كفه معقبا على قولها:

- ياااه، لدرجادي انتي اهلك اغنيا يا ليلى، عشان يتعملك دهب مخصوص .

رفعت اليه ذقنها بعزة لتتحدث عن شيء يزيدها فخرا كلما ذكرته:

- انا ابويا غني صح، بس مش لدرجة يعملي دهب مخصوص عشان مخلف غيري، لكن عندي ام تعملي النجوم في عقد لو طالت، وتبقى أسد لو حد بس هوب ناحيتي بنص سنتي، زي ما هتعمل معاك لما اجولها انك سارق اسورتي.

قالت الأخيرة بتهديد ووعيد، توهجت به عينيها الجميله أمامه بشر أثار بقلبه مرحًا جعله يطلق ضحكة مدوية:

- انتي مفترية جوي يا ليلى، يعني مش كفاية لسانك طويل وبتشتمي على الفاضي والمليان، كمان عندك ضمير ميت تتهميني تهمة كبيرة زي دي عشان بس عايز اتأكد انها بتاعتك .

- انا بس بقول كدة عشان اثبتبتلك اني حاجتي هاخدها يعني هاخدها، يعني الأحسن تديهاني بالزوق.

يعجبه هذا التحدي بلهجتها، كما يعجبه لغة الاعتزاز بنفسها وبوالدتها، اخلاقه تأمره ان يعطيها اسورتها، ولكن قلبه يمنعه، ويجبره على المجادلة معها واقتناص الحجج من اجل بقاءها اكثر امام عينيه:

- والله يا آنسة ليلى انا مش ممانع اديهالك ، يعني مفيش داعي للتهديد، بس بما انك دخلتيني في السكة دي، ممكن تفهميني هتعمليها ازاي لو انا مشيت دلوك بالاسورة وركبت الحصان على بيتنا، انتي تعرفي اصلا انا واد مين عشان تبعتي ورايا اللي يهددني ولا يشكمني.

تلبكت لوهله تتخيل لو فعلها بحق، وذهب بالاسورة هذا الرجل، مين أين لها أن تأتي به وهي لا تعرفه من الأساس، اءن فالتخفف من حدتها:

- انت مصمم تكبر الموضوع، ما تحط الاسورة جدام عينك وشوف الاسم المحفور داخلها، هكدب عليك ليه انا .

تمتم بها بلؤم ليرفع الاسورة امام عينيه يدعي البحث عن الاسم بالفعل، رغم حفظه لكل نقوش الاسورة التي ظل ساهرا عليها طوال الليل.

- ليلى .... ليلى... ل...... ايه ده؟

صدرت الأخيرة منه بإجفال ناظرًا نحوها، بعدما باغتته بخطفها من بين انامله، لا يعلم كيف فعلتها بهذه الفرق الشاسع بينها وبينه في الطول، ولكن لما العجب؟ فالقطة الشرسة قادرة على فعل كل شيء

- حضرتك الحركة دي مش حلوة خالص، انك تخطفيها من ايدي، كان لازم تديني فرصتي عشان اتأكد

قبضت على الاسورة داخل كفها بانتصار تخاطبه بتحدي؛

- حلوة ولا عفشة ميهمنيش عشان انا خدت حقي، ولا انت لسة شاكك انها تخصني، تقدر تسأل عني زين، انا بنت عرفان الاشقر، أسأل عن عيلة الأشقر ولا عيلة الاحرار، عيلة امي، مزيونة الحرة وابجى اشتكي براحتك عشان تبقى جيبت لنفسك الكلام.

ختمت كلماتها وتحركت مغادرة من أمامه، لتتبعها عينيه بسعادة غامرة، بعد أن نال الحظ بالحديث معها ومشاكستها، ثم الختام بمعرفة هويتها ولقب عائلتها منها، لقد وفرت عليه نصف الطريق.

بأنفاس لاهثة عادت ليلى الى المنزل، قابضة داخل كفها على الاسورة العزيزة التي وجدتها مع ذلك الشاب الغريب، لتنقذ الذكرى الأجمل لها مع والدتها، تلك التي تدفعها دائما للتقدم، وهي قد أقسمت الا تخيب رجاءها.

ارتدتها مرة اخرى تزين رسغها، قبل أن تنادي والدتها بثقة:

جاءها الصوت من مسافة بعيد إلى حد ما بداخل الفناء الخلفي للمنزل:

- انا هنا بوكل الطير يا ليلى، دقايق ورجعالك

همت ان تتحرك متوجهة نحوها ولكن منعها جرس المنزل الذى دوى فجأة، يرافقه بعض الأصوات الانثوية وكأنه حديث بين عدد من النساء، لتفاجأ ليلى فور أن قامت بفتح الباب بتلك الملعونة زوجة ابيها تقف امامها ومعها امرأتان لا تعلمهم ولم يسبق لها ان رأتهم سابقًا، يحدقن بها متفحصات بأعين متربصة كالصقور من راسها الى اخمص قدميها، ابتسمت صفا ابتسامة كبيرة بعرض وجهها الممتلئ وموده غير معهوده :

- ازيك ياحبيبة جلبي، عاملة ايه النهاردرة؟

بشيء من الذهول ردت تجيبها بضيق لا تخفيه:

- اهلًا، انا زينة والحمد لله، هو انتِ عايزة حاجة؟

تجاهلت صفا، تصطنع الابتسام امامها:

- طب سلمي يا حبيبتي الأول على الناس الضيوف ولا انتِ هتتكسفي منهم ؟

رغم عدم ارتياحها من الأمر، تقدمت ليلى نحو احداهن

تمُد كفها للمصافحة بارتياب، فجذبتها المرأة الأولى تقبلها في وجنتيها عنوة حتى اثارت امتعاضها وهي تردد :

-- اهلًا يا حبيبتى ما شاء الله عليكي اسم النبي حارسك وصاينك .

قالتها المراة المتشبثة بليلى والتي فور ان نزعت نفسها عنها بصعوبة، وجدت الآخرى تجذبها ايضا، لتفعل نفس الشئ، بشكل زاد من استيائها خصوصًا وهي تشعر بيد المراة على اضلعها وكأنها تتبين حجم الدهون بها، تراجعت عنهم بخوف وهي لا تدري ما سر انقباض قلبها منهم؟ ومن هذه الزيارة الغريبة.

بقلب وجل تراجعت للداخل حتى تناست الاصول وواجب الضيافة، تريد الهروب او الذهاب بعيدًا عن أعين هاتان المراتان المريبتان ومعهما صفا التي لم تكن زياتها ابدًا تبشر بالخير ولكنها فاجائتها مرة اخرى تتقدم ساحبة النساء داخل المنزل خلفها وهي تسألها بابتسامتها السمجة والمزعجة:

- شوفليلنا امك يا نور عيني تاجي تسلم على الحبايب؟

- نور عيني! ودا من امتى ان شاء الله؟

رددت بالكلمات داخلها، تستهجن الوصف الغريب من فم امرأة مثلها، ثم تمالكت تجيبها بفظاظة تقصدها:

- امي جاعدة جوت بتأكل الطيور.... هو انتوا عايزين حاجة؟

للمرة الثانية استطاعت صفا كبح غيظها من ليلى وقصدها الواضح في احراجها، لتصدر ضحكتها المائعة وهي تزيحها من امامها بخفة

لتواصل التقدم الى داخل غرفة الضيافة وتدعو النساء وكأنها صاحبة المنزل للدخول، وهي تقول بتفكه بغير محله:

- طب استني لما ندخل ونستربح الاول انا والضيوف وبعدها اتكلمي واسالي، يخرب مطنك يا ليلى .

عبست الأخيرة بضيق متعاظم وهي تجدها تجلس

على كنب الصالون لتجبر على اتباعهم قائلة:

- لا استنى عندك يا حلوة وتعالي اجعدي هنا جمبي شوية.

توسعت ابصار ليلى نحو المرأة التي تشير بيدها كي تجلس بجوارها على الاربكة الاثيرة للصالون .فهمت لتعترض ولكن صفا احرجتها بقولها :

- يا حبيبتي واجفة ليه ؟ خالتك عايدة مش غريبة دي تبجى بت عم ابوكي ومن عيلته يعني تقوليلها يا عمة، يعني جوزها مش بس شريك ابوكي ، لا دا كمان جريبه .

- عمتها طبعًا امال ايه ؟ تعالي يا بنيتي تعالي .

لم تنصاع ليلى لمطلبها، ولكنها اضطرت للجلوس على كرسي بعيد ما عنها، تتحاشى النظر نحو تلك المرأة التي تمشطها بغير توقف وهي تسألها :

- على كدة انتِ عندك كام سنة يا قمر انتي؟

قطبت مستنكرة السؤال، ولكن صفا تولت الرد

- عندها ١٧ سنة وشهرين، يعني عشر اتشهر شاء الله وتكمل ١٨.

نقلت المراة رأسها نحو المرأة الاخرى لتتبادل معها بنظرة رضا، فتردف بلهجة غامضة:

ردت المرأة بابتسامة فقالت صفا بملاوعة:

- عمتك ام همام قصدها انك صغيرة وحلوة ودا احلى سن ؟

قالتها مزيونة التي اتت فجأة من الداخل، لتتنفس ليلى الصعداء، لمجرد رؤيتها حتى تتمكن من الهروب من هذا الحصار الخانق حولها، نهضت المرأتان لاستقبالها ، ومعهم صفا التي ردت :

- تعالي يا ام ليلى سلمي على ضيوفك اللي جولك النهاردة مخصوص يتعرفوا عليكي .

قطبت مزيونة حاحبيها بحيرة وهي تتقدم نحوهما لتتولى الترحيب بالضيفات، فقبلتها الأولى بمودة :

- يا اهلًا يا غالية من بدري ماحد شافك، والله وليكي وحشة

بادلتها الرد بروتينية كما يحدث في هذه المواقف، وكما فعلت مع الأخرى، لتدعوهم للجلوس، قبل أن تتوجه لابنتها بنظرة محذرة وهي تدعوها للذهاب :

- جاعدة ليه وسطيهم يا بت؟ مش تعملي حاجة تضايفيهم بيها ؟

سمعت منها ليلى لتنهض بلهفة وكأن امر والدته قد َأتى اليها نجدة:

- حالًا ياما .. هاقوم اعملهم حاجة يشربوها او حتى ياكلوها ونهضت مهرولة رغم سماعها لاعتراض المدعوة عايدة :

- ماتسيبها يا مزيونة تقعد وسطينا هو احنا اغراب عشان تضايفنا .

- وماله يا حبيبتي، حتى لو كنتوا اصحاب بيت، برضك الاصول اصول ولا إيه ؟

قالت الاخيرة مخاطبة الأخرى ايضا، حتى وافقتها بحرج، متجاهلة صفا التي كانت تجز على اسنانها من غرور تلك المزيونة وجلستها بين النساء مرفوعة الرأس والهامة رغم كل ماتفعله هي بيها كي ترى منها ولو مرة واحدة نظرة انهزام او تحسر ترضيها من الداخل .

استمرت جلسة النساء مع مزيونة وهن يحادثنها بمودة وكأنهن يعرفنها منذ فترة طويلة، وهي تجاريهن في الحديث بكل زوق وترحاب رغم تعجبها؛ لتلك الزيار الغريبة وهذا الود المبالغ فيه من المرأتين التي كانت بالكاد تعرفهم، وتلك المتلونة تتحدث معها بلطف مفاجيء، وكأنها حبيبة وليست افعى في هيئة أنثى،

اذن ما سر تلك الزيارة؟ فهي لم يحدث ابدًا ان وطدت علاقتها بهما طوال فترة زواجها، وشراكة المدعو عيسوى او ابنه همام و....... اللعنة، كيف نست ان تلك المرأة تبحث لابنها عن عروس كما سمعت من إحدى النساء؟

وقد كان منكفئا على إحدى الملفات يراجعها بدقة وتركيز حتى انه لم يشعر بدلوف والدته اليه، فجاء التنبيه منها هي:

- شكل البيه بتاعنا مشغول جوي النهاردة وياعالم هيرضى يسمعنا ولا لاه؟

انتفض على الفور يتلقفها يالترحاب مستنكرا:

- وه يا حجة حسنية، هو احنا نطول اصلا، تشريفك اوضة المكتب دا اصلا حاجة كبيرة، دا احنا زارنا النبي يا ولاده

غمغمت بها تدفعه بقبضتها بكتفه، مستهجنة المبالغة، رغم غبطتها بالتفخيم الذي يغمرها به، وقد تناولت يده كفها تسحبها للجلوس على الكرسي المقابل له بإجلال مرددًا :

- ماسمهوش بكش يا حجة، اسمه إعطاء حق، دا انتي البرنسيسة بتاعتنا، والكلام ده كله قليل عليكي.

جلس يشاهد تأثير الكلمات على بشرتها التي طفح بها اللون الوردي يرافق ابتسامة السعادة لإطراءه، رغم استنكارها:

- يا واد كفاية عاد، برنسيسة ايه؟ وكلام فاضي ايه؟ خف الجلع والمسخرة عشان اعرف اكلمك

وعلى عكس ما طلبت، زاد من جرعة المشاكسة:

- جلع ايه بس يا حجة يا حلوة انتي، هو انا لحقت اجول كلمتين بس عشان وشك يورد كدة ولا بت ١٧ ، قلبه جامد الحج حماد انه سابك والله .

اخجلها بحق حتى لوحت بقبضتها والمسبحة به، حتى يكف، تكتم بصعوبة ابتسامتها، مما جعله يضحك بملء فمه حتى توقف اخيرا يردف بجدية:

- وه يا حجة يا حسنية لو الاقي بس واحدة زيك

تحولت هي أيضا تتذكر السبب في مجيئها اليه، لتردف بشيء من الحدة:

- وهو اللي خلق امك مخلقش غيرها ولا احسن منها كمان، انت بس أنوي يا ولدي ولا ادي لنفسك فرصة، وانا من بكرة اجيبلك احلى البنتة، ان شالله حتى بت خمس اتاشر

عبست ملامحه بضيق حينما سمع الأخيرة مرددًا:

- خمس اتاشر ياما! واحد داخل على الاربعين زيي ياخدها بت خمس اتاشر ، ليه هربيها مع ولدي؟

فغرت حسنية فمها للمجادلة، ولكنه أوقف المحاولة من البداية:

- اااا مجولتيش يا ست الكل، عن سبب الزيارة الاساسي لغرفة مكتبي المتواضعة؟

زفرت حسنية انفاسا مشحونة بغيظها، فها هو كالعادة يغلق الطريق عليها حتى لا يستجيب لطلبها، وكأن أمره لا يعنيها، ولكن لا بأس، هي خلفه حتى يرضخ، ويصلح خطأه الأول في عدم طاعتها:

- ماشي يا حمزة، هعمل نفسي مش واخدة بالي واطنش، عشان مزعلش منك يا ولد بطني.... على العموم انا كنت دخلالك اساسا عشان المشجلب التاني، اخوك الصغير اللي شكله هو كمان عايز يقلدك، بس انا لا يمكن اسمح انه يكرر الغلط.

- غلط ايه ياما اللي لا يمكن يتكرر؟ وماله معاذ اصلا عشان يبقى مشجلب؟

تمتم حمزة بالكلمات معبرا عن استياءه من طريقتها، وقد علم بما ترنو إليه دون جهد، ليأتي ردها بتأكيد ظنه:

- يعني انت عايز تفهمني انك مش واخد بالك؟ من ساعة ما خلص اجازته وانا لساني اتدلدل عليه عشان يتكلم على بت عمه، هيستنى ايه تاني؟ لما تتخطب بقى وتروح للغريب؟

عض على باطن خده من الداخل يكتم غيظه، فهو الادرى بغضبها الآن وثورتها التي سوف تقوم به؛ ان اعترض او عبر عن رفضه، وقد تضعه محل اتهام في تشجيع الفتى على العصيان:

- طب انا إيه دخلي يا حجة؟ اذا كنتي بنفسك كلمتيه ومردش، بيتشجلب بقى ولا يستهبل، انا راجل ملهي في شغلي ورعاية ولدي، معرفش ألامور الشخصية دي يا أمي.

ردت حسنية بابتسامة ماكرة احتلت محياها حتى اظهرت زوج الأسنان الفضية في الصف الامام في الجانب الايسر من ثغرها:

- لا ما انا عايزاك تقعنه يا غالي.

لم يكن اقل مكرا منها في استجابة فورية، يبادلها بابتسامة شقت فمه من الإذن إلى الإذن الأخرى حتى يتجنب غضبها:

- عيوني، هكلمه واعمل اللي عليه وانصحه عشان ميغلطش غلطتي ويسيب بت عمه اللي رباها على يده، ليكي طلب تاني يا حجة حسنية؟

غمرها رضاء تام تجيبه متلاعبة بالمسبحة بين اناملها:

- لا عين الحجة حسنية، قلبي وربي راضين عنك يا ولدي

وقد عاد إلى المنزل متأخرا من اعماله، بالقرب من الساعة العاشرة مساءًا بهيئته الضخمة، يدلف حاملا العديد من أكياس الطعام المعلب والفاكهة والحلوى، وغيرها من الأشياء التي لا يبخل بها عن نفسه ولا عن زوجته الأخرى المطيعة التي ترضيه، عكس مزيونة والتي تفاجأ بها اليوم جالسة في ردهة الاستقبال، تبدو وكأنها في انتظاره، مما أثار داخله التسلية والسخرية التي عبر عنها قائلا:

-- مفوتة ميعاد نومك ومجمعزة جصاد الباب، لا تكوني مستنياني يا غالية؟!

اعتدلت بجلستها تجيبه ساخرة بابتسامة باهتة خالية من الحياة:

- نبيه طول عمرك يا عرفان، انا فعلا جاعدة مستنياك عشان عايزة اتكلم معاك.

ضحك بتحشرج، يسند الأكياس على إحدى الارائك الخشبية، يخرج من أحدها ثمرة تفاحة يقضم منها بشراهة وعيناه تشملها بنظراته الوقحة قائلا بفجاجة:

- طب واللي تسهر وتستنى جوزها، مش برضك كان واجب تجهزلوا نفسها بهدمة حلوة ولا قميص يبين المخفي عنه بجاله سنين تحت التوب الأسود اللي مش جلعاه ده.

تجمدت ملامحها بغضب واضح تهدر به:

- بلاش التريقة على اخر الليل يا عرفان انا عايزاك في موضوع يخص الناس اللي جم البيت النهاردة، عايزة اعرف مرتك جابت حريم بيت العيسوي على بيتي ليه؟

سمع منها ليقضم من التفاحة هذه المرة بغيظ قبل أن يلقيها جانبا يردد خلفها:

- مقلتة! بجى المرة لما تجهز لجوزها خلتيها مقلتة، ماشي يا محروسة، انا فعلا بتمسخر لا تكوني فكرتيني حنيت ولا حاجة، وعن حريم بيت العيسوي، دول يجيوا في اي وجت اساسا، ولا انتي نسيتي انهم شركاتي في الشغل

- لا متنستش يا عرفان، بس ايه دخل الشغل بالبيت، والحريم من امتى بتيجي على بيتنا؟ انا شامة ريحة مش عجباني

ضحك يدنو نحو الأكياس ليرفعها اليه معقبا على قولها باستخفاف:

- شمي براحتك يا ستي، ع العموم هما ناس نضيفة اصلا وريحتهم حلوة، يعني القرب منهم زين مش عفش.

اندفعت الدماء بعروقها، فهي ليست بالغبية، حتى لا تفهم من مراوغته في الحديث، لتتصدر أمامه بجسدها تمتعه من الصعود هاتفه به:

- جيب من الاخر يا عرفان وقول ان مرتك الحرباية جايبة جوز الحريم تفرجهم على بتي لولدهم، انا مش هبلة عشان مفهمش، بتي مش للفرجة، بتي هتتعلم يا عرفان ولا انت نسيت شرطي زمان.

مرة اخرى يعود لضحكاته القميئة ولكنه هذه المرة باغتها على حين غرة، حينما امتدت يده الحرة نحوها ، يقبض بأنامله القاسية على وجنتيها مقربا وجهها إليه قائلا بتهديد:

- لا منستش الشرط القديم يا أعز الناس، ولا كمان نسيت الشرط التاني ، انك تعيشي في بيتي عشان تربي البت وبس ، لكن انتي بجى اللي معدتيش واخدة بالك، زي ما بتك كبرت وبجت عروسة، انتي كمان اتدورتي وراح عنك صفار الضعف اللي كان ماسك فيكي والعيا.

نزل بعيناه سريعًا نحو الأسفل ومفاتنها، ليردف مبتلعا ريقه:

- ولا تكوني مفكرة اني لبس الأسود والهدوم الجديمة، هيخبوا اللي ظاهر من تحت العباية، ولا الخدود اللي طفح فيها الدم دي من الحمار ولا ....

قطع مجفلا من فعلها حينما نفضت كفه عنها بعنف تبتعد عنه صائحة به:

- يدك دي متتمدش تاني عليا، ولو غرضك ان تلحس وعودك الجديمة يبقى على موتي يا عرفان، لا هتمنع بتي من تعليمها ولا هتقدر تلمس شعرة مني

وبدون انتظار رده، اندفعت تدلف داخل منزلها الصغير تدلف داخلها لتحتمي به، صافقة الباب امام وجهه بعنف ، ليهدر في اثرها بتوعد:

- على أساس انك هتقدري تمشي كلمتك عليا، ولا حتة باب هيحميكي مني، شكلك اشتجتي لشجاوة زمان يا مزيونة، انا بجى على استعداد، والأرض اللي معدتش تنفع للزرع، بجت تنفع للدلع يا حلوة.

وبعكس القوة التي كانت تدعيها امامه، كاتت هي في الداخل ملتصقة بالباب ترتجف، تترك لدموعها العنان، بعدما ذكرها بأسوأ الذكريات، تقسم الا تترك لابنتها نفس المصير والا يعاد الزمن مرتين .

كان غافيًا على فراش ابنه الوحيد يحتضنه، بعدما قص عليه عدد من القصص واخذه الحديث معه جتى غاصا الاثنان في النوم كعادتهما منذ سنوات، لينتفض الان على لكزات خفيفة يتلاقاها على كتف ذراعه، وصوت خشن يهمس بجوار أذنه ليوقظه:

- حمزة، حمزة ، حمممممزة، جوم يا واد ابوي عااايزك .

تمتم بها يعتدل بجذعه متوجها نحو صاحب الصوت، الذي ضحك له ببرود:

- اسف لو ازعجتك يا ابو ريان، بس ممكن تصحى عشان عايزك.

طالعه حمزة عاقد الحاجبين بضجر، ثم تناول ساعته الموضوع فوق الكمود فيزداد غضبًا نحوه:

- بجى جاي ع الساعة اتناشر في عز نومتي عشان تصحيني يا عديم الدم عشان عاوزني!

- غصب عني يا واد ابوي، ما انا بصراحة مجدرتش انام، كان لازم لازم اكلمك عن طلبي الضروري، وحياة غلاوة ريان تجوم وتسمعني.

كان يود ان يلكمه، حتى يطير له الصف الأمامي من أسنانه البيضاء والتي يتفاخر بها بابتساماته اللزحة في استعطافه، ولكن حينما أتى الحلفان بابنه، زفر بغيظ أشد لييعد الغطاء عن اقدامه فيضطر للنهوض متوعدًا:

- قسما بالله ما يطلع طلب هايف ولا استظراف من جنابك، لاكون مبيتك في المستشفى يا معاذ الليلة دي، وما لك عندي دي

خرج معه حتى وصلا إلى شرفة المنزل في الناحية الخلفية، حيث الهدوء وبعيدًا عن ابصار الجميع، مزعنا لرغبته، حتى إذا جلس على الكرسي المقابل لكرسيه، تمتم متوجها له بحنق:

- جر كلمتينك ومتحرقش كتير عشان انا على اخري

سحب معاذ شهيقا مطولا ثم اخرجه، ليهديء به ذاته، قبل أن يدخل في الموضوع مباشرة:

قطب حمزة في البداية ثم سرعان ما استدرك لتحتل الابتسامه ثغره معقبا بمناكفة وتلاعب:

- وعايزني اخد رأي بت عمك بنفسي ولا اكلم امك تجس النبض؟

عبس معاذ وقد استشف السخرية في لهجته ، ليباغته دون مواربة او انتظار:

- لا يا واد ابوي عايزك تجف جمبي ضد الجميع، عشان انا اللي رايدها لا من العيلة ولا نعرفها اصلا، انا عايز اتجوز اللي حاببها قلبي يا حمزة

صدرت من الاخير كرد فعل فوري ، وقد التمس الجدية في قول شقيقه العنيد من الأساس وهو الاعلم بطبعه، ليردف ساخرا

- وطبعا عايزني اقنع امك بالنصيبة اللي مصحيني من عز نومتي عشانها ، يا غُلبك يا حمزة .

رواية لاجلها الفصل الثالث

اشراق الصباح ليوم جديد، في قانون الحياة العادية هو بداية لأنشطة واحداث تتجدد بتجدد الوقت، اما في قانون البعض؛ هؤلاء الذين يحملون جروحا وندبات مازالت مفتوحة ولم تشفى بعد، فهو يمثل لهم الخوف، الخوف من تكرارها، ان ينعاد ما حدث قديمة، وتتجدد ذكريات سيئة مازالت عالقة بالذهن.

خرجت ليلى من غرفتها بعد ان مر بها الوقت وتأخرت عن موعد استيقاظها الذي تتكفل به والدتها ولأول لم تفعل ، فكانت المفاجأة حينما وقعت عينيها عليها، غافية أسفل باب البيت، مائلة بجذعها بنصف جلسة ونصف نومة، قد يفسر الوضع انها قد سهرت حتى غلبها النوم محلها، ولكن المكان هو الاغرب على الإطلاق.

خطت لتقترب منها وتتبادل معها الدور لأول مرة، لتربت بخفة وحذر، فتحاول ايقاظها

- امي..... يا أمي..... يا ست مزيونة يا......

صدرت منها الكلمات منتفضة بذعر ارتد على ابنتها التي تراجعت للخلف تحاول طمأنتها :

- مفيش حاجة ياما انا بس بصحيكي عشان لجيتك نايمة في الصالة

طالعتها مزيونة ببعض الاستيعاب ليعود إليها الوعي تدريجيا، فتعتدل جالسة جيدا، تزفر واضعة كفيها على وجهها بتعب انتبهت له ابنتها لتعقب:

- انتي نمتي هنا ازاي؟ كدة غلط وضهرك يوجعك.

لم تتفوه مزيونه بحرف واحد ردا عليها، مما جعلها تتابع ببعض التفكه

- والغريب انك ملجتيش في البيت كله غير المكان ده تحت الباب، كنتي سهرانة على ايه بالظبط يا مزيونة، دا التلفزيون نفسه مجفول

رفعت اليها ابصارها بغيظ، فلا هي تجد ردا على اسئلتها ، ولا تطيق التفسير عن حالها امام احد من الأساس، لتتحامل على الأم عظامها من النومة الغريبة، وتنهض من مطرحها على الأرض الرخامية، بعد ليلة طويلة مرت عليها من الأفكار السوداء ، وتفكيرها المضني عن مغزى حديث زوجها، هل كان تخويفا منه لها؟ او هو محض كلمات عابرة وسوف تذهب لحالها كما يذهب كل شيء، لا تستوعب جديته، وعقلها يرفض التصديق من الأساس.

تمتمت بها ليلى بعفوية قابلتها مزيونه بحنق تجيبها على عجالة، كي تهرب من سيل اسئلتها القادمة:

- رايحة اغسل وشي واشوف حالي ولا هبيت ليلتي واقضي نهاري كمان لازقة في الباب، خلصي اتحركي انتي وروحي صلي الصبح على ما حضرتلك انا فطارك،

على مائدة السفرة التي كانت تجمعها بابنتها، حيث تناول وجبة الفطور الذي لم تكن تشعر بمذاقه، تلوك اللقيمات دون شهية، وابنتها الغافلة عما أصابها كانت تتحدث وتسهب عن كل شيء وأي شيء

- البت هدى صاحبتي بلغتني انها حجزت عند استاذ سيد مدرس الانجليزي، قولتلها احجزيلي معاكي، قالتلي لا، لازم احجز بنفسي قبل ما يقفل العدد ساعتها تبقى وقعة سودة لو ما لحقتش، عايز احجز ياما، دي اخر سنة يعني مينفعش اجصر فيها، سامعاني ياما؟

على صوتها بالاخيرة حتى استفزت والدتها لتنهرها بحزم مرددة:

- سامعااااكي، سامعاكي با زفتة الطين لزومو ايه الصوت العالي؟ شايفاني طرشة؟

- انا اسفة ياما افتكرتك سرحانة ، فكنت حابة تاخدي بالك يعني من اللي بقوله.......

- هحاول اتصرفلك ان شاء الله وتلحجي مجموعة الاستاذ سيد وأي مجموعة تاني، انتي عرفاني عمري ما جصرت معاكي.

توقفت تتابع وكأنها تحدث نفسها باستنكار:

- مستعجلين ع الدروس والعيال لسة مخدتش الاجازة ولا ريحت حتى من الامتحانات وكأن الدنيا هتطير لو صبروا الحبة دول.

صمتت ليلى عن الجدال، تراعي الحالة المزاجية السيئة لوالدتها والتي لا تعلم سببها حتى الآن، لتضع همها في الطعام الذي فقدت شهيته هو الاخر، حتى شرعت ان تنتهي وتنهض، ولكن سبقها طرق خفيف على باب المنزل قبل ان يدفع بخفة وتطل امامهما زوجة ابيها وابتسامتها المستفزة لهما:

- صباح الخير عليكم، هو انتو لسة بتفطروا؟ دا انا كنت جاية أبلغكم بحاجة حلوة جوي

وقد كان حمزة داخل غرفته يستعد للخروج والسفر إلى خارج البلاد في مهمة عمل صغيرة تخص أملاك العائلة التي يتولى زمام أمورها، انهى ارتداء الملابس ولم يتبقى سوى نثر عطره على أنحاء الجلباب الراقي ، حتى أصبح يرش بكثافة ليتفاجأ بالتعليق الذي اتى مباغتا من خلفه،

- عايق طول عمرك يا ولد بطني، بسم الله ماشاء الله عليك

ضحك يتوجه بأبصاره نحو والدته التي دلفت داخل الغرفة من مدخل بابها المفتوح، لتقف منبهرة به كعادته:

تحرك من محله ليقترب منها ويقبل رأسها بحب، ثم هم ان يتحرك ليتناول ساعته الموضوعة على الكمود المجاور، ولكن، وقبل ان يفعل اوقفته هامسة:

- هتلف وتدور عليا، ما انكشفت وانا عرفت خلاص، خدتو على جمب وروحتو تتودود في الليل انت وهو في الناحية التانية من البيت؟ يعني هيكون ليه؟ مش عشان تفتح معاه ويفتحلك قلبه بعيد عن الكل ومحدش يسمعكم، مرة اخوك شافتكم وبلغتني.

تمتم بالأسم يحرك رأسه بتعب واستدراك، فها هي ابنة عمه العزيزة؛ التي تدور كالنحلة في المنزل حتى لو في نصف الليل حتى لا تخفى عليها خافية، وتفاجأه دائما باكتشافاتها:

- قولي بجى جالك ايه؟ عرفت تقنعه، ولا شديت عليه عشان يسمع النصيحة .

تمتم بها حمزة يحبط احلامها مستطردا:

- ولدك مكانش جايله نوم، وحب يتساير معايا مش اكتر من كدة.

طالعته حسنية بتشكك ليردف بالمزيد علها تصدق:

- انا هافاتحه يا أمي بس لما احس انه على استعداد، يعني واحد بيقولي ان اهم حاجة عنده الوظيفة دلوك، جوم انا اقوله، لا لازم تخطب بت، الصبر شوية يا أمي، الدنيا مطارتش

في استجابة منها غير مريحة، مصمصمت بشفتيها تشيح ابصارها عنه بعدم رضا قبل أن تقول"

- ماشي يا حمزة نصبر شوية، المهم بس تعرف تكلمه وتيجي تطمني، ميبقاش موضوعنا معلق كدة، عايزين حل عشان نخلص.

انهت حديثها وتحركت مغادرة الغرفة من أمامه، ليزفر بضيق ثم يرفع رأسه للسماء بحيرة، بعد وضعه في هذا الموقف الغريب، وهو مطلوب ان يرضي الاثنان، شقيقه الذي وجد حب عمره كما يقول، ووالدته التي ترى في ارتباط ابنها الأصغر بابنة عمه امر لابد تنفيذه، اذن كيف يوفق بينهما؟ ليتفوه معبرا عما يكتنفه؛

جالسة بكل هدوء، وبرود تدعيه في الإستماع إلى ما ما كانت تخشاه، وها هو يتحقق امامها الان وبقوة، وعلى لسان تلك الملعونة، التي تخبرها وتتحدث بلهجة أقرب ما تكون إلى الشماتة، وهي أعلم الناس بها، لكنها ابدا لن تظهر الضعف امامها حتى لو كانت العواصف التي تدور داخلها قادرة على خلع ثباتها من الجذور

- الجماعة اتصلوا الصبح وبلغوا عرفان، الواد باين امه حمسته عن ليلى وحلاوتها، صوته في التلفون مبين جوي انه فرحان، أمال لما يشوفها على الحقيقة النهاردة، دا هيسمك فيها بيديه وسنانه على كدة ، مش بعيد عقله يطير منه، اه أمال ايه، احنا عروستنا مش اي كلام .

- هي مين اللي عروستكم يا صفا؟ انتوا بتتكلموا في ايه؟

صدر التساؤول من ليلى والتي كانت ترفع اطباق الطعام وتحملهم إلى المطبخ، لتأتي الآن وتسمع الحديث الدائر، فتتلقفها صفا وتجيبها بإستفاضة ومبالغة:

- انتي يا قمر انتي، وهو احنا عندينا عروسة غيرك؟ همام ولد العيسوي شريك ابوكي ، اللي امه جات هنا امبارح هي وبنتها وشافوكي وجعدتي معاهم، عايزة اجولك انك عجبتيهم جوي يا ليلى ، عمالين يوصفوا في جمالها حكايات.

تتلقى الكلمات كالتائهة بعدم استيعاب، فتتوجه نحو والدتها تريد التأكيد:

- ابدا يا عين امك، ولا فيه اي حاجة صح منه؟

هكذا جاء رد مزيونة ببساطة وهي جالسة محلها بثبات الجبال، لم تهتز او تنفعل بهم، لدرجة اربكت صفا التي ادعت عدم الفهم تلومها:

- كيف ولا فيه اي حاجة صح؟ بتك بتسأل ع العريس اللي جات امه امبارح وشافتها......

صدرت منها بمقاطعة حادة وتحدي متابعة:

- انتي ولا جوزك، حد منكم اداني خبر بالطبخة اللي بتطبوخوها من ورا ضهري، انا مش هلت ولا اكتر في الحديت ، بس انتي احسنلك تنبهي على جوزك ينهي الموضوع الماسخ ده من اوله، لا عارف وانتي كمان عارفة ان بنتي مش هتتجوز غير لما تكمل تعليمها، دا اتفاق وشروط يا ام ناصر ولو انتي نسيتي الشروط القديمة، مزيونة بقى مبتنساش ولا ترجع في كلمة قالتها.

كلماتها القوية اللجمت صفا للحظات، لكن سرعان ما استعادت بأسها في مواجهة غريمتها:

- انتي بنفسك جولتي ان الكلام دا جديم يا مزيونة وعدى وقته، وبتك دلوك جالها عدلها، دا بدل ما تفرحيلها عايزة توقفي حالها، وأنتي مش امها لوحدك ، عرفان كمان يبقى ابوها وليه كلمته عليها، ولا عايزة تعصي بته عليه، دا انتي حتى بت اصول؟

لم تستعجب مزيونة لاسلوبها الملتوي في الحديث،، لتستحضر مكر الانثى داخلها في الرد عليها:

- اااه... يعني انتي متفقة معاه، وعلى كدة بقى موافقة على نقض الشرط التاني كمان..... انه يرجعني مرته بحقوق زي زيك.

تجلت ملامح الصدمة بوجه صفا، حتي اصفرت بشرتها بصورة كادت ان تضحك ليلى الصغيرة، والتي اخدت وضع المتابعة الآن، تاركة الدفة لولداتها تدير بها الأمر كما تشاء، والتي تابعت بمزيد من الثقة:

سمعت الأخيرة لتنتفض من محلها تنهض عن جلستها قائلة بحنق شديد :

- وانا مالي يا بوي، انا بلغتك وخلاص وانتي حرة، العريس جاي العشية، شوفي هتعملي ايه ولا تتصرفي كيف مع ابوها، وانا مليش دعوة.

قالتها وتحركت متجهة للمغادرة على الفور، لتردد ليلى في أثرها :

- جال ملهاش دعوة جال، اجطع دراعي ان ما كان كل الموضوع طالع من تحت يدها، بجى انا اتجوز همام المخبل ده كمان؟

جاء النداء الغاضب من مزيونة لتحذرها مستهجنة:

- بلاش تريقة على واد الناس، ربنا يرزقه باللي احسن منك واحنا خلينا في مستقبلنا اللي يخصنا احنا وبس.

سألتها بضغف وقد شعرت الآن بحجم الكارثة التي تنتظرهم مغ اصرار والدها بتنفيذ ما برأسه:

- طب وهنعمل ايه ياما مع ابويا؟ انتي عارفاه وعارفة شدته، خصوصي والحرباية دي هتنفخ فيها لما تولع نار

- تعمل زي ما تعمل ، روحي البسيلك اي حاجة وتعالي معايا وانا اجولك هنعمل ايه؟

قالتها ودون ان تنتظر، توجهت نحو غرفتها لتبدل عبائتها البيتية بأخرى خارجية ولكنها وفور أن فتحت خزانتها، تجاهلت عن عمد كوم الملابس السوداء المعلقة امامها، لتنتقي قطعة مختلفة على الإطلاق، من تلك المجموعة التي تركتها منذ سنوات لم تعد تتذكرها، فتنزل بها على جسدها الآن امام المراَة، وترى امرأة أخرى، بل هي مزيونة ولكنها قبل أن تتزوج، لقد حسمت قرارها، وسوف تعود لأصلها، مزيونة الحرة .

وكما تمر الليالي سيئة على البعض، تمر ايضا سعيدة ومليئة بالأمل والأمنيات على البعض الاخر .

هبط الدرج قادما من غرفته في الطابق الثاني يبحث بعيناه عن شقيقه المنقذ والداعم الأهم في مواجهة العاصفة المتوقعة حينما ينوي اخبار الجميع بما هو قادم على تنفيذه.

لم يجده في المنزل فخرج إلى الحديقة، ثم توجه مباشرة نحو المدخل الخارجي ، وقد تفاجأ به داخل السيارة التي يقودها ببطيء التشغيل في البداية، يبدو أنه على وشك المغادرة، لينتفض مهرولا حتى يلحق به:

ظهر انعكاسه في المرأة الخلفية في سيارة المذكور، ليجبره على السباب وشتمه، منتبهًا لجنونه في قطع المسافة راكضًا نحوه، حتى وصل إليه في ثواني معدودة، ليفتح باب السيارة الأمامي وينضم معه:

سأله ببساطة ضاعفت من غضبه لينفجر به موبخًا:

- انت عجلك طار منك ياض؟ طب اعمل حساب لمنظرك وانت بتجري زي العبيط، جدام العيال الصغيرة وانت المفترض بش مهندس محترم وليك جيمتك جدامهم يا تربية الأزهر يا سيدنا الشيخ معاذ

اهتز كتفي معاذ بعدم اكتراث قائلا :

- وماله يعني؟ عادي يشوفو اللي يشوفوه، قدوة بجى ولا مثل سيء حتى في كل الأحوال انا مش في دماغي اصلا، المهم عندي دلوك.....

- تجولي انت ماشي كدة ورايح فين؟ لحقت تنسى كلامنا واللي اتفقنا عليه امبارح؟

ضرب حمزة بقبضته على مقود السيارة بغيظ شديد يصيح به بسخط:

- وهو ايه اللي اتفقنا عليه يا بلوتي السودة انت؟ دا يدوب اللي عدى بس سواد الليل، هلحق امتى بس اتكلم ولا اتزفت؟ انت هتشلني من اولها ياض؟

- وماله بس يا كبيرنا؟ ما انت برضك البريمو ومفيش حاجة صعبة عليك، دا انا اتوقعت اصحى الاقي أمي فوق راسي تزغرد لي فرحانة بعد ما تقنعها انت بذكائك معاها.

زام بفمه ساخرا معقبا على كلماته:

- يا حبيبي يا عسل انت، تزغردلك كمان! شوف ازاي يا اخوي، دا على كدة الموضوع ساهل جوي وانا مش دريان، يا ريتني في نص روقانك والله

- طب وايه اللي يمنع بس انها تفرحلي وتقتنع، مش هي برضو عايزاني اتجوز، ولا يعني هتحب بت عمي اكتر مني؟

تمتم حمزة بالاستغفار، يستحضر الهدوء حتى يتعامل مع هذا المتعجل:

- لا طبعا مفيش الكلام ده، هي بس مفاهيم غلط ومتمسكة بيها، ع العموم كل حاجة وليها حل، المهم بس انت ترسي انت كدة وتعجل، ثم كمان احنا لسة معرفناش البت ولا ناسها، كل اللي عرفناه هو اسم عليتها، اديني فرصة اسأل عليهم واطجس عشان افاتح امك بقلب جامد لو طلعت بنت ناس زينة

- اكيد هتطلع بنت ناس زينة، انا متأكد منها دي

تمتم بها معاذ بثقة ينقلها لشقيقه الحانق، ليعقب بغيظ:

- طيب يا غالي، مش ناوي تقولي رايح فين بالظبط ولا اوفف انزلك هنا؟

أجابه بلهجة تخللها الفتور قليلا، وقد هبط حماسه بعض الشيء بعد تحذير حمزة:

- لا امشي على طول، توصلني للمدينة الصناعية في طريقي اجيب الموتوسيكيل من ورشة التصليح

داخل منزل عرفان وقد أخبرته زوجته بما تم من مزيونة وعدم اعترافها بالأمر من الأساس، لتضيف من عندها ما يزيد من تأجيح الغضب بداخله:

- دي كان ناقص تطردني، كلام كتير خربطت بيه انا نفسي مقدرش اجوله، كأنها اتفرعنت ومحدش مالي عينها، او تكون خلفت بتها لوحدها من غير اب ليه كلمة عليها زيه زيها.

يسمع منها بصمت ابلع من اي حديث، انه زوجها وهي تعمله جيدا، معنى سكوته هو الخطر بذاته.

- انا من رأيي تعتذر لشريكك وخلاص يا عرفان، مزيونة شكلها مش هتجيبها لبر واحنا مش ناقصين فضايح.

جاء رده مستنكرا بعنجهية يخرج عن صمته:

- اتهبلتي يا مرة انتي ولا اتجنيتي؟ مين دا اللي يرجع ف كلمته، ولا مرتي مش هقدر امشي كلمتي عليها ولا احكم بتي، اهمدي وكني وملكيش دعوة انتي .

اومأت رأسها تدعي الطاعة، لتردف بمكر:

- حاضر يا بوي انا اصلا مليش دعوة بأي حاجة، ياريت بس مزيونة تفهم كدة بدل تلجيحها عليا؛ ان انا اللي ممشياك وزقاك على الموضوع ده، وانا ربنا العالم معتبر ليلى زي عيالي وانت نفسك تشهد انا بعاملها كيف .

زمجر ينهض من جوارها وقد أشعلت رأسه بما يكفي ولم يعد يحتمل بعد:

- انا نازلة اشوفها المرة دي هي وبتها

هتفت بها توقفه، ليناظرها طالبا المزيد من التفسير فتجيبه:

- من بعد حديتي معاها بالظبط طلعت هي وبتها، وادي بجالها اكتر من ساعتين، الله أعلم راحت بيها فين؟

اما عنها وقد انهت مشوارها الاول مع ابنتها وكانت في طريقها مع ابنتها نحو جهة أخرى، وحديث دائر وأسئلة لا تتوقف عنها ليلى او التعبير عن مخاوفها

- انا خايفة ابويا يعرف بمشوارنا دا ياما، وأنتي عارفاها لحظة غضبه.

ردت مزيونة بجمود البائع الذي لا يهمه شيء:

- يعمل اللي يعمله، انا المسؤولة قدامه، انتي ملكيش دعوة بحاجة.

- كيف ياما؟ اسيبك تواجهي لوحدك والموضوع اصلا يخصني.

رمقتها بنظرة محذرة تعيد عليها مشددة:

- اسمعي الكلام يا ليلى، انا عارفة بعمل ايه، وكفاية كملي الطريق معايا وانت ساكتة

في الأخير اضطرت ان تزعن لرغبتها توميء بطاعة، لتكمل الطريق معها صامتة، ولكن مع استمرار السير ونظرات البشر الموجهة نحوههم بتركيز شديد، خرجت ليلى عن صمتها تعبر عما يجول داخلها بلطافة:

- بس انا النهاردة بصراحة فرحانة جوي منكرش، الناس كلها بتبص علينا مفكرينك واحدة جديدة عن البلد، واللي يعرقك بيفضل متنح عليكي ويبصلك طول ما هو ماشي، طقم الألوان عليكي هياكل منك حتة يا مزيونة

لم تبالغ ابنتها وهي تعلم ذلك، ترى نفسها بالفعل عادت ثماني عشر سنوات،قبل أن تتزوج بعرفان وتصبح امرأة أخرى، ولكنها اليوم لا تشغل نفسها ولا تركز إلا مع شيء واحد وهو الاستعداد للقادم، وخروجًا امنا تبتغيه مع ابنتها، تسأل الله النجاح والتوفيق.......

................................

وفي الناحية الأخرى، داخل سيارة شقيقه وقد اللتزم الصمت واكتفي فقط بالتفكير بمن سرقت نومه، واحتلت عالم احلامه في المنام واليقظة، لا يتوقف عن التفكير بها على الإطلاق حتى حينما وقعت عينيه عليها الآن تسير في نفس الشارع الذي تسير به السيارة، ظنها في البداية وهما، حتى استوعب بعد لحظات لينتفض يحاول مع شقيقه حتى ينتبه ويراها هو الآخر:

- اهي يا حمزة، وكأنها بتيجي ع السيرة، عشان تعرف بس انها إشارة وربنا رايدلي اتجوزها، بص وشوف نقاوة اخوك ، بص بص

صار يهلل بالكلمات، وعيناه منصبة على مرأة السيارة الجانبية ناحية شقيقه الذي ازعجه الصراخ بأذنه والشد على جلبابه الفاخر ليخرج عن اعصابه، مقررا طرده والتخلص منه:.

- يووووه، طب ادي العربية موجفها خالص، عشان اخلص منك يا معاذ.

اجفل الاخير بفعل شقيقه حينما تفاجأ به ضاغطا على مكابح السيارة بعنف، بعد ان فاض به، لبجعلها بالفعل تتوقف، ولكن في منطقة طينيه ضحلة بالمياه الركدة التي تناثرت على جانبي السيارة حتى شعر بها ذاك الغاضب، ليدفع بابها إلى الخارج ويترجل منها، فتتوسع عينيه بجنون نحو معاذ الذي اتبعه في الخروج، ليشاهد الجريمة الشنعاء، بالسيارة الجديدة لشقيقه، والذي كان يحدجه بنظرات نارية يفوح منها الخطر، ولكن الجريمة الأكبر، هي ما انتبه له في نفس اللحظة، حينما تحولت ابصاره للخلف قليلا نحو مزيونة وابنتها، وقد اصاب ملابسهما ما اصاب السيارة، بقع طينيه انتشرت على الملابس الجميلة ليتلقى منهما شرار النظرات القاتلة، وجاء رد الفعل الاول من ليلى صائحة به:

- انتو عميتوا ولا قاصدين تعملوها فينا؟

دافع معاذ فخرج صوته بلجلجة مبررًا:

- لا والله اخويا وقفها بالصدفة، مكانش يقصد ابدا ولا حتى كان واخد باله.

- ولما هو السواق ومياخدتش باله، أمال مين ياخد باله.

هتفت بها مزيونة بنظرة غضب ولوم وجهتها إليه، حتى شرع ان يتأسف لها بعدما انتبه الى الحزن الذي أصابها، وهي تطالع فستانها الجميل وخمارها وقد تلطخا ببقع الطين الغبية.

قاطعته ليلى بلسانها الحاد تمطره توبيخا هو وشقيقه

- معللش، يعني تبهدلونا وتقول معلش، نصرفها منين انشاء الله، والله لولا بس مش عايزة شوشرة لا كنت لميت عليكم أمة لا اله الا الله .

زمجر بها حمزة مستهجنُا رغم علمه بصحة موقفها، حتى هم ان ينفعل عليها لولا خاطر شقيقه الذي اكتسحه الندم يهمس له راجيًا:

- احب على يدك اتحمل يا واد ابوي وما تتعصب، انا مش عايزاها تكرهني اكتر من كدة، دي افتكرتنا بنعاكس

سمع منه حمزة ليصدر منه السؤال دون ان يرفع عيناه عن الاثنتان وقد انشغلتا بنفض ملابسهم ومسحها بالمحارم الورقية او تغطيتها بالحجاب الطويل، علها تصلح للسير على الاقل حتى يصلن إلى وجهة قريبة ويبدلنها:

- الاتنين بيض وحلوين وصغيرين، انت تقصد اي واحدة فيهم؟

- الصغيرة يا حمزة مش باينة جدامك؟

اشار بذفنه نحو ليلى، ليطالعها حمزة بنظرة عابرة ثم يعود لمن سرقت اهتمامه من النظرة الاولى، تلك الجميلة العابسة والتي أثر به حزنها لدرجة دفعته ليقترح دون تفكير:

- احنا ممكن نوصلكم بالعربية لحد بيتكم.....

لا يدري كيف صدرت منه رغم برائة قصده، ولكن رد فعلها والنظرة النارية التي وجهتها نحوه جعلته يعرف جيدا مدى خطأه

- توصلنا لحد بيتنا! لا يا اخويا متشكرين ، مش احنا أللي نركب عربيات ناس اغراب ، ياللا بتي ياللا.

- يا آنسة انا مش قصدي والله....

قطع هذه المرة مجفلا بشهقة خرجت من حلقها، وعينيها برقت باتساع وكأنه سبها بسبة نابية، أضافت على سوء الظن الذي اتهمته به من لحظات

- جال آنسة جال، سلامة النظر والشوف

قالتها لتسحب ابنتها بعنف ذاهبة بها، لتضيف ليلى هي الأخرى قبل أن تذهب:

- لما هي آنسة، يبجى انا مين خلفني؟

تمتم بها حمزة متجمدًا في اثرهما بذهول، ليعقب معاذ هو الاخر:

- كاننا عكيناها جامد يا اخوي، والله خايف البت تكرهني بالفعل قبل حتى ما ادخل بيتها، بعد ما كنت فرحان شوفتها يحصل الموقف الزباله ده.

لم يعقب حمزة على كلماته، ولكن جاء استفهامه ف شيء اخر :

- طب انا شايفهم رايحين ناحية الزراعات، هما رايحين على فين؟

- اكيد رايحة بيت جدها، انا شوفتها اصلا هناك مرتين هناك، عندهم برج حمام قديم اكيد بتروح تراعيه، مش هنمشي بجى .

ظل حمزة صامتا للحظات حتى تحرك فجأة يعود لسيارته فتبعه شقيقه، وفور أن اشغل المحرك أمره قائلا :

رواية لاجلها الفصل الرابع

توقف بالسيارة للتي تقله مع شقيقه من مسافة بعيدة الى حد ما من المنزل المقصود، ولكنها تمكنها من مطالعته من الخارج، ليستائل نحو شقيقه:

- باين من شكله، ان البيت قديم لكنه مأصل، دي حاجة مش محتاجة ذكاء، لكن انت متأكد انها مش ساكنة هنا؟

- وه يا واد ابوي ما هي لو ساكنة هنا انا مكنتش هسيب مطرحي، انشالله حتى أبيت وسط الزرع المهم ان اشوفها وأطل عليها.

تمتم بها حمزة شبه ساخرا ليردف بحزم:

- ماشي يا عم الحنين، لم نفسك واعرف اصلها وفصلها عشان نخلصه من الموضوع ده ونشوفه ينفع ولا لاه، وبالمرة اتأكدلي من اااا......

- تتأكد يعني من موضوع اللي ماشية معاها دي ان كانت امها صح ولا....

- ولا ايه؟ إنت مش مصدق يا حمزة انها امها فعلا؟

حاول إخفاء ما يشعر به، ليجيبه بجدية:

- يا سيدي مش حكاية أصدق ولا مصدقش، انا بس بقولك تلم اكبر معلومات عنهم عشان لما افتح مع امك اتكلم بقلب جامد، اتفقنا يا سيدي

تمتم بها معاذ بحماس ليدير الاخر محرك السيارة بعقل مشتت قائلا:

...............................

عادتا الاثنتان من الخارج، بعد انجاز هذا الشيء الهام الذي خرجن من اجله، وجاء الان موعد المواجهة كما يبدوا من هيئة هذا المتجهم الذي وجدنه جالسًا داخل الشقة التي تسكن بها مزيونة وابنتها، في لفتة نادرة لا تحدث الا نادرا، فالمعتاد انه لا يلتقي بهما الا في الضرورة وفي ذاك الجزء الفاصل ما بين شقة مزيونة والطابق الثاني الذي يسكن به مع اسرته وصفا زوجته، لكن ان يكون هنا الان وبتلك الوضعية، حيث كان واضعًا قدمًا فوق الأخرى، يدخن بشراهة جعلت المنزل يبدو كمدخنة، يستقبلهما رافعًا حاجبًا بشر:

- حمد على السلامة، يارب تكونو انبسطوا في مشواركم.

زامت بها مزيونة تحرك رأسها بتفهم، وقد تيقنت الان ان المعركة قد بدأت باكرا بفضل صفا التي لا تقصر ابدا في شحنه سريعًا ضدهما.

لم تتأثر او تهتز برؤيته فهي تستعد لذلك منذ فترة اليوم طويلة وليس اليوم، عكس ابنتها، والتي تجلى الخوف في نبرتها:

- الله يسلمك يا بوي، امي طلعت معايا تتفجلي مع الاستاذ سيد عشان يشركني في مجموعته الجديدة قبل ما يقفل العدد وملقاش حد يديني درس الانجليزي

لهفتها في الحديث ولهاثها ايضا، يؤكدان دون جهد توترها، ولكنه مع ذلك لم يهتم وقد لفت انتباهه شيء اخر، شيء تفاجأ به رغم توقعه منذ فترة طويلة، زوجته العزيزة وقد بدلت اليوم ملابسها من الأسود للألوان ، لتكشف عن جمالها المتخفي منذ سنوات عديدة لم يعد يذكرها، وقد نضجت والتف عودها بعد الضعف الشديد والمرض الذي جعله ينفر منها قديما، لتصبح كالثمرة الطازجة، سب نفسه لأكتشافه المتأخر وعيناه تمشط منحنياتها بسفور حتى عقب ساخرًا:

- ايوة...... واللي تروح تتفق ع الدرس تغير للالوان ، دا باين الاستاذ سيد عزيز جوي.

اجفلها حقا بوقاحته حتى برقت عينيها نحوه بغضب شديد، لتأمر ابنتها:

- روحي ادخلي جوا يا ليلى، وسيبني اتكلم مع ابوكي.

سمعت منها ولكنها لم تتحرك، لتطالعها باستجداء، ورغبة في عدم تركها وحدها معه، لتضطرها ان تعيد عليها بحزم:

- جولتلك خوشي جوا يا ليلى، انتي مبتسمعيش الكلام؟

- اسمعي الكلام يا بت، دا انتي مش سايبة امك مع حد غريب حتى، ولا أنتي كمان نسيتي انها مرتي؟

تضاعف الحنق داخلها، لتجبر ابنتها على التحرك وهي تدفعها بخفه حتى سارت بخطوات ثقيلة إلى أن وصلت الى غرفتها لتلتصق بالباب وتتصنت لحديثهما بترقب.

اما عن مزيونة، وفور أن اختلت الأجواء بينها وبينه، خرج صوتها بانتقاد نحوه:

- ياريت تخلي بالك من كلامك، عشان البت صغيرة متفهمش في تلميحاتك الماسخة.

ضحك بهفة لينهض مقابلا لها يعقب على قولها:

- تلميحاتي انا ماسخة، ومسخرتك وانتي بتطلعي تجابلي رجالة غريبة، باللبس الملون يا غندورة، اللي ماعملتيها لجوزك الغلبان.

- للمرة التانية هجولك انتبه لكلامك، انا بت الأحرار، وسمعتي تاج على راسي، انت ايه اللي جابك بيتي اصلا؟

ضحك بخفة ليقترب ويده امتدت لتلامس انامله وجنتها مرددًا:

أبعدت اصابعه عنه بازدراء وارتدت للخلف تبتعد عنه، لتثير به التسلية:

- تصدجي بالله انت كنت جاي ومستحلفلك، بقالي ساعة مستنيكي بعبي وبفضي في صدري منك، لكن سبحان الله بعد ما شوفتك، وحتي وانا دمي محروق منك، اعصابي بردت، ويدي اللي كانت بتاكلني لضربك كفين اعدلك بيهم، دلوك بتوزني على حاجات تانية....

هم ان يقترب ولكنها تراجعت مرة اخرى لتهدر به:

- أوقف مكانك واياك تقرب خطوة تانية.

صيحتها الهادرة جعلته يستفيق من نشوته، فيتذكر غضبه منها:

- حلو........، كويس جوي انك فكرتيني للسبب الأساسي لمجيتي، الهلفطة اللي سمعتها من صفا تشيليها خالص من مخك، عشان انا راجل مبرجعش في كلمتي، البت هيجي عريسها النهاردة ومش بعيد نقرأ فاتحة، هندسي نفسك كدة وفطمي البت من الهبل اللي عششتيه ف مخها عن التعليم والكلام الفاضي، تروح بيت جوزها عايزها تكمل هو حر، انما غير كدة انسي.

- وان جولتلك مش هيتم وبلاها منه احسن.

قابل لهجة التحدي خاصتها بمزيد من العنجهية والاستخفاف:

- دا على اساس اني بتهدد يعني، مش بجولك اعصابي بردت يا مزيونة، ومليش غاية اتعصب عليكي، كانه يوم سعدك، اهدي واعرفي مصلحتك فين؟ ونيمي البت بدري عشان انا ناويت اخليها معاكي الليلة دخلة جديدة، دا كمان أمر ومفيش منه رجوع .

لم يلقى منها ردًا هذه المرة سوى ابتسامة غامضة وغير مفهومة، ليسحب نفسه ويتحرك بزهو انتصاره المزيف، حتى إذا خرج من عندها غمغمت هي في اثره:

..................................

اما عنه، وبعد أن خرج من عندها مشتتًا، حتى كاد أن يخطأ وجهته في الصعود إلى الطابق الاخر، ذهنه مشغول بها، وعقله يستعيد ذكرياته القديمة معها، اول امرأة دخلت حياته كرجل وعاشرها، كانت صغيرة في عمر الثالثة عشر وهو في الخامسة والعشرين، اختارها وتعلق يها منذ اول مرة وقعت عينيه عليها، لقد كانت بهية وساحرة تلحقها العيون أينما حطت قدميها، يذكر انه اجبر والده لدفع اكبر مهر في البلدة حتى يتمكن من اقناع والدها للموافقة على تزويجها إليه، كانت كالتفاحة الطازجة، شهية ولا يشبع منها ابدا، حتى حملت بابنتها وتبدل حالها ، جسدها الصغير لم يكن مستعدا ابدا لحمل اطفال، فضعفت وهزلت حتى جاءت القاسمة بولادة متعسرة نزفت على أثرها حتى كادت ان تموت مع الطفلة، لولا نجدتها بصعوبة من قبل الأطباء الذين اقروا بعد ذلك أن حملها مرة أخرى هو شهادة الموت لها،

ولكنه لم يستمع واعتبره محض هذيان ليس أكثر، ليمارس دوره الطبيعي كزوج دون اكتراث برفضها ومرضها حتى حملت بطفل ثاني ولكنها أسقطت من اول شهر واصابها النزيف مرة اخرى، وبصورة جعلتها تمكث في المشفى لأيام عدة، فأصابها المرض بعد ذلك حتى زاد من ضعفها وهزلها، لتصبح كالجثة المتحركة، وما كان يجعلها متعلقة بالحياة هو ابنتها وفقط، حتى مل هو وضجر رغم صبره عليها اكثر من سنة

هو ليس راهبا لأن يعيش بدون نساء، أو مع امرأة مريضة ان لمسها عانت بعدها لأيام، حتى ينفضح امره امام الجميع رغم علمهم بحقه بها كزوجة من واجبها ان تلبي رغباته....

عند خاطره الاخير فاق من شروده على رؤية من حلت مكانها، صفا ابنة خالته والتي كانت مقدرة له منذ مولدها، ولكنه فضل مزيونة الجميلة عليها، قبل أن يعود اليها مضطرا، لحاجته الشديدة لامرأة تلبي احتياجاته وتلد له الأطفال، خصوصا الاولاد ، بعد أن صار الانجاب من مزيونة أمر شبه مستحيل.

- عملت معاها ايه؟ اوعى تكون ضربتها؟

قالتها متصنعة الجزع في نبرتها، حتى كادت ان تضحكه لعلمه بأن ضربه لمزيونة وابنتها هو أجمل الاماني لها، وللأسف مضطر ان يحبط املها:

- لا يا صفا طمني قلبك، مضربتهاش عشان مليش مزاج ، كفاية بس اني امرتها وهي عارفة انها متقدرش تطلع عن طوعي.

قالت بملامح ارتسم عليها الاستنتكار، رغم تصنعها غير ذلك:

- ااه، وعلى كدة معرفتش راحت فين وهي ساحبة بتها معاها.

رد ببرود كاد أن يجلطها وقدميه تتخذ طريقها إلى داخل المنزل:

- راحت مطرح ما راحت عاد، جهزي انتي بس القعدة من دلوك للضيوف مش عايز حاجة ناقصة لو طلبت وعشينا نسايبنا .

غمغمت بها من خلفه بغيظ يفتك بها، لا تصدق ان الامر سوف يسير بهذه السهولة، أيعقل ان تكون استسلمت ولن تعارضه، اللعنة ان قبلت ايضا بذاك الأمر الاخر بأن يأخذ حقه بها كزوجة، سوف تكون هي الخاسرة وقتها، بعدما عادت مزيونة لعهدها الأول.

دلف لغرفته يرتمي على فراشه بمرح يغمره، لقد اخذ الموافقة من شقيقه، والذي تحمس اليوم بعدما رأى ليلى الجميلة ووالدتها الصغيرة هي الأخرى، كان اللقاء بهما كارثي وكاد ان يفقده الأمل في الارتباط بها، ولكنه الأن اكتفى بالوعد الذي أخذه من شقيقه بعد ذلك

عليه فقط ان يعرف مكان منزلها بالضبط، لقد عرف من احد اصدقاءه اليوم بمحل عمل ابيها، مزرعة الفواكة التي يمتلكها بمشاركة مع احد الرجال.

يتبقى فقط المنزل وهو ما سيذهب إليه اليوم بمرافقة زميله

- امتى تيجي العشية واعرف بيتك يا ليلى، يارب أتمكن من شوفتك، يارب تيجي بدري من سفريتك يا حمزة وتخلصلي الموضوع ده، انا عارف انك متغلبش

مساءًا وقد اقتربت اللحظات الحاسمة

كان القلق والترقب هما سيدان الموقف في منزل مزيونة وابنتها، بعد أن أرسل لهما عرفان قبل قليل ابنه ناصر، يأمرهما بالصعود إليه حتى ان أتى العريس المنتظر واسرته، تتم الجلسة في الطابق الأعلى، مقر سكنه الدائم مع صفا وأولاده.

بالطبع مزيونة لم تنفذ، لا هي ولا ابنتها التي تقف خلف باب الشقة الان على اعصابها، تراقب الحركة في المدخل وقدميها لا تكف عن. الاهتزاز بصورة ازعجت والدتها التي تتحلى بالبأس من أجلها، تسيطر على ارتعاش أطرافها بصعوبة حتى لا ينتقل التوتر اليها وهي لا ينقصها:

- ابويا بجالو لحضة طويلة بعتلنا، انا خايفة ينزل دلوك ويسحبني من شعري

- اطمني مش هيسحبك غير لما ياجي العريس

جمدت ليلى وانسحبت الدماء من بشرتها ، تطالعها بفزع جعل مزيونة تسارع للتصحيح ملطفة:

- يا بت بهزر مجصديش، بلاش الخوف ده اجمدي بقى .

بتعب أوشك ان يوقعها تحاملت ليلى تترك محلها خلف الباب وتحركت حتى جلست على اقرب مقعد وجدته امامها لتسقط بثقلها عليه، مرددة:

- اجمد ازاي بس وابويا في اي لحظة متوقع يبقى فوق رأسي وراسك، لو عريس الهنا ده طب الأول قبل الجماعة ما يوصولوا، انتي متصلتيش ليه تستعجليهم؟

زفرت مزيونة بسأم تجيبها للمرة الالف؛

- عشان مينفعش ازن واوجع مخهم، دي مش عيال صغيرة بيروحو ويجوا في كلامهم، دي ناس كبيرة وكلمتها بالف حساب، اهدي انتي بس وكل حاجة هتم زي ما احنا عايزين، اهدي.

- اومأت تحرك رأسها بنعم، ولكنها شردت بعدها في نفس اللحظة، تخشى غضب ابيها، وتأخر من تنتظرهم بحق.

انتفضت بفزع فور أن سمعت النداء بأسمها من قبل ابيها الذي تعرف صوته جيدا، قبل أن يجفلها بحضوره داخل المنزل حينما دفع الباب الخارجي كي يلج اليهم، فوفعت عينيه عليها يقيمها سريعا ببصره ليردف صائحا:

- لساكي ببجامة البيت وانا بعتلك بجالي ساعة انتي وامك الغندورة

- ما هو ايه يا بت الكل......... اخلص ياللا اتحركي.

ركضت على أثر صيحته الأخيرة ، تختفي من امامه داخل غرفتها تنفيذا لتعليمات والدتها التي نبهت عليها سابقا بذلك كخطة بديلة رغم اعتراضها، قلبها يضرب بجنباتها بقوة، يوشك على الخروج من صدرها، وهي تراقب الموقف من محلها،

اما عن مزيونة فقد ظلت على سكوتها المريب دون أدنى اعتراض، لينتهز عرفان الفرصة باعتقاد منه ان الامر بين يديه وسيتم ما يريده، ليزيد من قربه هامسًا بغزل مبطن:

- كويس انك جلعتي الألوان ورجعتي للعباية السودة، بصراحة اخاف تطلعي مع بتك، العريس وابوه يتلخبطوا بينك وبينها، وأن كان على لبس الألوان

توقف يمسخ على طرفي شاربه يردف بتنهيدة ساخنة:

- ليكي عليا اجيبلك كل الألوان، الشفتشي والناعم وكل اللي اتحرمنا منه السنين اللي فاتت، اه لو تعرفي انا مشتاقلك كيف؟....... نخلص بس من البت دي ونعيش شهر عسل من جديد، ونعيد اللي فات منينا،

سكوتها المستمر كان يحفزه على المواصلة، بظن منه ان تبادله نفس الشعور:

- اتلم عليكي بس يا مزيونة، وهتلاقيني لزقت ف البيت ومش طالع واصل.

ختم بضحكة متحشرجة اثارت قرفها منه، ولكنها تماسكت تخفي انفاعلاتها، حتى أتى الفرج على حين غفلة، بطرقة خفيفة على باب المنزل وصوت يصدح بالنداء :

- عرفان يا اشقر، انت فين يا ولد؟

انتفض المذكور يهرول نحو باب المنزل كي يستقبل صاحب الصوت الوقور، رغم استغرابه لحضوره:

- عم الشيخ خميس، دا ايه الزيارة ال........ المفاجأة دي

تقطعت الكلمات منه حينما انتبه للرجلين الآخرين المرافقين له، ليضطر ان يرحب بهما ايضا، ولكن بتوجس:

- يا مرحب بالاستاذ نعيم، منور يا عم جاد .

دلف الرجال بصحبته لتتلقفهم مزيونة بلهفتها:

ربت الرجل العجوز على يدها بخفة ليضمها بين كفيه حتى جلس وأجلسها بجواره، امام عرفان الذي تسربت داخله الريبة، وهو يتابعهم.

ليبادره العم جاد الحديث بمراوغة:

- شكلنا فاجأناك بحضورنا، لا تكون كنت مستني حد غيرنا .

ارتفع حاجبه باستدرك ، ليجيبه مرددا:

- كنت! لا مكنتش، انا فعلا مستني ضيوف مهمين، بس انتو كمان مفيش أغلى منكم، مع اني مستغرب شوية

ليس غريبا عليه الجلافة في الرد رغم ادعائه غير ذلك، لتسارع مزيونة في التصليح:

- البيت بيتك يا شيخ خميس، انت والأستاذ نعيم وعم جاد، زيارتكم انتو الأهم فعلا .

قالتها بمغزى نحوه ضاعف من شكوكه، ليأكده المتر نعيم بقوله:

- اسفين على الزيارة لو جات في وقت مش مناسب، على العموم احنا مش هنطول عليك، هما كلمتين وهنلم نفسها ونقوم

- كلمتين تقدر تعتبرهم نصيحة في البداية كدة قبل أي شيء، احنا جايين نفكرك بالعهد اللي اتاخد زمان على ايدنا احنا التلاتة وكان ساعتها معانا ناس ورحلو من ضمنهم الحج شريف الحر، والد مزيونة واخوها اللي برا البلد دلوك في شغله، افتكرتهم ولا تحب نعيد عليهم من تاني؟ انا راجل كبرت صح، لكن عقلي مازال بخيره

تغضنت ملامحه بغضب وقد بدأ عقله يفطن لمغزى الزيارة، ليظل على صمته، يتابع الرجل العجوز وهو يردف:

- خالفت ليه الشروط يا عرفان؟ مش احنا متفقين انك هتعلم البت، ولا انت هتخالف كمان وصية الراجل اللي حطها في رقبتك امانة قبل ما يموت .

صدرت من حلقه كزمجرة، يركز ابصاره نحو زوجته التي تطالعه بتحدي يزيد من حنقه:

- يعني انتوا ملمومين بصلاة النبي جايين تفكروني بكلام عدى وفات عليه سنين، لا وفي ايه؟ في وقت ما انا مستني نسايبي اللي هيقروا معايا فاتحة البت على اساس اني راجل هفية، هتبعكم واكسر كلمتي مع الرجالة، مش عيب برضو ناس كبيرة وعليها القيمة زيكم يمشوا ورا مرة عقلها ناقص زي دي؟

صدرت منها كرد على كلماته لينتفض من محله صائحًا بها:

- لمي نفسك يا بت، انا لسة حسابي مجاش معاكي اصلا، راحة للرجالة الغريبة تلميهم عليا عشان يكسروا، دا انا اكسرك انتي قبليها وماليكي عندي ديه.

- صلي على النبي في قلبك يا عم عرفان وبلاش الافترا ، مرتك احنا مش اغراب عنها، ولا عنك انت كمان، هي عملت بالاصول واحنا مبنعملش اكتر منها، جاين نفكرك بالشروط القديمة وانت حر، وهي كمان حرة تشوف مصلحتها ومصلحة بتها فين؟

صدرت من عرفان بقوة وعيناه ذهبت نحو ابنته التي وقفت بالقرب تتطلع إلى ما يحدث بصمت ليشدد في توجيه الحديث نحوها ونحو الجميع:

- عشان نبقى واضحين، الكلام في القديم عليه الرديم ، وبتي انا ابوها وعارف مصلحتها زين، يعني لمتكم دي من غير زعل ولا كسوف ملهاش لازمة..

- يبقى انت كدة جيبت آخرها وبرضك مفيش كسوف.

صاحت بها مزيونة امامه بقوة تسبق المتر نعيم الذي ايد ردها:

- واحنا على استعداد لكل الاجراءات

قالها الرجل لتبدأ حرب الكلمات بين عرفان المصمم على الفتك بها وبابنتها وبين الثلاث الرجال الذين تولوا اليوم مهمة الدفاع عنها.

كان قد توقف هذا العاشق بمساعدة صديقه الذي دله على العنوان، ليمارس مهمته بنشاط في السؤال عنها وعن اسرتها، حتى يتثنى له جمع المعلومات اللازمة لتقوية موقفه مع شقيقه، امام المواجهة الحاسمة ضد والدته، ولكن بعض الأصوات التي كانت تصدر من الداخل جعلته يسترق الانتباه مع صديقه وبعض الرجال الذين التفوا معه، في تساؤول عما يحدث بالداخل حتى أوقفوا طفلا صغيرا من اهل المنزل للأستفسار منه:

- واد يا ناصر ايه اللي حاصل في البيت جوا؟

قالها الطفل بجرأة غير عابئا بفضول الرجال الذين لم يملوا المحاولة معه:

- يا ولدي احنا بنسأل احسن عايزين نعرف بس عشان نطمن، دا كمان في ضيوف دخلالكم

قال احدهم فتوجهت ابصار الجميع نحو مدخل المنزل الذي توقفت أمامه سيارة، وترجل منها رجل وامرتان، وشاب منمق الهيئة بصورة اثارت التوجس بقلب معاذ ليتدخل هو الاخر بسؤاله إلى ذاك الصغير المتمرد:

- هما الجماعة دول قرايبكم يا عسل؟

وفي إجابة أتت تزلزل الأرض من اسفله:

- لاه دا خطيب اختي، والنهاردة قراية فاتحتها......

لم تكن صدمة، بل كانت شيء اخر لا يعلم له اسمها ، جعله يشعر بتكسر قلبه إلى أشلاء متفرقة، بوجع يفوق الاحتمال يكتنفه ولأول مرة، حتى غادر دون الانتظار.

................................

اما في الداخل وقد كانت المشاجرة على اشدها، حتى دلف ضيوف عرفان المنتظرين، تتلقفهم صفا المراقبة كعادتها من بعيد، لتمارس دورها في استغلال الفرص فتزيد الوضع اشتعالا، بإدخالهم وادعاء الترحيب، حتى ان سألوا عن سبب الأصوات العالية والشجار، وجهتهم بخبث نحو شقة مزيونة والجلسة الحامية داخلها.

وقد كانت تصل في هذا الوقت اشدها:

- طلجني يا عرفان، ما دمت مش عامل قيمة لكلام الناس الكبيرة وعايزة تنقض الشروط، يبجى ما بدهاش، مفيش ولا سبب واحد تاني يخليني على زمتك .

قابل عرفان انهيارها بعنجهية وتكبر:

- دا لما تشوفي حلمة ودنك، شكلك فاكرها سايبة مش انا اللي تمشي حرمة كلمتها عليا

تولى المتر نعيم الرد حازمًا، يفاجئه:

- لا يا عرفان باشا مدام وصلت لكدة يبقى انت تستاهل الخلع، اطمن احنا مشينا في الإجراءات من دلوك، لأننا كنا عارفين اللي فيها .

- خلع يا محامي الغبرة دا انا هطلع روحك النهاردة.

تمتم بها عرفان لينفض عنه الجزء الباقي من تماسكه،

فينقض عليه يمسكه من رقبته، غير مكترثا بكبر عمره، ولا حتى توقير العجوز شيخ البلدة

- حرام عليك شيل يدك عنه، دا كد ابوك

صرخت به مزيونة في محاولة لم يستجب لها، ينتوي تأدبيها فيما بعد، لكن منعه زوج ذراعان قويان تسحبه بقوة عن الرجل، ليتفاجأ بشريكه العيسوي وابنه العريس المنتظر همام....

صدمه افقدته النطق، وقد اكتست ملامحه الحرج، غير قادرا على مواجهتهم او الرد على اسئلتهم:

- ايه اللي حصل يا عم عرفانذ؟ دا المتر نعيم مفيش راجل في احترامه ف البلد

- الراجل في بيتك وبتتعرك معاه، دا كلام برضك يا شريكي؟

امام ارتباكه الملحوظ وجدت مزيونة فرصتها :

- عايز يموته عشان بلغه بالدعوة اللي رفعتها انا عليه، عشان يخلعني منه.

سمع منها واشتعلت رأسه يقاوم تكبيل الرجلين له، يريد الفتك بها:

- خلع لما يخلع ضروسك، دا انا اخلع روحك جبلها.

أوقفه الرجال بالعنوة تقدمه نحوها، ليحكما السيطرة عليه، ولتضاعف هي من حرجه اكملت:

- همام يا عيسوي، مع احترامي ليك ولابوك ولعيلتك كلها:

- انا معنديش بنات للجواز دلوك يا ولدي، بتي هتكمل تعليمها.

- لاااا دا انتي بجى اللي جبتيها لنفسك.

قالها ليتمكن هذه المرة من ابعاد الرجلين عنه، وقد نالت منهما الصدمة، لترتخي ذراعيهما ويتمكن هو من إزاحة العم جاد الذي حاول ان يتصدر له،

فلم يتبقى سوى الشيخ العجوز والمحامي الكهل هو الاخر كجدارين ضعيفين لحمايتها ، يعلم أنه قادر على دفعهما بإصبعه، حتى يصل اليها ويخنقها أمامهم ، لكن اوقفه صرخة واحدة أتت من داخل المنزل لفتت ابصار الجميع نحو صاحبتها، وهي تجري مندفعه نحو والدتها صائحة:.

- إياك تقرب من امي، والله أرمي نفسي في المشروع لو مسيت شعرة منها

ضمتها مزيونة اليها تحميها وتحتمي بها في نفس الوقت، فتزيد عليه ليلى بجرأتها:

- اسمع يا عم عيسوي انت وولدك، انا مع امي في اي كلمة تقولها، ولو ابويا مشى كلمته هيبجى غصب عني، لو تقبلها على نفسك انت وولدك عاد؟

جاء رد الرجل الفوري بإحباط تخلل نبرته، موجها نظرة قاسية نحو شريكه:

- لا يا بتي وعلى ايه؟ انا ولدي تتمناه الف واحدة غيرك ، احلى وأصغر كمان، يا للا بينا يا همام.

جر الاخير اقدامه بصعوبة، موجها ابصاره نحو عرفان الذي شعر وكأن برميل مياه باردة أسقطت عليه، بعد ان فقد احترامه ومكانته امام الجميع، مصمصت الشفاه من النساء الواقفة في مدخل الشقة بجواز زوجته الثانية صفا، والتي لم تقصر هي الأخرى، كرامته التي صارت في الأرض تحت اقدام تلك المزيونة وابنتها، وقد تحلت بالقوة اليوم من اجل ان تكسره، ولكنه لن يسمح

على صوته فجأة يلملم المتبقي منه، كي يرد اعتباره، منتقما منها:

- مزيونة يا بنت شريف الحر....... انت طالق، تلمي هدومك، وتاخدي بتك في يدك، من الليلة ملكيش بيات فيها

رمى عليها يمين الطلاق لتترك منزله بحقييبة ملابسها، وتأتي لتبيت ليلتها هنا داخل منزل والديها الطيني القديم، رغم اصرار الثلاث رجال من أصدقاء المرحوم والدها لأصطحابها إلى منازلهم، أو على الأقل الذهاب بها إلى منزل شقيقها الغائب هذه الليلة في عمله حتى يعود ، ولكنها رفضت ان تحمل احد مسؤوليتها، تحمد الله انها نظفته صباحًا من الاتربة، ليتثنى لها الآن النوم على حصيرة نظيفة ، كانت قد فرشتها على الأرض ومعها وسادة وغطاء يضمها مع ابنتها التي التصقت بها، تستمد الدفء منها:

-تفتكري هنقدر نكمل ياما؟ منين هنجيب حق الدروس والاكل والشرب والمدرسة، انا مصاريفي كتيرة ياما وخالي يدوب بيكفي مصاريف بناته.

زادت مزيونة من ضمها إليها، تطمئنها قائلة:

- ومين جالك اننا هنعتمد على خالك ولا غيره، احنا دلوك بقينا احرار، لو هناكلها بدقة مش هنجصر، هتتعلمي يا ليلى غصب عن الظروف وعن الكل، سمعاني يا بتي .

غمغمت بها بصوت ناعس ، لتغوص بعدها في عالم الاحلام، فتبتسم والدتها بحب، وقد نالت غرضها اخيرا بالخلاص منه ومن كل ما يخصه، ولتبدا من الغد رحلة كفاح اخرى، أقوى واشد عما سبق، ولكن تميزها الحرية ، وما أجملها من كلمة

غلبها النوم هي الأخرى حتى ايقظهم صوت طرق قوي كاد أن يخلع الباب وصياح من الخارج:

- افتحي يا مزيونة، الليلة دي هخلص عليكي ، انتي وبت الكل...... التانية

انتفضت هي وابنتها عن الفراش بجزع ، لتذهب نحو اول شيء وجدته امامه، عصا والدها الراحل ، امسكتها ليخرج صوتها بتهديد رغم ارتجافه:

- امشي وروح على بيتك يا عرفان، ما تجيبش لنفسك الكلام، انت خلاص بقيت طليقي، يا افضحك واقول بووو

- والله ضحكتيني، طب صرخي مع نفسك بقى.

قالها ليشرع بعدها في كسر الباب الخشبي، عبر الدفع بجانب الجسد الضخم عليه مرة واثنان والثالثة كان في الداخل معهما، مرددًا بفحيح:

- هااا ، وريني بقى صوتك هيوصل لحد فين عشان انا الليلة دي مش هعتقك لا انتي ولا بتك،

صرخت بأعلى صوتها فور أن انقض عليها يحاول نزع العصا منها حينما حاولت ضربه بها.

- بعد عنينا يا عرفان، انت مش طلقت وخلاص خلصنا منك .

اه يا حلوة ما انا طلقت، بس لازم اربيكم الليلادي.

قالها لتنشب بعد ذلك المعركة الغير متكافئة بينه وبينهما، يضربها وتضربه، وليلى التي كانت تحاول دفعه عن والدته تطولها يده هي الأخرى، يفاجئه القوة الجديدة من مزيونة، ورغم ذلك هو عازم على كسرها الليلة واخذ حقه منها في الحرام مادامت لم تقلل بحقه كمها في الرام في الحلال

- ابعد عن امي حرام عليك، يا ناس اللحقونا ياناس

تلك الأصوات التي صارت تصدح في اجواء المكان الخالي إلا من محاصيل الخضروات والأشجار، في تلك الليلة الغريبة لتصل إلى ذلك الذي كان يقود السيارة عائدا من سفرته السريعة، ليفاجأ بمصدرها من داخل المنزل المهجور كما يعلم، والوحيد في هذا المنطقة.

وبدون ادنى تفكير أوقف السيارة يترجل منها مهرولا نحو المنزل المفتوح على مصراعيه، ليتفاجأ بما أشعل الدماء برأسه، تلك الجميلة التي رأها اليوم، يضربها رجل في قوة الثور وهي تقاومه بما تستطيع وابنتها تساعد

- بتمد يدك على حريم يا عديم النخوة

صدرت منه تلفت الانتباه نحوه، قبل أن يهجم بقوته، يسحب عرفان إليه، فيباغته بضربه قوية برأسه على جهته القاسية افقدته اتزانه، ليكررها عدة مرات حتى كاد أن يصيبه ارتجاج في الرأس، ليقع ارضا فاقدًا للوعي ، فصرخت ليلى :

- ابويا، ليكون مات ياما ليكون مات

- انا اسف لو أدخلت مكنتش اعرف جوزك

وصلت إليه العبارة كماء مثلج رطب على قلبه، فاندفع يريد المزيد من التأكيد:

- لا يا أخينا لا هو ولا غيره، دا انا ما صدجت خلصت منه اصلا.

شعور بالارتياح كاد أن يفقده صوابه، لولا استدراكه لخطورة الموقف، وهذا الأحمق الذي كان تسطح الأرض كالجثة امامهم، ليجثو بركبته اليه، يتقحص حالته، ثم ينهض سريعًا يهديء من روع الاثنتان:

- اطمنوا متقلقوش، دلوك اخده ع المستشفى نسعفه، يا ابعت لحد من عيلته يشيلوا نصيبتهم مع نفسهم.

- يبجى التانية انا همليك نمرة عيال عموا ، عشان ياجو وتشهد بنفسك على اللي شوفته يا استاذ ااا

- حمزة، حمزة القناوي، بس ياريت قبل كل شيء تغطى نفسك عاد الأول، لا مؤاخذة يعني .

قال الأخيرة يبعد ابصاره عنها بصعوبة، لتتدارك هي لتفسها، بتلك العباءة النصف الكم التي كانت ترتديها وشعرها المنطلق دون حجاب او طرحة، يزين جانبي وجهها، فشهقت تهرول أمامه بخجل:.

- يا مري، انا كنت نايمة وماخدتش بالي، منك لله يا عرفان

ضحك بخفة يحاول التخفيف عنها، رغم سعادته بمشهدها الفاتن، والذي سوف يظل عالقا بذهنه إلى انتهاء عمره:

رواية لاجلها الفصل الخامس

وصل إلى المنزل، والشمس يطل ضيائها على الأرض باستيحاء في هذا الوقت المبكر من الصباح بعد الفجر، يجر اقدامه جرًا من التعب بعد انتهائه من تلك المشكلة، بتسليم هذا الأحمق لعدد من أفراد عائلته، وشهادته لهم بما حدث، بناء على رغبة تلك المرأة الجميلة وابنتها الفتاة التي اذهبت عقل شقيقه من نظرة واحدة، الآن فقط يعطيه الحق بعد ان رأى والدتها

تنهد بقوة ليسقط بثقله على الفراش، فيتسطح عليه بظهره دون حتى ان يخلع عنه ثيابه، فاردًا ذراعيه، وابصاره للأعلى نحو السقف، جسد منهك، لا يعلم ما الذي اصابه؟ ربما كان اذا نتيجة السفر والقيادة لمسافات طويلة، وربما الشجار مع هذا الثور، وانفعاله عليه وضربه، وربما هي تلك المشاعر التي عصفت به، كرياح موسمية شديدة القوة، تقلب حتى الثوابت الصلبة في الأرض رأسًا على عقب.

من كان يتصور ان رجل مثله، يسقط في فخ النظرة الاولى وكأنه فتى مراهق، يشعر انه قد تفوق على شقيقه في هذا الأمر، لا يعلم، لما يكتنفه احساس قوي أن وجهها مألوف إليه رغم انبهاره بجمالها الفاتن؟

فتح عيناه فجأة يتذكر شقيقه وهذا السكوت الغريب منه، لقد توقف باتصالاته عنه منذ اخر مرة هاتفه بعد أذان المغرب تقريبا، انها سابقة غريبة بالفعل، خصوصا في هذا في الوقت والحماس يدفعه دفعا من اجل الارتباط بحوريته.

حاول رفع رأسه يهم بالنهوض لرؤيته، ولكن غلبه التعب لتعود مرة اخرى إلى الوسادة يغمغم بصوت ناعس:

- بكرة الصبح بجى...... بكرة الصبح...... اشوفك يا واد ابوي.

اما عن معاذ فقد كان في غرفته الان جالسًا متربع القدمين على السجادة بعد انتهاءه من صلاة الفجر وقراءة القرآن والورد اليومي ايصًا، ينتظر مرور الوقت حتى يأتي موعده، وقد كره البلدة وكره البقاء فيها بعد سماع الخبر المشؤوم بخطبتها، يأمر عقله بعدم الاستسلام لأهواء النفس والتفكير في امرأة لم تعد تحل له، ولكن قلبه الملتاع يغلبه، وشيء، ما يخبره ان هناك خطب ما، امل في الطريق يحاول عدم الانجرار خلفه، حتى لا يدخل في دوامة الاوهام، ليجد نفسه في الاخير وبدون ارادته يتضرع بالدعاء:

- ياارب ان كان ليا نصيب فيها فعجل بالفرج او اعطيني إشارة، وأن مكانش، يبقى اصرفني عنها واصرفها عني، وارضيني بنصيبي.

وعند مزيونة التي انتظرت انتهاء اللحظات الصعبة بانصراف الجميع، ومغادرتهم ساحبين الأحمق زوجها السابق، يحمل خزيه وخجله منهم، مع جرح رأسه وكرامته التي يهدرها بتهوره وفعلته الشنعاء بالتهجم عليها وعلى ابنته، داخل منزل والديها القديم في المنطقة المنعزلة، مستغلا عدم وجود رجل أو عائلة او حتى جيران تحتمي بهم منه، ولكن الله كان له بالمرصاد ليكشفه، لن تنسى ابدا حرجه الشديد وعدم قدرته على رفع ابصاره في أعين الرجال،

تحمد الله لمرور هذا الغريب في الوقت المناسب بالقرب منهم كي ينقذها هي وابنتها، والتي عادت للنوم مرة اخرى رغم شكوتها من وجع في يدها، لتتولى هي البدء في ترتيب المنزل حتى يصلح للسكن الآدمي بعد هجره منذ سنوات طويلة، برحيل والديها وسكن شقيقها في منزل آخر.

انتهت من غسيل المرحاض جيدا ، ثم بدأت في إخراج الاواني من المطبخ الخشبي كي تعيد تنظيمه، بقلبه رأسا على عقب حتى يصلح للعمل به، تعلم أن ما ينتظرها كثيرا، وهي على أتم الاستعداد للتحمل، ولكن الآن عليها الاعداد للأفطار ، وسوف تضطر للخروج لابتباع طعام جاهز أو حتى خضروات ، اي شيء يصلح لسد رمقهم، حتى تتمكن من تشغيل الموقد الغازي او حتى موقد طيني لن تغلب، لقد تحملت المسؤولية، ولابد ان تكون بقدرها

- ليلى، بت يا ليلي انتي صحيتي ولا لسة؟

هتفت مناديه بها وهي تغادر المطبخ، ساحبة بيدها عبائتها السوداء من أجل ارتدائها والخروج، ولكن اوقفها الفتح المفاجيء للباب الخارجي للمنزل، ودلوف شقيقها الوحيد وصفي ليسارع بإلقاء التحية والتبرير بعد ان انتبه لنظرة الجزع التي احتلت ملامحها:

- معلش لو خضيتك، بس انا فتحت بمفتاحي

استيقظ بعد عدد ساعات قليلة مستعيدا نشاطه بهما وعزم، محدد أهدافه جيدا، يتخذ طريقه نحو غرفة شقيقه وحين لم يجده نزل إلى الطابق الأرضي، حيث جلسة والدته اليومية وسط احفادها وعدد من شقيقاته وبنات عمه هالة واسراء....... وحين انتبه الى الأخيرة تذكر على الفور شقيقه:

- عاملين ايه يا جماعة؟ منورة يا اسراء؟

- دا نورك يا حمزة يا واد عمي، كلك زوق والله يا ابو ريان

اجابته برقة وعذوبة ليست غريبة عنها، فهذا ما يجعل والدته تصر عليها بشدة لتزويجها من معاذ ، لعلمها بطبيعة الفتاة، ولكن القلب وما يهوى، ولأنه يعرف جيدا بهذا الأمر يساند شقيقه، حتى رغم رغبته هو ايضا في ذلك فهي تكاد ان تكون مكتملة المواصفات الجيدة عكس شقيقتها هالة والتي لا تملك إلا الجمال وفقط، ليبادلها الرد بابتسامة لطيفة قبل أن تتدخل والدته بأسئلتها:

- محدش حس بيك يعني لما جيت، انت نمت في البيت ولا رجعت من سفرك الصبح؟

اجابها وهو يقترب يصافح شقيقاته وابناءهم:

- لا رجعت بعد الفجر يا ست الكل وخطفتلي ساعتين نوم ريحت بيهم جسمي اللي كان متكسر، ازيك يا ام ياسين، ازيك يا ام تبارك، عامل ايه يا واد يا ادم؟ انت لسة مطولتش يا جزين؟ جاعد قرد زي ما انت.

- انا قرد برضك يا خال؟ دا انا أطول من ولدك.

- كداب، انا ولدي طالع طويل زيي..

- تعالي يا سيدي، واد يا ريان خليه يشوف طولك ياض.

تركته حسنية يشاكس الأطفال ويمازح شقيقاته، حتى إذا توقف قليلا باغتته بفراستها:

- يعني لحقت تنام وتصحى على ساعتين، عشان تجوم بدري كدة تتسبح وتلبس الحتة اللي على الحبل، دا باين وراك مشوار مهم جوي.

- هو مشوار مهم ، بس مش سر حربي يعني، ارجع بس واحكيلك على كل حاجة، هو الولد معاذ فين؟ مش جاعد في اوضته.

جاء الرد هذه المرة من هالة التي بدت وكأنها تتحين الفرصة للتحدث معه؛

- معاذ صحي الصبح وفاجأنا انه مسافر أسيوط، جال عشان يستلم الشغل بتاعه، لم شنطته ودلوك تلجاه برا هيركب العربية مع خليفة اللي هيوصله لحد القطر.

تمتم بها حمزة باستنكار ليوجه حديثه نحو والدته وشقيقاته متجاهلا من أخبرته:

- مسافر كدة على طول من غير ما يديني علم، الواد دا مخه مفوت ولا عقله طار منه؟

قالها وتحرك باقدامه متخذا طريقه للخروج، ليأتي تعقيب والدته من خلفه:

- ما هو من الصبح بيرن عليك والتلفون يديه مغلق، مكانش يعرف انك في الاوضة اللي جمبه.

لم يعلق واستمر بخطواته السريعة حتى أصبح خارج المنزل يبحث عنه بعيناه حتى تفاجأ به داخل السيارة التي تقطع مخرج البوابة الحديدية، ليتناول هاتفه على الفور ويتصل به، حتى استجاب ليرد بفتور:

- انا إيه يا حمار انت؟ مسافر فين من غير ما تبلغني يا زفت.

وصله زفير أنفاس مشبعة بالاحباط يجيب بصعوبة:

- يا عم انت مين جالك بس؟ انا اصلا تعبان و حاسس نفسي مخنوق، عايز اسيب البلد واللي فيها، حاولت كتير اتصل بيك لكن كان تليفونك مغلق، بصراحة مقدرتش استنى، انت راجع امتى من سفرك؟

تمتم بها بسخرية اختلطت بغيظ شديد؛ نحو هذا الأحمق الذي لو نظر فقط في مرأة السيارة سوف يراه، ليردف مرددًا بعند:

- راجع وقت ما راجع، غور يا معاذ مطرح ما انت غايز، انا مش طايق خلجتك أساسًا، غووور.

وأغلق الهاتف بوجهه ليتطلع به الاخر بدهشة:

اما عن حمزة وفور أن اغلق الهاتف يهم بالرجوع إلى المنزل حتى وقعت ابصاره نحو القادمة باتجاهه، شقيقته الوسطى منى والتي كانت تقابله بابتسامتها كالعادة، ليطالعها بتفكير وتمعن، حتى اقتربت منه تشاكسه كعادتها:

- سرحان في ايه يا ابوريان، لتكون بتحب جديد يا واد ابوي؟

ختمت ضاحكة قبل أن يجفلها ويسحبها من يدها:

- لا مش بحب بس عايزك في كلمتين.

- وه كلمتين ايه؟ إنت واخذني ورايح بيا فين اصلا؟

- هفهمك واحنا في الطريق، متقلقيش

جادلت رغم استسلامها لسحبه، بطرافة لا تتخلى عنها، حتى أصبحت سمة تميزها عن الجميع:

- مقلقش كيف بس وانت واخداني مشوار مش عارفاه، ومن غير ما اخد شورة ماي هسبن، منصور، منص جوزي.

دفعها داخل السيارة كازًا على أسنانه:

- يا ختي متشليش هم منص، مشوارنا في البلد اساسا، مش طالعين منها.

لتعلق ضاحكة باستمتاع وهو تتكيء بظهرها على الاريكة الخلفية فاردة ذراعيها بأريحية

- ولو برا يعني هيعمل ايه؟ اااه يا بوي، خلينا نجرب العربية الجديدة.

حيث الجلسة التي تجمع مزيونة بشقيقها داخل منزلهم القديم، يخاطبها بعتب وغضب يحاول كبحه:

- دا برضو كلام، اسمع زيي زي الغريب باللي حاصل، طب كلفي نفسك برنة حتى، على الاقل احس انك عبرتيني وعملتيلي قيمة زي الجماعة اللي روحتي وطلبتيهم يحضروا معاكي.

- معاش ولا كان اللي يقلل منك يا واض ابوي، بس انت عارف عرفان غشيم ازاي، وأنت عصبي مش هتتحمل، دا غير ان الامور كلها جات في يوم واحد، يعني كنت هتصل بيك كيف وانت برا المحافظة في شعلك؟

- كنتي اتصلتي يا مزيونة، وانا كنت هاجي واقطع ورديتي، حتى عشان محسش اني خيال مجاتة، ولا كيف الأطرش في الزفة، وانا الرجالة بيحكولي دلوك على اللي حصل، مش شايفاني راجل واقدر احميكي يا خيتي ولا اجبلك حقك؟

زمت شفتيها باستياء لتنهض وتجلس مجاورة له ترضيه؛

- انت تعرف عني كدة برضو؟ هو انا ليه مين غيرك اصلا بعد اللي راحو؟ دا غير اني اتصلت الصبح بيك متنكرش، اصله كمان كل حاجة جات بسرعة، يعني انا كنت أتوقع مثلا، ان عرفان يطلجني ويحلف عليا مباتش في بيتي، لا انا ولا البت.

- قليل الاصل الدون، بيرمي مرته وبته في نص الليالي، والتانية يجي يتهجم عليهم زي ما سمعت، انا دلوك بس عرفت باللي عمله، لولا بس الفضيحة واني مش عايز مذبحة بين العيلتين، لكنت خلصت عليه في بيته، بس انا راجل وبعرف العيبة مش زيه.

مالت تطبع قبلة فوق كتفه العريض متمتمة بتأكيد:

- طبعا راجل وسيد الرجال، بس انت مش محتاج تأدبه، كفاية عليه اللي هو فيه، دا انت لو شوفت منظره والرجالة مسنداه امبارح طالع من البيت زي العيل اللي عاملها على نفسه.

- احسن يستاهل الكسوف بعد عملته المهببة.

- بس انتي ملكيش جاعدة هنا، جومي هاتي خلجاتك اللي لسة في شنطهم وتعالي معايا على بيتي.

- معلش يا وصفي، بس انا مش هتعتع من مكاني ده ولا هروح اي حتة تانية، دا بيت ابويا يعني جنتي وحريتي اللي ما صدقت طولتها.

- وبيت اخوكي، ما هو برضو بيتك وجنتك انت وبتك يا مزيونة، ولا عندك شك فيها دي؟

امام اصراره الشديد علمت انها لن تجد فرصتها إلا بالإنفجار :

- لا معنديش يا وصفي، بس انا مش هلاقي راحتي غير وانا مش حمل تقيل على حد، يعني بلاش تضيق عليا الله يرضى عنك، نفسي بقى انفذ قرار انا عايزاه ولا هفضل طول عمري كدة مليش كلمة حتى على مصيري.

سمع منه ليغمض عيناه، لاطما كفيه ببعضهما، مرددًا بقنوط، وقد فطن إلى ما ترمي إليه عن ذلك الذنب القديم والقضاء على طفولتها بالزواج المبكر:

- تاااني يا بت ابوي، تاني يا مزيونة بتفتحي في الجرح القديم، ما انتي شاهدتي وشوفتي بنفسك، ابونا عاش لحد ما مات واكله الندم بذنبك، وانا نفسي بعمل كل اللي يرضيكي عشان اعوضك، نعمل ايه تاني بس؟

- متعملش حاجة يا وصفي، عشان انت عارف اني مسامحة، انا بس طالبة تسيبني بحريتي مش اكتر.

تنهد يمسح بكفيه على صفحة وجهه بتعب، بعد حصارها له، وحشره في تلك الزاوية، زاوية الندم ان صمم واجبرها على ما يريد، والتي لا يوجد منها هروب سوى الموافقة حتى وعلى غير ارادته:

- ماشي يا مزيونة، هسيبك براحتك، بس تقدري تقوليلي لو رجع عرفان واتهجم عليكي تاني هتعملي ايه؟

- مش هيقدر يعمل حاجة، بعد ما اسود وشه بعملة امبارح، دا غير ان انا كمان هكون مستعدية ليه ولغيره، هطلع بندجة ابويا النهاردة وانضفها، والعيار اللي يطلق في الهوا حتى لو مصابش، يكفي انه يخوف ويردع اي مخلوق انه يهوب نواحينا.

توقف هذه المرة يتابعها بتأمل، لقد كبرت شقيقته، ونضجت لترمم جراحها،. والسبب الرئيسي والذي عاشت من اجله، هو الدفاع عن صغيرتها ومستقبلها، وحتى لا يتكرر لها ما حدث معها.

بنبرة دافئة تحمل في طياتها الكثير من المشاعر، دون ان يفصح بها اللسان تحدث بتسامح:

- خلاص جومي طيب صحي البت ليلى خليني اصطبح بوشها الحلو وابوسها قبل ما اطلع اجيب الفطار، واجضي اليوم معاكم، انا عارف البيت محتاج شغل كتير، وعايز يد راجل، خلينا نعدله زين، دا ريحة الحبايب

هبت تقفز منتفضة من محلها بجواره بلهفة وحماس طفلة في عمر الخامسة:

- تسلملي وما يحرمني منك يا قلب اختك، وليك عليا اعملك من يدي احلى وكل، نتغدا ونتعشى مع بعض كمان..

تبسم لها برضا لتتحرك من أمامه نحو الغرفة التي نامت بها ليلتها مع صغيرتها، لتفاجأ بالاخيرة جالسة على الحصيرة التي نامت عليها متقوقعة بصورة اثارت قلقها:

- بت يا ليلى مالك؟ انتي في حاجة وجعاكي؟

توجهت اليها بالسؤال لتفاجأها، حينما رفعت وجهها المغرق بالدموع بصمت اثار هلعها لتهرع اليها بفزع:

رفعت اليها ذراعها الذي كانت تخفيه عنها أسفل الغطاء ، فسقط قلب الأخرى من الرعب وهي تخبرها بشهقات متقطعة:

- دراعي من ساعة العركة مع ابويا وهو واجعني، ودلوك حساه وارم.

- دلوك ! دلوك بس اللي حسيتي انه وارم يا ليلى؟

صرخة خرجت من حلقها حتى أتت بشقيقها من خارج الغرفة ليستكشف الأمر:

- ايه ف ايه؟ ايه اللي حصل؟ مالك يا ليلى؟

جاء سؤاله الاخير وقد انتبه هو الاخر ليسقط بجوارهم، يتفحصها بقلق اصابه، فانطلقت مزيونة تضرب على فخذها شاكية:

- شوف بنفسك يا واد ابوي، البت وابوها هيموتوني ناقصة عمر، هو يجدحها على دراعها و يكسره ساعة ما كنا بنتعرك معاه، وهي تخرص وتفضل كاتمة على الالم لحد ما ورم زي ما انت شايف، وانا اللي مفكراها نايمة طب تقولي، كنت اتصرفت

انطلقت ليلى في نوبة من البكاء تبرر فعلها:

- والله كنت فاكراه وجع وهيروح، ما كنتش أتصور اني هيوصل لكدة.

ضمها وصفي إليه ليهديء من روعها، امرًا شقيقته المرتعبة هي الأخرى بحزم، حتى تكف عن المزيد من الندب:

- خلاااص حصل اللي حصل، ملحوقة ان شاءالله، انا هاخدها دلوك على اقرب دكتور يشوفها، بس انتي لبسيها حاجة غير العباية البيتي، على ما اتصل اشوف حد يوصلنا، يا اما اسحبكم معايا على الجسر اللي ورانا وأي عربية نوجفها توصلنا.

وفي داخل السيارة التي كانت يقودها برفقة شقيقته، وبعد أن قص عليها ما حدث والمطلوب منها الان، صدر ردها باستهجان:

- يعني عايزني ادخل على واحدة معرفهاش يا حمزة، دا برضو كلام؟

- بقولك حالة انسانية يا منى، الست مع بتها في البيت لوحديهم، شكلهم ساكنين جديد، هتدخلي تطمني عليهم وتشوف دنيتهم ايه؟ ليكون الراجل طليقها اتعرضلهم تاني ولا عمل اي حاجة تضايقهم.

- يعني هيكون لحق في اللحظة اللي نمتها ولا هتقومله قومة تاني بعد ما جرب راسك الناشفة دي يا حمزة، دا اقله ان ما رقد فيها شهر

- مش لازم يكون عشانه، انا عايزك بس تطمني وتتعرفي عليهم، انا راجل ودخلتي تقيلة ومتنفعش على اتنين ستات، ما تفهمي بقى يا منى

لم تعلق هذه المرة وقد اكتفت تطالعه بنظرة كاشفة وابتسامة خبيثة فهم عليها حتى اثارت استفزازه:

- عليا النعمة يا منى لو زودتي في الحديث هنزلك هنا وخلي الغندور بتاعك يجي يستلمك من نص الطريق.

- منص، ما انت عارف انه ما هيصدق يلاقيني بطولي من غير العيال عشان ياخدني يفسحني ويتفسح معايا، عقله خفيف وانا اخف منه.

- خلاص يا عم متزعلش، هروح وادخل ع الست واعمل الواجب، حتى عشان اشوفها بالمرة، واعرف ايه سر اهتمامك بيها.

تمتمت الأخيرة بصوت خفيض حتى لا يصل اليه، وينقلب عليها، وما هي إلا دقائق صغيرة حتى وصل بها بالقرب من المنزل القديم، وقبل ان يصدر استفسارها، وجدت الباب يفتح امامهم، واحد الرجال يخرج منه، ما جعل حمزة يغمغم متسائلا:

تسائلت بها من خلفه، ليرمقها بنظرة محذرة جعلتها تغلق فمها، حتى وقعت عينيها على امرأة جميلة تخرج خلف الرجل، تسحب فتاة صغيرة لا تبدو على ما يرام؟

صدر سؤالها بعدم فهم، وقد اجفلها بالترجل من السيارة، يهرول نحو المذكورين باهتمام جعله يغفل عن وجودها معه، وكأنه نسيها، لتتبعه هي الأخرى مغمغمة بحنق:

اما عنه وفور أن وصل اليهم ليفاجأ الثلاثة بحضوره قال :

- ايه الحكاية يا جماعة؟ ليكون حصل حاجة بعد ما انا مشيت؟ الراجل ده اتعرضلكم تاني؟

طالعه وصفي باستغراب واستفهام فهمت عليه شقيقته، لتسارع بالتعريف به:

- دا الاستاذ حمزة القناوي يا خوي، اللي وقف لعرفان ساعة ما اتهجم على البيت .

اومأ وصفي رأسه بتفهم ليتكفل بالرد عليه:

- بعد الشر عليك يا عم وصفي، انا معملتش اكتر من الواجب، لكن انتوا برضو مقولتوش، البنية الصغيرة دي مالها؟ ماسكة دراعها كدة ليه؟

قال الأخيرة بإشارة نحو ليلى التي كانت تتوجع بصمت، لتجيب عنها والدتها:

- منه لله ابوها، زاحها ووجعت عليه ساعة ما كان بيتهجم علينا، صحينا لقيناه وارم، قولنا نروح نكشف لها ونشوف:

- اكيد مفيش دكتور فاتح دلوك في البلد، انا هاخدها اقرب مستشفي في المحافظة.

- لا طبعا، بس الجسر قريب منينا، اي عربية نوجفها توصلنا .

- أمال عربيتي دي ايه لزمتها؟ ياللا يا عم وصفي تعالوا اوصلكم في سكتي،

- يا سيدي مش عايزين نتعبك دي .......

- لا يا عم إيه اللي انت بتقولوا ده؟ والله ما ينفع، البت عيانة انتو لسة هتستانوا؟

كان متشددًا بإصراره حتى اضحض اعتراضهم واجبرهم على الانضمام معه في السيارة، امام منى التي قد نساها بالفعل، وقد كان على وشك الذهاب، حتى لوحت له هي بيدها من خلف زجاج النافذة الأمامية، ليتذكر ويقدمها لهم:

- ااه صح، تعالي يا منى، دي الحاجة منى اختي يا جماعة، كانت جاية تتطمن عليكم بنفسها، تعالي يا منى عشان تروحي معانا.

دلفت تنضم إلى الكنبة الخلفية بجوار ليلى ووالدتها، لتصفق الباب بقوة وغيظ، مرددة:

والذي يتخذ الصمت منذ الأمس منهجًا، امام النقذ والتوبيخ الذي يتلاقاه من أفراد عائلته الصغار قبل الكبار، حتى زوجته صفا، هي الأخرى لا تقصر، ولكن بخبث اعتادت عليه، حتى تتجنب العقاب.

دلفت إليه داخل غرفة نومه وقد كان شاردًا فيما حدث، لتلقي بكلماتها السامة:

- اخبار راسك ايه دلوك يا عرفان؟ على الله بس تكون راقت من اللي فيها.

- قصدك ايه يا ست البرنسيسة؟ وضحي بلاش الكلام المتنتور، شغل الحيايا دا جني وزويلي.

امتقعت ملامحها بضيق شديد ردا على كلماته:

- دلوكيت بجيب حيا ومش حاملي كلام، بعد ما رجعت السوسة دوكها تحلو في عينك وتسود عيشتك، بجالك سنين متهني في حضن صفا اللي قايدالك صوابعها العشرة شمع، وخلفتلك بدل العيل تلاتة، صياناك ومدلعاك من كله، لكن هي خدت منها ايه غير المرض ووجع القلب، وفي الاخر ختمت بالفضايح والإهانة ، خلت سيرتك على كل لسان .

وكأنه لم يتأثر بثورتها، تركها تخرج كل ما في جعبتها، محتفظا بملامح جامدة، خالية من اي تعبير، لينهض فجأة عن فراشه مقتربًا منها، بسكون الاندهاش، حتى باغتها على حين غرة بكفه الكبيرة تحط على خدها الايسر بقوة اسقطتها ارضا، صارخة واضعة كفها على مكان اللطمة مرددة:

- بتضربني يا عرفان، سايب اللي خلت سيرتك على كل لسان وجاي تتشطر عليا ، انا يا عرفان اناااا.

ظل محتفظا بجموده، يطالعها دون ادني تعبير، ثم اتخذ طريقه للخروج مغادرًا ، يتركها فب نحيبها وبكاءها ودعواتها،

................................

وفي داخل المحافظة وقد توقفت سيارة الشقيقان من اجل تزويدها بالوقود، وقد تكفل خليفة بابتياع المشروبات الغذائية من بقالة المحطة، تاركًا شقيقه المكتئب عكس طبيعته الفوضوية، واقفًا بجوار السيارة متأففًا بحنق متعاظم، حتى علق فور رؤيته:

- تلت ساعات بتشتري علب كنز وبسكويت يا خليفة، ما كنت بيت احسن في المحطة، وبلاها اسافر انا النهاردة خالص.

- ومالوا، يعني هيحصل ايه؟ هيفوتك الامتحان مثلا؟ خد يا واد ابوي وروق نفسك، مفيش حاجة مستاهلة، اموت واعرف ايه اللي مضايقك بس .

تناول معاذ منه عبوة المياه الغذائية، يتجرع منها بكثرة، ليقول بضيق؟

- حتى لو خلصت امتحانات، برضو عايز اسيب البلد واهج، لو حصلت اعمل دراسات عليا واشتغل هناك عشان معتبش هنا البلدي دي هعملها، بلا وجع قلب وقرف

- اااه يا بوي، مدام جيبت سيرة القلب، يبقى هو ده السر، كبر مخك يا حبيبي، ياما غيرك حب ومطالش، رضي بنصيبه، وياريت نصيبه راضي بيه.

قطب معاذ يطالع شقيقه الأوسط بتساؤول، عن مغزى الكلمات المبهمة، هل يقصد ذاته بهذه الكلمات؟ ولما؟ وهو الذي اختار هالة ابنة عمه، زوجة له، بعد رفض حمزة الزواج منها.

قالها خليفة لتلتف رأس الاخر، نحو السيارة المألوفة، التي تمر في الاتجاه الاخر، وفي الامام رجل لا يعلمه بجوار شقيقه، اما في الكنبة الخلفية شقيته منى و...... اللعنة، هل ما يراه حقيقة او محض خيال؟ أيعقل ان تكون ليلى ووالدتها معه، ام ان المرض زاد به حتى اصبح يتوهم اشياء لا تحدث؟

- دي اختك منى، ومين البتين الحلوين اللي راكبين معاها دول كمان من ورا؟

- راكبين معاها، يعني انا مبخرفش ولا بتوهم، وأنت شايفهم زي ما انا شايفهم؟

صاح بالكلمات معاذ امام شقيقه الذي نهره بضيق:

- ايوه يا عمنا، ، مالك انت هتخرف ولا ايه بس؟ شايفهم زي ما انت شايفهم، وهما مين دول اساسا؟

ردد من خلفه معاذ بعدم تصديق، وكلمات غير مترابطة:

- لا والله ما خرفت، بس مستعجب انهم راكبين مع حمزة ومنى معاهم كمان و..... استنى هنا.......

توقف فجأة يمسكه من تلابيب ملابسه بعنف مردفا بتحذير:

- انت كيف صح تعاكس بنات الناس وتقول عليهم حلوين؟ عيب عليك يا خليفة احترم نفسك .

كانت ليلى جالسة على مقاعد الاستراحة بعد ان شخص الأطباء حالتها مبدئيا وقامت بعمل الأشعة اللازمة لغرض التأكد قبل عمل اي شيء

، تضمها والدتها اليها كي تهون عليها رغم وجعها المضاعف لالم ابنتها، ربما تخفف عنها؛

- خلاص يا نور عيني، كل حاجة هتخلص النهاردة وبعدها متحسيش بأي حاجة، هي بس لحظة الوجع تمر وبعده كله يروح.

- يارب ياما يارب، انا تعبت جوي.

- ليلى جدعة، وبألف راجل زي أمها، صح يا بت اختي الغالية؟

اومأت بتحريك رأسها بأعين دامعة، رغم الالم الساكن ملامحها الجميلة، لتزيد على تعب والدتها التي تمنع دموعها بصعوبة، منتبهًا لها ذلك المراقب من الجهة المقابلة حيث كان جالسًا بجوار شقيقته التي كانت تتابعهم بتأثر ، لتفاجأه بقولها؛

- على فكرة انا عرفتها، الأول كانت تايهة عني بس دلوك اتأكدت

التف نحوها باهتمام فور أن استمع للاسم:

- كانت معايا ايام الاعدادية، بس انا كنت سابقاها بسنة، بس اللي عرفته انها مكملتش الشهادة، سمعت انهم جوزها على تلت اتاشر سنة.

غمغم بها بدهشة حتى كاد أن يعلو صوته، ليتمالك متسائلا بعدم تصديق:

تنهدت تدور عينيها، تراقب الجهة المقابلة في حرص لألا لا يصل اليهم الصوت:

- براحة عشان محدش ياخد باله، انا مش بهزر، مزيونة كانت ماشاء الله عليها طالعة فايرة وزي ما انت شايف زي القمر، كل العيون كانت طمعانه فيها رغم سنها الصغير، احنا نفسنا مستغربناش لما اتجوزت، بل بالعكس، دي البنات كانت بتحسدها عشان اتجوزت قبل الكل، المهم انا من ساعتها معرفش حاجة عنها، لذلك مفتكرتهاش غير دلوك لما بصيت فيها كويس

بدأ عليه شيء من الاقتناع والاستيعاب أخيرا، لم يكن أعمى حين أخطأ وظنها بالفعل لم تتزوج، ولكن كيف لها أن تعاشر مثل هذا الثور؟ وكيف تحملت ان تسرق برائتها، وتتحمل مسؤولية كبيرة كتلك في هذا السن الصغير؟

قالتها منى ليلتفت نحو الجهة التي تنظر بها، فيفاجأ بشقيقه الأصغر قادما نحوهم بخطواته السريعة محددا هدفه:

- دا ايه اللي جابه ده؟ وعرف منين مكانا؟

تسائل بها نحو منى التي اجابته بتشتت:

- اتصل بيا من شوية كان عايز يعرف احنا فين؟ باينه هو كمان عارف بالجماعة اللي بنتكلم عنهم، انا مش فاهمة ايه حكايتكم.

برقت عيني حمزة بهلع وترقب في استدراجها لمعرفة المزيد:

- قولتله الحقيقة ووضع ليلى، هي ايه الحكاية اصلا؟

جاءت اجابته ببرائة كادت ان تجلطه وهو يرى ذلك الأحمق متجها نحو المذكورة باندفاع :

بالطبع لم يجد ردًا فوري سوى نظرات الذهول من الثلاثة قبل ان يستوعب وصفي قبلهم سائلا:

كاد أن يجيبه برد احمق يسأل عن صفته ، ليفاجأ بمن تكفل بالرد عنه:

- دا اخويا المهندس معاذ؟ اكيد جاي يطمن بعد ما عرف من منى عن مكانا، عن اذنكم يا جماعة، هاخده ف كلمة على جمب.

وبدون انتظار، تحرك يدفعه من امامهم، حتى وصل به إلى مسافة امنة، فجاء رد معاذ بسخط:

- بتبعدني ليه؟ انا عايز اطمن على ليلى، هي ايه اللي حصل لها؟ مش كانت خطوبتها امبارح.

رواية لاجلها الفصل السادس

لم أكن ضعيفة حين احتجت، كنتُ فقط امرأة تتوق إلى يدٍ تُمسك بها، لا قيدٍ يُكبّلها.

واليوم… لا أبحث عن من يُنقذني، بل عن من يسير بجواري.

حبٌّ صادق، لا يُطفئني، بل يزيدني ضوءًا."

الخاطرة والمراجعة من الجميلة( سنا الفردوس ) الف شكر يا قلبي

بالغرفة التي تقبع داخلها الآن تحت أيدي الطبيب المعالج والممرضات، يتخيل ما يحدث معها وكأنه في الداخل، بجوار خالها وشقيقته التي ترافق والدتها.

وفي كل مرة تصل إليه أصوات التوجع والهمهمات المؤلمة منها، ينتفض مفزوعًا، وتتجه أبصاره نحو باب الغرفة بلوعةٍ وعدم احتمال.

ولولا وجود ذلك الذي كان منتبهًا لكل حركة منه، لكان اقتحمها دون أدنى تفكير، وقد هتف به محذرًا حينما فاض به الأمر:

- اهدي بقى وارسى على حيلك مش عايزين فضايح.

- مش قادر يا واد ابوي، عقلي بيوزني اقوم اكسر باب الاوضة اللي مانعني عنها ده، اطبطب عليها، ولا احضنها اخفف من وجعها، يا اما اضرب الدكتور واجبرلها كسرها انا بنفسي .

سمع منه حمزة، قاطبًا حاجبيه بدهشة شديدة، معلّقًا:

- يخرب مطنك كل ده؟ شكلك مش هتجيبها لبر، انا بجول تلم الدور وتروح احسن، انت ايه اللي مجعدك هنا اصلا؟ لا البت ولا أهلها يخصوك بشيء، والكلام اللي ف دماغك بدري جوووي عليه، على ما ربنا يعدلها، جوم يا معاذ انا مليش خلق ليك قوم.

بعنادٍ متأصّل، طالعه المذكور مقارعًا:

- رجلي على رجلك، ما انت كمان ملكش دخل بيهم، ولا يمكن في صلة قرابة وانا معرفِش؟

كادت أن تخرج من فمه سُبّة نابية ردًا على استفزازه، لكنه تمالك نفسه مردفًا:

- يا سخام البرك انت، يا عديم المفهومية، انا جاعد وبعمل الواجب اللي عليا، بعد اللي حُصل امبارح وهما عرفوني وانا عرفتهم، انما يعرفوك انت منين عشان تدخل لبتهم تسألها عن صحتها؟ دا هي نفسها استعجبت من جرأتك، انا مقدر لهفتك، انما هما هيفهموا ايه من تصرفاتك دي؟ اعجل يا واد ابوي، وروح شوف مصالحك، اختك منى جايمة بالواجب مع البت وامها، وأنا براعي من بعيد لبعيد، وكله في مصلحتك، كل ما كانت علاقتنا بيهم متينة، كل ما سهلت الأمور ما بينا ، فهمت بقى يا غبي؟

أومأ رأسه بتفهّم، نفاه بعد ذلك سريعًا.

- حتى لو كان، برضو مش هسيب مكاني ولا همشي من غير ما اطمن على ليلى، انا الاحق برعايتها دلوك بعد اللي سمعته النهاردة والليلة الواعرة اللي مرت عليها هي وأمها، بسبب الزفت ابوها اللي كان عايز يجوزها غصب ويحرمني منها، دلوك والله ما افرط فيها ولا اتوانى لحظة عن نجدتها.

كزّ حمزة على أسنانه، يحجم نفسه بصعوبة عن الانفجار فيه؛ فهذا الأحمق مصدر خطر عليه وعلى نفسه بأفعاله المتهورة ورأسه اليابس.

- ماشي يا معاذ، بس عليا النعمة لو عملت اي غلط لااكون مهزقك جِدامهم، وجاطع عليك اي فرصة بعد كدِة مع ليلى .

سمع منه، قبل أن يأتي صوتها عن قرب، فانتفض واقفًا، مثيرًا الرعب في قلب شقيقه مرة أخرى.

- هتعمل ايه؟ البت طالعة مع خالها وامها مش ناقصة فضايح.

رمقه معاذ مترقبًا بتحفز لخروج ليلى من الغرفة، في ظل الأصوات التي تصل إليه، قائلاً:

- هحاول اسيطر على نفسي، المهم اطمن عليها.

قالها، وانفتح باب الغرفة ليخرج أولهم، وصفي، الذي كان يضم رأسها إليه وهي تتوجع بصوت عالٍ، ووالدتها تساندها من الجهة الأخرى، ومن خلفهم منى التي اشتركت معهم في تلك اللحظات العصيبة بمسؤولية ليست بغريبة عنها، رغم عبثها الدائم.

همّ معاذ بالتحرك نحوها، ولكن الآخر لحق به ليذكره محذرًا بصوت خافت:

زمجر بضجر، مجبرًا نفسه على طاعته:

- طططيب، هترزع مكاني اها، اما اشوف ايه اخرتها.

تنهد حمزة ببعض الارتياح، وتقدم نحوهم بخطوات بطيئة مخاطبًا إياهم:

- حمد الله على السلامة يا بنيتي، ايه الاخبار دلوك؟

أجابه وصفي وهو يجلس بها على أحد المقاعد:

- الحمد لله اللي جات على كد كدة؟ بكرة تخف وتبجى ايام واتنست .

- أنسى كيف يا خالي بس؟ دا وجعه عِفش جوي.

جاء التعقيب المباغت من والدتها التي تدعي التحلي بالقوة والبأس امامهم:

- والله كله بيتنسي يا بتي، كسر العضم أسهل بكتير من كسر الروح، على الاقل دا بيلم ويخف، انما الروح.....

ما أصعب كلماتها! هذا ما دار في نفسه، وعيناه انصبتا عليها بتركيز تام، وقد تناسى وضعه والظرف وكل شيء. تلك الجميلة التي رأى طليقها بالأمس، ترى ماذا فعل بها ليصب المرار في حلقها هكذا؟ وقد أخذها طفلة لا تعي من أمور الحياة شيئًا.

- الف سلامة يا آنسة ليلى، لما انتي موجوعة جوي كدِة، ليه الدكتور الحمار ده معطاكيش حاجة تخفف عنك الوجع ده شوية؟

غمغم بها حمزة داخله بعدما اجفله هذا المتهور بقوله، ليأتي الرد الغاضب من الطبيب المعالج، الذي كان خارجًا من غرفته بالصدفة:

- الدكتور لو حمار كان زود عليها البنج وضرها، انما احنا بندي الجرعة حسب الحالة، المسكن لسة واخداه حالا يعنى لسه شوية على ما يشتغل.

سارع حمزة بالاعتذار لتخفيف وطأة الموقف الحرج، وقد عمّ الصمت بين الباقين.

- معلش يا دكتور هو مش قصده حضرتك، اللي ما يعرفك يجهلك.........

هتف بها الطبيب مقاطعًا بحدّة، ثم تحرك مغادرًا دون استئذان، مما ضاعف من حنق حمزة تجاه ذلك المجنون الذي لا يسمع إلا لصوت رأسه الأحمق، والذي تجاهل الأمر وكأنه لم يفعل شيئًا، مستمرًا في الحديث إليهم:

- انا نازل تحت اجيبلي علبة عصير اشربها، حد عايز حاجة اجيبهاله معايا؟

لم يأتِه ردّ من الثلاثة المذهولين، وقد كانت أبصارهم منصبّة عليه بعدم استيعاب لأفعاله، فصرفتهم عنه منى بفطنتها، متفكهة رغم غيظها هي الأخرى:

- روح يا حبيبي إحنا ريحة المستشفى اصلا نفخت بطونا، يارب بس نعرف ناكل ولا نشرب لما نروح.

أومأ لها، ثم التفت مجبرًا ليغادر حتى لا يفسد الوضع أكثر من ذلك، فتابعت هي:

- بس العضم عايز وكل ودهن عشان يقوي من تاني يا مزيونة، انا بستأذنك اخدها عندي، على الاقل اكل على حسها والنعمة اخليهالك بطة بلدي .

تبسمت لها مزيونة، تشكرها بامتنان على مشاركتها لها تلك اللحظات الماضية ودعمها، فنهض وصفي من جوارهم:

- طب حيث كِدة بجى، ، استأذنكم انا خمس دقايق قبل ما نقول ياللا.

عقّب حمزة على قوله، وقد أدرك وجهة الرجل:

- ماشي وانا مستنيك عشان اروح بيكم

إليه وصفي يودّ الاعتراض، لكن حمزة أخمد رفضه منذ البداية.

- روح خلص اللي وراك عايزين نروح.

كان جالسًا على مقهى يبعد قليلًا عن منزله، قريب من الأراضي الزراعية، يستنشق الهواء النقي، لعلّه يصادف رؤيتها أيضًا.

كان يُقيد قدميه بصعوبة عن الذهاب إليها وتكسير رأسها، بعد أن فضحته بالأمس. لن يتنازل عن حقه أبدًا، لكن عليه أن يتريث قليلًا. يكفيه ما ناله من خزي وتوبيخ، فوق ما يشعر به من صداع.

لن يتركها تهنأ بعيدًا عنه؛ يكفيه حماقاته في السنوات الماضية حين نفّذ شروطًا ووعودًا غبية بابتعاده عنها، رغم أنها كانت تحت سقف منزله.

والآن، بعد أن استعادت صحتها وحيويتها، تتركه؟

- جاعد لوحدك ليه يا عرفان؟ سرحان وشارد في ايه يا عرفان؟

تمتم بها أحد الرجال من أبناء عمومته، الذي نال نصيبه من الشماتة به بالأمس، رغم إنكاره لذلك.

- افندم يا عطوة، وما اسرح يا سيدي ولا اجعد لوحدي، انت مالك؟

تبسم المذكور بسماجة، يعقب على كلماته بنوع من العتاب.

- اخص عليك يا عرفان، مالك بتعاملني كده ايه وترد عليا بكلام ناشف، كأني بشتمك، مع ان ربي العالم، انا كل غرضي مصلحتك.

تمتم بها عرفان، يطالع الرجل بتوجس لا يخلو من ضيق، فتجاهله الآخر ليصل إلى غرضه، مرددًا:

- ايوة مصلحتك، ما انا شوفت اللي حصلك ورجال العيلة اللي كانوا عاملين عليك رباطية وكأنهم منزهين عن الغلط، محدش فيهم مقدر النار اللي أنت كنت فيها، يجوا يشوفوا المحروسة اللي عملوا عمايلهم عشانها، وهي راكبة العربية مع الراجل اللي ضربك، وواخدة معاها بتها كمان .

انتفض عرفان فجأة، ممسكًا إياه من تلابيب ملابسه:

- انت واعي للي انت بتجوله دا يا واد؟ دا كلام تطير في رقاب

أومأ عطوة على خوف، مبددًا صمته، ليخبره الحقيقة كاملة:

- يا عم عرفان انا مش قصدي حاجة عفشة، انا بس استغربت لما شفتهم في العربية ومعاهم وصفي اخو المدام.

- اه والله وصفي، تفتكر راحوا فين؟

ضاق بعرفان، فدفعه عنه، ثم نهض مغادرًا من أمامه، بهيئة لا تبشر بالخير.

- جاك ضربة لما تاخدك، في حد يسيب مزيونة لهطة الجشطة ويجعد على صفا، والله ما كنت تستاهلها من اساسه، دي ما تستاهلش غير راجل زيي، يعرف يقدر الابطال صُح.

أمام موظفة الاستعلامات في المشفى، وقف وصفي مشدوهًا، يردد خلف الفتاة باستفسار:

- بتجولي إيه؟ كيف يعني الحساب ادفع من ساعة ما وصلنا؟

ردت الفتاة بعملية، مشيرة إلى الحاسوب أمامها:

- يا فندم اهو مسجل قدامي، مبلغ كبير اتحط تحت الحساب للمريضة ليلى عرفان، يعني انا هكدب ليه مثلا؟ حتى بالامارة..... استنى حضرتك

توقفت فجأة، مومئة بذقنها للأمام نحو من انتبهت إليه وهو يسير بالقرب منهم في الناحية الأخرى:

- حضرتك الراجل اللي هناك ده، هو اللي دفع.

التفت وصفي نحو الجهة التي تقصدها، ليمسح بكفه على جبهته المتعرقة بحرج، محدثًا نفسه:

- يا دي الكسوف يا ولاد، ودا هعرف اتعامل معاه كيف دلوك؟

استجمع وصفي بأسه ليذهب نحو حمزة، متحفزًا بكل جهده. كان يريد ان يرجع له مال المشفى الذي دفعه، لكن الآخر استطاع بحنكته وإصراره أن يجعله يقبل مجبرًا، مستغلًا نقطة ضعف الرجل في أدبه المبالغ فيه.

ثم توقف على مسافة بعيدة عنهم، تمكنه من الرؤية، ليتابع رد فعلها الرافض وانفعالها نحو شقيقها الذي بدأ وكأنه يبرر لها كي تتقبل الأمر بعدما أخبرها بما تم. حتى كادت أن تتحول لمشاجرة، ليسارع هو بالخروج من المشفى، يسبقهما إلى سيارته قبل أن ينتبهوا لوجوده، فينقلب الأمر عليه.

بداخل السيارة التي ستقلهم للمغادرة، جلست منى مخرجة رأسها من النافذة تتابع الحديث الحامي بين شقيقيها العزيزين بانتباه شديد، تستشعر شيئًا ما غير مفهوم.

- طب انا مش بقولك روح يا معاذ، عايزني اتعصب عليك دلوك في الشارع العمومي ونلم علينا الناس.

- وتلم علينا الناس ليه بس يا عم حمزة؟ أيه اللي يوصلها للخناق اصلا؟ دا كله عشان بقولك اروح معاكم في العربية.

دفعه فجأة ليصطدم ظهره بالسيارة، محذرًا إياه كازا من بين أسنانه:

- ياض إنت كام مرة اقولهالك من الصبح؟ شغل عقلك دا اللي مسحته بأستيكة، اجعدك معانا فين والاربع أماكن معايا في العربية محجوزه، اخوها هيجعد جاري، والحريم ع الكنبة اللي ورا، ازوقك جمبيهم مثلا؟

- لع زوقني جمب عم وصفي من جِدام. فيها حاجة دي

- ونتحشر احنا التلاتة جمب بعض، ليه من قلة العربيات، معاذ يا واد ابوي حل عني انا على اخري.

سمع منه الأخير، ليتجه إلى سلاحه الأخير في استعطافه، عله يشفق عليه:

- عايز احس بقربها يا حمزة، اطل علي عنيها في المراية، واشوفها ان كانت هتتعب من مشوار الطريق، ولا تعوز حاجة اجيبهالها.

تدخلت منى في هذه اللحظات، وقد تأكدت من ظنها، لتشاكس بخبث الاثنين:

- حبيبي يا حنين، انا عندي حل يا حمزة، أيه رأيك تتصرف انت وتسيبه هو اللي يسوق بينا العربية ويرجعنا البلد.

سمع منها المذكور، ليطالعها فاغرًا فمه بدهشة، ثم نقل نظره نحو الآخر الذي أشرقت ملامحه بالأمل، والتمعت عينيه تمسكًا بحلها:

- طب والله فكرة حلوة، ايه رأيك توافق يا حمزة، على الاقل تخدم اخوك.

قالها حمزة بسخرية، ليجذبه من قماش قميصه مبتعدًا به عن السيارة، مردفًا بنفاذ صبر:

- دا انت مش عارف تمسك نفسك وانا واقف جمبك، هتعرف تتصرف وانا مش معاك، امشي من هنه ياض، امشي لاحلف على موضوعك ده ما انا داخل في ابدا، امشي ياض.

تمتم بها معاذ، يضرب بقدمه على الأرض، يبرطم بسخط وكلمات غير مفهومة، مغادرًا على غير إرادته، ليبحث عن وسيلة مواصلات تقله للذهاب. أما حمزة، فقد حطت كفه على وجه تلك المشاكسة، يدخل رأسها عنوة مرددًا:

- وانتي خشي خشي، وارحمينا من أفكارك الجهنمية اللي تودي اللومان دي.

وفي داخل البلدة، عاد خليفة حاملاً حقيبة الملابس التي خرج بها في الصباح مع شقيقه، قبل أن يتركه المذكور داخل المحافظة التي كانوا على وشك مغادرتها، ليلغي فكرة السفر من الأساس. قرار مفاجئ كاد أن يطيح بعقله وهو يفكر في السبب بعد ذلك.

- حمد على السلامة يا خليفة، راجع بشنطة اخوك ليه؟

صدر السؤال من حسنية التي كانت في استقباله، جالسة في مكانها المعروف وسط المنزل. ليتبسم لها ساخرًا، يجيب:

- اصل البرنس لغى فكرة السفر، زي ما قرر فجأة يسافر، لغى كمان فجأة واحنا كنا على وشك نطلع خلاص، ولدك دِه مجنون يا امه.

تلقت قوله بعدم استيعاب، تطالعه وهو يضع الحقيبة على الأرض، ثم يحط بجسده على أقرب أريكة، متكئًا عليها. فأتى التعقيب من زوجته التي جاءت هي الأخرى على الصوت:

- شنطة معاذ بتعمل ايه معاك يا خليفة؟ هو سافر من غيرها؟

ضحك بخفة خلف قولها، فتولت والدته الرد متهكمة:

- لع يا حبيبتي بيقولك المحروس مسافرش اصلا بعد ماجضوا نص اليوم برا ، كأنهم خدوا الشنطة يفسوحها .

تمتم بها خليفة باستياء، ليردف نحوها عاتبًا:

- وانا ذنبي ايه بس؟ ولدك جطع من مخه واحنا في نص الطريق وسابني لوحدي، عايزاني افر وراه يعني؟ انا خدت جعدتي على القهوة، ريحت شوية وشربتلي حجرين شيشية على امل انه يرجع لكن محصلش، اعمل ايه بجى؟ افر ادور عليه بمكروفون.

- ايوة يا حبيبي لكن ليه؟ دا اللي احنا عايزين نعرفه؟ عايزين نعرف السبب.

تدخلت هالة بتحقيقها المعتاد في كل أمر لا تعلمه، لا تستريح أو يغمض لها جفن حتى تلملم جميع المعلومات التي تريدها. ولمعرفته الشديدة بطبعها، أمعن هو في مراوغتها، لينتفض فجأة قائلاً:

- وانا مالي يا ابوي ما تسألوه انتوا لما يرجع، وافهموا منه لو اتكلم، أو اسألوا حمزة!

قال الأخيرة بصوت خفيض، وقد ابتعد بمسافة كافية مكنته من صعود الدرج سريعًا كي يختفي من أمامهن. فتبادلت الاثنتان السؤال بدهشة:

أما هو، وقد استقر في مكانه ينتظر خروج الأم وابنتها وشقيقها ليُوصِلهم.

كما توقع داخله، فوجئ بها تطل أمامه بمفردها، تسبقهم. ولم يكن السبب غريبًا على شخصيتها، رغم معرفته القصيرة جدًا بها.

فقد كان يعلم أنها ستأتي. العزيزة الحرة لم تتقبل ما أجبر شقيقها عليه بالخدعة.

راقبها وهي تقترب منه بخطوات يزينها الحياء، تلتف حول وجهها البردة التي تحجبها عن أعين البشر وتحميها من مكرهم.

هي الفتنة بحق، امرأة كاملة بحق، تخفي ذاتها عن النفوس الطامعة. وهو، أخيرًا، قد وجد ضالته فيها.

اعتدل في وقفته فور أن اقتربت منه، فتخاطبه بصوت بالكاد يخرج من فرط خجلها:

- سلام عليكم، انا كنت جاية اااا

صدرت منها نظرة لتقابل عينيها الجميلتين خاصتيه، تلك التي لم تفارقهما طوال الوقت. وتلك الهالة من الغموض التي تحيط به، جعلته يطالعها بجرأة تثير حقًا دهشتها، رغم حديثه العادي.

- بوفر عليك يا ست مزيونة، عشان منكررش نفس الجدال اللي تم مع استاذ وصفي.

هبت روح الاعتراض فيها، ترفض بعنف:

- كيف يعني؟ انا مرضهاش الله يخليك مت...

- ياريت متخدهاش على كرامتك او عقلك يصور حاجة ابعد من قصدي، انا اتحطيت في موقف امبارح بالصدفة وشوفت اللي كان السبب في اللي حصل لليلى، تصرفي تم كنوع من الاعتذار ليها، عيلة صغيرة ودي حاجة اكبر طاقتها.

بس الكلام ده يتسئل عنه ابوها مش انت .

- ميخصنيش بيه لانه ميستاهلش، انا بتكلم عن احساسي، البنية شوفتها زي ولدي ريان، على فكرة الفرق ما بينهم مش كبير.

- ربنا يخليلك ريان يا ابو ريان، بس برضو......

"ما أجمل نطقها بلقبه المحبب، مما يعزز إصراره، حتى وإن اضطر إلى أن يترجاها."

-ارجوكي يا ست مزيونة تجبري بخاطري في الموضوع دِه، الحكاية اصلا مش مستاهلة والله.

"تمتمت بها بضعف، وقد تأثرت من رجائه، قبل أن تنتفض فجأة، إذ خرج صوت من داخل السيارة قبل أن يطل رأس صاحبته من النافذة المجاورة لها."

- لا مش مستاهلة يا مزيونة، ولميها بقى وخلينا نروح، قبل ما اتحمص في العربية وجوزي ما يعرفنيش.

"شهقة مباغتة خرجت منها، ويدها امتدت غريزيًا إلى موضع قلبها، ما لفت انتباه ذاك المتربص بها، ليغمره الامتنان تجاه شقيقته التي تسببت في ذلك."

- بسم الله الرحمن الرحيم، خلعتيني يا منى.

"ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتي الأخيرة تأثرًا بما رأته من رد فعل على وجه شقيقها، الذي انفضح أمره أمامها كالصغير الذي غادر."

- اسم الله عليكي من الخلعة يا حبيبتي، ما تسمعي الكلام بجى يا روح جلبي، اخويا دماغه جزمة جديمة، هتتعبي نفسك في اللت معاه على الفاضي، روحي هاتي ليلى الله يهديكي، جوزي هيطلجني يا بت.

همست الأخيرة بصوت مبحوح بفكاهة، لتجعلها تضحك على غير إرادتها حتى أظهرت الصف الأمامي من أسنانها البيضاء، قبل أن تستأذن مغادرة من أمامهم بخجل.

ارتسمت ابتسامة على وجهه في أثرها، وقد فرقعت البلونات حوله ورفرفت في معدته الفراشات، بعدما فاز أخيرًا برؤيتها باسمة وضاحكة. ولكن منى انتشلته من عالمه الجميل، وهتفت به:"

- خلاص يا خوي لمها، مش هنجضى احنا باقي اليوم في جو صلاح ذو الفقار وشادية.

طلت برأسها نحو باب الشقة المغلق منذ الأمس، ويدها تضرب على ذراع الأريكة التي مرت بجوارها، وهي تقطع مسافة المدخل ذهابًا وإيابًا دون هوادة. كم كانت أمنية تتمنى أن تتحقق، بمغادرة غريمتها وابنتها عن المنزل وعالمها كله. ولكنها فقدت فرحتها بفضل هذا الأحمق، زوجها، الذي جعل سيرتهم كالعلكة على الألسنة بعد فعلته. وبعد أن كسبت هي شوطًا كبيرًا في نشر ما حدث أمام الغريب والقريب والجيران، ليعرف الجميع طباع تلك المتمسكنة التي تستقطب عطف الجميع ومحبتهم على مدار سنوات، وهي في الحقيقة قليلة الأدب والحياء، لم تراعِ كرامة زوجها، بل أهدرتها أمام الغرباء، ولا حتى قدرت إكرام الضيوف.

صدرت منها بعمق ما تحمله داخلها من نيران وغليل نحو تلك المزيونة وابنتها، وقد خرجت من المنزل رافعة رأسها منتعشة، وكأنها خرجت لحريتها. لم ترَ بعينيها الذل الذي كانت تتوقعه بعد طردها شر طردة أمام كل من يعرفها. والأمر من كل ذلك، هو ما حدث من هذا الأحمق آخر الليل ليجعلها فضيحة أمام العائلة. لقد أفسد كل شيء، وبدا واضحًا أنه يريد إرجاعها إليه، حتى لو أنكر أو هي رفضت. يريد إخضاعها ونيل ما حرمته عليه عدد لا بأس به من السنوات. هي أعلم الناس بطبعه. تبا له إن فعلها واستطاع إعادتها إليه مرة أخرى.

قالتها بصوت مسموع، وقد أفصح اللسان عما يدور برأسها وتتوعد به داخلها.

..................................

ها قد وصلوا أخيرًا، فوقف بالسيارة أمام المنزل القديم. نظر حوله في الأراضي الزراعية الممتدة، ليغمره شعور بعدم الارتياح. كيف له أن يتركهما وحدهما هنا، خاصة مع إصابة ليلى الصغيرة؟

هو انتوا متربيين هنه بالفعل جوه البيت دِه؟

توجه بالسؤال نحو الشقيقين، فأوقفهما عن الترجل، قبل أن يتكفل وصفي بالرد ضاحكًا:

اااه يا سيدي متربيين هنه وعمرنا ما خوفنا اننا وحدينا،، البيت على ارضنا، يعني كنا نطلع الجاموسة تاكل في الزرعة من غير ما نحتاج نحش لها البرسيم ولا نتعب نفسنا، تشرب من حوش الميا اللي بنسجي منه الزرعة، وترعى هي وعيالها وتجيب احلى لبن تحلبه امي طازة نشربه والباقي نعلمه سمن وجبن ونعيش عليه، ياااه يا عم حمزة فكرتنا بأحلى ايام، ياريت بس يرجع نصها.

صدرت الأخيرة بشجن حقيقي، ارتد على مزيونة التي غامت عيناها بتأثر واضح، تجلى في نبرتها.

مش بس احلى ايام، دي العمر الحقيقي اللي يتحسب من كل السنين اللي عشناها......

توقفت لتخرج تنهيدة خافتة، ثم همّت بتحضير ابنتها للترجل من السيارة، فتابع هو مستفسرًا:

يا جماعة انا بسأل عن البنت العيانة، لامؤاخذه يعني هي عايزة وكل زين ونضافة، والبيت بالاكيد لسة متوضبش للسكن ف....

قطع كلامه بتردد وتفكير فيما إذا كان من المناسب عرض ما يدور في ذهنه، لكن وصفي وفر عليه ذلك بقوله:

لا في دي متشلش هم، الجماعة جات من الصبح هي والعيال، وضبوا البيت بما يؤدي الغرض، وحضروا وكل لليلى كمان.

-اااه طب "الحمد لله"، تمتم مدعيًا الارتياح، ليغلق فمه عن الجدال. وفور أن انفتح باب المنزل، خرجت منه ثلاث فتيات صغيرات لاستقبالهم، وقد بدا عليهن رهبة تلاشت بمجرد أن ظهرت أمامهن ليلى حين ترجلت من السيارة.

وصل إلى أسماعه الصوت المألوف، وبداخله يتمنى تكذيب أذنه، لكن مع تجمد الفتيات ورقابهن التي توجهت للخلف، تأكد بالفعل من ظنه. ليترجل من السيارة، مًغلقًا الباب خلفه بقوة، ومتوجهًا بأبصاره نحو هذا الأحمق الذي كان قريبًا منهم، يسارع بالتلطيف:

معلش انا تبع الجماعة مش غريب، انتو اتأخرتو ليه يا جدعان، بقالي ساعة مستنيكم؟ تجاهل وصفي الرد عليه، ليسحب ابنة شقيقته ويتحرك بها نحو المنزل بصحبة بناته. أما ليلى، فقد اكتفت بنظرة حائرة نحوه، لا تقل استغرابًا عن والدتها التي ظلت على تجهمها حتى أشرق وجهها بخروج آخر فرد من أبناء أخيها، فتى في العشرين من العمر. استقبلهما ضاحكًا، وألقى بنفسه داخل حضن عمته التي قابلته باشتياق.

حازم باشا بجلاله قدره مستنينا يا جدعان.

عبس حمزة لرؤية ذلك العناق الذي استفزه، وقد نسي أمر شقيقه الذي انعقد حاجباه بضيق واضح، وهو يراقب الفتى يمازح ليلى ويتحدث معها بود، بينما تستقبله هي بتباسط وابتسامات تخالف تمامًا ما اعتاد أن يجده منها.

انا صلحتلك سرير جدي المرحوم بنفسي ، وامي فرشته ووضبته عشانك يا ليلى.

"يارب ينكسر..." غمغم بها معاذ في داخله، قبل أن يجفل على صوت دعوة وصفي.

واقفين ليه محلكم يا جماعة، تعالوا جوا نشرب حاجة ونتغدى، وبالمرة تشوفوا البيت.

همَّ أن يتحرك سريعًا مستجيبًا للدعوة، لكن يدًا غليظة أوقفته بحذر، يعكس يقظة صاحبها، ليعتذر بعدها نحو الآخر قائلًا:

تشكر يا ابو حازم يا ابو الواجب، مرة تانية ان شاءالله.

مرة تانية ليه بس يا عم حمزة؟ الدنيا واسعة والله ومفيش كسوف، حتى تجرب معايا جعدة المسطبة اللي تحت شجرة التين اللي جدامك، احلى كوباية عصاري والله تشربها تحتها.

تطلع إلى ما يقصده برضا، ثم نقل بصره نحو شقيقته التي بدأ النعاس يغلبها، فعدل عما كان يبتغيه، مؤجِّلًا الأمر:

ان شاءالله يا عم وصفي، الايام جاية كتير، عن اذنك بقى اوصل الحاجة منى لبيت جوزها، الا مقولتليش صُح، هي ارضكم فين بالظبط هنه؟

اعتلى الحزن ملامح وصفي، وأشار بذقنه إلى الأمام قائلًا:

"الزمام اللي في وشك دا على طول... بس دا كان، قبل ما نبيعه وتروح معاه الأيام الحلوة. أمال إحنا هجرنا بيتنا من شوية

بعيدة إلى حدٍّ ما، أسفل إحدى الأشجار، وقف عرفان يراقب بتركيز شديد، وداخله يتوعد ويحلف بأغلظ الأيمان، بعد أن تأكد من صدق ما أخبره به عطوة، عن ذلك الرجل الذي أقلّ زوجته وابنته. أيًّا كان السبب الذي جعلها توافق على ذلك، حتى في وجود شقيقها عديم الرجولة، لا شيء يشفع لها، أن تجيب حتى لو حدثها هذا المحتال الذي استغلّ هفوته وباغته بضربات متتالية علي رأسه والتي سقط علي إثرها، ليسقيه كأس الذل أمام عائلته، وأمامها، وأمام ابنته.

ليته كسر ذراعي الاثنتين، علّه يبرد شيئًا من نيرانه... لن يكون عرفان الأشقر إن لم ينتقم.

لم يتوقف معاذ عن اللغو والعتب على شقيقه، الذي ظل صامتًا دون أن يتفوه بحرف، رغم حنقه عليه ورغبته الأكيدة في لكمه على وجهه عدة مرات حتى يكفّ ويصمت. ولكن طاقته قد نفدت، ومجهود الأمس واليوم كادا أن يقضيا عليه.

حين وصلوا بالقرب من منزل شقيقته، توقف متجاهلًا الآخر، مخاطبًا إياها:

– بس وصلنــااا، اصحي يا منى، وصلنا بيتك، منى...

– خلاص يا حبيبي، سمعت، هي غينوة.

تمتمت بها لتفاجئهم بوعيها، فيعلّق معاذ ساخرًا:

– يعني صاحية يا حلوة وكنتي بتمثلي علينا؟

– أيوه، كنت بمثل، وإنت طلعت "دوهل"، بقالك ساعة كلت دماغي عن ليلى وأم ليلى وبيت ليلى، دا أنا حفظت تاريخ البت، يخرب مطنك.

ضحك حمزة ليعلّق في أثرها هو الآخر وهي تغادر السيارة :

جعدت ملامحها تغيظه بطريقتها، فزادت ضحكات حمزة، لتقترب فجأة من النافذة المجاورة له، وتميل بكتفها من خارج السيارة، تضع ساعدها على ذراعه، وتعطيه دوره هو الآخر:

– وإنت عامل نفسك تقيل ومش راضي تتكلم، على أساس مكشفتكش، دا انت كل أفعالك فضحاك.

تجمّدت ضحكته وهو يخاطبها بتحذير:

– لمي نفسك يا منى، مش عايز أتعصب عليكي.

– وإن ملمّتش هتعمل إيه؟ مش من مصلحتك أصلًا تزعلني دلوك.

عضّ على شفته بحنق شديد، فالملعونة تعرف ما يدور برأسه، وتلاعبه على هذا الأساس، وليس أمامه سوى مهادنتها:

– امشي يا منى، وروحي لجوزك وعيالك، منصور على آخره أصلاً منك.

تبسمت بدلال وهي تبتعد عنه مرددة:

– لا يا حبيبي، ما تشيلش هم، ماي هسبن منص حبيبي، مفيش أهدى منه أساسًا...

أتى الصوت الجهوري من شرفة المنزل، لتنتبه على وجوده، بوقفته المتحفزة وهو يلوح بالتحية لشقيقيها، بوجه متجهم وحاجبين معقودين

– يا لهوي، دا متعصب صُح! أروح أهدّيه، جاتكم نيلة، عيلة ما يجيش من وراها غير الهم!

وفور أن خطت السيارة داخل البوابة الحديدية، انتفضت هالة التي كانت تطل من شرفة الغرفة الأرضية للحاجة حسنية، لتهرول نحوها مرددة:

– وصلوا ياما، وصلوا! الاتنين وصلوا مع بعض في عربية واحدة، يبقى خليفة كان عنده حق.

توقفت حسنية عن ارتشاف اليانسون الساخن بإجفال، لتضع الكوب على الصينية النحاسية بحرص، قائلة:

– حمزة ومعاذ ياما، راجعين في عربية واحدة، يبقى أكيد في مصلحة بينهم. شوفي بقى، جضّوا يومهم كله فين؟ وإيه الحاجة المهمة اللي تخلي معاذ يلغي سفره عشانها؟!

أومأت حسنية تراضيها، رغم ضجرها من إلحاحها واصرارها على معرفة كل صغيرة وكبيرة داخل المنزل، وحتى عن أولادها:

– حاضر يا هالة، روحي لجوزك، ليكون عايز حاجة منِكِ.

– هيكون عايز إيه يعني؟ هو أساسًا نام.

أومأت حسنية مرة أخرى، لعلمها الأكيد أنها لن تصمت حتى تعرف كل شيء، فاضطرت أن تُذعن لرغبتها، وانتظرت حتى اقترب أبناؤها من مدخل المنزل، فهتفت تناديهم بأسمائهم:

التفّ الأول نحوها، وكاد أن يذهب إليها، لولا حمزة الذي انتبه لوجود هالة، فضغط على كفه محذرًا بخفوت:

– تطلع دوغري على أوضتك وتنام، إياك تجيب سيرة أي حرف من اللي حُصل النهاردة، ولا الموضوع إياه، غير لما أنا أقولك.

– مالكش دعوة، أنا هتصرف. المهم تسمع كلامي.

أومأ له بطاعة، ليرتد بخطواته متخذًا طريق المدخل، هاربًا من والدته. وتكفّل حمزة بالقدوم إليها، حتى الشرفة المنخفضة المقابلة للغرفة الأرضية، ليجيبها مبتسمًا:

– نعم يا ست الكل، عايزانا في حاجة؟

– أخويا هلكان ياما، النهاردة كان يوم صعب وفي مية حاجة. أنا كنت جاي أحكيلك.

وضح التحفز على الاثنتين، فجاء الرد من حسنية ليصدم هالة:

– طب مستني إيه؟ ما تيجي. قومي يا هالة، اعملي لواد عمك كوباية شاي.

سمعت منها، لتبرق عيناها بصورة كادت أن تضحكه، لكنه تماسك، وواصل مراوغته:

– خليكِ مكانك يا هالة، أنا بجولك هحكيلك ياما، بس دلوك هلكان والله، سبيني أرتاح، وبكرة إن شاء الله هريحك.

– ماشي يا نور عيني، تصبح على ألف خير.

وهكذا استطاع بحنكته أن يُراضي والدته... ولا عزاء لهالة.

واختفى الضجيج والزحام، ولم يبقَ سوى صوت الليل من حولهم، بعد مغادرة الجميع.

رغم إصرار شقيقها على المبيت معهما أو أخذهما إلى منزله، إلا أنه في النهاية أذعن لرغبتها، وغادر إلى عمله المسائي، لتبقى هي مع ابنتها وواحدة من بنات شقيقها التي غلبها النوم بعد العشاء، فخلا الجو بين الأم وابنتها.

وقد تحسّن الوضع اليوم عن الأمس، فهما نائمتان على السرير، لا على الحصيرة كما في البارحة.

حتى وإن كان الفراش قديمًا، لكنه نظيف ودافئ بحضنها لصغيرتها، والحديث يدور بينهما:

"فرحتي يا ما لما اتخطبتي لأبويا؟"

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي مزيونة، وأجابتها:

"والله ما فاكرة إن كان عجبني ولا معجبنيش، فرحت بعريس الهنا ولا ما فرحتش، كل اللي فاكراة إني كنت مبسوطة بالفستان، والدهب اللي اتحط في يدي، ومباركة الجيران والقرايب وفرحتهم بيا، إني هتجوز قبل الكل، وإني هبجى أحلى عروسة."

"بجيت أحلى عروسة يا قلبي، لكن بعدها ما شفتش الفرح. كان مقلب وشربته. أبوي نفسه ندم، وفضل عمره كله يطلب مني أسامحه... وأنا سامحته، بس دِه عمره ما هيرجع اللي راح."

أنهت مزيونة حديثها كأنه عرض صغير يلخّص تجربة عمرها، لتحصل على الرد من ابنتها:

"أنا عمري ما هتجوز صغيرة يا ما."

رواية لاجلها الفصل السابع

اختيار الوقت المناسب لطرح قضيتك، اهم حتى من عرض القضية نفسها

هذا ما وضعه نصب عينيه وسار عليه، حينما دلف الى والدته في صباح اليوم التالي بعد صلاة الفجر ليستأثر بها بعيدًا عن فضول هالة وجنون شقيقه الذي قد يقلب الأمر رأسا على عقب، بكلمة واحدة منه غير محسوبة:

ولعلمه بطبيعة والدته وعاطفتها الزائدة، تصرف على هذا الاساس:

- وادي يا امي كل الحكاية مخبيتش عنك اي حاجة واصل.

سمعت حسنية ما قصه عليها، فتقلصت ملامحها بتأثر تتمتم بإشفاق:

- وعلى كدة جاعدين دلوك في البيت القديم لوحديهم؟ محدش معاهم؟ طب البنية المكسور دراعها، حالتها ايه بعد اللي حصل؟

- البنية الله يكون في عونها يا امه، ولو تشوفي البيت جديم ازاي تحلفي انه ما ينفع مكان للسكن ، وهما شكلهم ولاد الناس، لكن تعملي ايه لغدر الزمن ونقص الرجال .

- اه والله يا ولدي، منه لله طليقها الزفت، كيف جاله قلب يطلعهم ف نصاص الليالي ويجي بعدها يتهجم عليهم، معندوش نحوه ولا احساس.

قالتها حسنية تضيف عليه بانفعال، ليستغل هو مضاعفًا:

- ولا حتى رجولة من الأساس، ما يعمل كدة غير الناقص، دي رجالة عيلته كان وشهم في الأرض من عملته، حكم الاحساس دا نعمة.

- عندك حق يا ولدي، ربنا ياخده وياخد كل راجل عفش زيه، والله اللي يجي على الولايا ما يكسب، انا عايزة اشوفهم واعمل الواجب يا حمزة ، مع الست مزيونة وبنيتها.

وكأنه سجل هدف عزيزَا في مبارة التأهل للفوز بالكأس،، أخفى بصعوبة ابتسامة الفرح، ليحافظ على اتزانه يهم بالرد عليها ولكن سبقه اندفاع باب الغرفة فجأة، يدلف منه هذا المتهور قائلا:

- عين العقل يا أمة، انا عارفك من الاول صاحبة واجب.

ازبهلت حسنية ناظرة له بإجفال، اما حمزة فقد تجمد يطالعه بصدمة قبل أن يستفيق على توبيخ حسنية لذاك المتحمس بإغفال عن فعله:

- انت بتتصنت علينا يا معاذ، دي أخلاقك برضو يا متعلم يا تربية الأزهر.

وهكذا جاء الرد المباغت ليدافع عن نفسه مبررًا:

- هه ، لا والله يا امه، انا كنت معدي بالصدفة وانا راجع دلوك من صلاة الفجر كنت داخلك اصبح عليكي، ما سمعتش غير الجملة الأخيرة عن الست مزيونة وبنيتها وانا جاي افتح الباب، فدخلت بعفويتي.

- اممم ، وانت تعرفها منين الست مزيونة ولا بنيتها عشان تتنحرر كدة وتدخل عشانهم؟

يبدو أنه أوقع نفسه بالفخ، هذا ماشعر به معاذ وابصاره اتجهت نحو شقيقه حمزة يبتغي الدعم، فطريقة والدته في السؤال تحمل شكًا صريح، ليظل الاخر على جموده يتركه يصارع النجاة وحده:

- ما هو، ما هو ، ما هو يا أمي أنا شوفتها حالة انسانية وصعب عليا اللي حصلهم.

تفوه بها حمزة اخيرا يجعله يلتقط انفاسه ، مواصلا اقناع والدته:

- اصله عرف صدفة من منى لما كانت معايا في المستشفى امبارح.

نهض فجأة يجيبها على عجل حتى ينهي هذا التحقيق:

- يا امي ما هي كانت معايا بالصدفة لما جابلنا الجماعة رايحين بالبت على المستشفى، اسيبك تقري وردك.

وتحرك يدفع شقيقه ليغادر به قبل أن يزيد الامور تعقيدا:

- منى كمان صدفة! دا ايه الصدف الكتيرة دي!

وفي خارج الغرفة ظل يدفعه حتى وصل به إلى الطابق الثاني، غير أبهًا باعتراضه:

- امشي امشي، انت ايه اللي جابك اصلا؟ دا انا مصدقت استفرض بيها في لحضة صفا بعيد عنك وعن دوشة البيت يا بوز الاخص

توقف معاذ هذه المرة باعتراض وسخط:

- بوز الأخص عشان بس دخلت عليكم وشجعتها على زيارة ليلى وامها، أمال لو كنت فاتحتها وخبرتها عن غرضنا الأساسي من كل المشوار ده.

- الله يخرب مطنك اسكت وكفاية كدة .

هتف بها حمزة يغلق على فمه بكفه الكبرى ليسكته عنوة عن التكملة، وقبل ان يهم بتحذيره، وصل اليهما ما كان يخشاه:

- وه يا حمزة هتكتم نفس اخوك، هو ايه اللي حاصل؟

طالع شقيقه بنظرة فهم عليها ، قبل أن يرفع كفه عنه يجيبها:

- بنهزر يا هالة، عمركيش شوفتي اتنين اخوات بيهزروا؟

- وماله يا واد عمي، ربنا يخليكم لبعض، مع اني مستغربة يعني الهزار التقيل وباقي البيت لساتهم نايمين؟

رسم بثغره ابتسامة صفراء يجيبها بغيظ قبل أن يسحب نفسه مغادرا نحو غرفته:

- معلش مخدناش بالنا، المرة الجاية هنستنى لما العالم يصحى.

عقب معاذ ايضا وهو يتحرك ليذهب من امامها؛

- ولما العالم كله نايم، ايه اللي مصحيكي انتي يا هالة؟! ما تتخمدي زي الباقين

وقد كانت في هذا الوقت تصفف شعر ابنتها، في هذا الجزء المفتوح من المنزل، حيث الدفء وحرارة الشمس الوليدة في الصباح الباكر، والأجواء الهادئة التي لا يقطعها سوى اصوات العصافير على أغصان الأشجار القريبة من المنزل.

وقد وضعت لها وسادة قطنية تجلس عليها، وهي من خلفها تمرر المشط الخشبي على الشعر الغجري المتمرد ببطء وحرص حتى لا تؤثر على ذراعها المصاب بالسلب، تدندن بإحدى الأغاني الفلكورية القديمة، وليلى شاردة بالنظر امامها في تفاصيل الجدار الطيني واماكن الشقوق البارزة به، والرسومات القديمة بالطبشور او اشياء آخرى كالحناء التي لفتت ابصارها في إحدى الجوانب، خطت كالأحرف وقلب في الوسط، ضحكت ليلى وقد عرفت بهوية المقصودين، لتشاكس والدتها:

- ايه ده يا أمي؟ راسمة حرفك وحرف ابويا بالحنة وفي النص قلب جواه سهم، دا على كدة انتي كنتي بتحبيه بجى؟

- اه صح، وأنت بصراحة ابوكي يتحب.

توقفت تخرج تنهيدة خافتة مشبعة بمشاعر القهر التي تكبتها داخلها، ثم تستطرد:

- دي واحدة من بنات خالي المرحوم حسنين، كانت أكبر مني بتلت سنين، وقتها كانت بتكمل تعليمها في مدرسة الصنايع في البندر، ودماغها كانت شاطحة في الحب والكلام الفاضي، المهم انها جات في يوم حنتي، ولقيتها بتكتب حرفي وحرف عرفان على الحيطة اللي جدامك دي، عشان جال يبقى ذكرى.

ضحكة خافتة ساخرة صدرت منها، تستعيد ذكرى ذلك اليوم الذي تم به عقد قرانها من عرفان كما كان هو السائد، فرحت بالرقص وأغاني الفتيات وضحكات النساء وتلميحاتهم الوقحة معظم الاوقات، نقشن بكفيها الحناء لتظل قابضة عليهم إلى ان تجف، حتى إذا قاربت الليلة على الانتهاء، صاحت الفتيات يهللن بقدوم العريس الذي جاء على عجالة كي يهنيء عروسه، وأطلقت الزغاريد من النساء ليدفعنها دفعا حتى تلتقي به داخل غرفة الضيافة قبل أن يغادر ويعود إلى مجلس الرجال في الخارج.

لقاء عابر ، لا وقت يسمح حتى للجلوس، لتتلقى منه كلمات الغزل والمباركة كما كانت تظن، ولكن ما لم تتوقعه هو أن يستغل ذلك الانفراد بها في تلك اللحظات القليلة، حينما سحبها فجأة إليه، مقربا رأسها منه، وعلى حين غرة التقط ثغرها في قبلة جامحة، يرتشف من رحيقها بنهم وقوة ، ثم يتركها فجأة، فيتبسم ضاحكًا، وكفه تربت على وجنتها المنتفخة:

- كفاية عليكي كدة، دي تصبيره بسيطة وبكرة نكمله براحتنا.

ثم تحرك مستئذنا للخروج بصورة طبيعة وكأنه لم يفعل شيء، ليتركها متجمده محلها، لا تعي حتى الآن ما حدث منه، وان كان عليها ان تشتكي لوالديها فعله أم لا؟ لتظل مزبهلة في اثره حتى كشفتها ابنة خالها المراهقة لتقنعها أن ما تم شيء عادي بين الازواج والأحباب، وعليها أن تفرح به، لتمر ليلتها وهي واضعة برأسها أن ما ينتظرها لا يتعدى عن ذلك، او كما تصور لها مشاهدة الافلام في التلفاز من أجواء رومانسية.

لم تكن تعرف بطبيعة زوجها بعد، والذي لم يراعي ولو مرة واحدة بعد زواجهم انها طفلة، كان يراها دائمًا أنثى مكتملة، زوجته الجميلة التي نالها بماله كي يستمتع بها وينجب منها الاولاد، دون أدنى اعتبار لعمرها الصغير أو تحميلها فوق طاقتها، وأن اشتكت لوالدتها تجد الرد جاهزًا:

- بكرة تتعودي وتحبيه كمان، دا بس عشان لسة مخدتيش عليه.

نفضت رأسها فجأة مكتفية بذلك القدر،،حتى لا تغوص اكثر في ذكريات اكثر قتامة، لن تزيدها الا اكتئابًا، لتتمالك باسها محدثة صغيرتها:

- بقولك ايه يا ليلى، ايه رأيك نروح القرافة النهاردة نزور المرحوم جدك والمرحومة جدتك؟

على الفور اجابتها الأخرى بلهفة:

تبسمت مزيونة تخطف قبلة من وجنتها الناعمة قائلة:

- خلاص يبقى استنيني اروح اشتري شوية خضار وبقالة للمطبخ اللي مترتب اي كلام ده، المهم اجيب خزين البيت، وبعدها نرتب براحتنا هو احنا ورانا ايه؟

- مورناش حاجة طبعا ، بس انا هطلع معاكي، مش هجعد في البيت لوحدي، بت خالي ياسمين مجرد ما الصبح صبح ، خدت ديلها في سنانها وروحت على بيتهم جري، يبقى انا هقعد وحدي اكلم نفسي عاد.

- لا يا اختي متكلميش نفسك، بس حرصي على دراعك زي عنيكي، احنا مش ناقصين، دا لساته متجبر امبارح.

قالتها مزيونة في موافقة على الخروج معها.

وفي منزل عرفان الذي استيقظ باكرًا يعدل بلف الشاش الأبيض حول رأسه، حتى يخفي الإصابة التي تأخذ حيزا كبيرا من جبهته، مما ساهم في تصعيب الأمر عليه، فهو يريد اخفائها تماما، ولكن مساحة الاصابة وأخذها حيزا كبيرا من الجبهة يمنع ذلك، ليصله في الاخير السخرية من زوجته:

- كفاية يا عرفان ، اكتر من كدة الشاش هينزل على عينك، ثم انت هتداريها من مين يعنى؟ ما كل البلد عارفة .

التف اليها بغضبه يزجرها بعيناه:

- محدش طلب رأيك ولا طلب مشورتك، اتهلي على عينك وخليكي ف اللي انتي فيه، رضعي البت ولا اخمديها واتخمدي معاها، مناقصنيش انا اتصبح بخلقتك وابوظ يومي اكتر ما هو بايظ.

بصدمة احتلت معالمها، رددت خلفه باستنكار:

- بجى انا خلقتي هتجفل يومك يا عرفان؟ للدرجادي شايفني نحس عليك؟

صدرت منه ثم التف نحوها يرمقها بضحكة ساخرة خاليه من اي مرح، ولكنها تكفي لزعزعة الثقة داخلها وتأكيد ظنها، لتصيح به:

- ماشي يا عرفان الله يسامحك، ربنا بس هو اللي يجبلي حقي منك، مش هقول اكتر من كدة.

ارتفع حاجبه بشر متناولا سلسال مفاتيحه يردد بعدم اكتراث قبل ان يتركها ويذهب:

- وليه تمنعي نفسك قولي، بس كل واحدة يبقى كد قوله بعد كدة عاد، حكم انا معنديش تفريط دلوك، وكله بحسابه، خصوصا الكلمة.

لتضرب بكفها على فخذها مطالعة اثره بحنق شديد مرددة:

- اه يا نارك يا صفا وغلبك التقيل، وانا اللي كنت فاكرة نفسي هتهنى بعد ما غارت هي وبتها، دا كأني نحس فعلا على كدة.

وقد خرجت في هذا الوقت من غرفتها، لتتأكد من صحة ما أخبرتها به ابنتها عن تلك الزيارة المفاجئة من شقيقها، فتبسمت بمكر تستقبله ، وكأنها كانت متوقعة:

- يا مرحب يا مرحب يا واد ابوي، لحقت بالسرعة دي اتوحشك من امبارح؟.

ضغط بأسنانه على شفته السفلى يكظم غيظه، متوجها بالقول نحو زوجها الذي اتى من خلفها:

- مشتاقلك جوي يا جوز اختي، انا جاي للي يستاهل، كيفك يا منصور.

ضحك الأخير ببشاشة يرحب به، وبصورة اختلفت تماما عن غضب الأمس:

- حبيبي يا ابو ريان، البيت بيتك والمطرح مطرحك، تيجي وتنور في اي وجت.

تصافحا بحرارة قبل أن يتخذا جلستهما في وسط المنزل كما المعتاد ، ليبادره حمزة ممتنا:

- مش محتاجة كلام ، كد الجول يا عم منصور ، انا بس معرفتش اتكلم معاك امبارح لما كنت مضايق.

سأله بعدم تركيز، ليسارع حمزة بالتوضيح له:

- قصدي لما أخرنا منى معانا في مشوار امبارح، عايزك تمسحها فيا لأن انا اللي كنت السبب في تأخيرها يعني.

اومأ منصور بتفهم لتصدح ضحكته عاليًا يعقب:

- يا راجل لسة فاكر، دا موضوع عدى وفات .

- تعبت نفسك وجيت مخصوص عشان كدة يا واد ابوي، ما انت عارف من الاول ، منصور قلبه ابيض من البفتة الحليب، دا ناسي الموضوع اصلا، ولا يكونش جاي تدردش معانا؟

رغم خبثها المقصود في توجيهه، إلا انه التقط عرضها بترحيب مؤيدًا:

- باين هو كدة فعلا، انا طلعت بالعربية لقيتني واجف بيها هنا من غير ما افكر، شكلي فعلا اشتاجت لكم.

زامت بها مغلقة فمها بابتسامة كاشفة، حتى تمنى أن يلكمها على فكها تلك اللئيمة، ولكنه كان يعلم ان زوح شقيقته لن يجلس معه اكثر من ذلك، لالتزامه بدوام المدرسة التي يعمل بها استاذ اول، ليصبر نفسه تلك الدقائق، حتى إذا استئذن وغادر من امامهما، فانقض عليها يلف ذراعه حول رقبتها بتهديد:

- بتتمسخري وتلجحي بالكلام عليا جدام جوزك يا زفتة، اكسر رقبتك في يدي دلوك

كانت غير قادرة على إخراج جملة واحدة جيدة من فرط ضحكها:

- خلاص يا بوي........ خلاص يا حمزة....... اعتبرني زي اختك حتى.....

ردد بها من خلفها، ينزع ذراعها عنها فجأة، يحاول التماسك على ألا يضحك، ليصدر امره مباشرة إليها:

- اسمعي اما اقولك يا بت، مدام دخلتي برجليكي في موضوعنا وعملتي في شاطرة، يبقى مجبرة تتعاوني معانا.

توقف عن ضحكاتها سائلة باستفسار:

- اتعاون معاكم ازاي يعني؟ انت عايز مني ايه بالظبط يا حمزة؟

في سوق البلدة المتواضع، حيث تضع النساء ما يخصهم من منتجات المنزل من طيور التربية او الجبن وغيرها من مشتقات الالبان كي تبيعه وتأتي بقوت يومها والأبناء ، اما الرجال؛ فمن خيرات الأرض ، محاصيل وخضروات طازجة؛ تأتي تجارتهم.

كانت مزيونة تتنقل من بينهم حاملة سلتها البلاستيكية تشتري وتضع ما يلزمها بداخلها، ساحبة بيدها ابنتها التي لا تفعل شيء سوى رفقتها نظرا لأصابة ذراعها، رغم شفقتها وعرضها عدة مرات التخفيف عنها بحمل بعض الأشياء بذراعها السليم، ولكن مزيونة ظلت على موقفها رافضة حتى والسلة امتلأت بمنتجات البقالة واصبحت تحمل اكياسا معها، تصبر نفسها بقرب المسافة سيرا إلى المنزل، رغم تخدر ذراعيها من الثقل، حتى تفاجأتا الاثنتان بمن يقطع الطريق عليهما عارضا خدماته:

- براحة عليكي يا ام ليلى، انتي عايزة دراعك يتكسر، هاتي عنك هاتي .

تراجعت بابنتها عن متناول يده ، رافضه عرضه الكريم:

- متشكرين يا سي عطوة، انا متعودة على الشيل متتعبش نفسك.

بأعين تشملها برغبة واضحة، تعلمها هي جيدا في الرجال من امثاله وهو صديق عرفان، يعني خير مثال للدناءة، تقدم يفرض عليها عرضه بحمائية مصطنعة:

- ازاي يعني متعبش نفسي؟ انتي مش شايفاني راجل جدامك يا ام ليلى عشان اسيبك بشيلتك دي وانا اروح زي الخروف على بيتنا فاضي، هاتي يا شيخة هاتي.

انتفضت تتراجع الى الخلف للمرة الثانية فيزيد بالتبعية ثقل ما تحمله بسحب ابنتها، ترفض بعنف:

- بقووولك لاه، تروح زي ما تروح ميخصنيش، بعد من وشي الله يخليك خليني اعدي

تضامنت معها ابنتها، لتنهره بغضب:

- ما خلاص يا عمي، جولنالك كتر خيرك، روح لحال سبيلك بجى وسيبنا نكمله طريقنا.

وكأنه لم يسمع، هم ان يتقدم مرة اخرى يزيد بسماجته، فقد وجدها فرصة سانحة للتقرب من هذه الجميلة وابنتها، بل ودخول المنزل بتلك الاشياء، لتصبح له قدم به، ولكن وقبل ان تنبت شفتيه ببنت شفاه اجفله شيء بارد لامس بشرته من الخلف، لتقبض أصابع قاسية على عنقه، فيطل امامه صاحبها:

- هما مش قالولك بعد ، لزوموها ايه بقى التناحة، معلش يا ست مزيونة وانتي يا ليلى، سامحوني لو بتدخل .

صدمة افقدتهما النطق، وهما يبصران ذاك الفتى، والمدعو معاذ كما تذكرتا الاثنتان، وقد اصبح يفرض نفسه عليهم منذ الأمس، ليتمكن من الرجل الذي اصبح كالفأر بين يديه رغم فارق العمر الذي يتعدى العشر سنين،

فانتفض عطوة يحاول الفكاك من قبضته مرددًا بصياح :

- انت مين يا جدع انت؟ وليه حاطط يدك علي ؟ بعد عني بعد .

بالطبع لم يتركه، ليزيد من حنق عطوة وصيحاته العالية ليجذب انتباه المارة من حولهم، فتنتفض مزيونة ساحبة ابنتها برعب :

- يا مراري هو احنا ناقصين فضايح، همي يا بت همي.

استجابت لليلى للذهاب معها ، ولكن ظلت ابصارها معلقة بذاك المجنون وقد تطور الشجار ليصبح اشتباك بالأيدي، فعبرت هي عن قلقها ورأسها ملتف للخلف:

- دي بقيت عركة يا امه، ومعاذ بركه على الأرض وبقى يسففه التراب

ضغطت مزيونة على دمعة حرقت عيناها، لتضيف على الالم الجسدي لما تحمله مرددة:

- ما هي كانت ناقصاه ولا ناقصة التاني، ما سيبولي في حالي بقى، هو حرام اعيش مع نفسي انا وبنتي، كافية خيري شري، حرام يا ناس.

وقد انتفض من جوارها حمزة يتابع الاتصال الذي ورد إليه فجأة بانتباه شديد حتى جعله يصرخ في محدثه من الناحية الأخرى:

- كيف يعني مش قادرين تفلتوه منيه؟ اتصرفوا على ما اوصلكم، ولا عايزينها تقلب حرب ما بين عيلتين، انا جاي حالا عنديكم .

اغلق ملتفًا نحو شقيقته التي حدثته متسائلة :

- في ايه؟ ومين اللي بيكلمك اصلا؟

- دا واحد من عيالك يا منى، بيبلغني عن اخوكي اللي مش هيجيبها لبر ، ناوي يطلعنا احنا آخرة قبل ما يخش هو دنيا، هيشلني .

كان حمزة قد وصل ليخترق جمع البشر ، وقد نجح بعض الأشخاص في الفصل ما بين الاثنان، والان كان الدور الاصعب ، في منعهم من العودة للشجار مرة اخرى بالسيطرة عليهم:

- صلي على النبي كدة يا معاذ واهدى الراجل مبقتش باينة ملامحه من كتر الضرب، والتراب اللي سففتهولوا.

توجه بها أحد الرجال نحوه ليجأر به:

- قولوله يقفل خشمه الاول، ويبطل الكلام اللي بيهلفط بيه، لأحسن قسما بالله اجطعله لسانه بالمرة وما ليه عندي دية.

صرخ عطوة من ناحيته يدعي المظلومية:

- كمااان مليش دية!، دا على اساس اني هفية ومقدرش ارلك، ولا مقطوع من شجرة ، لا اصحى وفوق لنفسك يا بابا، دا انا ليا عيلة تسد عين الشمس.

شرع معاذ ان يرفع ايدي الرجال عنه كي يعود لضربه، ولكن منعه ظهور حمزة المفاجي، بتجهم وهيبه اللجمت الافواه، وهو يقترب من شقيقه يسحبه من ايدي الرجال بصمت ابلغ من الكلام، حتى جعله يستجيب لسحبه دون اعتراض، ليبتعد به وينهي الشجار ، وما ان وصل به إلى السيارة، يدفعه للدخول بها، هدر بها الاخر ممتنعًا :

- ساحبني كدة زي البهيمة، طب اعرف السبب اللي خلاني اتخانق مع هلفوت زييه، دا انا لولا الرجالة ما فصلوني عنه، لا كنت خلصت عليه.

لكزه حمزة بقوة على ذراعه يقطع صمته:

- ولك عين كمان بعد اللي حصل، عيل صغير انتي عشان اسحبك من العرايك واللم من وراك، طب حتى راعي مقامك وانت واخد شهادة وتعليم ازهري ولا اسم عيلتك اللي هيتزفر على لسان واحد ولا يسوى

- اهو اللي ميسواش دا يستاهل اكتر من اللي حصله، وانا لولا العيبة بس لكنت فقعت عنيه الاتنين عشان يبطل يبص لليلي ولا لأمها تاني.

- بتقول مين؟ ماله هو بليلي ولا امها؟

تمتم بها حمزة متسائلا بلهجة خطرة،، ضاعفت من تحفز الاخر ليؤكد له:

- زي ما بقولك كدة، انا بس مرديتش اجيب السبب الحقيقي في العركة عشان سمعة الولايا، الخسيس الواطي ده ، أتعرض ليهم يعرض خدماته عليهم بالعافية انه يشيل من الست مزيونة سلة الخضار، وعينه عليها كيف الصقر من غير خشا ولا حيا .

هل ما وصل لأسماعه كان صحيحًا؟ والأهم من ذلك ، هل بالفعل هذا ما حدث من هذا المأسوف على امره، لتشتعل النيران برأسه، وابصاره تتوجه نحو هذا الأحمق وقد كان ينفض ثيابه بعد ان انفض الشجار، ليتحرك فجأة تاركًا شقيقه وبدون إنذار قطع الطريق عليه وقبل ان يخرج استفساره، باغته حمزة بضربة قاضية برأسه على جبهته الاخر اوقعته ارضا على الفور دون مقاومة

داخل منزل مزيونة وقد جاءتها منى بناءا على اتصال من حمزة كي تحضر وتراها، لتجدها منهارة من البكاء على ما قد تم وحدث، يقتلها القلق أن يمس هذا بسمعتها هي وابنتها؛

- يا حبيبتي زي ما بقولك معاذ مدهوش فرصة حتى يتكلم، اداله الطريحة اللي يستاهلها ولما وصل حمزة خلص عليه هو برضو.

- يا مري واستاذ حمزة كمان دخل في الموضوع.

تمتمت بها ضاربه بكفها على صدرها بجزع واجفال نحو منى لتسارع الأخيرة بالتوضيح لها:

- يا حبيبتي انا بس بطمنك، مش قصدي افهمك أن الموضوع كبير، دا حتة كلب ولا يسوى ، مش فاهمة انا عملاله جيمة ليه من اصله؟ دا هو اللي اتعرضلك انتي وبتك ورمى جتته عليكم .

لطمت بكفيها على وجنتيها مرددة بقهر:

- ما هو محدش هيفهم كدة، محدش هيفهم ، الراجل الدون ده مكنش يجرؤ يكلمني وانا على زمة عرفان، انا اكتر واحدة عارفة دماغ الناس واللي بيدور فيها، ولا فكرك كنت راضية بوضعي مع عرفان السنين دي كلها حبا فيه، لا والله، دا من غلبي، رضيت بوضعي وانا زي البيت الوقف تحت ضله لأجل بتي، اتحملت الذل والإهانة لأجل بتي، ودلوك اللي خلاني اطلع واسيبله الدنيا بحالها برضو بتي، الناس بقى مش عايزة تسيبني في حالي ليه؟ ليه بس؟

واخدت تجهش بالبكاء لتضمها منى اليها تهدهدها وتهون عليها ، وابصارها متجهة نحو ليلى التي طغى الحزن عليها هي الأخرى، فصاحت بالاثنتان:

- وبعدين معاكم عاد ههدي الكبيرة ولا الصغيرة؟ بت يا ليلى تعالي سكتي الولية دي ، انتي بتها وتحكمي عليها

ضحكت المذكورة وقد استجابت لمشاكسة منى لتقترب وتتخذ جلستها بجوارهن ، تحتضن والدتها من الخلف قائلة بمزاح:

- خالتي منى بتقولك اسكتي تبعيها بقى، ولا عايزة تبكيني انا كمان. معاكي..

وكأن بتأثيرها مفعول السحر ، اعتدلت مزيونة تمسح دمعاتها ثم تحتضن صغيرتها وتقبلها من وجنتيها قائلة:

- معاش يا قلبي اللي يزعلك ولا ينزل دمعة من عينك، حتى لو كنت انا ، دا انا ابيع عمري كله عشانك يا بت.

تأثرت منى حتى كادت ان تسقط دمعتها هي الأخرى ، لولا استدراكها للوقت والتعليمات التي وجهت اليها، لتخرج من ثباتها وتمازحم:

- يا عيني على منظركم كدة يخطف القلب ، بس معلش ممكن تصحصحولي، عشان يعني بستأذنكم في زيارة كدة.

التفت اليها مزيونة بانتباه سائلة:

- اخويا حمزة ، جاي وساحب معاه الواد معاذ يتأسفلك........

قاطعتها به مزيونة بانفعال قابلته منى بطريقتها، تمتص غضبها:

- ما جولتلك جاي يعتذر يا ولية، دا معاذ اللي اتصدر للنطع مش العكس، اينعم هو متهور وغشيم بس نيته خير والله .

خرجت إليه بعد قليل بمرافقة منى وابنتها ليلى ، ليتم اللقاء اسفل شجرة التين في الجهة الجانية خلف المنزل، لتلقي التحية نحوه ونحو معاذ الذي اللتزم الأدب بجواره:

التف برأسه نحوها، وقد كانت ابصاره موجهة نحو افدنة المحاصيل امامه، لعلمه بالأمس ان تلك الأرض كانت ملكًا لهم، فيتخلى عن شروده بهم ، ويتأملها هي ، تلف حولها البردة لتستر نفسها بمبالغة وكأنه قد نسي هيئتها الساحرة قيل ذلك، بالعباءة النصف كم والشعر الحريري الأسود حول وجهها الفتان، ولكن اليوم كان مختلفا، قد ينخدع به الرائي في اول وهلة، حين ظهرت امامه وكأن بشرتها،كاتت كقطعة بندورة حمراء شهية ، قبل ان ينتبه إلى عينيها الذابلة الحزيتة:.

جاء سؤاله المباشر مباغتا لها، قبل حتى ان يرد تحيتها، لتقابل لفتته بدهشة غير قادرة على الإجابة، قبل أن تتكفل بها منى:

- شيء طبيعي يا واد ابوي بعد اللي حصل ، اصلها خايفة جوي لا يأثر الموضوع على سمعتها وسمعة بنتها، ما انت عارف بجى جهل بلدنا، والواد ده باينه مش خلصان.

- والله ان قرب منكم تاني لاكون مرقده في قبره المرة الجاية.

صدرت سريعا من معاذ في رد فوري، دون احتساب لعواقبه، فعارضته هي مستهجنة:

- وساعتها يقولوا انه راح يسبب مرة ، وتبجى حدوتي انا وبتي تتحكي على الربابة

اجفل معاذ باضطراب فانتقلت عينيه نحو ليلى يبرر للتوضيح:

- لا طبعا مين قال كدة ده بس، عشان متوصلش يعني.........

- محدش يقدر يمس سمعتك يا ست مزيونة ولو حصل يبقى احنا مش رجال من اساسه.

يمكن اللي عمله معاذ النهاردة في شوية تهور، بس دا نابع من حميته ومرجلته لما شاف الراجل النطع ده بيغلس عليكم، مكدبش عليكي، لو مكانش اتصرف وقتها ووقفه، انا كان هيبقى ليا رد فعل عفش معاه، من غير زعل يعني يمكن الطريقة معحبتكيش بس انا بصراحة كيفتني عشان هو يستاهل .

قال الأخيرة بقوة جعلتها تنفعل به:

- وه، دا بدل ما تعقله وتنصحه يا كبير ناسك، ثم كمان هو ظهر امتى ؟ انا اتفاجأت بيه وهو بيعكش الراجل..

كاد أن يبتسم فرحا، لتحدثها المباشر اليه، عينيها نصب عينيه، تعاتبه بأدبها المبالغ فيه، واصفة اياه، يا كبير ناسك .

بجواره معاذ لم يكن اقل منه ،،حتى صدر رده ببساطة وعيناه لا تفارق ليلى الجميلة البريئة:

- صدفة يا خالة مزيونة، وعلى العموم انا برضك جاي تأسفلك، ياريت تقبلي اعتذاري.

هل كادت ليلى ان تضحك ام كان هذا محض وهم في خياله؟ ولكنه ليس غبيا حتى لا يرى استجابتها لحديثه، يبدوا انها بدأت تنتبه له

صوت تصفيق بالكف صدر يلفت انتباه الجميع نحو صاحبته، وقد كانت منى التي خشت من انقلاب الأمر من شقيقها الكبير والصغير، بأفعالهما المفضوحة لها، تحمد الله لطيبة المرأة وابنتها.

- القعدة هنا ترد الروح يا مزيونة، خضرة ووجه حسن، والمصرف مش بعيد، انا عايز اقول لمنصور جوزي نيجي نشم شوية عندك يا مزيونة.

للمرة الثانية استطاعت بذكائها ان تصرفها عن الحزن، لتجبرها على الابتسام هي وابنتها ، وبالتبعية تنتقل البهجة إلى هذان العاشقان

داخل منزله وقد رقد طريح الفراش ، يتأوه دون توقف ، بعدم احتمال للألم الذي كان يفتك برأسه

-- ااااه،، همووووت يا بوي، اااه يا راااسيييي

دلف إليه عرفان الذي جاء لقضاء الواجب بعد ان سمع بما حدث له، لكن بتفاصيل مبهمة، ليطالع الان بأسي يمصمص بشفتيه:

- وه وه يا جزين، هو انت اتعركت ولا داس عليك قطر. فعلا

- اتنين مش قطر واحد ، وكله بسببك، ياريتني ما دافعت عنك

قطب عرفان بدهسة لا تخلو من استنكار يسأله بتحفز :

- دافعت عن مين يا زفت؟ انت بتخربط بتقول ايه يا واد انت؟

قايل أسئلته بكل خسة يقلب الحقائق، رغم تعبه الشديد والذي جعله غير قادر على رفع رأسه:

- كنت بدافع عنك يا عرفان ، الراجل الواطي اللي قل جيمتك جدام مرتك وناسك، باينه فاكرة عزبته، ومسلط اخوه كمان يعاكس حريمك، ولما وقفت واتصدرتله دخل فيا واتصل بيه هو كمان يكمل عليا، منهم لله.

أظلم وجه عرفته وامتفعت ملامحه غصبا ليعود مشدد عليه:

- انت متأكد من كلامك دا ياض، والله لو كنت بتكدب لا تشوف مني وش عرفان الاشقر اللي متعرفوش.

لم يتراجع عطوة عما تفوه به، بل واصل بث الفتنة:

- يعني هألف عليك يعني، مش عايز تصدق انت حر يا سيدي، وسيبني في حالي يا عرفان، هموت يا ناس هموت ، ااااه اااه.

نهض عرفان يدفع الكرسي الذي كان جالسا عليه ليخرج من عنده ساحبا شياطينه معه.

حيث كان في طريقه لايصالها إلى منزلها بعدما ابلت بلاءًا حسنا ، وحسنت العلاقة بعد فعلة شقيقه المتهور ، ولأنها لاتغفل عن شيء، لم تنسى أن تخبره بتلك المعلومة الصغيرة العميقة أثناء حديثهم، لترا رد فعله الان :

- انتي بتتكلمي جد يا منى؟ يعني هي فعلا بجالها اكتر من عشر سنين، تحت عصمة عرفان وما لمسهاش؟

- ايوة يا سيدي، ومالك فرحان جوي كدة يعني في حاجة مش مستاهلة

- ايوة فعلا هي حاجة مش مستاهلة ، وانا هتهمني في ايه اصلا يعني؟ يا بووووي،

ااخرج تنهيدة من عمق صدره يردد بأسم المفتاح لمعضلته:

- الله يهديك يا معاذ وتعديها على خير الفترة دي، لو عكت اكتر من كدة هتمسخ واحنا مش ناقصين.

- تمسخ ليه يا خوي؟ ومعاذ دا اصلا ايه مشكلته؟

تطلع اليها بغيظ وهي تأكل في ثمرات التين الذي أتت بها من زيارة مزيونة، واضعة كيس باستيكي ممتلي ، تحشر الواحدة تلي الأخرى، ليردد لها:

- خليكي في التين اللي بتحشي فيه، لما تكبري هبقى افهمك.

تبسمت بخبث تضع واحدة اخرى قائلة:

- عيوني، بس سرع يا غالي شوية في سواقتك، لأحسن منص يستعلجني، وأنت عارف عصبي ازاي؟ وانا غلبانة مش كد عصبيته.

عض بأسنانه على شفته السفلى يردد؛

- حاضر، حاضر ، يارب يستجدع ويتعصب عليكي صح ولو لمرة واحدة حتى، منص.

رواية لاجلها الفصل الثامن

هل يطرق الحب بابها لا ليعصف، بل ليحتوي؟

اهداء الجميلة/ سنا الفردوس الخاطرة قمر زيك

لم تكن أجمل شقيقاتها، لكنها كانت دومًا الأوفر حظًا بحضورها الطاغي داخل المنزل وخارجه، سواء في التعامل اليومي بينهم أو حتى في المناسبات العامة. خفيفة الظل، دائمة الابتسامة، محبة للتفكّه والمزاح، حتى لو كانت بداخلها ليست على ما يرام، وهذا ما جعلها قريبة من جميع إخوتها، الكبار والصغار، البنات والأولاد، رغم أن ترتيبها في الوسط بينهم؛ في الوسط بين الفتيات،وكذلك الوسط بين الأشقاء. لذلك، لا عجب أن أجمل أبناء عمومتها اختارها دونًا عن البقية، حتى وإن بدا هو أوْسَم منها بمراحل، لكنه كان واقعًا في حبّها حتى النخاع منذ نشأته.

رغم اتزانه المبالغ فيه وشخصيته الجادة دومًا، إلا أنه معها... كل شيء يختلف.

"لابسة ولفة خمارك الجديد قدّام المراية؟ شكلك رايحة مشوار مهم جوي... بس يا ترى، من حَجّي أعرف وجهتك النهاردة يا ست منى؟"

هكذا صدر السؤال منه بنبرة فيها شيء من السخرية التي فطنت لها، فالتفتت إليه تطالع ملامحه العابسة، وهو يلج إلى داخل الغرفة عائدًا من دوامه الدراسي.

– لا يا واد عمي، ما ينفعش أجولك... عشان مشوار خصوصي، وما يصحش تعرفه.

تقلصت ملامحه بضيق أشد، غير متقبل لمراوغتها المتعمدة في الحديث، ولأنها تعرف طبيعته حين يشتد غضبه وقد يتخلى عن طبعه المتسامح في لحظة، تركت العبث جانبًا، واقتربت منه برقة مستطردة:

– ورغم إنه خصوصي، لكن أنا برضه معرّفاك عليه... ولو كنت ناسي، أفكّرك.

عقد حاجبيه بتفكير محاولًا فهم مغزى كلامها، متسائلًا:

– تفكريني بإيه؟ أنا مش فاكر حاجة...

تنهدت بتعب مبتسمة، وضربت بكفّها ظهر يدها الأخرى، عائدة لطبيعتها المشاكسة:

– عشان تعرف بجي، لما يكون العيب في الذاكرة التعبانة، وتجيبها في مرتك الغلبانة!

صدح بأسمها محذرًا، فسارعت هي بالتوضيح:

– يا بوي، ما أنا بفهمك عشان ما تجيبش العيب عليّا. عايزاك تفتكر كلامنا امبارح اللي أمنتك عليه... ما تجيبش سيرته قدام حد! حمزة ومعاذ قلوبهم اللي طارت ناحية البنية وأمها، ساعة ما شرحتلك عن التكتيك، وإنّي مشتركة معاهم في التخطيط والتدبير.

ولا فاكر إن الحجة حسنية عَضمة ساهلة؟

وضح جليًّا أنه قد تذكّر بالفعل، من خلال ارتخاء عضلات وجهه التي كانت مشدودة منذ لحظات قليلة، ليتقدّم خطوتين ويجلس على أقرب مقعد منه، مخاطبًا إياها بجديّة مصطنعة:

– لا طبعًا، عارف إنها مش ساهلة وفاكر زين الكلام اللي قلناه. أنا لسه ذاكرتي ما تعبتش، إنتي اللي غاوية تلفي وتدوري. ما تجيبي الفايدة من الأول.

– معلش، فَهمي تقيل… سماح بقى يا سي المدرس الأول، ما تبقاش حنبلي يا بوي.

رفع حاجبه متصنّعًا عدم الاكتراث، ثم أردف بسؤال:

– ويا ترى بقى، إيه الجريمة اللي ناوية تعمليها معاهم دلوك؟

تبسّمت بحماس وقد ارتاحت من جانبه داخليًا، فتناولت حقيبتها سريعًا وهي تجيبه، شاعرة بمرور الوقت المتسارع:

– هناخد الكبيرة لموقع الحدث، ولما أرجع هفهمك وأحكيلك كل حاجة، يا أستاذ منص!

أمام مرآته، وقد وقف يتأنّق بملابسه الفاخرة، ينثر عطره بكثافة، وبمزاج رائق، غير عابئ بحنق الآخر الذي كان يراقبه بغيظ شديد، يهزّ قدميه بعصبية لا يتوقف عنها، حتى أجبر حمزة على انتقاده:

– وبعدين عاد في الشغل اللي يخليك تتعصب بالعافية! ما تهمد ياض، وبطّل فرك وانت واقف، خيّلتني.

جاء ردّ معاذ بسخرية تخلّلت نبرته:

– مش باين والله، عمال تتسبسب وتفرد في الجلابية المكوية ع الحرف، ولا كأنك رايح تخطب!

تمتم بها حمزة، فارداً أصابعه الخمسة أمام وجهه، مردفًا:

– وهو أنا لو هروح أخطب، يا واد، هروح بجلابية؟ ليه؟ ما معندييش قمصان وبناطيل، ولا حتى بدل ألبسها؟ أنا راجل نزيه يا حبيبي، والأناقة طبع فيا يا واض!

صاح به معاذ بنفاد صبر وقد فاض به الكيل:

– ماشي يا عم النزيه، خليك جدع بقى وخدني معاك، بلاش الرفض غير المبرر ده!

توقّفت الكلمات في حلقه، يحاول استدعاء الهدوء بصعوبة، فهذا الأحمق حتى الآن لم يقتنع بوجهة نظره، رغم كل محاولات الإقناع:

– طب أعمل إيه عشان تهمد وتفهم؟ أعمل إيه عشان تشغل مخّك؟

عايز تروح معانا بيت اتنين وِلايا بصفة إيه؟

طب، افترض أنا انطسيت في عقلي وسحبتك معايا، أقول لأمّك إيه؟ ها؟

واخدينه معانا عشان نفسّحه مثلًا؟

طب، ناخد ريان بالمرة عاد، لو هنفذو اللي في دماغنا واستعجلنا...

– أرسي كده واصبر شوية، وكل حاجة هتم. هو مش سلق بيض، والظروف أصلاً ما تسمحش دلوك، كام مرة نقولها؟

ضرب معاذ الأرض بقدمه، ثم التفت عنه، واضعًا ذراعيه فوق صدره، مغمغمًا بغيظ:

– بتتكلم براحتك عشان مش في النار زيي! أني هموت وأطمن عليها، دي دراعها مكسور وخاطرها مكسور، هي وأمها، وبرضك محدش سايبهم في حالهم.

على العموم يا شيخ معاذ، أدينا بنحاول باللي نقدر عليه. ادعيلنا بس بالتساهيل، وخطوة الحاجة الحسنية لو نجحت، تبقى اختصرت عليك كتير جوي.

أما في الأسفل، فقد ولجت منى إلى داخل المنزل بخطواتها السريعة، بناءً على الموعد المسبق بينهم، لتجد والدتها في انتظارها، جالسة جلستها المعتادة، ترتشف من مشروبها الساخن، وتستقبلها بسخريتها:

– أخيرًا جيتي! دا أنا افتكرتك لغيتِيها من أساسه.

ضحكت منى، تقابل نقدها بالمزاح كالعادة:

– لا، ما هو منص كان ناوي يعملها معايا صح ويجعدني، لكن أنا ضحكت عليه في الآخر وعرفت أفلفص من يده.

تمتمت بها حسنية، ثم أردفت بلهجة تحذيرية:

– وووه عاد من مسخرتك! اتلمي وبلاها كلامك البارد ده على واد عمك.

أطلقت منى ضحكة عالية وصلت إلى مسامع شقيقيها وهما يهبطان الدرج، ليعلّق حمزة:

– اهي جات ياخوي، بلوة هانم، أؤس المصايب!

صدرت الأخيرة كسؤال، أجابت عليه منى لتشاكس والدتها:

– شوفي البت ومسخرتها! اتلمي يا بت واتأدبي!

غمغمت بها منى، ثم انطلقت في نوبة ضحك، لم تتوقف إلا بعد سؤال هالة الفضولي:

– إنتوا رايحين فين؟ جايبين منى من بيتها تروح معاكم فين؟

لم يُكلّف حمزة نفسه حتى بالنظر إليها، وترك الأمر للنساء، لوالدته وشقيقته التي أجابتها سريعًا:

– واحدة قريبة أمي عيانة يا هالة، أنا رايحة معاها، وحمزة هيوصلنا. عندك اعتراض؟

نفت هالة بتحريك رأسها، رغم عدم اقتناعها، وشيء من الريبة تسرّب داخلها، لكنها لم تجد الحُجّة، لتُجبر على الصمت وهي تراقبهم ينسحبون من أمامها ويغادرون، دون أن يخبروها عن وجهتهم، أو عن هوية المرأة المقصودة بزيارتها.

لتنتبه في الأخير إلى تلك النظرة الحادة التي يرمقها بها معاذ، وملامحه الساخطة، ثم، ومن دون استئذان، تحرّك بخطواته مبتعدًا عنها وكأنه يريد أن يلحق القطار، لتغمغم في أثره:

أما عند مزيونة، فقد كانت في هذا الوقت تحضر جلسة أخرى للشيخ خميس والعم جاد، أصدقاء والدها القدامى، اللذين تصدّرا لها في كل المواقف الصعبة التي مرت بها سابقًا أمام عرفان وظلمه لها. ليأتي اليوم وينقلب الأمر إلى النقيض، كما يصل إليها الآن من حديث الرجال الذين أتوا بناءً على شكوى منه.

– وصدّجتوه؟ صدّجتوا عرفان وعطوة؟ دول ليهم كلمة أصلًا؟

جاء رد العم خميس بنبرة من التعاطف:

– يا بنتي، اعتبرينا ما صدّجناش، بس نعمل إيه معاه؟ وهو مصمم على كلام زميله.

ولولا إننا منعناه أول امبارح، كان جه وعمل مشاكل معاكي تاني.

هو دلوك عامل نفسه مأدب ومحترم كلمتنا، وإحنا بنعمل نفسنا مصدّجينه وبنهاوده، عشان ما يتغاشمش ويبهدل الدنيا. غرضنا بس نتقي شره.

– طب وأنا عملت إيه بس عشان أُجلب شره؟

عطوة الخسيس هو اللي اتصدر جدامي أنا وبتي في وسط الشارع،

ولولا ابن الحلال اللي سحبه من جفاه يبعده عنينا...

– ما هي المشكلة في ابن الحلال دِه يا بتي.

قالها العم جاد، ليواصل توضيح الصورة إليها:

وجوزك من ناره من حمزة ولد القناوي بعد الليلة اللي إنتي فاكراها، مصدّق،

إحنا مش عارفين نحكيلِك إيه ولا إيه بس!

هبت منتفضة من ثباتها، بعد أن وصلها ما يرنو إليه الرجل:

– جطع لسان اللي يجيب عليا كلمة!

أنا بنت الأحرار، اللي ما حد من بناتها عرف العيبة!

يجي عرفان، ولا قليل الأصل عطوة العفِش، يشنّع عليّ؟!

– والله يا بتي، عارفين، وهو كمان عارف،

لكن جايبها في الراجل اللي أسمه حمزة القناوي،

بيقول إنه راجل مش خلصان وغرضه شين...

خرجت الأخيرة من فم العم خميس بصوت خفيض، ليعكس حرجه الشديد مما يصرّ عليه عرفان،

بجى هو بيشكك في الراجل الزين ومصدّق عطوة الح__شّاش؟!

الراجل ما عملش معايا غير الواجب اللي يعمله أي حر، مش هو بس.

في المرة الأولى لما نجّاني من يد عرفان، لا كنت أعرفه ولا يعرفني.

وفي المرة التانية، لما وقف معانا هو وأخته وأخوه في تجبير بتي وكشف المستشفى،

أنا هشوفه فين تاني الراجل، ولا هو يشوفني؟

ما كادت تنهي كلماتها حتى وصلهم صوت طرق باب المنزل الخشبي، لتضطر ليلى إلى متابعة الحوار من بدايته، وتتركهم لتذهب لترى من الطارق. وما إن همّت أن تفتح الباب، وانكشف أمامها ضوء الخارج حتى تجمدت ناظرة أمامها بذهول، لتجبر والدتها على التساؤل:

هل ما وصل لأسماعها كان حقيقة؟ هذا هو السؤال الذي طرأ في رأسها، قبل أن تلتفت نحو مدخل المنزل، فيفتر فمها بذهول شديد وهي ترى هذا المدعو حمزة بالفعل يطل أمامها بهيئته، وخلفه منى شقيقته، وامرأة عجوز أدخلتها ابنتها قبلهم بعد أن تجاوزت صدمتها. ثم دخل خلفهم شابان يحملان قفصين محملين بالفاكهة وطيور حية لزيارة أهل المنزل.

"أمك وأخوك ومنى راحوا فين يا خليفة؟" توجهت إليه بالسؤال، لتجعله يلتفت إليها من أمام التلفاز ويجيب بعدم اكتراث:

"وأنا إش عرفني؟ مسألتِيش ليه الحجة حسنية مبتخبيش عنك أصلاً؟"

ضربت بكفها على فخذها في لفتة عصبية أثارت الحنق بداخله، لتقول بضيق شديد:

"ما هو دا اللي مجنني وزرع الشك جوايا، إنهم يطلعوا كده فجأة من غير ما يدوني خبر. طب ليه؟ والمشوار لواحدة قريبتهم عيانة زي ما بيقولوا، هو الواجب فيه مدارية؟ ولا يكونش دا كدبة وبيضحكوا علينا بيها؟ والمشوار وراه حاجة تانية."

"يكون مثلاً رايحين يخطبوا لحمزة، والله ما مستبعد. ما هو باين من شكله واللبس اللي على الحبل دا، متأتنك ولا أكن كتب كتابه. معقول يكون عملها؟"

تتحدث بانفعال ينسيها نفسها، ومن يتابعها الآن بتمعن شديد، ليجفلها بتعقيبه:

"وافترضِّي هو كِده صُح ورايح يكتب كتابه ولا يتجوز حتى بمباركة أمي وأختي. إنتِ إيه اللي يخصك؟"

ابتلعت تبرر غير واعية حتى الآن لغضبه المضاعف منها:

"كيف يا خليفة إيه اللي يخصني؟ دا واض عمي، يعني أفرح له لو صُح، لكن يداروا عني والله ما أسامحهم..."

عنننك ما سامحتيهم، إنتِ ليكي حق لازم عندهم؟ ولا افتكرتي نفسك كبيرة كمان على أخواتي؟

قاطعها، ضاربًا بكفه على ذراع الأريكة التي كان متكئًا عليها، بإظلام حل بملامحه، حتى صارت ترى الشرار يتطاير من عينيه نحوها، يكاد أن يحرقها. لتلتصق بمقعدها، غير قادرة على إخراج حرف واحد، إنها حتى لا تجد القدرة على ذرف الدموع وادعاء المظلومية، بعد أن جفف الدماء في عروقها. فهي الأعلم بطبيعته، كالبحر، على قدر هدوئه وصفائه، إلا أن الفرد لا يضمن غدر أمواجه.

............................................

في وسط الدار، وقد كانت الجلسة بين الجهتين على أريكتين خشبيتين، جلس عليهما الذين قدموا منذ دقائق مع الذين حضروا قبلهم. وهي بينهم، يعصف بها التشتت، فتجاهد بصعوبة السيطرة عليه.

ياليتها تذكرت أي شيء في العالم غيره، تلك الصدفة العجيبة الغريبة، كيف لها التعامل معها؟ منقسمة بين شقي رحا، لا هي قادرة على الترحيب بالضيوف جيدًا، ولا بقادرة على التبرير للرجلين الكبيرين اللذين التزما الصمت الآن بغموض يضاعف من قلقها، لتتولى منى مهمة التقديم:

"دي تبجى أمي يا مزيونة، الحاجة حسنية مرات الحاج حماد القناوي، هي اللي أصرت تشوفك وتطمن على ليلى القمر، بعد ما عرفت باللي حُصلها."

أومأت بهزة من رأسها، وصوت بالكاد وصل لأسماعهم:

"يا أهلا، يا أهلا وسهلا بيكي يا حجة، نورتينا."

قابلت حسنية استقبالها ببشاشة وحنو، فتلك طبيعتها، عاطفتها أقوى جزء حي بها، مما يمثل ميزة هامة بشخصيتها، وعيبًا أيضًا!

"يا أهلا بيكي يا بنيتي، تبارك الله فيما صور، اللي يشوفك ميظنش واصل إنك متجوزة أصلاً، مش مخلفة كمان وبتك عروسة تبارك الرحمن." أومأت بشبه ابتسامة تستجيب لها على استحياء:

"دا بس عشان عيونك الحلوة يا خالتي، مكانش ليه لزوم الزيارة والتكلفة."

ردت حسنية، وأبصارها اتجهت نحو ليلى:

"تكلفة إيه؟ هو إحنا عملنا حاجة؟ دي حاجة صغيرة للبت الجمر، ألف سلامة عليكي من كل شر. شالله العفشين اللي تعرفوهم."

بالضبط كان قصدها واضحًا عن والدها، لتضاعف من ثقل ما يجثم على ظهر مزيونة، حتى تدخل حمزة:

"أمي اللي في جلبها على لسانها يا جماعة، متأخذوناش، متأخذهاش يا عم جاد ولا إنت يا شيخ خميس، والله لو أجولكم هي زعلت كيف أول ما حكتلها باللي حُصل، ما هتصدجوا زعلت كيف؟"

"مصدجين يا ولدي، محدش في الدنيا يرضى بالافترا، لكن إيه في إيدينا بجى؟"

عقبت حسنية، مفاجأة الرجل: "عندك حق يا عم الشيخ، كلامك كله حكم، لكن لا مؤاخذة في السؤال، هو الشيخ مبارك أبو العنين يقربلك حاجة؟ يعني عشان فيك شبه منه."

تهللت أسارير الرجل مندمجًا معها:

"مبارك أبو العنين يبجى أبويا. هو إنت كنتِ تعرفيه؟"

"إيوة، أمال إيه؟ أنا كنت باجي عنده الكتاب ويحفظني، بس كان شديد جوي، وعصايته واعرة." ضحك الحاج جاد هو الآخر، متدخلًا معهما:

"عصايته كانت واعرة مع الكل، بس ربت أجيال."

"إنت هتجولي، دا أنا حافظة نص المصحف."

"ما شاء الله. طب إنتِ بت مين يا حاجة عشان أعرفك؟"

وهكذا صار يُدار الحديث بين الرجلين والمرأة والدة حمزة، لتخفف عنها قليلاً. أما منى، فاستغلت كعادتها لتجاورها وتمزح معها، حتى استرخت داخلها واتزنت قليلاً، لتتذكر واجب الضيافة والأصول في الترحيب بالجميع. ولكن ما همت بأن تنهض محلها، إلا وتفاجأت كالجميع باندفاع الباب الخارجي بقوة. يطل أمامهم ذلك المتغاشم بجسده الضخم، متحفزًا بتبجح، يقول:

"يا ما شاء الله يا شيخ خميس، إنت والحاج جاد كمان، لا يكون دا قراية فاتحة ولا اتفاج على كتب كتاب؟"

انتفض الرجلان الكبيران ومعهما حمزة الذي عقب مستنكراً:

"إيه يا أخينا، أنت داخل حوش ولا زريبة؟ البيوت ليها حرمة، مسمعتش عنها دي؟"

تمتم عرفان قائلاً، مقابلاً إياه بتهديد ووعيد:

"إمَّا نسمع مين؟ نسمعك أنت! إيه اللي دخلك بيتي أصلاً يا عرفان؟" تمتمت بها مزيونة لتتقدم إليه وتواجهه ببغض وكره، وقد ضاقت منه ومن أفعاله.

فخطا ليقتصر عليها نصف المسافة، ويقترب منها قائلاً بفحيح وكلمات ذات مغزى:

"ومتسمعيش ليه؟ ليكي راجل تاني غيري؟ ولا هما الأغراب أحسن مني؟ ولا يكونش كمان اللي كرهتيه زمان، غيرت رأيك فيه دلوك وهتحبيه؟"

تحرك الشيخ خميس من محله يريد كبح هذا الثور:

"عرفان يا ولدي عيب عليك، دي معدتش مرتك عشان تعمل عمايلك دي."

لم تنتظر مزيونة دعم أحد منهم بعد أن استفزها بتلميحه الوقح، لتخرج عن طورها الهادئ وتضربه بقبضتيها على صدره غير عابئة بالفرق الجسدي الهائل بينهما:

"طبعاً دا العادي منك، واحد عديم الأدب لازم يظن الناس كلها زيه، حل عني بقى؟ حل عني."

قبض بكفيه على رسغيها حتى كاد أن يكسرها، مردداً بغل:

"يدك دي اللي طولت هكسرهالك، ولسانك اللي جل أدبه عليا هجطعهولك يا مزيونة، عشان إنتي عايزة رباية من أول وجديد."

"ومين اللي هيسمحلك؟" تمتم بها حمزة قبل أن ينقض عليه بلكمة قاضية، جعلته يخلصها من يده سريعاً وبخفة، وما إن استعاد توازنه، حتى هم أن يردها بأضعاف كما يصور له غروره، ولكن الرجل العجوز الشيخ خميس تصدر له:

"اخزي الشيطان يا عرفان، أنت اللي دخلت تتهجم ومحدش راح جابك من بيتك."

لولا عجز الرجل وخوفه من الفضيحة إن مسه السوء بسببه، كان دفعه دون ذرة ندم واحدة، ولكنه مجبر على احترامه:

"شيطان مين يا شيخنا؟ يعني أنا أشتكيلك من الواد وأخوه عشان يحلوا عني مرتي وبتي؟ أجي دلوك ألاقيك بتضايفه هو وعيلته الخسيس."

"محدش خسيس غيرك، وهي معدتش مرتك أو بتك؟" رددت بها حسنية من خلفه في رد له، بعد أن فاض بها منه، ليتفاجأ بها مغمغماً بعدم احترام:

"نجطينا بسكاتك إنتي كمان يا مرة يا خرفانة، ولمي عيالك عن مرتي وبتي."

شهقة خافتة صدرت من حلق منى تتمتم بالسباب نحوه، أما حمزة فقد فضل الرد بعملية ينوي أن يلقنه درساً لن ينساه. لكن مزيونة قد سبقته صارخة:

"اطلع من بيت أبويا يا عرفان، أنا حرة أدخل فيه اللي أنا عايزاه، وفوج لنفسك بقى واعرف إن طليجتك."

"أفوج لنفسي، وإنتي كمان حرة، طب أنا هردك من عشية يا بت الأحرار، وريني هتجدري تمنعي نفسك عني إزاي؟ عشان تعرفي قيمة السنين اللي فاتت لما كنت سايبك على راحتك إنتي وبتك."

قالها ليرى تأثير كلماته عليها، وقد دارت الأرض بها في لحظات، وتلاحقت أنفاسها برعب، تتخيل العودة إلى جحيمه مرة أخرى، وقد رحل والدها الذي فرض عليه الشروط سابقاً، ولم يبقَ لها سوى شقيقها الطيب الذي تخشى عليه من تجبره، وابنتها الصغيرة التي سوف يُضحى بها دون تراجع في رحلة انتقامه منها. لتتكرر مرة أخرى مأساتها في ابنتها.

عند خاطرته الأخير، فقدت الشعور بالزمان والمكان، ولم تعد تعي بالعالم حولها، ولا بسقوطها أرضاً، ولهفة الجميع نحوها من أجل نجدتها، ولا بصراخ ابنتها:

"أما، جومي ياما، متخلعنيش عليكي ياما أمااااااا."

بعد وقت ليس بالقليل، استعادت وعيها وفتحت عينيها، تفتح عينيها للضوء أخيرًا بعد لحظات من الترقب والمحاولات الكثيرة لإفاقتها، فكان أول شيء تراه أمامها وجهه، وهو يبتسم نحوها براحة بعد أن اطمأن عليها أخيرًا. تلك الساعة التي مرت عليه لم يرَ في صعوبتها على مدار عمره بأكمله، حتى عند مرض ابنه الوحيد أو أحد أشقائه أو والدته، كان دائمًا يحتفظ ببأسه، إنما معها كان خوفه مضاعفًا. كان يخشى فقدانها أو رفضها للواقع والهروب منه كما يحدث مع الأشخاص الرقيقة مثلها، من الذين ترهقهم ضغوط الحياة وبشاعتها. ولكن كلمة السر في استمرارها وجعلها تحارب لآخر نفس ما زالت تأتي بفائدتها حتى الآن.

"ليلى، ليلى، بتي فين؟" نطقت بالاسم المميز، تعتدل بجذعها بهلع وعيناها تجولان برعب داخل الغرفة البيضاء، فسارع هو بطمأنتها:

"إهدي يا ست مزيونة، لا تضري نفسك، إبرة المحلول لسه في يدك."

نظرت نحو ما يشير بظهر كفها، لتستدرك وضعها مع عدد من علامات الاستفهام التي كانت تحيط بها، حتى عبرت عنها:

"أنا إيه اللي جابني هنه؟ وبتي فين؟ و..."

قطعت في الأخير بمغزى فهم عليه لييدا الإجابة بالسؤال غير المنطوق:

"أني جيت بيكي على الوحدة الصحية لما وجعتي من طولك وسطينا، وحاولنا نفوقك كتير ومعرفناش. أمي والشيخ خميس كانوا معانا في نفس العربية، بس الشيخ راح يصلي بعد ما اطمن عليكي،

وأمي يدوب سابتك وراحت حمام الأوضة، اهو اللي جدامك ده."

وأشار بأصبعه نحو أحد الجوانب لتتأكد من صدق قوله، ثم أضاف:

"أما بجى عن ليلى، فدي خوفنا نزود عليها بالمشوار، ورجت العربية على دراعها المكسور. إنتي عارفة الوحدة هنا جريبة من الجبل وطريقها مش معدل. منى جاعدة معاها ومش هتسيبها لحد ما ترجعيلها بنفسك. اطمنتي يا ستي."

"اطمنت!" تمتمت بها لتشرد أمامه بوجه كسى عليه الهم، وقد فهم هو ما يقلقها:

"متشليش هم، عرفان. أنا خلاص سويت أمره، ولا هيجدر يمس شعرة منك تاني."

"كيف؟!" كاد أن يجيبها، ولكن خروج والدته من المرحاض وترحيبها الحار باستفاقتها، جعله يتوقف قليلاً:

"وه يا بنيتي، حمد الله على سلامتك. أخيرًا فوقتي بعد ما نشفتي دمنا عليكي."

تبسمت لها مزيونة ممتنة بتعب وإحراج:

"الله يخليكي يا ست الحجة، والله أنا في نص هدومي منك. أول مرة تخطي بيتنا وتلاجي الفضايح دي كلها." جاورتها حسنية على التخت الطبي تعاتبها بلطف:

"أخص يا بتي، وإنتي إيه ذنبك بس في غلط جوزك الراجل العفش دِه؟ حبيبتي إنتي ولية مكسورة الجناح وهو بيتشطر عليكي. جادر ربنا ياخدلك بحقك."

"ومين هيسيبه يعملها تاني؟ ولا حتى هيقدر يخطي البيت من أصله." جاء صوته كمنبه يجذب أنظارها إليه، فتتذكر قوله منذ قليل، لتتوجه إليه باستفهامها:

"دي المرة التانية تتكلم، جصدك إيه؟"

أجابها بثقة حتى تعي وضعها الآن ووقوفها على أرض صلبة مدامها في حمايته:

"جصدي الغضنفر، زمانه دلوك في قسم الشرطة، وبيمضي على تعهد بعدم التعرض ليكي مرة تانية، وإلا مايلومش إلا نفسه. أنا وصيت عليه بالجامد، عشان يعمل دكر تاني على الولايا وساعتها يشوف هيُحصله إيه؟"

تطلعت إليه وكأنها تستجدي الصدق، رغم رؤيتها للجدية بكل وضوح تعلو تعابيره. فأضافت حسنية لمزيد من التأكيد:

إيوه يا بتي، حمزة ولدي ميقولش كلام فالهوا، دا عنده معارف ياما في الحكومة يعني مش هيغلب في واحد زي عرفان ده اللي شايف نفسه ياما هنا ياما هناك. ربنا يكفينا شره.

كادت مزبونة أن تبكي وهي تردد كلمات الشكر والامتنان، هل بالفعل انزاح كابوس عرفان؟ تتمنى من الله ذلك. تمالكت في الأخير لتحاول النهوض عن تختها:

طب أنا عايزة أروح بيتي دلوك، عايزة أطمن بتي عليا، أكيد هي قلقانة أكتر مني.

استني بس يا ست مزيونة، دقيقة بس الله يرضى عنك، بجي يطل عليكِ الدكتور الأول حتى نشوف تعليماته إيه؟

بتك خدي كلميها بنفسك يا ستي، أنا هكلم منى تديها تلفونها، وهخليكي تكلميها فيديو كمان.

تتهللت ملامحها بارتياح، وتابعت اتصاله بالفعل. وبجوارها حسنية تطالعه بعدم تصديق، تعاونه المستمر وهلعه على المرأة وقت وقوعها، إنها لم تراه بهذه الصورة إلا نادرًا، الهذه الدرجة يشفق على المرأة المسكينة وابنتها؟! ربما!

اطمأنت ليلى على صحة والدتها بمكالمتها بالصوت والصورة عبر الهاتف. هدأت سريرتها لتتلقى الدعم من منى التي لم تتوقف عن بث الأمان فيها عبر المزاح مرة، والجدية مرات:

ها يا حبيبة جلبي، خلاص اطمنا على مزيونة وشوفناها بعنينا، يبجى ترتاحي بجى وتريحي دراعك دِه، اللي اتشندل معاكي.

كانت تقصد ذراعها الملفوف بالأربطة الطبية، والذي طالعته ليلى بنظرة عابرة قبل أن تعود إليها معترضة:

لا يا خالتي منى، أنا عارفة إني تعبتك معايا معلش، بس أنا مش هجدر أحط راسي على المخدة غير وأنا في حضن أمي، هستأذنك بس أطلع فوج عند برج الحمام، أشم هوى عشان أطلع من اللي أنا فيه، على ما تيجي أمي.

تنهدت منى بأسى، وطَبَّعَت قبلة على وجنتها الناعمة، وتابعت دعمها:

ماشي يا جمر، اطلعي يا حبيتي وأنا مستناكي هنه، أول ما تيجي الست الوالدة هنده عليكي.

تشكري يا خالة منى، ربنا يخليكي يا رب.

تفوهت بها ليلى لتتحرك من أمامها وتذهب إلى السطح، تصحبها أعين منى وهي تصعد الدرج الطيني القديم، تدعو داخلها بتعجيل الأمر الذي تتمناه، حتى يتم نجدة الفتاة ووالدتها.

وصل إليها صوت طرق على الباب الخشبي الخارجي، لتخرج من شرودها، وتتأكد من لف خمارها، ثم تذهب لتعرف بهوية الطارق، والتي أصابها الزعر فور أن وقعت عينيها عليه، لتبادره على الفور بدفعه بيدها، وتحذره بخفوت:

به، انت إيه اللي جابك هنا؟ امشي يا جزين، قبل البت ما تشوفك.

وما تشوفني يا منى، أنا عايزها تشوفني عشان أطمن عليها وتعرف إنّي مش هسيبها أبدًا، ولو حصلت أخلص من عرفان ده نهائي.

الله يخرب بيتك. تمتمت بها مني لتردف لاطمة على خدها؛

إنت مين جالك بس على اللي حُصل؟ متعرفش تستر واصل؟ اللي بتتكلم عليه ده يبجى أبوها يا زفت، مش حد غريب، يعني بكل عيوبه برضو مش هتتحمل عليه، امشي يا واد ابوي الله يرضى عنك، امشي أنا تعبانة وقلقانة لا جوزي يزعل مني المرة دي بجد. امشي يا معاذ.

التصقت قدماه بالأرض، يستعطفها هذه المرة برجاء:

نفسي أطل عليها يا منى، من وجت ما سمعت كمان من حمزة على اللي حصلهم وأنا قلبي واكلني، ومش هيستريح غير لما يشوفها، خليها تطلع من أوضتها بأي طريجة وأنا هعمل نفسي جاي لك في أمر يخصك، المهم أشوفها.

بابتسامة صفراء ردت، مغلقة الباب عن المناقشة:

وأنا قلت ما ينفعش، ولم نفسك بجى، ده أنا ما صدجت إنها طلعت السطح تغير جو، هنزلها بأي حجة يا بارد؟ امشي ياض، غور من هنه، غور.

وصفقت الباب في وجهه لتجبره على العودة، ولكن هيهات، فقد جاء اليوم من أجل رؤيتها، ولن يستريح ويغمض له جفن إلا برؤيتها. تحرك لا إراديًا يعود بأقدامه ناظرًا للأعلى نحو برج الحمام الطيني القديم والذي يعلو سطح المنزل، يحاول في كل الجهات لمشاهدة حتى طيفها، وحين يأس لم يجد أمامه إلا حل واحد، ليشرع في تنفيذه دون تردد. فتحرك إلى الجهة الخلفية، ليصعد بأقدامه إلى شجرة التين، ويعلو من فرع فوق فرع حتى وصل لآخرها، ليقبض بذراعيه على طرف السطح، يستند عليهما، ويملي عينيه برؤية القمر. وقد كانت جالسة في هذا الوقت، تطعم بفمها الحبوب بفم صغير الحمام، مندمجة برعايته، غير منتبهة لذلك المجنون الذي أثر به المشهد ليردد بتمني:

ياريتني كنت أنا، يا ريتني كنت أنا يا حبيبتي وأشيل عنك كل هم.

ظل هكذا لفترة من الوقت غير عابئ بتعب قدميه التي لم تتحمل كثيرًا، حتى اهتزت وكاد أن ينزلق بها، فصدر منه صوت اجفال وذراعاه تزداد تمسكا بطرف السطح حتى لا يقع. فانتبهت هي لا إراديًا على مصدر الصوت.

لتقابل عينيها الجميلتين خاصتَيه، فلم يقوَ على إخفاء فرحته، وابتسم لها ببلاهة، حتى نسي وضعه، وارتخت ذراعاه عن التشبث بطرف السطح، فكانت النتيجة الحتمية انزلاق قدميه، ليسقط من أعلى فرع الشجرة إلى الأرض.

شهقت هي برعب، وركضت لتطل عليه من الأعلى، حتى كادت أن تطلق صرختها، لولا أنه طمأنها بيده ملوّحًا لها ألا تجزع. وفي اللحظة نفسها، كانت تمر سيارة حمزة التي تقل والدتها، فتركت أمره، وهرعت مسرعة لتستقبلها.

وفي داخل السيارة، كان حمزة قد انتبه أيضًا لها، وهي تركض أمامه، وعلى حين غرّة، وقعت عيناه على ذلك المستلقي أسفل الشجرة، فبرقت عيناه بجزع، ثم نقل بصره نحو المرافقين له: مزيونة ووالدته التي كانت منشغلة بالحديث إليها، فاطمأن لعدم انتباههن، وتضرّع داخله:

– يا ستير يا رب، يا ستير... حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا معاذ.

كانت المواجهة بين الشقيقين، بعد إصابة الآخر بجزع في قدمه اليسرى. وكان يحمد الله أنها رست على تلك الإصابة، مخلفة عرجًا بسيطًا، وبعض الرضوض القاسية في عظام الظهر.

أما الصدمة، فكانت من نصيب حمزة، حين عرف السبب خلف كل ذلك، بعد أن اعترف له معاذ ببساطة، بما كاد أن يُذهِب بعقله. حدّق فيه بعدم تصديق، وقد توقّفت الكلمات في حلقه، يتمنى تكذيبًا أو حتى ادّعاء أنها مزحة. لكن معاذ لم يفعل، بل أصرّ على كلامه بجديّة يعرفها حمزة جيدًا، ليتيقن من حقيقة فعله، فتوسّعت عيناه حتى كادتا تخرجان من محجريهما، بذهولٍ يعصف به، حتى استطاع أخيرًا أن يخرج كلماته:

– فوق التينة؟ فوق الشجرة العالية يا زفت؟! عاملي فيها روميو اللي راح يقابل چولييت؟! إنت هتشلّني يا واض!

– التينة مش عالية أساسًا، هي بس عشان عجوزة، تبان... لكن في حقيقتها هي...

قاطعه بها، وأردف متحكمًا في غضبه بصعوبة:

– ما أسمعش نفسك خالص! هو اللي أصلحه أنا باليمين، تبوّظه إنت بالشمال ياض! أنا مش مصدجت إننا فتحنا باب ودّ بين أمك وأمها، وخلصنا من قرف أبوها، تقوم إنت بطيشك تعمل حركة زي دي؟! تبوّظ كل اللي عملناه؟! دا لو أمها بصّت من الشباك ساعة ما إحنا راجعين، لكانت عملتها فضيحة... وحقها.

صمت معاذ، مستوعبًا كلماته، بينما كان حمزة يدور حول نفسه أمامه، ثم أردف بتهديد:

– اسمع ياض، هي كلمة ومش هتنيها: من الآخر، يا هتتعدل ونكمل مشوارنا، يا هتفضل في طيشك دِه... وأنا بصراحة، مش هضيع وقتي!

لو هنستمر على الوضع ده، ممكن بسهولة أفلت يدي.

– قالها معاذ، ليردّ خلفه بعدائية:

– قصدك إيه يا عم الشيخ؟ قول يا حبيبي، أنا على آخري أصلًا.

تراجع معاذ بابتسامة خبيثة مستترة:

– مجصديش حاجة يا واض أبويا، قول إنت عايزني أعمل إيه؟ وأنا هسمع الكلام إن شاء الله، ما أنا خلاص بقيت متطمن.

ختم الأخيرة بضحكة أثارت استفزاز حمزة، فعاد إليه بغضبه:

– تلقيحك مش عاجبني ياض، فيه ريحة مش مريحاني.

كتم معاذ ابتسامته بصعوبة، وقال:

– وه يا حمزة، ريحة بس وكلام فارغ إيه! قول على تعليماتك وأنا هسمع وأنفّذ... صدجني، هنفذ.

رواية لاجلها الفصل التاسع

عاد إلى منزله أخيرًا بعد أشهر من السجن بتهم خُلقت له من تحت الأرض، تخص تجارته والغش والتلاعب بالأسعار، والتغافل عن سداد بعض الديون لأصحابها؛ كلها أشياء معتادٌ على فعلها منذ نشأته. لا أحد يقيّم ولا مسؤول يحاسب، حتى ظهر في طريقه ذلك الملعون الذي أجاد لعبته وسلّط عليه رجال القانون، ليتم احتجازه بالأشهر بعد توقيعه على ورقة بعدم التعرض لطليقته وابنته، فتضيع عليه فرصة ردّها إليه خلال فترة عدتها في تلك الشهور التي قضاها محجوزًا، وسط تحقيقات مستمرة وكفالات تُدفع للمتضررين من ماله.

لو لم تكن التهم ملفقة إليه دون أدلة محكمة، لكان استطاع محاميه إخراجه، ولكن عيبه يكمن في الأخطاء البسيطة التي كان يرتكبها يوميًا وفي أسلوب إدارته لتجارته. ليأتي من يستغل هفواته، فيكبّله حتى عن الانتقام منه، ولكن... إلى متى؟

"وهه، عرفان! حمد الله على سلامتك يا غالي! تعالوا يا ولاد، تعالوا شوفوا أبوكم."

هللت صفا بالكلمات فور أن وقعت عيناها عليه، وهي تهبط الدرج من طابقها إلى الأسفل، تواصل النداء على أطفالها وهي تسرع خطواتها لاستقباله، حتى تفاجأ عرفان بهما يخرجان من شقة مزيونة وابنتها. ازبهل ببصره قليلًا وهو يتقبل حفاوتهم، يرفعهم إليه ويقبلهم، حتى أخذت صفا دورها، تلقي بنفسها عليه، تفاجئه بفعلها، فاضطر أن يدّعي الاستجابة على مضض، رغم حنقه من وقاحتها بتقبيل وجنتيه واحتضانه أمام الأطفال، حتى نزعها سريعًا وأبعدها بلطف:

"الله يسلمك يا صفا... بس العيال دي طالعين من شُقة مرة أبوهم ليه؟"

"مرة أبوهم!" رددت بها من خلفه بنبرة استنكارية، تواصل بالتشديد على كلماتها:

"اسمها طليجتك يا جوزي يا غالي، يعني الشُقة دي شُقتنا، مش شُقتها ولا شُقة بتها. يبقى يحقلنا نعمل فيها ما بدالنا: نربي فروج، ولا نحط كراكيبنا فيها، ولا حتى نُطلق العنزات ونفضي الحوش شوية... آااه!"

تأوهت الأخيرة بألم حين باغتها، إذ قبض بأصابعه الغليظة على مرفقها، لترى جمرتين من النار تشتعلان في عينيه، مرددًا بغضب جحيمي:

"عنزات وكراكيب وفروج؟! دا على أساس إنه بيت أبوكي إنتي مش بيتي أنا اللي أويكي فيه، تاكلي وتشربي وتربي عيالك! عملتي لنفسك سُلطة في بيتي وبتستغلي غيابي عنيكم ياصفا،عشان تعملي ما بدالك! عايزة تمحي كل أثر ليها عشان تجطعي عليها العودة! للدرجادي نارك قايدة منها؟! دا أنا أشيلك بعيالك وأحطها بدالك لو طلبت معايا يا بت!"

صرخت بألم، تنزع ذراعها عنه، وتجأر به:

"أوعى! هتكسر دراعي في إيدك ولا إيه؟! عا فوج لنفسك يا حبيبي، وافتكر إنها كانت السبب في سجنك! هي وبتها! عايز تشيلني وتحطها مكاني، على أساس إنها فاضيالك من أصله! دا مش بعيد تكون مظبطة مع الراجل اللي سلط عليك الحكومة! أمال بيدافع عنها كده لله؟!"

قطعت حديثها فجأة، وقد وضع كفه على رقبتها يضغط بعنف ليسكتها حتى كاد أن يمنع عنها النفس. صرخ الأطفال برعب، يحاولون دفعه عنها، ليستدرك خطورة ما يفعله، فيرفع كفه عنها، فتسعل بقوة عدة مرات حتى التقطت أنفاسها، تطالعه بذهول وقد أوشك أن يقتلها مخنوقة بيديه.

قابل هو نظرتها بعدم اكتراث، وحتى لا يعطيها فرصة لتأنيبه، تحرك من أمامهم مغمغمًا بأمر:

"أنا طالع أستحمى وأرتاح على فرشتي ساعتين. أصحى ألاقي الوكل جاهز، والهدوم مكوية، وشقة مزيونة نضيفة وبتلمع..."

تجمدت في مكانها بعد سلسلة التعليمات التي ألقاها عليها، تتابعه وهو يصعد الدرج، غير مبالٍ بها ولا برعب الأطفال الذين تمسكوا بها تهدئ من روعهم، وهي نفسها لم تتمالك ذاتها جيدًا بعد ما فعله بها. قاسي القلب... لم يرأف حتى بأطفاله.

................................

كان يعلم أنها هنا، بحكم متابعته لكل أمورها ومواعيد خروجها والمصالح التي تقضيها، بفضل المسؤولية التي تحملها الآن على عاتقها. يحاول بقدر استطاعته تسهيل أمورها دون أن يكشف نفسه أمامها، حتى لا تأخذها عزة النفس وترفض دون تردد.

ينتظر يوميًا مواعيد ذهابها إلى السوق كي يملأ عينيه منها من بعيد، دون أن تراه أو تشعر به، سواء تطلب الأمر سيارة أو لا، في كل الحالات لا يُقصّر ولا يحرم نفسه من لذة رؤيتها. لكن اليوم كان الأمر مختلفًا تمامًا؛ أمر أجبره على التخلي عن حرصه، ليطل بكليته أمامها. فلم يعلم بوجهتها إلا متأخرًا، ليأتي الآن فيجدها تنتظر شيئًا ما في تلك المنطقة الحيوية من البلدة، المزدحمة بالمصالح الحكومية.

وعلى عكس المعتاد، لم تعجبه رؤيتها اليوم، فقد استفزته وقفتها تحت الشمس، وتحت أبصار هؤلاء الفاشلين من الرجال الذين تركوا تجارتهم ومصالحهم وركزوا أبصارهم عليها وحدها.

"صباح الخير." ألقى التحية بخشونة، أجبرتها أن تنتبه إليه فتجيبه:

"أهلا، صباح الخير يا أبو ريان."

ألقى بنظره نحو المبنى الحكومي الذي تقف قبالته، ليعود إليها بكلمة واحدة كافية عن سؤال كامل:

"خير إن شاء الله. أنا بس مستنية أخوي وصفي دخل جوه المجلس المحلي يخلصلي ورق معاش أبويا، بعد ما تعبت من مماطلتهم ليا."

ارتفع حاجبه بشر يريد مزيدًا من الاستفسار:

"ويماطلوا معاكي ليه؟ هو مش ورجك جاهز وخلصان ولا هي نطاعة وخلاص؟"

طفا على ملامحها بعض الحرج، فجاءت إجابتها تضع نوعًا من الريبة داخله:

"والله ما أنا عارفة أجولك إيه؟ ربنا يهدي الأستاذ معاطي... غاوي شندلة الناس في الروحة والجية على مجلس الزفت بتاعهم."

تعقد حاجباه باستدراك، ليردد الاسم بتوعّد قبل أن يتركها ويتجه نحو المبنى دون انتظار:

طالعت ظهره بتوجس، تضاعف حين وصلها غمغمته:

وقد كان. لم تنتظر خمس دقائق كاملة، حتى وجدت شقيقها يخرج مشرق الوجه، ضاحكًا برفقة حمزة الذي لم يتخل عن تجهمه حتى اقترب الاثنان منها، ليهلل وصفي بالبشرى لشقيقته:

"ورجك خلص أخيرًا يا مزيونة! حمزة باشا دخل شمال في معاطي من غير سلام ولا كلام، خلاه جاب ورا في ثانية واحدة ومضاه، مع إنه كان بقاله ساعة مدخلني في كلام كتير وحوارات مكتش فاهمها."

"ما هو نفس اللي كان بيعمله معايا، رغي وكلام في مواضيع كتير..."

"عشان فاسد ابن كلب!" هتف بها حمزة، مما أجبر الاثنين على الانتباه له، وقد تملكه الغضب، ورغبة تدفعه للعودة مرة أخرى نحو هذا الصعلوك من أجل تأديبه. فهم الآن من فحوى كلماتها، حتى وإن لم تقصد أن هذا المتنطع كان يؤجل قضاء مصلحتها لغرض في نفسه. لا حاجة للتوضيح أكثر من ذلك، فهي جميلة ومطمع... بدليل حفنة الرجال التي لم ترفع أبصارها عنها حتى اللحظة. تبا لهم... ولعجزه هو عن صدهم.

"بجولكم إيه يا جماعة، كفاية كِده، تعالوا أروحكم معايا في عربيتي."

"لا متشكرين، أنا وأخويا أصلا رايحين السوق."

رغم حدته في الحديث، استطاع في النهاية أن يجبر وصفي على التدخل:

"خلاص يا مزيونة، الأستاذ حمزة مش غريب."

همّت أن تجادله، لكنه حسم قاطعًا عليها الطريق:

"يلا بجى يا ست مزيونة، خلينا نمشي من المنطجة الزفت دي، ولا أدخل لمعاطي أديله الطريحة! بصراحة، إيدي واكلاني عليه وهموت أعملها!"

أما عنها، وقد كان هذا موعد عودتها من درس مادة الإنجليزي مع بدء العام الدراسي الجديد وشفاء ذراعها من الكسر، فقد مرت على المجرى المائي القريب من منزلهم، فاتجهت أبصارها تلقائيًا نحوه، بحثًا عن ذلك المجنون الذي يأتي في ميعاده اليومي من أجل سقي حصانه، قاطعًا تلك المسافة البعيدة من النصف الغربي للبلدة إلى هنا، وكأنه لا توجد مياه هناك.

هي ليست بالعمياء حتى لا ترى أفعاله الغريبة، ولا عديمة الإحساس حتى لا تشعر؛ فمنذ تلصصه عليها ووقوعه من أعلى الشجرة، لم يكررها مرة أخرى ولم يحاول فتح حديث معها، يكتفي فقط بالنظرات الهائمة لها، وهي لا تهرب ولا تغضب، بل في أوقات كثيرة تصعد إلى برج الحمام فوق السطح وتتخذه حجة كي تبادله النظرات.

بداخلها كم هائل من التساؤلات نحوه، لكنها لا تستطيع البوح بها أمام والدتها رغم أنها كاتمة أسرارها وصديقتها الأقرب. كانت تنتظر أن تأتي الإجابة وحدها. لكنها اليوم لا تراه! رغم وجود الحصان الذي كان يتناول طعامه من حشائش الأرض البرية بالقرب من مجرى الماء. أخذها الفضول حتى نسيت حرصها، تبحث عنه بعينيها بلهفة جعلتها تتوقف في مكانها... ولا يوجد أثر له على الإطلاق! أيعقل أن هناك إنسانًا في العالم يملك نصف عقل، يترك حصانًا عربيًا أصيلًا مثل هذا في الهواء الطلق دون حماية ويذهب؟

شيء يثير الدهشة بالفعل... ولكن لما العجب مع رجل مثله؟ تتوقع منه أي شيء. أجفلت عند خاطرها الأخير بسماعها لأصوات صارت تصل إليها:

"بس... بس بس بسس..." دارت رأسها لا إراديًا في عدة جهات تبحث عن مصدر الصوت، حتى جاءها النداء باسمها، يرافقه عدد من ثمار التين الطازج تتساقط فوق رأسها:

"ليلى!" رفعت بصرها إلى أعلى، لتفاجأ بهذا المجنون فوق أحد فروع الشجرة مباشرة فوقها، فشهقت وارتدت بقدميها للخلف بفزع، تضاعف حينما قفز من محله ليقف مقابلًا لها دون سابق إنذار، وكادت أن تقع لولا سرعة بديهته في الإمساك بيدها:

"حاسبي... كنتي هتوجعي." نفضت يده عنها، تنهره موبخة رغم عدم اتزانها بعد:

"ما انت السبب! بتخلعني يا بني آدم انت، وبعدها تجولي حاسبي! انت إيه صنفك؟"

"يعني هيكون إيه بس يا آنسة ليلى؟ أنا ماعملتش حاجة أصلا غير إني كنت فوق الشجرة بنجي كام حبة تين حلوين. أحلى ثمر للفاكهة، دا اللي تلاقيه متعلج فووج بعيد عن إيدين الناس وعيونهم، محدش يطوله غير الغاوي."

لا تعلم لما جذبتها كلماته التي لم تعِ مغزاها، وقد سرق انتباهها بتلك الحبات الطازجة الرائعة التي كان يعرضها لها بين كفيه الكبيرين؛ حبات كاملة النضج أثارت شهيتها لتناولها والتلذذ بطعمها. ولكنها ما إن استعادت بأسها حتى هتفت به:

"مش عايزة من خلجتك حاجة! فاكرني هبلة وهيضحك عليا بحبايتين تين؟ ولا ظنيت كمان إني نسيت عملتك المهببة لما كنت بتراقبني وأنا فوج سطحنا! اللي خلاني أسكت ومكبرِش الموضوع حاجة واحدة: هي وجعتك الشديدة، عشان حسيت إن ربنا خدلي حقي منك."

معظم حديثها لم يفهمه، فقد كان هائمًا بها وبطريقتها اللذيذة في التعبير عن غضبها، حتى وهو لا يغفل نبرتها الشامتة ولا إصرارها على تذكيره بذلك الأمر رغم عدم حديثها عنه كما أشارت.

"بصراحة، أنا ممتن جدًا لمعروفك يا آنسة ليلى، برغم إني مكتش جاصد اللي في بالك عشان تبقي عارفة. أنا بس كنت فوج الشجرة زي دلوك بدوّر على فرع أنجي عليه تينة حلوة، وشوفتك بالصدفة... يمكن تنحت هبابة على برج الحمام وعليكي، لكني في النهاية وجعت زي ما شفتي بعينك. رجلي اتجزعت وضهري كله اتخرشم، ورقدت عليها أيام..."

"يعني لو كتي بلغتي عني، كتي هتاخدي ذنبي على الفاضي. وأنا كل الحكاية كنت عايز تين، شوفي بنفسك نجاوتي."

تناول واحدة من الثمار ووضعها بفمه، يتلذذ بها بين شفتيه مرددًا:

"أممم... حلوة جوي! يا سلام، وهي فيها حتة لسعة صغيرة في اللسان لكنها بتنقط سكر وعسل! آه لو تدوقي واحدة، هتعرفي إني عمري ما أنجي ولا أختار غير الزين."

سال لعابها هي الأخرى، واشتهت أن تتذوقها، لكنها أبت أن تُظهر ضعفها أمامه، وقالت بحدّة:

"مش عايزة حاجة! خدهم واشبع بيهم."

واستدارت لتتركه وتذهب، فهتف من خلفها بصوت مسموع:

"خلاص... أنا خدت كفايتي أصلا. هسيب الباقيين هنه على المصطبة، وياخدهم صاحب نصيبهم بجي."

رغم شعورها باستجابتها، إلا أنها ادعت التجاهل وعدم الاكتراث، ودلفت إلى داخل المنزل صافقة الباب بقوة. تنهد هو، وأفرغ ما بين كفيه من الثمرات على المصطبة الطينية بالفعل، ثم توجه إلى حصانه، اعتلاه وغادر، إلا أنه توقف قريبًا أسفل إحدى الأشجار، يراقب من مكانه مصوبًا بصره نحو المنزل المحبب إلى قلبه.

ولم تمر سوى لحظات قليلة، حتى وجدها تفتح باب منزلهم وتخرج منه بحرص، تدور أبصارها في الأنحاء من حولها، حتى وصلت إلى حفنة الثمار التي تركها، فحملتها بين كفيها وعادت بها إلى الداخل.

ارتسمت على ثغره ابتسامة شقت وجهه من الأذن إلى الأذن، وقد غزت السعادة قلبه. لقد قبلت هديته... وهذه بداية ليست بالهينة في طريق وصوله إلى قلبها.

وفي داخل السيارة التي كان يقودها حمزة، وبجواره وصفي في الأمام، ومن ملكت قلبه في الخلف، توجهت أبصارها إلى خارج السيارة عبر النافذة التي جلست بجوارها، شاردة في أمور عدة إلا عنه. ثلاثة أشهر مرت على علاقة المودة التي جمعت بين العائلتين، كان يلتقط كل الفرص المتاحة من أجل التقرب منها، فعل كل شيء حتى ينال نظرة واحدة تروِّي قلبه. كان يعلم منذ البداية أن الطريق إليها صعب، لكنه لم يُقدِّر صعوبته حقًا إلا بعد أن اكتوى بنيرانه.

لقد أغلقت على قلبها منذ سنوات، ولا شيء يدفعها للحياة سوى ابنتها، أما عنها فقد قتلت مزيونة منذ زمن بعيد. فكيف السبيل لإعادتها للحياة مرة أخرى؟

مسح بكفه على شعر رأسه، محاولًا الاندماج مع حديث وصفي، شقيقها الطيب، بعد أن أنهى مكالمة هاتفية على عجالة:

ــ يعني بعد ما شندلنا في المصلحة عنده، دلوقتي عايز يطابلني على انفراد أنا وهو في موضوع خصوصي؟ دا إيه صنفه ده؟

ــ جصدك مين؟ سأله حمزة محاولًا التركيز، ليأتيه بالجواب الذي أشعل رأسه:

ــ معاطي الزفت، أنا أساسًا شكيت في أمره من ساعة ما كنت جاعد وياه. رايح جاي يتكلم عن نفسه، ويجيب سيرة أختي، وإيه اللي يخليها تتشندل على حتة معاش ومش عارف إيه؟ وهي في يدها تبقى ست الهوانم! كنه حاطط عينه عليكي يا مزيونة.

توجه بالأخيرة نحوها ببساطة، غافلًا عن حمزة الذي خرج الأمر عن سيطرته، فاضطر للضغط على مكابح السيارة بعنف، مما أجفل الشقيقين، واندفعت أجسادهما للأمام بقوة نتيجة فعله، فاصطدمت رأسها هي بالكرسي أمامها، قبل أن ترتد سريعًا إلى الخلف تتأوه:

نفت بهز رأسها، دون صوت، فدافع هو مبررًا بكذب:

ــ آسف يا جماعة، ماكانش جصدي، بس السبب أرنب طلع فجأة جدامي، كنت هادوسه، بس الحمد لله ربنا ستر. المهم، حاسة بأي وج في راسك؟

خرج صوتها هذه المرة حتى يكف عن الأسئلة:

ــ يا بوي مفيش، هي بس مع شدة الهزة، أصلاً ملحقتش تتسط في الكرسي زين.

كاد أن يتنفس ارتياحًا لولا تعقيب وصفي:

ــ بس فين الأرنب؟ أنا ما شوفتوش.

ابتلع ريقه محاولًا السيطرة على ارتباكه، وعاد لقيادة السيارة:

ــ لا، ما هو عدى بسرعة وأنت بتتكلم مع الست مزيونة عن معاطي الزفت. إلا جولي صحيح، هترد عليه بإيه؟

ــ ولا هنجول ولا هنعيد، دا موضوع محسوم أصلًا، حتى لو وصل بيه إنه يوقفلي ورقي، الحمد لله مستورة، وعندي اللي يكفيني من نصيبي في الأرض اللي انباعت زمان، ولا الحوجة ليه دا كمان.

ــ طب خليه يتجرأ ويعملها عشان أقطع عيشه منها.

بسط وصفي يحاول امتصاص غضب الاثنين:

ــ يا إخوانا عمرها ما توصل لكده إن شاء الله. معاش أبوكي دا حقك يا مزيونة، وسيبك من قرشين البنك دول لتعليم ليلى. كفاية اللي صرفتيه الأيام اللي فاتت، ما إحنا بنرفضوا كل يوم، هتيجي على معاطي ونشيل همه.

يا ليته ما تلفظ بالأخيرة، فقد أعاده وبقوة إلى تلك الهواجس التي يتهرب منها منذ طلاقها. لا يزعجه أمر موافقتها من عدمه بقدر ما يحرق صدره نظرة الرجال لها وأطماعهم بها. يريد أن يعلنها للجميع أنها تخصه وليست متاحة للارتباط كما يظنون، حتى لا يتجرأ أحد بالتفكير بها. ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ ورأسها لن يتقبل الفكرة من الأساس، إنها حتى لا تراه ليشغل نفسه بأمر أن يصلها إحساسه.

تحمحم بصوت خشن من أعلى الدرج ليعلمها بوجوده، بعد أن استيقظ من غفوته التي استغرقت ساعتين، ليجدها ما زالت في الأسفل. هبط الدرج بثقل متعمد في خطواته، وبطء يقارب الرتابة، حتى إذا لمست قدماه أرضية الطابق الأرضي كانت هي في استقباله، بعد أن نظفت شقة مزيونة كما أمرها. ولمزيد من الإذلال لابد أن يسمعها منها:

ــ ها خلصتي تنظيف ولا لسة محتاجة وقت؟

ــ لع اطمن، أنا غسلتها وعقمتها بالديتول، ورشيت لها المعطر، وكأنها شُقة عروسة جديدة، دا غير إني غيرت الملايات. يعني لو ليك غاية تردها من عشية، هتلاجيها جاهزة.

حسنًا، لقد أجادت توجيه ضربتها إليه، لتنزع عنه نشوة الانتصار، وتضعه أمام نفسه في خانة العجز عن فعل هذا الأمر. ليعقب كازًا على أسنانه بحنق شديد:

ــ ماشي يا ختي، كتر خيرك، انجلبي يلا على فوق وجهزيلي اتغدا، وإياك تقولي ملحقتش.

ــ لا طبعًا، إزاي تجول كدِه؟ دا أنا أسوهولك على رموش عنيا يا غالي. كل الوكل اللي انت عايزه هيجهز على الصينية حالًا.

أشار بكفه كي تختفي من أمامه وتذهب، وقد ضاق ذرعًا منها بعد أن عكرت صفو مزاجه ببرودها. تحرك خطوتين حتى أطل برأسه داخل شقة مزيونة، ليتأكد من صحة ما أخبرته به، بل وأكثر، فقد نظفتها وعطرتها بالفعل. همَّ أن يدلف داخلها ليستكشف باقي الغرف، ولكن منعه صوت أحدهم في الخارج ينادي باسمه، قبل أن يلج إليه مهللًا:

ــ عرفان يا صاحبي كفارة، انت طلعت إمتى يا راجل؟

ــ الله يسلمك يا عطوة، دا انت اللي واحشني يا راجل.

في منزل حماد القناوي، وقد اجتمعت العائلة بأكملها على طاولة السفرة، في اليوم الأسبوعي الذي تخصصه حسنية لحضور الجميع، بناتها وأزواجهم وأطفالهم، لتناول الطعام معها ومع أفراد المنزل. غاب عنها أكبر الأبناء وأصغرهم، حمزة ومعاذ، ولكن، هالة وأطفالها، تقوم بواجبها وأكثر في الظهور وفرض نفسها بأنها العضو الأهم في المنزل.

ــ كل نايبك يا واد يا آدم عشان تكبر وانتي يا ريان، يا أم ياسين قربي اللحمة لجوز أختك، أصله ما بيحبش الفراخ.

قالتها بإشارة نحو منصور زوج منى، التي ضجرت منها ومن تصنعها، لتتدخل قائلة:

ــ خلاص يا حبيبتي، جوزي أصله مالوش لا في دي ولا في دي، وكله خفيف في الاتنين. اجعدي على حيلك، وحطي اللقمة في حنكك بدل الحديت، كفاية صوت المعالق ولعب العيال.

بسخرية ماكرة استطاعت أن تربكها عن الجدال، فتبسمت تحاول حفظ ماء وجهها برد ساخر هي الأخرى:

ــ لا لحمة ولا فراخ! أمال مقضيها خضار وبس؟

فغرت فاها بذهول، وقد تسرب داخلها شك حول المعنى المبطن خلف عبارتها، فجاءت الإجابة بكل وضوح من منصور، الذي سعل بضحك مكتوم مطأطئًا رأسه بخجل من باقي المجموعة، رغم ابتسامتهم هم أيضًا، إلا منى التي كانت تأكل بثبات وبراءة وكأنها لم تفعل شيئًا، لتضاعف من حنقها منها. تلك المحبوبة من الجميع، حتى من زوجها منصور، العاقل الوسيم الوقور أمام الجميع إلا معها. ليتها تملك نصف حظها.

كان هذا صوت حسنية بعد أن وقعت أبصارها عليه عائدًا من الخارج، يلفت انتباه الجميع إليه، ليُجبر نفسه على رفع كفه نحوهم بالتحية والترحيب بكل فرد منهم باسمه، قبل أن يستأذن ويتركهم، رافضًا الدعوات بمشاركته الطعام معهما، بحجة عدم شهيته، بابتسامات مغتصبة لا تخفى على قلب والدته، ولا عن شقيقته منى التي تعلم سر حزنه.

زي ما بقولك كده يا صاحبي، أنا قاعد كافي خيري شري، لكني مش نايم على وداني. الكلام كتير، وأنا بشوف بعيني. الراجل اللي اسمه حمزة ده دخل حتى في زواريق أخوها. أني مش فاهم بصراحة غرضه إيه؟ ومن إمتى كان يعرفهم من أصله عشان يتقرب منهم كدِه؟

هكذا كان يبث سمومه في أذن هذا الأحمق، والذي من المفترض أنه صديقه، ولكن حقد النفس يعمي صاحبها عن الحقيقة حتى لو كانت بوضوح الشمس.

أمم... وإيه تاني كمان؟ قول يا صاحبي، أنا مش هكدبك. اللي يرميني في السجن الرمية دي، ويسلط عليا الحكومة تنخور في الجديد والجديم، حتى شريكي طفش مني لما اتضر هو كمان. بس، وأنا ورحمة الغاليين، ما هسيبه. لكن اللي عايز أعرفه دلوك، وصفي إيه دوره؟ عامل نفسه دكر عليا أني بس؟

ما أنت جولت بنفسك: دكر عليك أنت وبس؟ أكيد هو كمان لاقي مصلحته. لكن إنت هتسكت؟

زفر مخرجًا دفعة كبيرة من الهواء المشبع بهيج النيران التي تسري بداخله:

أمال عايزني أعمل إيه؟ وأنا متكتف يدين ورجلين، بعد ما بجيت تحت عنين الحكومة، على أي غلطة ممكن تعكشني. لكني برضو مش هسكت. مستني الدنيا تهدى شوية وأروح للشيخ خميس...

ونستنى ليه يا عمنا؟ ولا تروح للشيخ خميس؟ وانت عارف من الأول إنها مصدجت، ونقبك هيطلع على شونة. اضرب ضربتك قبل الواد ده ما يسبجك، وأنا معاك وفي ضهرك.

حدق به عرفان، يريد أن يصل إلى ما يرنو إليه بحديثه. فواصل عطوة الشرح بصوت خفيض، كوسوسة الشيطان الذي يدفع الإنسان للخطيئة ثم يتبرأ منه:

أنا جصدي، إن كانوا كتفوك بالتعهد بعدم التعرض جدام الناس، اخلص من الراجل ده اللي واقفلك زي اللُجمة في الزور، وساعتها مرتك و أخوها هيبقوا في يدك، بعد ما يغور ده اللي مستجوين بيه.

هكذا صار يبسط الأمر أمامه ويدعمه، وكأن القضية قضيته، مستغلًا عنجهية الآخر وغباءه عن فهم ما يدور برأسه. ومع ذلك، فاجأه بالرد:

طب والله فكرة زينة. نفذ يا عطوة وأنا أديك اللي انت عاوزه، بدل ما ندخل حد غريب ويفضح أسرارنا، وأنت خبرة ومش جديد عليك.

انتفض المذكور وقد أجفله بعرضه، يردد برفض تام:

وه! أنفذ كيف، الله يخرب مطنك؟ الشغل دِه أنا بطلته من زمان، من ساعة ما توبت. شوفلك حد غيري يا حبيبي، شوفلك حد غيري.

وهكذا أخرج نفسه من الحسبة، ولكن رأسه اتجهت لشيء آخر، بعد أن ذكره بمهنته القديمة... لماذا لا يستغلها لمصلحته الآن؟

ثلاثة أشهر مرت عليها في ترتيب المنزل بإمكانياته المحدودة، ليصبح في النهاية جنتها الصغيرة. وقد اكتمل من معظم الأساسيات المطلوبة، حتى الأجهزة الكهربائية استطاعت توفير الضروري منها، فاشترت ثلاجة بالتقسيط، وحصلت على التلفاز من شقيقها كهدية. وجدت فيه تسليتها وقت الفراغ، خاصة حين تنشغل ابنتها عنها في استذكار دروسها، كما كان يحدث الآن قبل أن تأتي إليها المذكورة داخل غرفة نومها حاملة طبقًا تأكل منه.

أنا خلصت مذاكرة بدري النهاردة، قولت أجي أكمل الفيلم معاكي. دخليني جنبك يا مزيونة؟

قالتها ليلى وهي تصعد إلى السرير، لتحشر نفسها معها تحت الغطاء، حتى تناثرت من الطبق عدة ثمرات فوقه، لِتلفت أنظار والدتها التي علقت مبتسمة:

يا ما شاء الله، جيبتي منين التين الحلو ده؟

تبسمت ليلى وقدمت الطبق إليها لتتناول منه هي الأخرى:

من شجرتنا يا أمة، هو إنتي غريبة عنه؟

وضعت مزيونة إحدى الثمرات في فمها، تلوكها وهي تستلذ بالطعم قائلة:

لا يا ست الحلوين، طبعًا عارفاه. أنا بس مستغربة جبتيهم كيف! الشجرة تقريبًا محلوبة؛ كل اللي رايح واللي جاي ياخد منيها، دا حتى بيجطفوه أخضر. ومحدش بيصبر على التينة لما تطيب زين، إلا الفروع العالية دي محدش بيوصلها واصل. لا تكوني ركبتي الشجرة يا جزينة؟

قهقهت ليلى نافية وهي تهز رأسها:

لا يا أمة، ما وصلتش للدرجادي. إينعم أنا شقية، بس معدتش صغيرة على طلوع الشجر.

ابتعلت ليلى محاولة إخفاء توترها، واختلقت قصة سريعة للإجابة:

بجريدة نخل سحبتها معايا وأنا جاية من الدرس، بجيت أرفعها لأعلى فرع، وأنزل بيها أحلى واحدة أنمر عليها.

قطبت مزيونة حاجبيها تستوعب الفكرة، والتي لم تروق لها كثيرًا، فاكتفت بتوجيه النصح:

طب ياريت متكرريهاش تاني. مش مستاهلة شندلة وتعب على شوية تين طازة. لو عايزة، أبقى أشتريلك.

أومأت ليلى رأسها بطاعة، ثم رفعت إليها الطبق مرة أخرى لتجعلها تشاركها في تناوله أمام التلفاز، حيث كانا يشاهدان فيلمًا عربيًا قديمًا. لم يكن الفيلم يروق لليلى كثيرًا، لكنه يعجب والدتها التي تندمج في أحداثه. كانت تعلم أن مشاهدة الأفلام الرومانسية هي متعتها الوحيدة بعدما حرمت منها، كما سُرقت منها أحلام الفتيات العادية في سن المراهقة؛ السن الذي لم تمر به أصلًا بتحملها مسؤولية الزواج المبكر.

انتظرت خروج الجميع وذهابهم إلى منازلهم، حتى تخرج إليه داخل الحديقة التي التزم الجلوس بها ومراقبة الخيل الصغيرة وهي تأكل أمامه، وقد غفا طفله على الأريكة الخشبية بجواره، وظل هو لوحدته وهمومه كما يبدو أمامها.

اللي واخد عقلك؟ تفوهت بها بمشاكسة لتلفت انتباهه إليها، فتبسم ونهض عن مقعده لاستقبالها:

يعني هيكون إيه بس يا حاجة حسنية؟ هو إحنا معانا غير الشغل؟ اجعدي بس الأول.

والله اسأل نفسك، ولا بص في المراية وانت تعرف، أكيد اللي شاغلك أكبر من أي هموم ولا أي شغل.

طالعها باستفسار فتابعت تفصح عما يشغلها:

بصراحة يا ولدي، أنا خايفة من حاجة كده ومش عارفة أوصلهالك إزاي؟

جولي يا أمة، إنتِ هتتكسفي مني؟ دا انتي الحجة حسنية!

أنا سمعت إنك كنت سايق العربية النهارده ومعاك مزيونة وأخوها، الولية مطلجة وأنا أخاف لحد يشوف كده ويظن يعني...

يظن إيه يا أمي؟ صدرت منه بمقاطعة وانفعال تخلل كلماته، مردفًا:

انتي بنفسك شوفتي الست المحترمة هي وأخوها. انتي عارفة زين باللي مرت بيه، منبقاش إحنا والزمن عليها! ولا انتي هتخلي هالة تنخور في دماغك؟

وه يا ولدي، وإيه اللي جاب سيرة هالة دلوك؟

عشان عارفاها يا أمي، وعارفة حشيريتها في كل كبيرة وصغيرة.

توقفت برهة تمتص غضبه، وقد بدا أمامها كعود ثقاب قابل للاشتعال، وهي تريد المزيد من التوضيح:

طب لو سألتك عن الولية نفسها، إن كان ليك غاية فيها؟

بماذا يخبرها؟ عن حب يائس يثير شفقتها، أم عن امرأة لو انقلب العالم رأسًا على عقب لما حدث وتراجعت عن قرار اتخذته مسبقًا بدفن نفسها من أجل صغيرتها وفقط؟ عند خاطره الأخير وجد الحل سريعًا يصارحها بما يخطط له مع شقيقه منذ شهور:

مش موضوعي يا حجة حسنية، ومدام فتحتي الموضوع بنفسك يبقى أنا هصارحك بالحقيقة عشان أخلص من زن ولدك فوج راسي.

ولدك معاذ يا أمي، عايز يتجوز بت مزيونة.

وعرفان الراجل العفش! انت بتقول إيه يا حمزة؟ أضافتها بغضب احتل محياها، لتفاجأ بقدوم المذكور عائدًا من الخارج، فهتفت منادية توقفه قبل أن يدخل إلى المنزل:

واض يا معاذ، تعالَ هنا، عايزاك.

في منتصف الليل، حيث يسود السكون أرجاء المكان، وتتوقف حركة البشر عن مشاغل الحياة لينالوا قسط من الراحة الذي يستحقها الجسد، كان هناك صنف آخر من البشر لا يجد فرصته إلا في هذا الوقت. مغامرة بسيطة قد تحقق له ما يتمناه ويؤرق مضجعه منذ سنوات.

وصل هذا الملثم إلى خلف المنزل الوحيد وسط المزروعات، حيث لا بشر ولا جيران يخشاهم. وبخفة القرد، تسلق الحائط الطيني القديم مستعينًا ببروز بعض الحفر في الطوب اللبن المبني به، ليصبح أعلى الجدار في ظرف لحظات قليلة، حيث الجزء الخالي بطرف المنزل من السقف. حاول تكرار الأمر والنزول بخفة، لكن حظه هذه المرة لم يساعده، فانزلق ساقطًا إلى الأرض بوقعة خفيفة لم تؤثر فيه، لكن وقعها كان في الداخل؛ إذ وصلت إلى تلك الغافية التي تحتضن ابنتها، ففتحت عينيها مستيقظة بإجفال جعلها تنهض بجذعها عن الفراش في لحظات قليلة.

قادها إحساسها بشيء غير مريح جعلها تطل برأسها خارج الغرفة، فازداد شكها حينما وصلت إليها أصوات أخرى من الجهة المكشوفة للمنزل بطرازه القديم. وقد أحسن شقيقها صنيعًا حين أحكم إغلاقها من قبل، بالطين وبباب حديدي غليظ، تزيد عليه مزيونة ليلاً بأشولة الحبوب والقمح من الداخل، زيادةً في الحرص وتقديرًا ليوم مثل هذا.

أرهفت السمع جيدًا لتتحقق مما إذا كان مصدر الصوت قطة أو حيوانًا آخر لا تعرفه، فجاءها التأكيد بشيء أخطر حينما رأت بأم عينيها المحاولات الحثيثة بمغلق الباب لفتحه...

انتفضت من مكانها عائدة إلى الغرفة، متجهة نحو خزانة الملابس، لتفاجأ باستيقاظ ابنتها تسألها:

هشششت، قاطعتها منذ البداية، واضعة سبابتها على فمها بنظرة تحذيرية جعلت الوعي يعود إلى الأخرى، فتقعد جالسة تراقبها بخوف، وتذعن لرغبتها بعدم التحدث رغم فزعها. وما لبثت عيناها أن جحظتا رعبًا حين رأت ما أخرجته مزيونة من داخل الخزانة.

بندجية يا أمة! — خرجت منها العبارة دون إرادتها.

فعادت إليها الأم بتحذير أشد، مطالبة إياها بالصمت الكامل، رغم رعبها الذي لم يمنعها من مراقبتها وهي تجهز السلاح الناري، متأكدة من حشوه، قبل أن تتحرك به خارج الغرفة وقد اتخذت قرارها بشجاعة. فهذه اللحظات الفارقة لا تحتمل التردد على الإطلاق.

استقامت ليلى عن فراشها تتبع والدتها، وما هي إلا خطوتان حتى دوى في الأرجاء صوت الطلق الناري يصم الآذان من قرب المسافة...

رواية لاجلها الفصل العاشر

خسرت الكثير والكثير، فلم يتبقى لها سوى شيء واحد، أقسمت بعمرها ألا تخسره، وهي على استعداد تام للتضحية في سبيله بكل شيء وفعل كل شيء..... من أجلها.

اصبح منزلها ساحة لقدوم الجميع، من رجال ونساء تعرفهم ويعرفونها، بعد أن انتشر الخبر كالنار في الهشيم، منهم من يربت عليها هي وابنتها لمروهم بهذا الموقف الجلل ويدعمها ومنهم من يرمي اللوم بكلمات مؤنبة على استيحاء لتركها زوجها بعد تلك السنوات والسكن هنا دون رجل يحميها هي وابنتها.

اما هو فقد وصله الخبر من بكرة الصباح وفور أن استيقظ من نومه، بعد أن اخبره وصفي عبر الهاتف،

ليركض إلى منزلها دون تفكير، وبرغم ذلك لعن نفسه فقد تأخر حسبما كان يرى امامه، وحشود من أفراد عائلتها والمعارف كانت قد سبقته، ليأخذ محله بين الرجال كالغريب حينما اطل عليها بنظرة خاطفة عليها وابنتها ثم خرج سريعًا

وعجز يقتله عن فعل ما يريده في طمأنتها وبث الأمان اليها، مكبل كالأسد الحببس في قفصه، يغطي نفسه بقشرة الاتزان حتى لا ينفجر ويزيد من صعوبة الأمر عليها، يود أن يصرخ بها، يود أن يطرد الجميع من المنزل ولا يظل الا غيره، كي يستفسر جيدا عما حدث، ألا يتركها تغفل عن تفصيلة واحدة ربما تساهم في العثور على هذا المتعوس الذي اعماه بصره ودعت عليه والدته في ليلة غبراء حتى يقع في طريقه، لن يرحمه، يقسم ان يذيقه من أصناف العذاب الوان، ذلك الذي روعها هي وابنتها واستغل وحدتهما، حتى وان اظهرت هي شجاعة تنقص كثيرا من الرجال.

اللعنة على الاعراف وعلى التقاليد وكل شيء يمنعه عنها مؤازتها في تلك اللحظات الصعبة،

هي في الداخل مع النساء، وهو مكبل خارج المنزل على تلك المصطبة الغبية التي يتشاور في مجلسها الرجال عن هذا مع شقيقها وصفي.

يلقون باللوم على المسكين وكأنه هو من أذنب ورمى شقيقته وابنتها، وكأنهم خلقوا وحدهم ليفعلوا ما يشاؤون، حمد الله حينما أتى رجل الشرطة الذي اتصل به، لينصرف معظمهم، ولم يبقى سوى اقرب الأقرباء في حضور التحقيق الذى اجراه رجل الأمن سريعا حول هذا المتعوس الذي هرب تاركًا أثرا ما أجمله، نقط الدماء التي سالت منه نظرا بعدما إصابته بالسلاح الناري، ذلك الشيء الوحيد الذي يرطب على قلبه الآن.

أنهى الرجل تحقيقه برفع عينات يأخذها معه، من اجل تحليلها ومعرفة صاحبها ربما بعد ذلك، غادر البقية من الرجال ولم يتبقى سوى هو وشقيقها وصفي وعائلته، والذي بادرها بحديثه معاتبا فور خروجهم:

- عاجبك كدة يا بت ابوي، الناس كلها جايبة اللوم عليا عشان سايبكم وراميكم انتي وبتك، ما انا راجل ني ومش حر زي باقي الرجال.

- وه يا وصفي انت هتبع حكاوي الناس اللي لا هتودي ولا تجيب، دول يموتو لو مجابوش اللوم علينا ويركبونا احنا الذنب على اساس انهم الملايكة، ما حد يحس بوجيعتك غيرك، واحنا ولله الحمد ميهمناش حد منهم.

تبسم ردا على قولها بمزاح مرددًا نحو ابنتها التي لم تغادر حضنه بعد ذهاب الجميع:

- واخدة بالك يا بت، انا معدتش هاممها حد بعد ما خيبت الراجل بطلجة من ورا الباب، خلته حتى هروب مش عارف مسكون، نفسي اعرف جالها قلب ازاي، دا انا الراجل كنت خيبت مكاني.

ضحكت ليلى وتبسمت مزيونة ليعلق هو بعد صمت:

- مين علمك النشان ولا مسكك البندجية؟ عشان تعرفي تصيبي هدفك صح؟

بنظرة هاربة كالعادة لا تروي ظمأه ابدا تحدثت تجيبه موزعة ابصارها على الجميع لا على من توجه بالسؤال فقط:

- الزمن هو اللي علمني، دي بندجية ابويا وانا عارفة استخدامها زين، وعاملة حسابي عليها عشان احمي نفسي انا وبتي، طول عمري اسمع من ابوي أن اللي داخل على بيتك هاجم بيبقى يا قاتل يا مقتول، وانا كان لازم اتصرف ساعتها، المواجهة مع واحد زي ده معناها الخسارة ليا حتى لو في يدي السلاح، قيست باحساسي المسافة اللي بيني وبينه من ورا الباب، حددت المكان اللي واقف فيه، ونشت على اخر جزء من الباب الحديد، وسبحان الله بعد ما طلعت صرخته اتأكدت اني اصبت هدفي، جومت أكد اكتر بكذا طلجة بعدها عشان يوصلني صراخه المكتوم وهرجلته ف الهرب من ضرب النار

حتى وهو قلبه يرتجف رعبا كلما تخيل المشهد، إلا انه لا يملك ألا أن يفتخر بها، مزيونة البهية الشجاعة على قدر إعجابه بفعلها على قدر غضبه ممن تجرأ وفعل، هذا الدنيء، هو ليس بالغبي حتى يصدق ان الغرض من حادثة الأمس هو السرقة وفقط كما تدعي هي امام البشر حتى لا تعطي فرصة للتأويلات المضللة، لكن لا والله لن يكون حمزة أن لم يعثر على هذا الفاسد وبعدها يأتي العقاب .

استفاق من شروده بعد ان وصل لأسماعه صوت صهيل الحصان ليغمض عينيه بتعب متوقعًا هبوب العاصفة، مع شعوره بنزول الاخر من حصانه، ليلج داخل المنزل المفتوح بابه وبدون استئذان هتف بذعر لاهثا:

- ايه الاخبار دي اللي سمعتها؟ مين اللي اتجرأ وهجم على البيت، حد قرب منك يا ليلى؟

غمغم بها حمزة داخله قبل أن يندفع إليه هامسًا بحنق شديد:

- امسك نفسك يا زفت، وكفاية بداية السؤال، كان لزومها ايه الاخيرة؟

هم ان يتحدث ولكن سبقته مويونة، والتي وضح جليا انها فهمت ما يدور امامها، ولما التخمين ولا والتفكير من الأساس والأخر تفضحه نظراته نحو طفلتها التي اعتدلت هي الأخرى عن حضن خالها في حضوره:

-ليلى وامها زانين يا بشمهندس، متجلجش انت؟ حتة حرامي حب يجرب حظه، لكن خد على عينه وراح لحال سبيله

- ازاي يعني يا خالتي مزيونة؟ انا لازم اشوف الواد بنفسه وادبه على عملته، والله تكسير عضامه حتى ما هيكفيني ولا يشفي غليلي.

- ما جالتلك يا عم الشيخ راح لحال سبيله، هو بس يعالج نفسه دلوك قبل ما رجله تغور، وبعدها بس نشوفه ونكسره براحتنا.

أضاف بها وصفي بحدة وصلت الى حمزة الذي سحبه من ذراعه يحذره كازا على اسنانه:

- امسك نفسك شوية عن كدة ياض، بقيت مفضوح جدامهم يا جزين، ودا مش وجته.

- امال وقته امتى لما حد يخطفها هي ولا امها....

سمعها منه حمزة حتى كاد أن ينفعل عليه امامهم، ليتماسك في الاخير ويسحبه بعض اللطف والكثير من العنف:

- طب يا جماعة عن اذنكم معلش وهنبقى نيجي وقت تاني.

استجاب لسحبه معاذ ولم يعارضه، حتى إذا خرجا الاثنان وابتعدا بمسافة آمنة عن المنزل، توقف قائلا باعتراض:

- ما هو شوف بجى، انا مش هستني اكتر من كدة، وليلى لازم تبجى في بيتي في أقرب وجت، هأمن عليها ازاي انا تنام ولا تحط رأسها على المخدة في البيت ده، مش يمكن ألحرامي يجي تاني ولا يشجع غيره على الاقل يعمل زيه.

بغضب متعاظم قبض حمزة على ياقتي قميصه يعلق على قوله بتهديد ووعيد:

- محدش هيقدر يعملها تاني ولا ياخد الفرصة اصلا .

تركه فجأة موزعا ابصاره على الانحاء من حولهم، قبل ان يعود اليه مؤكدًا:

- زي ما بجولك كدة محدش هيقدر يجرب تاني، ومتنساش انك مخدتش حتى موافقة امك عشان نفضى لمعركة مزيونة

دلفت بحقدها إليه داخل الغرفة بعد ان وصلت اليها الاخبار المتداولة داخل البلدة الصغيرة، وقد كان نائما في هذا الوقت ولم يستقيظ بعد للذهاب إلى عمله، لتهتف به توقظه بنبرة تملؤها الشماتة:

- جوم يا جوزي، جوم يا راجلي شوف اللي بيحصل واللي كان هيحصل، استرها علينا يارب، استرها علينا

رفع رأسه مجفلا بتجهم لحديثها السام:

- مالك يا بوز الاخص؟ بتولولوي بحنكك الزفر حد مات ولا جاته نصيبة تاخدك وتاخده؟

تبسمت ساخرة بغيظ منه تخبره بمكرها:

- لا اخويا اطمن بعد الشر عليا، النصيبة جاتلك من ناحية تانية، البلد كلها النهاردة مقلوبة على بتك ولا مرتك ولا الحرامي اللي فط على لبيتهم ، استرها يا معنا يارب.....

صاح بالاخيرة ينتقض من محله ليقبض بكفه على قماش عبائتها في الإمام يسحبها إليه مرددا بنبرة مرعبة:

- بتخبرطي بتقولي ايه يا بت الفرطوس؟ الكلام تطير في رجاب

- يا خويا وانا مالي، عايز تلبسني نصيبة والسلام، الكلام داير في البلد الفقرية دي ووصلني، طلق النار كان هيزغرد زغريد من بيت المحروسة، ولما الناس فرت عليها تشوف في ايه؟ قالتلهم دا حرامي وفر من الحيطة اللي نزل عليها ، وقال ايه ضربت عليه وصاله السلاح، والناس يا اخوي تجري وتدور على الحرامي اللي بتقول عليه ، كانه فص ملح وداب، الله اعلم بجى صح ولا حاجة.

نفضها عنه بقوة لتسقط ارضا تتوجع صارخة:

- اااه كل دا عشان مش متحمل عليها، هو انا كنت مألفاه؟ مش بردد الكلام الداير في البلد ، اطلع برا واسمع بنفسك

جأر بها يرتدي جلبابه الواسع ثم خف القدم متحركا كان للمغادرة:

- هطلع وهشوف، مش هتكل ولا اخد على كلامك، عشان عارفك وعارف قلبك الزفت زي وشك.

وصلت ايضا الأقاويل والتأويلات، حيث كل فرد يحكي القصة من منظروه او حسب أهدافه كما كانت هالة تحكي الأن:

- الكلام معبي البلد ولا ترند السوشيال ميديا حتى، ناس مستغربة وناس مش مصدقة اصلا

اعترضت حسنية بعد سماع الأخيرة بتساؤل:

- كيف يعني مش مصدقين؟ هي البنية كانت بتضرب نشان ف الهوا ولا هتألف حكاية من مخها؟ ولا هي الناس دي عايز تزود في الحكيوة وخلاص.

باضطراب ملحوظ بررت تسوق القصة نحو الجهة التي تريدها:

- يا مرة عمي الناس لازم هتظن بأكتر من كدة طول ما شافوش الراجل اللي قالت عليه، واحدة جاعدة لوحدها هي وبنتها في بيت لوحدهم، وراهم الجسر وقدامهم الزرع، ايه اللي يجبرهم .

هتفت بها منى في رد على كلماتها، وقد حضرت قادمة من الخارج بالصدفة لتسمع حديثها فتضيف بغيظ مكتوم:

- البنية وبنتها كافين خيرهم شرهم والموضوع في الأصل كان حرامي حاول يدخل البيت ومزيونة طلعت راجل من ضهر راجل وضربت عليه لحد ما صابته ودمه ع الحيط يشهد، الناس اللي بتقولي عليها دي، بتزود على ايه بالظبط؟ هي عيبة لما الواحدة تبقى شديدة في الحق وقادرة تدافع؟ ولا هما مغلولين منها أكمنها حلوة زيادة هي وبتها ، ومستكترين ان ربنا يجمع العقل مع الجمال.....

انتفضت هالة من محلها تقابلها ف وقفتها وكأنها وجهت السبة لها، فهي ليست بالغبية حتى تغفل عن مقصدها؛

- قصدك أن اللي بألف وغايرة منها يا منى؟ ليه؟ ناقصة حلاوة أن شاءالله ولا يمكن احسن مني

سمعت الأخيرة لتجلس على الاريكة بجوار والدتها تنفي ببرائة:

- انا بجول على الناس العفشة يا هالة انتي بتحسبي نفسك ليه منيهم؟

همت المذكورة أن تصرخ بها وتكذبها، ولكن حسنية سبقت لتقطع عليها:

- خلاص يا هالة اجعدي بقى، انتي كل كلمة تحسبيها عليكي، اجعدي يا بنتي خلينا نسمع منها، اكيد عارفة حاجة عن الموضوع ده

قالتها منى لتضع ساقا فوق ساق تستطرد عن ثقة حتى تفحمها:

- اخويا حمزة من الصبح كلم واحد من معارفه، والحكومة جات وعملت الواجب، ولسة هيدورو على ابن الحرام اللي امه داعية عليه، عرفتي بقى ان الحديت صح يا هالة، احكي لحبايبك بقى اللي بيزودو في الكلام، وصييهم يزود في الكلام عشان يجطعها عليهم ربنا ميا ونور ان شاء الله

لم يغادر كما امره شقيقه، بل انتظر متخذ حجته بسقي الحصان وربطه بجوار المجرى المائي كي يتناول طعامه من حشائش الأرض، ثم تخفى هو منتظرا حتى خرجت من الباب الخلفي لمنزلها في موعد ذهابها إلى درس مجموعة الانجليزي، فاستغل ليفاجأها بحضوره بقفزة مباغتة من فوق الشجرة لتجده امامها دون سابق انذار ، مما جعلها تشهق مرتدة بقدميها للخلف:

- يخربيييتك، انت بتطلعلي منين يا جدع انت؟

تبسم بمكر يدعي الأسف وهو يطالع جزعها:

- انا بعتذر لو خضيتك، اصل بصراحة مكنش ينفع امشي من غير ما اشوفك واطمن عليكي .

- كيف يعني؟ ما تخلي بالك يا جدع انت من كلامك، في ايه؟

سارع يوضح حتى لا تأخذ كلماته على محمل خطأ:

- ليلى انا مجصدتش حاجة عفشة، انا فعلا كان نفسي اتكلم معاكي وش بوش كدة عشان اطمن واعرف منك عن اللي حصل امبارح، رغم كل اللي سمعته من اخوي، لكن برضو عايز اسمع منك .

لا تنكر انها تأثرت بنبرته ولكن لا يصح لها أن تلين معه:

- وتسمع ليه هي حكيوة وغنوة اغنيهالك، موقف وعدى زي كل المواقف اللي عدت بينا، وامي ربنا يخليهالي في كل مرة لازم تطلعني منها وانا رافعة راسي وفخورة بيها.

- ربنا يخليهالك، انا مطمن عليكي طول ما انتي معاها.

غمغمت بها قاطبة تزداد بحيرة يوما عن يوم، تتابع بتساؤالها:

- في ايه؟ إنت ليه مصطلحاتك غريبة؟ اسمع منك! اطمن عليكي! صفتك ايه عندي انت عشان تكلمني كدة.

- جريب هيبقالي ان شاء الله متستعجليش.

ارتفع طرف شفتها باستهجان واستخفاف، وقد خمنت الان الى ما يرنو إليه:

- يا خفيف، دا انت واثق جوي من نفسك والله ، طب عن اذنك بجى اسيبك لاوهامك واروح لدروسي، جال استعجل جال!

همت ان تتخطاه وتغادر ولكنه منعها يتصدر امامها متجاهلا سخريتها، يقدم لها حنفة كبيرة من ثمار التين بكفه:

- ماشي يا ستي ما علينا، ممكن تاخدي دول نصيبك من شجرتكم اللي بطلعها واخد منها احلى تين.

شرعت بالرفض ولكن انتباهها لشيء ما جعلها تتراجع فاتحة كفيها الاثنان بابتسامة ممتنة تتناولهم منه، على قدر ما اسعدته، إلا أنها اثارت بداخله ارتيابًا لفعلها، حتى انكشف السر حينما هتفت بأحد ما من خلفه:

سمع هو ليلتف برأسه للخلف نحو الجهة التي تنظر البها وهذا الفتى القريب المقارب إلى حد ما من عمرها الصغير يغير وجهته، بعد مغادرته المنزل من الباب الرئيسي ليقترف منهما بعد استماعه لندائها، ليأتي اليها ملبيًا:

- ليلى هانم بنفسها بتنده عليا، مين ده؟

كاد يجيب عن سؤاله بجلافة ولكنها سبقته بمكرها:

- دا البشهدنس معاذ اكيد شوفته جبل كدة، خد دوق التين ده، أصله احسن واحد يطلع الشجرة وينقي منها احلى تين، خد يا حازم خد.

تناول منها حازم فاردا كفيه يتلقاهم بترحاب، فيقرب احداهم من فمه يتذوقها بتلذذ قائلا له:

- حلوة جوي دي طازة ومستوية على اخرها

- ياللا بجى عشان تشكر بشمهندس معاذ، واسيبكم انا وامشي على درسي، عن اذنكم.

وهكذا تحركت ذاهبة من امامه، تاركته مزهولا امام هذه الفتى الذي تناول اخرى يردد بمرح:

- تسلم يدك يا بشمهندس، بصراحة مش عارف اشكرك ازاي؟ اسيبك انا كمان اتسلى فيهم براحتي في الطريق وانا مروح بيتنا.

تجمد معاذ يطالع ذهاب الفتى ثم ينقل بنظره نحو تلك الماكرة وقد تخطت نصف الطريق ليغمغم بغيظ وتوعد من خلفها:

- ماشي يا ليلى انا أن ما كنت اربيكي عليه المقلب ده، مبقاش انا معاذ .

حيث وجد هذا الشقي ملاذه الأمن عند احد الاصدقاء القدامى له، ليجد له حلا ويعالج إصابة القدم المؤلمة، فلم تتوقف عن النزيف حتى الأن رغم لفها بالعديد من الاربطة، والتي كان يرفعها الان المدعو جمعه حتى يقوم بتطهيرها:

- يخرب مطنك يا عطوة، دا الطلقه فاتت في القصبة وعدت منها.

- ما انا عارف يا زفت إنها عدت منها وربنا ستر ، كنت هلاجي منين دلوك حد يطلعهالي؟ اخلص ياللا شوف هتعمل ايه يخفف عني الالم .

تحدث جمعه وهو يتابع عمله بخبرة اكتسبها عبر سنوات عمله في المشافي الحكومية كممرض :

- يا سيدي هخلصك بس انتي اهدى كدة واتحمل ولا اتسلى معايا واحكيلي، ايه اللي عمل فيك كدة وانت مبطل الشقاوة بجالك سنين؟ عملية كبيرة وتستاهل انك تغامر ولا ايه؟

- هي فعلا كانت تستاهل مغامرة، بس مش فلوس يا وش الفقر، انا ربنا غناني اصلا من ساعة ورث ابوي بعد ما مات، لكن الحظ بقى، هو عملها وعاندني

اجاب سؤال صديقه وعيناه شردت إلى ما تحب:

- بطل يا واض، طول عمري شايفها وبتحسر على حظ اللي جاعدة في عصمته، ولما خلى الجو وجولت هانت لقيت اللي يتصدر زي جدامي كيف اللجمة في الزور،

- ايوة بقى جول كدة، يعني الموضوع في تاء التأنيث، مصيبة كمان تكون هي اللي صابتك؟

نظر له بصمت ابلغ من الإجابة ليضيف جمعة ساخرا:

- وه يا فقري، يعني صابت قلبك ورجلك كمان، طب اتحمل بجى جزاة الشجاوة.

قال الأخيرة ليضغط بالمطهرات في تنظيف الجرح والأخر يتأوه بألم مضاعف، حتى إذا انتهى من المرحلة الصعبة، خفف عنه ليلتقط انفاسه، قبل أن يعاود بسؤاله:

- طب انا دلوك بعد ما اخلصك هينفع تروح البيت ولا......

- انا اصلا جاي ع البلد هنا اختفي عندك لحد ما تخف، مينفعش حد يشوفني برجلي المتصابة، اكيد هتكشف ويعرفوني، دا انا ما صدقت اعرف اهرب بالمكنة قبل ما حد يشوفني ولا هي نفسها تعرفني، واهي فرصة عشان اعرف افكر زين في خطوتي الجاية.

اومأ جمعة يمط شفتاه بضجر لم يخفى على الآخر ليسارع بإرضاءه:

- اطمن يا حبيبي كله بتمنه، ما انا عارفك زي الموس طالع واكل نازل واكل ، مفيش حاجة عندك من غير تمن ، وخد يا اخوي ادي عربون.

تناول جمعة روزمة النقود الورقية ليفتر فاهه بضحكة سمجة يردد ضاحكا:

- ولزومو ايه بس الاستعجال يا حبيبي ما انت قاعد معايا، بيتك ومطرحك.

عاد إلى المنزل محملا بغضبه من تلك المتمردة وذلك المقلب الذي فعلته به، رغم قلقه عليها من الصباح وفعله المستحيل من اجل ان يراها، ولكن لا بأس سوف يأتي وقت حسابها وساعتها لن يتهاون، أو يجعلها تكلم فرد ما غيره.

تقابلت عيناه بخاصتي والدته وقد كانت جالسة في محلها المعتاد وسط الدار ، بصحبة منى التي تعمد إلقاء التحية عليها متجاهلا والدته والتي استفزها الأمر لتهدر به وتوقفه:

- استني عندك هنا ياض، فاكر نفسك هتخاصمني يا زفت؟ بقى دا الأدب مع امك ياللي متربي في الأزهر؟

التف اليها بعد فترة من التوقف، ليستجيب اليها بفتور مقارعًا:

- وايه اللي جاب سيرة التربية دلوك؟ هو انا غلطت فيكي يا حجة حسنية، دا انا حتى بريحك من وشي ، مش أنتي اللي جايلة بنفسك في آخر نقاش لينا، غور من جدامي مش عايز اشوف خلجتك.

- دا على اساس انك مخبيه دلوك يعني ما هي السحنة نفسها جدامنا اها.

هتف اسمها بغيظ قبل أن يتلقى الأمر من حسنية التي أشارت منه ليقترب ويجلس امامها حتى لا يصل إلى إلى الطابق الثاني حيث وجود هالة:

- اجعد يا بوز الاخص وخلينا نتحدت، مش عايزين صوتنا يطلع احنا مش ناقصين فضايح.

انفعل خلف كلماتها ليتوجه بالحديث نحو منى:

- طب اشهدي وشوفي بنفسك، حتى كلامنا خايفة المحروسة تسمعه، ليه يا ابوي هو احنا بنعمله حاجة غلط، دا جواز وكل واحد وليه نصيبه، موجفتش على فلانة ولا علانة

تكفلت منى بالرد عليه هذه المرة برجاحة عقلها:

- بلاش غشم يا معاذ وخليك فهيم، اعتبرها مراعية لمشاعرها، أو حطها في مبدأ داري على شمعتك تجيد يا اخي، انت مخك ضلم كدة ليه يا واض؟

زفر يشيح ببصره عن الاثنتان، مربعا ذراعيه حول صدره بعبوس كفعل الأطفال، حتى جعل والدته تعلق شاكية شقيقته:

- شايفة بنفسك اها، وهو بيتجمص لي زي العيال ، بالزمة دا فعل كبار؟

رمقها بنظرة غاضبة لا تخلو من عتاب يعلم حجم تأثيرها جيدا على والدته التي تدخلت في الموضوع مباشرة في الموضوع محل الخلاف:

- طب اسمعي انتي مني يا كبيرة يا عاجلة، مهما كانت البت حلوة ولا مأدبة، ولا امها حتى ست الستات، برضو انه جاعد اهم عيب فيها، اللي هو ابوها، دا اللي هتحط يدك في يده، بالذمة دا ينفع نسيب؟

- مليش دعوة بيه، وحتى لو حصل واتجبرت اتحمل احط يدي في يده عشانها، عشان البت الوحيدة اللي حبيتها، ليلى هي الوحيدة اللي قلبها شاور عليها، دا حاجة من عند ربنا

تعلم جيدا انه يابس الرأس وعنيد كالجدار، ولكن لا بأس أن تحاول استدراج عاطفته:

- وبت عمك إسراء يا ولدي، دي تجريبا مكتوبة على اسمك، مين هيرضي يتجدملها بعد ما......

تمتم بها بلهجة حازمة حتى تتوقف:

- سيبك من الالاعيب دي يا حجة حسنية، عشان انا بت عمي متكلمتش عليها ابدا، أمور الجواز زي جسمة ونصيب، ومش انا اللي هوجف حالها عشان هخطب غيرها، عشان هي كمان هتلاجي اللي رايدها.

دعمته حتى تقطع الطريق على والدتها:

- اكيد طبعا، محدش نصيبه بيوجف على حد، واسراء جميلة وتستاهل تتجوز واحد يحبها، مش ياخدها عشان الخوف من كلام الناس وحديتهم.

حدجتها حسنية بضيق، فقد كانت تأمل الدعم منها في اقناعه لا ان تقف بصفه، وقد ارسلت اليها مسبقا في هذا الشأن، الأمر الذي جعل الأخرى تضحك ساخرة تردد بخبث:

- سامحيني يا حجة حسنية، غلبتني مشاعري ونسيت اللي كنتي موصياني عليه، انا من الاول عارفة نفسي منفعش ابقى واسطة في اي حاجة يا بوي.

وأكملت ضاحكة لتكمل على غيظ والدتها التي فقدت الأمل منها لتأتي بالاخيرة:

- طب سيبك مني ومنها، ابوها نفسه اللي بيكره اخوك كره العمى، تفتكر هيرضى يوافق عليك؟

بشي من الثقة التي اعتاد عليها من الاخر رد يجيبها:

- انتي بس جولي امين وسيبك من الأمر التاني، انا متأكد ان حمزة اخوي هيعرف يلاجي حل.

- ايوة صح هو فينه حمزة، انا مش شايفاه خالص من الصبح؟

- لا جه، رجع بعد مشوار مزيونة واللي حصل معاهم، دخل اوضة مكتبه وطلع بعدها بدقايق ومن بعدها محدش شاف وشه تاني.

داخل منزل مزيونة مع ابنتها وقد انفض جمع البشر التي كانت تتواتر افواجا على المنزل، ولم يتبقى سوى هي وابنتها في المنزل الذي اختراته لحريتها رغم أنف الجميع والحاح شقيقها الذي كادت ان تصبح خصومه بينها وبينه اليوم لاصراره الشديد على اخذها هي وابنتها معه إلى منزله، ولكنها ثبتت على موقفها مستعينة بمعزتها الكبيرة عنده، ورغبته الدائمة في ارضاءها ولو على حساب نفسه

ابنتها في داخل الغرفة التي خصصتها لها كي تستذكر دروسها وهي في المطبخ تعد الطعام من اجل التحضير لوجبة العشاء، حتى وصلتها اصوات ضجيج لبشر ومرور أشياء كبيرة، كانت تقترب ويعلو وصوتها اكتر حتى صارت تشعر بها داخل المنزل او خلفه على الأكيد الأمر الذي جعل ليلى تخرج اليها من الغرفة هاتفه:

- اللحقي يا أمه بشر كتيرة، وعربيات نقل كبيرة محملة بالرمل والأسمنت كلهم عمالين يفضوا ورا بيتنا، شوفتهم بيعيني من شباك الاوضة اللي بذاكر فيها دلوك

قطبت مزبونة تردد خلفها بتساؤول:

- لودرات واسمنت، دا مين دا اللي هيبني جنبينا؟

غلبها الفضول والارتياب، لتخرج بعدها بلحظات قليلة تلف طرحتها حول وجهها، حتى تستكشف ذلك الأمر.

لم تخطو سوى خطوتين خارج المنزل بحرص حتى وصل لأسماعها ذلك الصوت الذي اصبح مألوفا إليها هذه الايام:

- بلاش تبعدي اكتر من كدة، الرجالة كتير وعيونهم كيف الرصاص

التفت اليه تخفي إجفالها، بعد أن تفاجأت بقربه من مدخل المنزل وكأنه كان في انتظارها، فخطا يقرب المسافة اكثر حتى أصبح مقابلا لها قائلا:

ابتعلت بخجل تحاول اخفاءه، ثم تماسكت لتلقي بأسئلتها:

- ايوة طبعا عندي استفسارات وأسئلة كمان، ايه اللي بيحصل في الأرض دي؟ وأصحاب الأرض اللي نعرفهم فينهم؟ انا مش شايفة ولا حد فيهم؟ و..... وبس كدة.

يعلم ان سؤالها الاخير يتعلق به وعن وجوده الان، ولكنها كالعادة تبتعد عن أي شيء يخصه، ليتغاضي الأن فيجيبها بتفصيل:

- اولا يا ست مزيونة، مالك الأرض الجديدة بعد الناس اللي اشتروها منكم، يبقى انا دلوك، والناس والهيصة اللي حواليكي، فدول عشان البيت الجديد....... اصل انا نويت ابني بيت كبير هنا يبقى ليا خاص انا وولدي، اصلي ملجيتش احسن من الارض الزينة دي والهدوء.

سألته بعدم استيعاب ولهجة يملؤها الشك ليعود اليها موضحًا:

- لا بصراحة هو مكنش فجأة لان انا بجالي فترة وانا الموضوع في مخي، ربنا وفقني واشتريت الأرض من صحابها، والنهارده زي ما انتي شايفة، جايب المعدات والرجالة عشان يجهزوا حاجتهم للبنى من بكرة.

لماذا تشعر أن الأمر له علاقة بما حدث معها، ولكن لا، هي لن تعطي فرصة للتأويلات بعقلها، ولابد أن يتم تصرفها بما يناسب الحدث:

- الف مبروك طبعا، بس انا كنت عايزة اعرف، انت خدت الحتة اللي جمبنا بس ولا اشتريت كمان من الزرع

دار بإصبعه السبابة بدائرة امامها يجيب:

- كل الزمام اللي جدامك بقى بتاعنا، ملك عيلة القناوي، الأرض والبيت اللي هيتبني جمبك، لأنه ممكن كمان يبقى اكتر من بيت وتتعمر حواليكي اكتر

تمتمت بها، وتساؤل حول مقصده منها، فاستدركت سريعا لحقيقة الوضع قائلة:

- ارجع تاني اباركلك، بس معلش يعني هو الخبط والرزع هيجعد طول الليل .

ابتسامة رائقة اظهرت صف اسنانه الامامية البيضاء لتشرق بوجهه قائلا:

- لا طبعا هما بس يخلصوا التجهيز لأول يوم بناء بكرة، بكتيره ساعتين ويروحوا العمال وسواقين النقل، هيفضل بس الغفر اللي هيسهروا طول الليل، حراسة على المعدات، كلهم رجالتي على فكرة ومزارعين في ارضي، يعني لو عوزتي حاجة تطلبها منيهم بكل امان .

الونس، لقد خلق الونس، على الرغم من انها لم تطلبه او كانت تدعي الاستغناء عنه، ولكنها لا تنكر أن تسلل إلى قلبها ارتياحًا خلف كلماته، ومع ذلك لا يمكن لها ان تنجرف وتعطي الموضع اكثر من حقه.

- متشكرين جوي، عن اذنك بقى وربنا يديكم العافية

همت ان تتحرك الا انه اوقفها قائلا:

- على فكرة انا كنت في المديرة من ساعة، هما لساهم بيبحثوا ويقارنوا نتيجة التحاليل لعينه الدم اللي خدها الظابط مع المجرمين اللي يعرفوهم ولسة لحد دلوك موصلوش، بس انا وعد عليا اجيب ابن الفرطوس ده لحد عندك وتحت رجلك كمان.

برقت عينيها في الاخيرة لتوميء رأسها، وتستدير ذاهبة من امامه بخطوات سريعة مهروله لتبتعد عنه وعن محيطه، ثم تدلف داخل منزلها وواحة امانها ، ولكن وقبل ان تغلق بابها عليها، وجدت امامها ابن شقيقها وصفي، حازم يخاطبها:

- عمتي ابويا بيقولك البسي عبايتك وتعالي على البيت ، بيتنا يعني

وصلت الى منزل شقيقها لحضور الجلسة التي طلبها الشيخ خميس والحاج جاد والمحامي المخضرم، بناءا على طلب من ذلك البغيض الذي كان يجلس امامها الان، ناظرا بجمود ليس بغريبا عنه، تجاهلته ملقية بالتحية، ونظرها نحو اصدقاء والدها وشقيقها الذي امسك يدها بدعم يجلسها بجواره

- اجعدي يا بت ابوي اجعدي، خلينا نشوف ايه اخرتها

- خير يا شيخ خميس، بعتينلي كدة في الليالي الأمر ضروري

- أن شاءالله خير يا حرمنا المصون سابقا، بس انا بلغني عن اللي حصل في الليلة اللي فاتت عندكم وقصة الحرامي وضرب النار.

زوت مزبونة ما بين حاجبيها بحدة تريد ايضاحا اكثر:

- وماله يعني ما هي كانت ليلة وعدت على خير الحمد.لله، أيه المطلوب دلوك؟

- المطلوب بتي يا مدام، انا مأمنش اجعد عليها في منطجة غير امنة على رأي القانون.

- نعم! بت مين اللي انت عايزها؟ هو انا اطلجت ليه اساسا مش عشانها تيجي دلوك تقولي اطلبها، ليه هو لعب عيال.

صرخت بها موجهه ابصارها على باقي الحضور وقد خيم الصمت عليهم، فواصل عرفان بقوله:

- مكنش لعب عيال يا مدام، بس انا اب ومن حقي ابقى مطمن على بتي، مش عايزة افرض طبعا لو الحرمي أتمكن ودخل على اتنين ولايا، كان هيبقى فعله ايه؟

يبقى من حقي لحمي، ولو مستغنيه عن عمرك، انا مش مستغني عن بتي والقانون في صفي على فكرة

رواية لاجلها الفصل الحادي عشر

كلما همّت أن تطوي الصفحة، انتفضت السطور القديمة تصرخ فيها بأسماء الألم،

وكلما شدّت الرحيل، مدّ ماضيها يده من العتمة، يمسكها كما يُمسك السرطان بقلب الحياة.

تحاول النسيان، تُقنع قلبها أن الحياة تمضي،

لكن الماضي بارعٌ في التمثيل، يتزيّن بثوب الفرصة الثانية،

ويخفي أنيابه خلف وعودٍ ناعمة... ملساء كالسم.

تتخبّط بين عقلٍ يعرف الحقيقة وقلبٍ يخذلها كلما نظرت في عيني ابنتها.

تريد أن تقف... أن تقول: "انتهى"

لكن النهاية ليست لها، بل لمن يملك الكارت الذهبي: طفلتها.

فلم يكن يومًا وطنًا، بل كان منفى.

تبحث عن قطعة أرض لا يطالها الخراب.

المراجعة والخاطرة للجميلة بزيادة اوي #سنا_الفردوس

.................................

ثلاثة أيام مرت عليه في بناء المنزل المجاور لمنزلها، رجال يعملون دون توقف حتى أنجزوا جزءًا لا بأس به من الأساس، وبعض الحوائط تم بناء نصفها. يمر يوميًا صباحًا ومساءً لمباشرة العمل، وكي يتخذها حجة للقاءها أو حتى رؤيتها، ولكن هذا لم يحدث سوى مرة أو مرتين بصعوبة؛ مرة حين أبصرها وهي تلقي شيئًا ما من فوق سطح المنزل، ومرة أخرى وهي تودّع إحدى النساء من أقاربها. وفي المرتين لم تُعجبه، لم يرَ بها شعاع التحدي وتلك العزة التي تميزها. هناك خطبٌ ما لا يعلمه.

حتى ليلى، الجميلة الصغيرة، حين تمر عليه أثناء ذهابها للمدرسة أو دروسها بعد ذلك، ملامحها منطفئة، فاقدة للإشراق الذي عرفها به. كم ودّ أن يُحادثهما مباشرة ليعرف السبب. حتى وصفي مختفٍ هو الآخر في عمله خارج المحافظة. تقتله الحيرة، وتطيح الظنون برأسه، وإن تحدّث عمّا يقلقه مع شقيقه الذي يعنيه الأمر هو الآخر، لا يضمن رد فعله المتهور الذي قد يفسد كل شيء.

لذلك، قرر اليوم استخدام عقله بشيء مختلف، ربما يأتي بنتيجة؛ حجة تمكّنه من طرق باب المنزل بعذر حقيقي.

فتح باب المنزل الحاجز بينها وبينه، ليملي عينيه بالملامح الفاتنة فور أن أطلت أمامه.

– صباح الخير، عاملة إيه يا ست مزيونة؟ ألقى التحية قبل أن يُردف أمام عينيها المتسائلة: – دا ريان ابني على فكرة.

أشرقت فور أن علمت بصِفة الصغير، ليفترّ ثغرها بابتسامة غابت عنها لأيام، ترحب به: – يا أهلاً بريان باشا، بسم الله ما شاء الله عليه، دا راجل كبير أها! ليه بتقول عليه صغير؟

تبسّم بملء فمه وهو يراقبها تضم صغيره إليها وتقبله، دخل في قلبه شعور بالسعادة حاول السيطرة عليه، حتى استعاد اتزانه بنبرة جعلها عادية في مخاطبتها: – آسف لو خبّطت من غير استئذان، بس أنا باستأذنك تخليه معاكم النص ساعة دي على ما أخلّص مع الرجالة اللي شغالة برّه، وآخده وأروح بيه. المنطجة جديدة عليه، ومفيش حد من سِنّه يلعب معاه..

همّت أن تُجيبه بالموافقة، ولكن سبقها الصغير بقوله: – ما أنا بقولك أشتغل معاهم، إنت اللي مش راضي، فاكرني صغير.

اتسعت ابتسامتها ردًا على ذاك المشاغب الصغير: – يا بوي، ما أنا بقول كبير وراجل! بس مفيش مانع لما تآنِسنا وتشرفنا يا أستاذ ريان في بيتنا المتواضع، ولا إيه رأيك؟

طفا على وجه الصغير بعض الخجل، ليثير دهشتها في موافقته بإيماءة من رأسه، فهتفت منادية لابنتها: – بِتّ، يا ليلى، تعالي هنا.

أتت الأخيرة على النداء، تقابل ريان ووالده مهللة ببشاشة: – عم حمزة! ومين العسل اللي معاك دهِ؟ – والله إنتِ اللي عسل يا بنيتي. تمتم بها حمزة قبل أن يأتي الرد من والدتها: – دهِ ولده ريان يا ليلى، جاي مشرفنا النهارده شوية، إيه رأيك بجي؟

– وه، دا يآنِس ويشرّف طبعًا، وإن ما شلتوش الأرض تشيله عنينا.

وهكذا كان ردها، في سحب ريان من يده لدخول المنزل، فتيبست قدماه هو عن الذهاب، ليتحمحم يجلي حلقه قائلاً: – كنت عايز أسألك، لو الأصوات أو الرجالة حد ضايقك فيهم، أنا مش هتهاون مع أي حد.

نفثت معبّرة عن امتنانها: – لا والله، ما في حد فيهم اتجرأ ولا بص حتى. دا عم مغاوري كبير الغُفر، جاعد فوق راسهم زي الددبان، تسمع غير زعيجه فيهم. رغم إني لما اتعاملت معاه مباشر امبارح وأنا طالعة أجيب خضار، كان في منتهى الزوق والاحترام، وهو بيحلف عليّا ويصر إني أرتاح، وخد مني الفلوس وبعت حد من العيال اللي شغالين معاه، راح هو واشترالي اللي عايزاه، بصراحة راجل محترم، الله يبارك له.

اجتاح حمزة شيء من الفخر نتيجة كلماتها، يغمره الارتياح لاختياره المميز لرئيس عماله في الأرض أن يكون هنا، ويتحمّل المسؤولية في حمايتها ورعايتها هي وابنتها بصورة غير مباشرة. ولكن فرحته كانت منقوصة بذلك الحزن الذي يراه ساكنًا بعينيها: – إنتِ في حاجة مضايجاكي يا ست مزيونة؟

حرّكت رأسها بنفي سريع: – لاه، ليه بتجول كده؟ – بجول كده عشان شايف بعيني، دي مش طبيعتك أبدًا، وآسف يعني لو بدخل.

طرقت برأسها بصمت جعله يفهم أنها لا تريد الإجابة، ليضطر للاستئذان، وداخله يقسم على معرفة السبب الذي أدى بها إلى ذلك. لهذا لم يكن غريبًا أن يهاتف شقيقها فور أن ابتعد عن المنزل: – أيوة يا وصفي، إنت جاعد فين؟ نعم، يعني جاعد في بيتك دلوك... راجع من الشغل؟ طب استناني، جايلك حالًا. أنا عايز أشوفك النهارده ضروري.

في منزل عرفان حيث صفا، التي تعمل في تنظيف منزله، بغلٌ يجعلها تفتعل الإزعاج عن قصد، فكانت تدور كالنحلة حوله، وهو جالس في هذا الوقت يدخن أرجيلته ببرود وتجاهل، ينفث الدخان في الهواء غير عابئ بها ولا بالنيران التي تحرق أحشائها منذ ثلاثة أيام، منذ معرفتها بالعرض الذي عرضه بشهادة الأربعة رجال حتى يلين رأس الملعونة غريمتها. قلبها يسقط أسفل قدميها كلما راودها هاجس موافقتها والعودة إلى عصمته. سوف تكون سيدة الدار هذه المرة، سترد ما ظلت تفعله بها هي وابنتها على مدار سنوات. يا إلهي، إنه أسوأ كوابيسها... أن تعود لتلك النقطة السوداء.

أن تفتعل جريمة خيرٌ لها من أن يحدث ذلك، حتى لو اضطرت لقتلها...

دوى صوت تهشيم الزجاج الذي تحطّم بين يديها، ليسقط أسفلها على الأرض بصورة أجفلت عرفان وجعلته يتخلى عن بروده في أن ينهرها: – الله يخرب مطنك يا بعيدة! خيبتي يا مرة، إنتِ تكسّري جزاز النيش؟ دا لو عيّل من عيالك اللي عملها، ما حد كان جاب صوتك دلوك.

دنت تميل نحو الكاسات المتناثرة على الأرض وتلملمها، تبرّر فعلها بهدوء مستفز: – باب النيش اتقلع في يدي وأنا بمسحه، وطيح الكام كاسة دول من غير جصد، حاجة مش مستاهلة أعصّب عليها نفسي أصلًا.

– وُووه... تمتم بها بذهول، يضع كفًّا فوق الآخر مردفًا: – اسم الله على العجل والكمال، طب ربنا يديمها عليكي يا أختي، بس أنا مش هدفع ولا مليم في تصليحه، واللي كسر حاجة يتكفّل هو بيها بلا جرف!

ختم كلماته ليعود إلى جلسته الأولى في تدخين الأرجيلة، ينفث بها غضبه، أما هي فقد فاض بها لتترك كل شيء من يدها، وتندفع إليه بسؤالها:

– طب أنا عايزة أتأكد من الأخبار اللي وصلتني، ولا ريّح جلبي وكدّبها أحسن... إنت صحيح ناوي تردها بالوعود اللي سمعتها؟ ولا هو تأليف من الناس، بيزودوا وينجصوا فيه من عندهم عشان يفرسوني؟ إنت لا يمكن تبقى مغفل كده!

– مغفل؟ غمغم بها محدّثًا نفسه، ثم رفع عينيه بعدها إليها بوهج الخطر، مردفًا: – لا صدجي يا صفا، أنا راجل مغفل وجابل أكون مغفل، ولو إنتِ مش عاجبك تبقي مرة المغفل، يبقى لمّي عيالك وهدومك وغوري وسيبيه، الباب مفتوح على آخره.

اهتزت في وقفتها وكأنها ضُربت بمطرقة حديد على رأسها، لا تستوعب سهولة نطقه لها. أيُعقل أن يستغني عنها بحق؟ – ألمّ هدومي وأمشي أنا وعيالي يا عرفان؟ للدرجادي إنت بايع؟ وأنا اللي من يوم ما اتجوزتك جايدة صوابعي العشرة شمع! جالك جلب يا عرفان...

– يــوه... لفظ بها مقاطعًا نحيبها، يُلقي بالأرجيلة أرضًا ليضاعف من صدمتها: – جايدة في صوابعك ولا في يدك حتى! أنا جيبتلك النهاية، وإنتِ ليك القرار... بلا وجع دماغ!

توقّف برهة قبل أن يغادر، يطالعها بنظرة غامضة مردفًا: – بس الحق يتجال، أنا نفسي مستغرب شوقي اللي جدّ فجأة لمزيونة بعد سنين كتير كنت مدفي فيهم في حضنك، سايبها ومش شايفها أصلًا، رغم إني متجوزها وأنا ميّت عليها من الأساس. طب إيه اللي كان عامي عنيا، تفتكري؟... يكونش كان مسحورلي؟!

صفعها بالأخيرة، لتبرق عيناها نحوه وكأنه وجّه اتهامًا مباشرًا إليها. عيناه تناظرانها بتحدٍ في انتظار نفي أو تكذيب يضحض كل ظنونه. ولكن للأسف، ذلك الهلع الذي ارتسم جليًا على ملامحها ضاعف من الشكوك داخله. لينتفض في الأخير تاركًا إياها، وتسقط هي بثقلها جالسة على الأرض الرخامية، وقد خارت قواها، ولم تعد قدماها تساعدانها على الوقوف.

...............................

بتجول إيه؟ عرفان مين دا اللي يردّها من تاني؟ إنت واعي للكلام اللي بتجوله من أساسه؟

هتف بها بغضبٍ أخرق نزع عنه صفة الحرص التي يتّبعها دائمًا، والرزانة في تحليل أمرٍ من المفترض ألّا يخصه، بعد سماع حديث وصفي، والذي عقّب هو الآخر ببعض العتب:

وه، خبر إيه يا حمزة؟ يعني هكون شارب مثلًا ولا متعاطي؟ أنا بجولك على اللي حُصل، عرفان لم الرجالة يشهدهم ويخرصني ويخرص أي حد بكلامه المترتب، الراجل جه وراصصهم، دي مزيونة اللي كانت هتهب فيه في أول الكلام، هي نفسها اتبرجلت، رغم إني عارف إنها مش بتطيجه، لكن متأكد برضه إن لأجل مصلحة بتها، ممكن ترمي نفسها في النار.

ارتجف قلبه من الداخل، أيُعقل أنها بالفعل تفكر في العودة؟ أن تكون قد بلعت الطُّعم من هذا الماكر؟ اللعنة، الآن قد يجزم أن عاطفتها القوية نحو ابنتها قد تقودها للهلاك.

طب أنا عايز أعرف دلوك، هي وافجت ولا لسه بتفكر؟ وعندها نية... للموافقة؟

وجّه سؤاله بحسم نحو وصفي، والذي أجابه بتشتّت هو الآخر:

بصراحة معرفش، لأنها ساكتة وبتفكر من يومها، مسكينة، الحيرة واكلّاها ما بين مصلحة بتها والعيشة مع واحد كارهاه بقالها سنين.

انتفض حمزة ناهضًا من جواره بثبات يُحسد عليه، رغم العواصف التي تضربه من الداخل، توشك أن تجعله يخرّ راكعًا من أجلها حتى لا تفعلها وتقضي عليها وعليه، ولكن ما الفائدة؟ والآخر يملك الكارت الذهبي... وهو ابنتها. أما هو، فماذا؟

تحمحم يجيب وصفي بنبرة عادية أتقنها:

ورايا مشوار مهم للمديرية في قنا، عايز أخلّصه بدري، بس قبله هروح أطّل على الرجالة والشغل عشان أروّح ولدي كمان، أسيبك إنت ترتاح ونتلاجي العشيّة إن شاء الله، عن إذنك بجى.

أما عنها، وقد كانت تتابع الصغير في هذا الوقت ومشاكسته مع ابنتها، التي غمرها الفرح بوجود من يؤنس وحدتها اليوم. لطالما تمنت أن تنجب أشقاءً لها، بعيدًا عن أولاد صفا التي تكرهها وكرهت الأطفال بها.

طفلتها الوحيدة، التي تحارب الدنيا بمن فيها من أجلها، تقتلها الحيرة منذ أيام من أجلها أيضًا. عرفان الذي قدّم عرضه، فاتحًا صفحة جديدة أمامها لمستقبل ابنتها، التي تتمنى رفعتها ولو على حساب كرامتها وعمرها أيضًا، ولكن...

عادت تشرد في حديثه، تستعيد كل حرف دار في تلك الجلسة حينما صرخت به:

(- يعني إيه القانون في صفك؟ هو إنت تعمل ما بدالك وتقول إن القانون في صفك! أنت من ساعة ما طلجتني أديلنا شهور، سألت ولا حتى شوفت اللي ناجصها، رغم إنك عارف تعليمها ومصاريفها اللي بالآلفات؟ دلوك افتكرت إنها بتك؟ هو إنت كنت أب ليها وأنا على ذمتك، عشان تبجى وأنا مطلجة منك؟)

كان انفعالها يبلغ أقصاه، هذا المتبجح يساومها على ابنتها وكأنه يقتلها بدمٍ بارد، ليظل على صمته وهدوئه متابعًا همهمات الرجال ومحاولاتهم تهدئتها:

اهدي يا خيتي، ليجرالك حاجة، بتك ملهاش غيرك زي ما جولتي.

اسمعي كلام أخوكي يا مزيونة، العصبية الشديدة دي غلط عليكي يا بتي.

يعني إنت عاجبك يا شيخ خميس إنه جاي يستغل موجف زي دهِ وحاجة مش في يدي؟ عاجبك يا عم جاد؟ عاجبك يا أستاذ نعيم؟

في هذه اللحظة تحدث عرفان، يصدم الجميع بكلماته:

أنا مش جاي أستغل ولا أَنبّك، أنا جاي أتصرف بناءً على اللي تم وحصل، أب وخايف على بته يا ناس. زي ما إنتي جلبك طاوعك تطلّعي السلاح على ابن الفرطوس اللي كان جاي يتهجم على البيت، أنا كمان جلبي واكلني من ساعة ما عرفت، وأنا لا على حامي ولا على بارد، مكتش سائل في البت، عندك حق. اعتبريني كنت غفلان ولا معمي بغضبي منك. لكن دلوك لاه، بعد اللي حُصل لاه، بتي لازم تبات في حضني يا مزيونة، أنا مش هستنى لما تحصل مصيبة.

توقف برهة عن متابعة خطبته العصماء يراقب رد فعلها، والهلع الذي غامت به ملامحها، صدرها الذي يصعد ويهبط بتسارع يثير تسليته، ليردف بعرضه ولهجة ناعمة ورزينة، لا تليق به:

عشان أختصر عليكي وعليا يا بت الناس، أنا جايب الرجالة دلوك أشهدهم جدامك، بنتي هدخلها أعلى الكليات، وكل اللي تعوزه من مصاريف لمدرستها أو لدروسها عليا، لا هجوّزها صغيرة، ولا هجبّرها على أي حاجة مش عجباها. بس إيه بجى؟ وهي في حضني، بين أبوها وأمها... أنا كنت جوزك وهفضل أبو بتك يا مزيونة، وإن كان تم طلاج ما بينا، فسهل جوي نرجع من تاني، إحنا مش أول ولا أخر ناس، وليكي عليا إثبات لحسن النية: مهر جديد، وشبكة جديدة، وحساب في البنك تضمني بيه تعليم بتك من بكرة حتى لو أنا رجعت في كلامي. إيه رأيك بجى؟ أنا كده عدّاني العيب يا جماعة.

عادت من شرودها تنفض رأسها من تلك الأفكار التي تحتلها، تريد الراحة والوصول لقرار سليم، تضع مصلحة ابنتها قبل كل شيء. لقد احتملت التهميش والذل لعدد من السنوات في منزله من أجلها، ولكن الأمر هذه المرة يخالف كل ما سبق، هذه المرة يريدها بالفعل، ترى الرغبة في عينيه بوضوح.

قبل ذلك كان المرض حجتها، كما أن صفا لم تُقصر في إبعاده بكل الطرق، وهذا ما كان يريحها رغم بغضها لأفعالها.

أما الآن وقد وعَت على غرضه الأساسي من عودتها إليه، كيف لها أن تحتمل معاشرة رجل مثله؟ رجل تقوده غرائزه، ولا يعرف معنى الرحمة في ذلك؟ إذن، ماذا تفعل؟ وهي مخيّرة بين مستقبل ابنتها وبين دفن نفسها مع رجل تكرهه؟ وإن صممت على رأيها، لن يتوقف عن تهديدها، وربما اتخذ حجة البيت القديم ذريعة أمام المحكمة ليضم صغيرتها إليه، اللعنة إن حدث ذلك!

استفاقت من شرودها على صوت حمحمة رجالية خشنة، أصبحت تعلم صاحبها حتى قبل أن يصدر صوته:

سمع الصغير صوت والده، فانطلق على الفور كي يتلاقاه عند مدخل المنزل:

قطعت بخجل حينما انفتح الباب فجأة، وظهرت بشعرها المنطلق أمام عينيه المتفرسة، قبل أن ترمي عليه طرحتها، مما أثار في قلبه مرحًا أخفاه في ضيق زائف، يوبّخ ابنه بلطمة خفيفة على رأسه من الخلف:

مش تخلي عندك ذوق يا حمار؟ دي عمايل رجالة ياض؟

خرجت إليه وقد أحكمت حجاب رأسها، تدافع عن الصغير:

لاه عاد، ريان عسل، متجولش عليه حمار. بس هو المرة الجاية هياخد باله وميفتحش غير لما يطمن إن الحريم مغطّين راسهم، صُح يا ريان؟

على قدر سعادته بقولها، وبعلاقة الحب السريعة بينها وبين طفله، على قدر خوفه من تبخّر أحلامه في الهواء، حتى عبّر عما يعتريه من توجّس مرددًا:

يعني إنتي واثقة إنه هيكون في مرة جاية؟ ولا هو كلام مرسل وفي يوم وليلة نتفاجئ إن البيت رجع مهجور من تاني؟

ذوّتت ما بين حاجبيها قليلًا، بتساؤل جعله يردف موضحًا:

أنا كت مع وصفي من شوية، وعرفت منه عن عرض عرفان اللي عايز يردّك ليه من تاني.

أومأت صامتة بحرج شديد، غير قادرة على مواجهة عينيه، لتضاعف من ظنونه، والهواجس التي تكتسحها.

أم ليلى، أنا بسألك على فكرة... هو إنتِ صُح ناوية ترجعي للراجل ده؟

أيضًا لم تجبه، أو هي بالأصح تبحث عن إجابة. ثقل ما تشعر به الآن أمام هذا الرجل كحمل الأحجار فوق الصدر، ولماذا معه هو فقط تكتنفها تلك المشاعر؟ لا تعلم. ليتَه ما عرف.

حاولت إجلاء صوتها والسيطرة على توترها لتردف وهي تجمع الكلمات بصعوبة:

أنا لسه بفكر، وأشوف يعني اللي فيه المصلحة ليا أنا وبتي.

مصلحة إيه؟ وهو في أصلًا مصلحة مع الراجل العفِش ده؟ عرفان ده اللي...

توقفت الكلمات في حلقه فور أن وقعت عينيه على ليلى، التي وقفت بالقرب تتابعهم، وحيرة رسمت الهمّ بوضوح على ملامحها البريئة. إن استمر وأخرج ما بصدره سيُصبح أمام نفسه رجلًا ندلًا، لذلك لم يجد أمامه سوى الانسحاب، يجرّ أقدامه بصعوبة، يتظاهر بالقوة، وداخله على وشك الوقوع بلمسة. كيف السبيل أمام هذا الأمر الجلل؟

....................................

وقد استبد الفضول بهالة، وهي تراقب عبر الشرفة الأمامية لمدخل المنزل الجلسة التي تجمع حسنية بابنتها المميزة منى، ومعاذ في ركنٍ ما من الحديقة.

يجتاحها الشك بأن أمرًا ما يُدبَّر خلف ظهرها، وهذا التكتم يجعلها على وشك الجنون. حاولت عدة مرات استدراج حسنية، ولكن الأخيرة كانت تتحفها بردودٍ عادية لا تصدقها. حتى حينما تفرض نفسها وتجلس معهم، يتوقف الحديث، وينهض معاذ بجلافة واضحة حتى يحرجها، ومنى تلك المتلونة التي تتلاعب بالكلمات كي تزيد من جنونها. ولكن إلى متى؟ لا بد أن تعرف، ستموت قهرًا إن لم تصل إلى الحقيقة في أقرب وقت. إذًا، لن تتوقف عن المحاولة، حتى لو وصلت لقراءة حركة الشفاه، كما تفعل الآن بتركيزٍ تام، حتى حينما وصل إلى مسامعها صوت من يناديها:

تعالي شوفي بتك دي، يا ست البرنسيسة هاااله!

جاءت الأخيرة دفعة تُفيقها من شرودها، لتفاجأ بزوجها يلقي بكراسة الأنشطة المدرسية أمام عينيها فوق سطح سور الشرفة، مردفًا، كازًا على أسنانه:

اتفضلي يا مدام، كراسة البت. حلي معاها الواجب وذاكريلها، بدل ما إنتي جاعدة متنحة في خلق الله... خبر إيه؟

انتفضت بخوف من هيئته، لتتناول الكراسة وتحتضنها وتجذب يد ابنتها منه:

حاضر يا خليفة، ما هي ما جتش ولا جالتلي.

وهي لا جياكي عشان تجولك؟ ولا إنتي أصلًا فاضيالها عشان تعسي وتشوفي بنفسك مذاكرتها ومذاكرة إخواتها؟ دي بطت حاجة تخنق!

أنهى توبيخه والتف مغادرًا دون انتظار تبريرٍ منها، وكأنه قد سئم وحفظ كل الحجج التي تأتي بها، لتزفر في أثره بضيق، ثم تتحرك ساحبة ابنتها بعنف:

تعالي يا آخرة صبري، ما أنا عارفة إن الشجا معاكم ما بيخلصش أبدًا... تعالي يا بت.

اقتربت بها إلى أحد المقاعد، لتجلسها أمامها وتبدأ مساعدتها في حل المسائل. اندمجت معها لبعض الوقت حتى انتبهت إلى قدوم حمزة ابن عمها وولده مترجلَين من السيارة، فنهضت لاستقبال الطفل، في حين غيّر والده طريقه متجهًا إلى الطاولة التي تضم والدته وشقيقيه، ليشاركهم الحديث السري على ما يبدو، أمام ناظريها.

رياااان، حبيب عمتو هالة! عانقت الطفل وقبّلته عدة مرات على وجنتيه، رغم خجله منها، ثم سحبته معها حتى أجلسته بجوار ابنتها، لتبدأ في استدراجه:

هااا، جولي بجى يا بطل... إيه رأيك في بيت أبوك اللي بيبنيه؟ حلو زي بيتنا كده ولا عفِش؟ بحماس طفولي أجابها ريان:

طبعًا حلو جوي، أمال إيه؟ ووااااسع، وحواليه سور كبير الرجالة خلصوا نصه في البنا!

سور كبير وواسع؟ على العموم، مهما كِبِر مش هيبقى زي بيتنا دِه... دِه بيت العيلة! وأنت أصلًا مش هتسيبنا، ولا هتخلي أبوك كمان يسيبنا... صُح ولا لاه يا ريان؟

أومأ برأسه يُراضيها، غافلًا بعقله الصغير أنها تتحدث بإصرار حقيقي، وسرعان ما استدركت حالتها، فغيّرت دفة الحديث بمزاحها:

كل الوقت ده جضيته عند العمال والرجالة؟ كنت بتلعب في الزرع ولا بترفع الجُصعا معاهم؟

والله يا عمتي هالة، كنت عايز أرفع الجُصعا محمّلة بالإسمنت وابني معاهم، بس أبويا مرضيش! جالي: "هتوسّخ هدومك"، وراح واخدني من يدي ووداني عند خالتي مزيونة، قعدت ألعب معاهم، هي وليلى، واتغديت معاهم، وكلت تين ونبق و...

هتفت بها، توقف استرسال الصغير واندفاعه، غير منتبهٍ لعينيها التي جحظت، وقد بدأت الخيوط تتجمّع في رأسها:

هي خالتك مزيونة دي... جدتك زارتها جريب مع أبوك، صُح؟

وساكنة لوحدها ولا معاها ناس تانية؟

لا، مفيش حد معاهم، والمنطجة كلها مفيهاش غير بيتهم.

تمتمت بها، لتأخذ قرارها على الفور. توجهت نحو ابنتها بعجالة وأعطتها الكراسة في يدها:

خدي يا بت كراستك دي واطلعي استنيني فوج، يلا، أنا هحصلك مش هعوّج... يلا!

تذمّرت الصغيرة من دفعها، ولكنها في النهاية استجابت لأمرها خوفًا منها. وفور أن خلى المكان منها، تفاجأ ريان بسحبها إياه، تُقرّبه منها هامسة:

عايزاك دلوك يا حبيبي تحكيلي كل اللي حُصل في مشوارك دِه، من ساعة ما رجلك حطّت هناك، لحد ما جيت هنه...

وعلى الطاولة التي كانت تجمع الأربعة، وقد جلس بعد دعوة تلقاها من والدته، لينضم إليهم في ذلك النقاش الذي لم ينتهِ حتى الآن. كانت محاولات بائسة من المرأة لإقناع صاحب الرأس اليابس، وقد كانا يتجادلان في هذا الوقت، وحلقة من النقاش المستمر تشترك فيها منى بالمزاح في معظم الأوقات، أما هو فكان الصمت رفيقه.

شوفي يا يما، مهما تحاولي وتعملي المستحيل معايا، إنتي عارفة، وكل الناس عارفة، إن مفيش حاجة هتمشي غير اللي في مخي... صح ولا لاه يا حجة حسنية؟

يووووه! ما تحضرينا يا زفتة إنتي، يالي جاعدة غير تضحكي وتتمقلتي ! أخوكي هيشلني يا بت! وأنت يا كبير، يالي، ندهتلك مخصوص تاجي تشاركنا، عقل أخوك يا ولدي... يمكن يسمع منك!

هناك لحظات يفقد فيها الإنسان القدرة حتى على التظاهر، وقد ضاق صدره بصورة جعلته يُخرج الكلمات بصعوبة وبدون حساب:

أجوله إيه بالضبط؟ طمني جلبك يا حجة حسنية... الحديت معدش منه فايدة من الأساس. شكل إسراء هي اللي هتفوز من غير تعب ولا وجع جلب منك!

هو إيه اللي معدش منه فايدة؟ أنت واخد بالك بتتكلم على إيه؟

زفر بخفوت، ليرمقه بضيق، وقد انصب تركيز الجميع نحوه:

واخد بالي... وعارف إنك هتتجنّ بالبت، بس شكل الأمل خلاص هيروح ويتبخّر. لما مزيونة ترجع لعرفان، اعتبر إن حلم جوازك من بتها في حكم المستحيل.

عرفان لفّ الدايرة حواليهم بلعبة خلت الاتنين يوافجوا على الرجوع رغم عفاشته، حتى الأجاويد اللي دايمًا يدخلوا لصالح مزيونة، هما كمان شربوا المقلب.

– وووه تمتم بها معاذ بما يشبه الصدمة، فتدخلت منى التي علمت السر خلف حزن شقيقها:

– مين اللي جالك كدِه يا حمزة؟ وكيف يعني هي تجبله؟ دي تطيج العمى ولا تطيجه؟ اسألني أني، أنا أكتر واحدة عارفة كده، والله.

حسنية هي الأخرى، وقد أصابها ما أصابهم رغم اختلاف الأهداف: – لاه يا حمزة، لاه. لو كنت فاكر إن كلامك ده هيريحني، يبقى ما تعرِفش أمك يا ولدي. مهما كانت مصلحتي ولا رغبتي إن ولدي ميطلعش برا العيلة، ولا ياخد واحدة غريبة عنينا، ده معناته إني هجبّل بأذية بنات الناس. دِه راجل شراني، وأنا شفته بنفسي. البنية غلبانة هي وبِتّها، ومحدش يرضالهم كده أبدًا.

– وكسرة قلب وِلدِك؟ أجفلها معاذ بصيحته، ليردف بقهر نحوها وكأنها هي السبب الرئيسي في حزنه: – عمال أحايل فيكي بقالِي أيام، وانتي عارفة إن موضوعي مش هين مع الراجل ده. طيب إيه رأيك بجى، لو ما اتجوزتش ليلى، مش هتجوز غيرها واصل، ولا هتشوفيني على كوشة طول حياتك يا حجة حسنية. طول حياتك.

أنهى جملته ونهض مهرولًا من أمامهم، فتبعته منى بخوف عليه: – واض يا معاذ، استنى هنا! رايح فين يا حزين؟ لا تعمل نصيبة، احنا مش ناقصين.

ارتجفت حسنية هي الأخرى، ورغم عتبها على معاذ، إلا أن هيئته التي كانت لا تبشّر بخير، دفعتها لمخاطبة الأكبر: – حمزة، روح شوف المجنون ده، دا عقلُه طاقق وما حدش عارف راسه فيها إيه!

نظر إليها غير مبالٍ، وكأن الأمر لا يعنيه: – يعمل اللي عايز يعمله، يمكن الجنان يجيب فايدة، مدام العقل والأخلاق معدش ليهم مكان في الزمن ده. عن إذنك بجى، أنا رايح المديرية أشوف آخر الأخبار.

تجمّدت تطالع انسحابه من أمامها ومغادرته، لا تستوعب ما صدر منه، وكأنها ترى شخصًا آخر غير ابنها الذي تعرفه. ترى، ما الذي أصابه هو الآخر؟

وإلى مكان آخر... في منزل المدعو جمعة، وكان يتناول من الطعام الذي طلبه عطوة من إحدى المطاعم المعروفة في المحافظة، دجاج محمر وأنواع أخرى تفتح الشهية، المفتوحة من الأساس.

يضع القطعة تلو الأخرى والفم ممتلئ عن آخره، بنهم وجشع، وكأنه لم يتذوق الطعام منذ سنوات، حتى عقّب عليه عطوة بقرف:

– براحة يا جزين، براحة. لا الأكل يوقف في زورك ولا نلاقيش حد ينجدك لو كبس على نفسك وروحت فيها!

ضحك المذكور حتى برز الطعام المحشور في فمه، بصورة قلبت معدة الآخر، فنهض منهيًا طعامه: – جاااك الزفت، اشبع بالأكل يا خوي. أنا سايبها لك ونايم.

وبالفعل، استند إلى كفّيه ونهض من على جلسة الأرض، من أمام الطعام المرصوص على ورق التغليف، الذي جاء به، يعرج على القدم المصابة، حتى وصل إلى الكرسي الذي يتوسط الغرفة، فأخرج سيجارة من جيبه، وضعها في فمه، أشعلها، ونفث الدخان منها، ثم وجّه بصره نحو هذا الذي لم يتوقف أو يخجل من انتقاده، وما زال يواصل حصد الأخضر واليابس.

– اما نفسك حلوة جوي يا جمعة، على كد ما تدي للي جدامك أمان، أنا عارف آخرك: وكلة أو فلوس. على كد برضو ما تخوفه، إنك سهل جوي حد يشتريك باللي زيهم.

مرة أخرى، ضحك جمعة بسماجة، فصاح به عطوة ونهره: – خلاص، اجفل وفوّضها، مش ناقصة قرف. ولا أقولك؟ أنا اللي هولّي وشّي عنك.

قالها عطوة واستدار عنه، ينظر أمامه بشرود، يحصي الليالي والساعات في انتظار شفاء قدمه والسير عليها كي يعود إلى البلدة، مادام لم يكتشفه أحد، حتى عرفان الأحمق حين هاتفه، ابتلع الكذبة وصدقها، حين أخبره بالذهاب إلى عزاء أحد أقاربه في القاهرة، وربما يجد له هناك عملًا يعيش عليه حتى يرجع.

كم يتوق للعودة وفعل المستحيل حتى ينالها. لا يشغله حلال أو حرام، المهم هو أن ينالها، تلك الجميلة التي كانت حلمه في الصغر، ومن حقه، لأنه مقارب لها في العمر. أي، لو كانت انتظرت حتى تتم السابعة عشر أو الثامنةعشر، لربما أصبحت من نصيبه. لكن اللوم ليس عليها. اللوم على ذلك الغراب، عرفان، الذي خطفها قبل حتى أن تنضج جيدًا. تبًا له.

......................................

في داخل قسم الشرطة، وأمام الضابط المسؤول، جلس ليُخبره بآخر المستجدات في القضية، والتي كان أهمها نتيجة عينة الدم وعدد من القرائن الأخرى حول أحد الأشخاص، وظهوره في ذلك الوقت بتلك المنطقة. بدأت الشكوك الرئيسية تدور حوله، خاصة مع اختفائه المفاجئ عن البلدة. وما إن علم بهويته، حتى ارتخت ملامحه، ليتمتم بالاسم البغيض، وشيء من الانفراجة يلوح في عينيه:

...................................

لم تقدر شقيقته على اللحاق به وإيقافه، ولم يُصغِ لنداء والدته، بالإضافة إلى سكوت حمزة عن ردعه. تلك العوامل مجتمعة جعلته يخرج في حالة من الجنون، تدفعه لفعل المستحيل كي يقابلها. وبما أنه يعلم مواعيد دروسها، لم ينتظر حتى تعود إلى منزلها، أو حتى يستخدم الحصان حجة لمراقبتها كما كان يفعل سابقاً. لقد قرر أن هذه المرة لن يخشى أحداً.

خلف منزل أستاذ مادة الإنجليزي، ظل لأكثر من ساعة ونصف يدور حول نفسه في الشارع الممتلئ بالبشر، غير آبهٍ بنظراتهم إليه، ولم يعطِ اهتماماً لأي شيء، سوى عندما خرجت من البوابة الحديدية للمبنى، بصحبة عدد من الفتيات، زميلاتها في الدرس.

وقف قليلاً يتابعها وهي تتحدث بعفوية، وتضحك بانطلاق لا يُقيده قواعد الكبار المتشددة تجاه كل ما هو أنثى.

سار خلفها، وفي أول تقاطع غيّرت فيه طريقها، وكانت بصحبة فتاتين، أسرع بخطواته ليتصدر أمامها:

جاء رد فعلها بشهقة إجفال خرجت من حلقها، لتتراجع بخطوتين إلى الخلف، ومعها الفتاتان اللتان استوعبتا الموقف سريعاً فصرختا فيه:

— إنت مين يا جدع إنت؟! وإزاي تعمل كده؟!

لم يلتفت إليهما، وظل تركيزه منصبًا عليها، مردفًا:

— عرّفيهم عني بعدين يا ليلى، المهم دلوك أنا عايزك في كلمتين.

— احترم نفسك يا معاذ، وابعد عن طريقي! دا مش أسلوب أصلاً.

أومأ برأسه متظاهراً بالتفهم، ثم عاد إليها معتذرًا:

— ماشي يا ستي، أنا بعتذر ليكي وللبنات، حقكم على راسي من فوق، وأنا عارف إن أسلوبي مايعجبش، بس برضه عايزك تسمعيني يا ليلى... ممكن يا بنات تسمحولي؟

تمتمت بها ليلى أمام دهشة الفتاتين اللتين تسمرتا في مكانهما، بعدم فهم لطبيعة الكائن الواقف أمامهما. ثم أردفت بحذر، وهي تدفعهما بيديها:

— نسرين، سمر، معلش، جدموا خطوتين عني ووجفوا استنوني، أشوفه عايز إيه وهقولكم، والله.

أبعدتهما عنها بمسافة خطوات بسيطة، لتتخصر أمامه بضيق قائلة:

— نعم؟ قول كلمتينك يا معاذ، عشان إنت شكلك مجنون وهتجبلي الفضايح.

— بعد الشر عليكي من الفضايح! اللي يجيب سيرتك أصلاً أجطع عمره من الدنيا...

توقف برهة عن اندفاعه، ثم صعقها مردفًا:

توقفت لحظات تحاول الاستيعاب، قبل أن تردد بتساؤل من خلفه:

وكأنه كان في انتظار هذا السؤال، ليلقي بكل ما في جعبته، دون ترتيب أو تفكير:

— أنا بتكلم عني وعنك. أمك عايزة ترجّع لأبوك، ميخصنيش. إنتي حابة أبوكي العفش ده برضه ميضرش. المهم إنه يوافق على جوازي منك. أمك عايزة تعلمك؟ مستعد أوصلك للدكتوراه وأساعدك، لكن في بيتي. غير كده، لا ليكي جواز، ولا تعليم، ولا راجل تاني هيجرب منك طول ما أنا عايش. هوجف حالك من كله يا ليلى! إنتي لسه ما شفتيش جناني أصلاً... أنا بحبك يا ليلى.

رواية لاجلها الفصل الثاني عشر

تبدو بلا معنى… لكنها تحمل كل المعاني.

أن يجرؤ أحدهما على الاعتراف أولًا،

المراجعة والخاطرة للجمر حجي #سنا_الفردوس

.................................

بعد خطوات أشبه بالركض، وصلت إلى المنزل الذي يجمعها بوالدتها، لتلتقط أنفاسها خارجه قبل أن تلج بأقدامها إلى الداخل.

من حسن الحظ، لم تجد "مزيونة" في طريقها؛ فقد كانت في هذا الوقت تعمل على ترتيب إحدى الغرف وتنظيفها. أبصرتها في طريقها ولم تلقِ عليها تحية، بل إنها لا تريد أن تراها من الأساس، ستكشفها، تجزم أنها ستكشفها.

دلفت إلى غرفتها، وألقت بذاتها على الفراش، تتقوقع على نفسها بارتجاف وتشتت. حتى الآن، لا تستوعب ما حدث. هذا المجنون... لقد صدمها بفعله! قالها بملء فمه، وأمام صديقاتها، وفي منتصف الشارع: "إنه يحبها" ويريد الزواج منها! فما كان منها سوى الازبهلال التام أمامه، لم تسبه، لم تنهره، ولا حتى ألقت برفضها التام ردًا على تواقحه. لم تملك الإرادة، ولم يطاوعها لسانها على قول "لا" في وجهه. لطالما داعبها ذلك الإحساس باهتمامه، ونظراته الهائمة، الواضحة بوضوح الشمس.

تتلقى يوميًا لفتات الإعجاب وكلمات الغزل، ممن تعرف ومن لا تعرف، كلها أمور اعتادت عليها ولا تعيرها انتباهًا، نظرًا لتركيزها على الهدف الأعز لها، وهو شهادة كبرى ومستقبل مختلف، يُسعد والدتها.

لكن ما حدث من هذا المجنون كان كـ"انفجار مفاجئ" داخل بحيرة ماء هادئة، ليهدد سكونها وأمانها. لماذا ظهر الآن، وقد كانت ماضية في طريقها دون تفكير في أي شيء يشغلها عن هدفها؟ لماذا، وكل الأمور معقدة حولها؟ وما يطلبه منها كالأمر المستحيل من الناحيتين؛ ناحية والدها الذي يكره عائلته، ووالدتها التي...

– انتي جيتي إمتى من الدرس؟ جاء السؤال المباغت أثناء شرودها، بعد اندفاع باب الغرفة وفتحه، فشهقت منتفضة نحو صاحبة الخاطر الأخير، والتي أطلت أمامها وكأنها أتت على النداء. فقطبت "مزيونة" باستغراب لرد فعلها:

– بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يا بتي، شفتي عفريت؟

حاولت الرد بنبرة آسفة، وهي تلتقط أنفاسها بتوتر ملحوظ:

– آآ... لا طبعًا يا أمه، أنا بس اتخلعت لما الباب اتفتح فجأة وأنا سرحانة.

– آه... صدرت من "مزيونة"، ثم خطت حتى اقتربت لتجلس بجوارها، تطالعها بتفحص متسائلة:

– والخلعة الخفيفة دي تخلي وشك مخطوف كده؟... أنا ليه حاسة إن فيكي حاجة مش مظبوطة؟ انتي تعبانة يا بت؟

– لاه... لاه مش عيانة، أنا مفيّاش حاجة. نفت وهي تحرك رأسها، لتجعلها تعاود بسؤال آخر:

– طب حد زعلك ولا عمل معاكي حاجة عفشة؟

– حد مين؟ جاء تساؤلها بإجفال، زاد من تدفق الهواجس في رأس تلك التي تحفظها أكثر من خطوط يدها:

– أنا اللي بسألك مين؟ شكلك اللي مش طبيعي ده يأكد إن حصل معاكي حاجة. حد ضايقك؟ موقف عفش اتحطيتي فيه؟ في كل الأحوال، انتي هتحكي دلوك وأنا هعرف.

ابتعلت "ليلى" رمقها بضعف، تحاول المراوغة والتهرب:

– يا أمه، مفيش حاجة... أو يمكن موقف بسيط، بس عادي يعني، مش مستاهل أحكي عنه.

– والله؟ طب عيني في عينك كده، قالتها "مزيونة" تقرّب وجهها من ابنتها، التي سقطت في الفخ وانكشفت سريعًا، حين أزاحت بأبصارها عنها، غير قادرة على مواجهتها، لتزيدها تصميمًا:

– كده يبقى تحكي، وماتخبيش ولو تفصيلة واحدة عني يا ليلى.

أما هو، فقد هدأ جنونه قليلًا ليعود إلى منزله، تكتنفه الحيرة والتساؤلات عن ردّها. ما لمسه ورآه منها كفيل بأن يُريح قلبه قليلاً، حتى لو اعترضت أو ادّعت الرفض بوجهه. لكنه يعلم أن ما ينتظره كثير، وهو قادر على مواجهة الجميع من أجلها. والأهم في نظره الآن هو موافقتها.

تقول "نعم"، وسوف يفعل المستحيل من أجلها، حتى لو اضطر لمواجهة العالم، حتى لو اضطر أن يضع يده في يد أبيها... ذلك الرجل البغيض.

– وكنتي بتجوليلي حاجة بسيطة يا ليلى؟ الواد ده اتجنن ولا عقله طار منه؟ ليه ما صرختيش؟ ولا لمّيتي عليه خلق الله؟ ليه ما وجفتيهوش عند حدّه يا بت؟

صاحت بها مزيونة غاضبة فور أن انتهت الأخرى من قصّ جميع ما حدث، إذعانًا لرغبتها، لتدافع مُبررة:

– ما هو ما جلش أدبه ولا عاكس، هو طلب يدي بس!

– وجالك بـ "بحبك"... ولا نسيتيها دي؟

– انتي هتجنّنيني يا بت؟ عالي ولا واطي، ما هو كله واحد! كونه اتجرّأ وعملها دي ليها حساب كبير! ثم تعالي، ليه ما رديتيش على طلبه في ساعتها؟ وجولتي له "لا"؟ ليه تخليه يتعشم الواد الصايع ده؟

– بس معاذ مش صايع... صدرت منها سريعًا بعفوية أنستها الوضع القائم، لتهب مزيونة من محلها بانفعال يكتسحها:

– لا، صايع! وأنا هعرف أوجّفه عند حدّه زين، مدام انتي معرفتيش! ونهضت من أمامها تغادر، وحالة من الغضب تجعلها تود إحراق هذا الفتى الأرعن... وشقيقه! لا تعلم لماذا خطر هذا الآخر على عقلها الآن، لكنه لا بد أن يتحمل نتائج قلة التربية لهذا المعتوه. يجب أن ينال العقاب على فعلته حتى لا يُكررها مرة أخرى، لا بد أن تلتقيه سريعًا وتبلغه شكواها.

صباح اليوم التالي، وقد كانت الساعة لم تبلغ السابعة بعد، حيث الضياء البكر لليوم الوليد. هذا موعده ليباشر استعدادات البناء قبل أن يأتي العمال في الثامنة صباحًا.

كان هو في هذا الوقت يمر على الحوائط التي تم بناؤها حديثًا، كي يرى مدى رضاه عنها، كما فعل أيضًا بالسور الذي قارب أن يضم بيتها ضمن محيطه. وكم ودّ أن يحدث ذلك! الشوق لرؤيتها يقتله، يحترق من أجل سماع صوتها، ومع ذلك لا يأمل حدوث ذلك في ذاك الوقت المبكر.

ولكن... أن يحدث ويسمعها فجأة تناديه باسمه، كأنه أمر من خيال رأسه. حتى وهو يلتف نحوها ويراها بكليّتها، واقفة أمامه، وما زالت تناديه بطلتها التي يرجف قلبه لها في كل مرة... هذا لم يمر به على مدار سنوات عمره الأربعين مع امرأة غيرها.

– أبو ريان، أنا بكلمك. نفض رأسه من عبث أفكاره وتلك المشاعر التي تعصف به، حتى إذا تمالك بأسه أجابها بلهجة تبدو عادية:

– يا مرحب، يا أم ليلى، صباح الخير.

– صباح الخير. رددت بها خلفه بوجه متغير ونبرة لم تروقه، ليعلّق مخاطبًا عينيها المُتهرّبة منه:

– خير إن شاء الله. قالتها، ثم شحذت شجاعتها لتُفصح عما في صدرها:

– أبو ريان، أنا ليّا عندك رجاء... أو شكوى بمعنى أصح. لأن اللي حصل ما ينفعش يتسكت عليه.

تسرّب القلق داخله، ليحثّها على التحدث متوجسًا:

– يا ساتر! للدرجة دي؟ قولي اللي عندك يا أم ليلى، وأنا تحت أمرك.

سمعت منه ، ثم قامت تقصّ عليه ما حدث من شقيقه مع ابنتها. ينصت لها جيدًا، لكن ملامح وجهه المرتخية لا تعطيها رد الفعل الذي تتوقعه، فيزداد انفعالها وهي تواصل استرسالها في الأمر الجلل. حتى إذا انتهت، سألته مباشرة:

– يعني دا يرضيك يا أبو ريان؟ دا يرضيك؟ قال بهدوء أثار استفزازها:

– لا طبعًا ما يرضينيش. أكيد كان لازم يستنى. أنا هنبه عليها دي.

كادت أن تخرج شهقة استنكار من نصف حلقها حين افترّ فمها وبرزت عيناها بذهول لمنطقه المقارب للبرود في تلقّي شكواها، حتى ردّت بعدم استيعاب:

– تنبّه عليه؟! دا بدل ما تشدّ عليه وتعرفه غلطه؟! هي سمعة بنات الناس هينة جوي كده؟

حسنًا، استطاعت هذه المرة أن تزحزحه من جموده:

– يا ست مزيونة، مين بس اللي جاب سيرتها؟ ولا يجرؤ حتى! انتي بنفسك جايلة إنه اتصدر لهم في الطريق التاني، مش العمومي، ومخربطش ولا عاكس. هو بس عرض إنه يتجوزها...

– وجالها "بحبك"! قاطعته بها بانفعال حتى كادت أن تُضحكه، لتبرز ابتسامته رغمًا عنه في محاولته التلطيف معها:

– امسحيها فيا أنا المرة دي. عارفة... غشيم. بس والله دي أحسن فئة من البشر في الحب، لأنها ما بتعرفش تخبّي ولا تلف وتدور. اللي في جلبه على لسانه. اعذريه.

للمرة الثانية، يُذهلها بهدوئه، فاستهجنت مُوجّهة الحديث إليه بلوم:

– يعني أفهم من كده إنك بتبرر له؟! دا بدل ما تردوه عن اللي عمله وتحاسبوه؟ حب إيه وكلام فاضي إيه؟

زفر بخفوت، ليتريّث قليلاً ويمتصّ غضبها حتى لا يفسد الأمر برمّته إن استمر هذا الجدال الحاد، ليعود أخيرًا قاصدًا ترضيتها:

– أنا عارف إنه غلطان، بس رايدها في حلال ربنا. من ساعة ما شافها، وهو على راسي أنا وأمي، وإحنا بنصبره على ما تتحسن الظروف، أو حتى على ما تكمل سنتها الأخيرة في الثانوية. وبعدها يصحلنا نتقدّم، وتاخد علامها الجامعي في بيته. لكنه مش قادر يصبر، وأنا عاذره. خايف من بُكرة، ومن غدر عرفان. وهو خلاص جاب آخره. أصل الحب ده لا بيدي ولا بيده... دي حاجة من عند ربنا، بيزرعها في قلوبنا، ولا ليها طب، ولا ليها دوا.

وكأنه كان يتحدث عن نفسه... لامستها كلماته الأخيرة، لتُحدث بها اهتزازًا وارتباكًا ملحوظًا، رغم ادّعائها غير ذلك. ثم أعترضت بفظاظة:

– ومين جال إني هوافق؟ أنا بتي هعلّمها، وهفضل وراها لحد ما تمسك وظيفتها، عشان ما تحتاجش لراجل، ولا أي مخلوق. خليه يدور على واحدة تانية تسعده وترضى بيه أحسن. على الأقل يوفّر مجهوده. ما طلعتش بيها أنا واتطلقت، عشان أكرر نفس غلطتي!

توقعت ردًا قاسيًا، لكنه لم يفعل. بل ظل صامتًا، يُناظرها فقط بثاقبتيه الضيقتين، وكأنه يخترقها. سهام نظراته الحادة تغوص بها وتكشف أغوارها، تصل لأبعد نقطة في داخلها، حتى أزعجها ذلك الخاطر. فانتفضت من ثباتها وسحبت ذاتها من أمامه... هاربة من حصاره. ولم تخطُ سوى خطوتين، حتى وصلها صوته يشق أذنيها:

وفي منزل حماد القناوي، حيث هالة التي كانت كمن تدور حول نفسها منذ الأمس، في حالة من التخبط، ظنون وأفكار واستنتاجات تملأ رأسها منذ حديث ريان الصغير وربط الخيوط ببعضها. لقد اشترى قطعة الأرض كي يبني منزله في تلك المنطقة العازلة ليكون بالقرب من تلك المرأة. نعم، هذه هي الحقيقة التي تأكدت منها اليوم.

يُخفون عنها الكثير هذه الأيام، ربما لهذا السبب، ولكن ما دخل معاذ؟ يُشتّتونها بالتفكير به، وهم يدبّرون أمر حمزة في الخفاء. اللعنة، سوف ينفجر رأسها إن لم تعرف الحقيقة كاملة.

– "براحة على نفسك من التفكير، اللي يشوفك يقول وراكِ مشكلة دولية ومش لاقيالها حل!" عقّب بها خليفة متهكمًا بعدما دلف إلى الغرفة ووجدها على نفس الحالة التي تركها عليها. رفعت رأسها نحوه بانتباه شديد، ثم توجهت إليه بالسؤال وهو في طريقه إلى خزانة الملابس لتبديل ملابسه:

– "إلا قولي يا خليفة... هي روان، طليجة أخوك، لساها برضو شغالة مع أبوها في شركة المقاولات بتاعتهم؟"

سمعها الآخر، وتوقفت يداه عن خلع قميصه، وتجمد لبرهة قبل أن يلتف إليها، يرد بخشونة:

– "وإنتِ مالك بيها؟ إيه اللي جاب سيرتها أصلًا؟"

– "أنا بسأل عشان بجالها فترة يعني ما جتش ولا سألت على ولدها. إيه؟ هي خلاص فقدت الأمل من حمزة ومن رجوعه ليها؟"

بغضب يكتمه بصعوبة، التفت إليها متهكمًا:

– "تفقد الأمل ولا حتى ترجع له تاني! تشغلي بالك بيها إنتِ ليه؟ خلاص، حبيتيها دلوك وبجى هامك أمرها؟ ما تخليكي في حالك يا هالة، عشان أنا ضجيت، وروحي بجت في مناخيري منك! ده إيه القرف ده والعيشة اللي تقصّر العمر دي!"

التفّ وتناول جلبابه البيتي، وتابع ذاهبًا من أمامها:

– "سيبها لك وغاير خالص من وشك! اشبعي فيها لوحدك يا هالة، يمكن تلاقي حل كمان لقضيتك الجديدة اللي أنا مش عارفها!"

جاءت الأخيرة يتبعها صفقة قوية لباب الغرفة، اهتزت لها الجدران، وانتفضت على إثرها، لتغمغم حانقة في أثره:

– "ده مالُه ده؟ بقت كل الثورة دي عشان بس سألته عن روان؟ رجالة نكد!"

................................

تبضّعت داخل السوق القريب في البلدة، وابتاعت ما يحتاجه المنزل من خضروات ومنتجات الألبان الطازجة من يد صانعاتها من النساء، فهذا شيء لا بد أن تنتقيه بنفسها لتحكم وتختار، على عكس أمر البقالة السهل الذي يتكفّل به رئيس العمال، العم مغاوري، للتخفيف عنها يوميًا.

كانت في طريقها الآن نحو منزلها حينما تفاجأت بصاحب الجسد الضخم يظهر لها من العدم، ويسد الطريق أمامها مخاطبًا:

— عاملة إيه يا مَزْيونة؟ ألا إنتِ جاية من فين أصلًا؟

ردُّها الغريزي كان بالارتداد بقدميها للخلف خطوتين، تتماسك وتتمالك بأسها قبل أن تجيبه باجفال لا يخلو من حدّة:

— مرحبًا يا أبو ليلة! يعني هكون جاية من فين وأنا السلة في إيدي؟! ثم إيه لزومه السؤال؟

— مقصديش حاجة شينة بالسؤال طبعًا، أنا بس باصص على تعبك، سوق ووجع جلب وشمس، وإنتِ طول عمرك مستتة في بيتك، وكل حاجة بتيجي لحد عندك...هو أنتي مش ناوية تريّحي نفسك وتريحيني بالرد المفيد؟ كفاية بقى تفكير.

بالطبع فهمت من حديثه، الى ما يرمي إليه، فرفعت بصرها نحوه، لتقابل عينيها بعينيه اللتين شملتاها بوقاحة، وكأنه تناسى أنها لم تعد زوجته. مسح بجانب إصبعه على طرف شاربه الكث المرتب، لقد عاد إلى عرفان القديم، ذلك الذي كاد بهوسه بها وأنانيته أن يتسبب في حرمانها من الإنجاب إلى الأبد، لولا رحمة الله.

لطالما شكرت "صفا" في داخلها، رغم كل أفعالها معها، إلا أنها كانت رافعةً عنها همًا كبيرًا بصرفه عنها. من قال إن كل الشر نقمة؟ ارتجف داخلها وهي تتخيّل عودتها إليه، وهي التي قررت أن تهب حتى عمرها لابنتها. ولكن، أين تجد القدرة لتحمّله؟ وهي نفسها تغيّرت، ولم تعد تلك الصغيرة التي لا تعي شيئًا.

— ووه يا مزيونة! كل ده سرحان؟ ما تردّي بقى وريحينا... هو أنا غريب عنك؟ دا أنا أبو بتك، يعني راجلك اللي تعرفيه...

— عرفان، بَعِد من جدامي، خليني أروح باللي شايلاه.

قاطعت إسهابه بها، فلم تتحمّل حتى الفكرة، وهمّت لتتخطّاه، قبل أن تنتبه إلى بوق السيارة التي اقتربت منهما. التفتت، لتفاجأ بآخر شخص تتمنّى رؤيته الآن، وقد توقّف ليترجّل من سيارته مخاطبًا إياها:

— في حاجة يا أم ليلى؟ ليكون محتاجة مساعدة؟

هذا ما ينقصها! أن تطلب مساعدته لها من حصار عرفان، الذي ارتفع حاجبه الأيسر نحوه بشرٍّ، ليعقب:

— شايف جَرّ شكل على أول الصبح! حد طلب منك يا أخينا تحشر نفسك بين الراجل ومرته؟

ردد بها حمزة من خلفه بنبرة استنكارية أنبأتها بخطورة القادم، لتسحب نفسها من أمامهم بحسم:

راقبها الاثنان وهي تبتعد عنهما بخطواتها المسرعة، قبل أن يعودا لحرب النظرات التي قطعها حمزة بمكر، مخاطبًا:

— على فكرة يا أبو ناصر، أنا ماجصدتش أي حاجة عفشة في دماغك... كل غرضي خير وربنا العالم.

ردد بها عرفان، والتَمعت عينيه ببريق الشر مردفًا:

— خلّي كلامك لعيل أهبل ولا بريالة تضحك عليه! فاكرني مش فاهم؟ ولا واخد بالي من أفعالك؟ ولا البيت الجديد اللي ما حلالك تبنيه غير في الحتة دي دونًا عن باقي البلد؟

توقّف برهة، ثم تابع بتحدٍّ وابتسامة ذئب:

— على العموم، ابني وعلّي براحتك... ودَوَّر بعدها على اللي هتسكن فيه معاك.

أومأ حمزة يستوعب طبيعة الرجل الذي أمامه. لقد عرف الآن السرّ خلف كل تلك الإغراءات التي قدمها لمزيونة وابنتها، وتأكد له أنه لن يفي حتى بنصف الوعود التي قطعها عليها إن رضخت مزيونة وعادت إليه. تبا له من ثعلب، وتبًا له هو أيضًا إن تركه ينفذ خطته الدنيئة!

— أكيد طبعًا، أنا مش هابني بيت أتفرّج عليه وهو فاضي! وإن شاء الله أتوَفَّق مع صاحبة النصيب اللي تقبل تنوره. بس دا إيه دخله باللي بكلمك عنه؟! أنا بجولك نيتي خير... وبكرة تعرف زين إن قصدي مش اللي في بالك خالص!

ابتسامة ساخرة لاحت على زاوية فمه كانت الرد الوحيد من عرفان، قبل أن يسحب نفسه ويغادر من أمامه دون استئذان أو انتظار، ليتطلّع في أثره حمزة مغمغمًا بحديثٍ لنفسه:

— ماشي يا عرفان... هنشوف مين اللي هيكسب. .........

...............................

وفي داخل منزلها كانت تدور حول نفسها بعجز، يقتلها القلق من تطوّر الأمر بين الاثنين اللذين تركتهما على حافة الدخول في شجار حامٍ، وفي الوقت نفسه تموت قهرًا لمعرفة المستجدات. تعلم أن انسحابها كان حلًا حتى لا يزداد الأمر اشتعالًا، لكنها أيضًا لا تضمن غدر عرفان أمام التحدي المقصود من الآخر. اللعنة، ماذا عليها أن تفعل وهي وحدها الآن؟

أتعود للاطمئنان عليه... تبًّا، لا، بل عليهما، نعم عليهما. هي لا يخصها أحد منهما... نعم، لا يشغلها أمر حمزة، لا يشغلها.

دوى فجأة صوت طرق على الباب الخارجي للمنزل، لينتشلها من حديث نفسها، الذي كانت تجبر عقلها على الاقتناع به. انتصبت مهرولة نحو الباب؛ ربما أتاها خبر يطمئنها. وكانت المفاجأة حينما فتحت لتجد منى ووالدة حمزة أمامها...

ــ هي عمتي حسنية راحت فين؟ مش كانت من شوية برضو مع منى بيتحدّتوا هنا؟ توجهت هالة باستفسارها نحو معاذ، الفرد الوحيد الباقي من تلك الجلسة التي كانت تضم الثلاثة منذ قليل في وسط المنزل، قبل أن تصرفهم منى طالبةً طبقًا من الحلوى التي صنعتها بالأمس مع مشروب القهوة الساخن، لتأتي الآن وتجد الطاولة فارغة، إلا من هذا المتحذلق الذي تناول منها الصينية متبسمًا بخبث وهو يضع قطعة كبيرة منها في فمه:

ــ مشوار صغير يا هالة، ومش هيتأخروا إن شاء الله. تجمّدت بصدمة، تردّد بعدم استيعاب:

ــ مشوار إيه بالضبط؟ والقهوة اللي طلباها مني أختك؟ وطبق البسبوسة والراون اللي كانت نفسها فيها! هما امتى طلعوا أساسًا؟

صرخت الأخيرة بصيحة تجاوز عنها معاذ، ليواصل وضع القطع في فمه وارتشاف القهوة، قائلاً بهدوء:

ــ المشوار جه ضروري يا هالة، اضطرت منى تمشي وتسحب أمي معاها، دي نسيت حتى تتصل بمنص.

انفجرت به شاعرة بإهانة، وكأن أحدهم صفعها على عنقها من الخلف:

ــ وهو منص ده يجدر يكلمها أصلًا؟ تروح وتاجي على كيفها وفي الآخر تراضيه بكلمتين؟! مش أنا اللي مضحوك عليا من الكل وبيداروا عني، ولا أكني هحسدكم حتى... يا ستير!

هتفت بها وهرولت إلى داخل المنزل بغيظ شديد، حتى جعله يغمغم خلفها:

قالها حمزة الذي جاء قادمًا من الخارج، ليشير إليه شقيقه وهو يتابع انصراف الأخرى:

ــ وهي فيه غيرها؟ والله خليفة أخوك ده شقي.

ــ وحد كان جبره يختارها؟ غمغم بها حمزة قبل أن يسقط على الكرسي المقابل له، مردفًا باستفساره:

ــ وأنا جاي لمحت أمك ومنى داخلين عند مزيونة، أكيد عندك خبر.

سمع منه معاذ ليشرق وجهه بابتسامة تتراقص لها عيناه، قائلًا بصوت خفيض:

ــ ما هو ده المشوار اللي هيجنّن هالة عشان تعرفه! أمك اقتنعت أخيرًا يا واد أبوي، وراحت دلوك مع منى عشان يقنعوا ليلى وأمها.

ــ آه... تمتم بها حمزة باستدراك، ليعقب:

ــ جول كده بجى، يعني انت دلوك باعت أمك وأختك، على أساس إن مزيونة سهلة جوي توافق، وبعد ما اتصدرت لبنتها في نص الطريق كمان، واتحفتها بجلة حياك وربايتك؟

بهت معاذ وتوقف عن مضغ ما في فمه، يردد بريبة وتوجس:

ــ كيف يعني؟ هي ليلى جالت لأمها؟

ــ أيوه يا حبيبي، حكت لها، والست وجفتني واشتكتني، مزيونة غضبانة منك غضب شديد.

انفعل معاذ خلف كلمات شقيقه، يردد بمظلومية:

ــ طب وافرض يعني! ما أنا طالبها في حلال ربنا، تفوتها دي مدام غرضي شريف، ودلوك تقتنع إن شاء الله لما تلاقي الموضوع دخل في الجد. منى وأمي أكيد هيقنعوها.

لاحَت ابتسامة ساخرة من حمزة يعلّق بنُصح:

ــ طب وافرض أمها وافجت والعقدة بجت في أبوها؟ أجيبلك من الآخر يا معاذ، حل عقدتك عند ليلى نفسها.

اعتدل الأخير باهتمام شديد، يريد المزيد من الإيضاح:

ــ إزاي؟ ما أنا بدخل البيت من بابه أها، امبارح ما ريّحتنيش ولا ردّت عليا، قلت أثبّتلها إني جد... أعمل إيه تاني؟

اقترب منه حمزة يشدّد عليه بكلمات مقصودة حتى يضعها جيدًا في رأسه:

ــ أنا عارف، وهي نفسها أكيد عرفت، بس المهم إن يبجى عندها الإرادة زيك... الطريق لليلى، عند ليلى نفسها!

توقف يراقب تأثير الكلمات على شقيقه ومدى استيعابه لها، ليستطرد بالأخيرة:

ــ الساعة داخلة على اتنين... ميعاد رجوعها من المدرسة.

لم ينتظر كثيرًا حتى نهض معاذ سريعًا من أمامه، ليتناول هاتفه وأشياءه مرددًا له:

ــ لما ترجع أمي ومنى، ابجى طمّنّي بالتليفون.

أومأ له حمزة يتركه يغادر، ثم غمغم في أثره:

ــ الله يعينك يا واد أبوي... ويعينني أنا كمان.

........وفي منزل مَزْيونة التي التزمت الصمت منذ ان بدأوا في الحديث معها، كانت تسمع فقط دون أن تُشارك بسؤال أو استفسار، حتى أثار ذلك ريبة المرأتين، فعبرت منى عن مخاوفها:

— شكلك مش جابلة الموضوع يا مَزْيونة، عشان كده سايبانا أنا وأمي نغني ونرد على بعضينا.

— أمال إيه بس يا بنيتي؟ جاء التساؤل الأخير من المرأة حسنية، ليزيد من ثقل ما يكتنفها، حتى ابتعلت رمقها بتوتر شديد، وحاولت الرد بلطف:

— يا حجة حسنية، إنتي والحجة منى، جيتكم والله على راسي من فوق. المهندس معاذ عريس تتمناه أي واحدة لبتها، تعليم ومال وجمال، وعيلة تشرّف أي حد. ده كفاية شهامة الأستاذ حمزة وجمايله اللي ما تتعدّش.

— بغض النظر عن الأخيرة، عشان ما بين الحبايب مفيش جمايل ولا كلام فاضي، بس أنا هتكلم عن اللي جابلِيها... قولتيها بنفسك: عريس تتمناه كل أم لبنتها، بالمزايا اللي ذكرتيها. ده غير إننا جابلين بكل شروطك، عشان عارفين غرضك الأساسي في تعليمها، وولدنا مستعد يساعدها كمان...

تبسمت مَزْيونة بضعف، تطالعها لعدة لحظات قبل أن تقول ببعض الحرج:

— مش عايزة أبقى جليلة ذوق معاكم والله، بس الحتة الأخيرة دي نفس اللي اتقالت لأبويه... عرفان لما اتقدّم، حلّف بالإيمان إنه هيخليني أكمل على الأقل شهادة الإعدادي. أنا آسفة طبعًا في التشبيه، متأخذونيش يا جماعة.

— لاه يا مَزْيونة، مش هنلومك ولا نقول فرق السما من الأرض ما بين ولدنا وبين اللي اسمه عرفان... بس ده معناه إنه راجل ما عندوش عهد. يبقى تصدقيه ولا تجبلي ترجعي له تاني كيف؟

قالتها منى بقصدٍ صريح، لتفيقها من مجرد التفكير، حتى شعرت مَزْيونة بالحرج وأطرقت برأسها، لتنال مني جزاءها بلكزة على خصرها من مرفق والدتها، التي زجرتها بعينيها حتى لا تتدخل فيما لا يعنيها.

— يعني من الآخر كده يا بتي... إنتي رافضة؟ ولا موافقة؟ ولا ناوية تدي نفسك فرصة للتفكير؟ في كل الأحوال إحنا حبايب يا بنتي، والود ما بينا موصول. ده كله جِسْمة ونصيب.

سحبت مَزْيونة شهيقًا مطولًا قبل أن تُخرجه، ثم تحدثت بصدق:

— اللي أقدر أجولهولكم يا جماعة... هو إنه لو عايزها، يستناها على ما تخلص كليتها. ما تزعلوش مني. أنا مش عايزة بتي تكرّر اللي جولته لأبويه بعد ما اتجوزت وانزاحت عن عيني الغشاوة، ولما لقيت نفسي جدام مسؤولية أكبر من طاقتي... ساعتها قلتله: "ظلمتني يا أبوي"... وفضلت الجملة معلّقة معاه لحد ما مات، وهو يقولي: "سامحيني"... مش هتحملها والله، لو سمعتها من بنتي

استني لحد ما تخلص كليتها! إزاي يعني؟!

هتف بها باستهجان عبر الهاتف لمُحدثه، ثم تابع بحزم بعد أن استمع لبقية الحديث الذي دار في منزل مزيونة:

لاه يا حبيبي، مش هصبر، ولا ينفع معايا أصلًا الكلام ده! أجفل دلوك، وأنا هبجي أكمل معاك بعدين، سلام.

أنهى مكالمته بعد أن انتبه لقدومها بملابس المدرسة من الطريق المؤدي إلى منزلها، وقد اختار موقعه جيدًا أسفل إحدى الشجيرات، ليظل في مكانه حتى إذا اقتربت، تفاجأت به أمامها، فصدرت شهقتها:

بسم الله الرحمن الرحيم! إنت تاني يا معاذ؟!

وتالت ورابع وخامس كمان! أنا مش ههدَى غير لما أرسى معاكي على بر يا ليلى.

تكتفت، تطالعه بحنقٍ صامت، ليستطرد قائلًا:

أمي وأختي يدوب طالعين من عند أمك بعد ما طلبوا يدك ليا، عشان تعرفي إني مش بعاكس يا ليلى، ولا بتسلى، ولا ليا في الكلام دهِ أصلًا.

فكّت ذراعيها عن صدرها، وقد استرعى كلامه انتباهها لتتساءل:

كان ردها إنّي أصبر عليكي لما تخلصي كليتك يا ليلى.

لاح على ملامحها بعض الإحباط لتعقب، ردًا على قوله:

وإيه الجديد؟ ما هو ده العادي! ده رد أمي على أي حد يطلبني، بعدين بجي خليني أعدّي...

صاح بها، يمنعها من المرور فور أن همّت بتخطيه، ليواصل مشددًا أمامها:

أنا معاذ اللي هيتجوزك، ومش بعد خمس سنين! لاه، ده السنة دي، ومش بعيد كمان الأيام الجاية!

والله؟ ودي هتحصل إزاي إن شاء الله؟!

علقت بسخرية على كلماته، ليجفلها بسؤاله:

أربكها بقوله، لتُذهل بأبصارها للحظات، قبل أن تملك بأسها وتنهره:

إيه الكلام الفاضي ده؟ بعد من جدامي يا معاذ! خليني أروح بيتنا بدل ما أمي تقلق.

للمرة الثانية، يمنعها من المرور، وابتسامة أنارت وجهه بالفرح وهو يخاطبها بإصرار:

لا، مش ماشي يا ليلى غير لما تسمعي كل كلامي. لازم تعرفي إني هعمل المستحيل عشان تبجي في بيتي في أقرب وقت. هساعدك، وهذاكرلك، وهخليكي تدخلي الكلية اللي إنتي عايزاها، ولو حصلت اذاكرلك زي العيال، هعملها وهصبر عليكي. نجاحك هو نجاحي. في حاجة تاني أنا ناسيها؟

تعلم أن وعوده لها الآن، ودون أي ارتباط رسمي، هو ضرب من الجنون، ومع ذلك وجدت نفسها مندمجة معه، لتجيبه:

أيوه، في طبعًا حاجات كتير إنت ناسيها! أهمها المسؤولية... مسؤولية راجل عايز اهتمام وخدمة في البيت، أكل وشرب وتنضيف. أنا واعية على كل الأمور دي، عشان أمي منبهاني عليها من الأول.

لو تعلم قدر سعادته باستجابتها، لخجلت أن تكمل معه الحديث، لكنه استطاع أن يُسيطر قليلًا على جموح مشاعره، وهو يسارع في طمأنتها:

كل اللي عايزاه هيصير. معاملتك في بيت أمك هتبقى نفس معاملتك في بيتي، ويزيد عليها بس الدلع مني عشان هتبقي زي بنتي. ممكن تكوني شايفاها وعود وأحلام، بس أنا مستعد أمضي عليها شروط جدّام المأذون. حتى لو جوازي منك كله تعب، أنا شاري تعبي معاكي. المهم، إنتي بس توافجي وتريحيني.

ظلّت على صمتها لبرهة، عيناها الجميلة تطالعه بجرأة، وكأنها تستشف منه الصدق. لقد أخذ الإجابة، حتى وإن لم تنطقها. ينتظر فقط التأكيد، والذي قد جاء بعد ذلك بنصف ابتسامة ماكرة راقص قلبه على إيقاعها، قبل أن تقطعها بدلال فطري وتتخطاه، ليتبعها بقوله:

ليلى، لو عندك أي حاجة صعبة في الدراسة، جولي، وأنا هتصرف. مش لازم تبجى المساعدة مباشرة.

بنصف التفاتة برأسها، ردّت عليه:

تنهد في إثرها ارتياحًا، يغمغم وعيناه تتابعها في طريقها الطويل دون كلل أو ملل:

فكري مع نفسك براحتك، أنا خلاص خدت الإجابة.

....................................

وقد انتهى الرجال من يوم بناء جديد في منزله، وتبقى فقط بعض الآثار من أدوات البناء التي يتم رفعها، جلس هو يتابعهم وقلبه في الجهة المقابلة، عيناه تتنقل نحو منزلها كل دقيقة، في شوق قاتل لرؤيتها، بعد لقاء أقرب للشجار صباحًا.

لو تعلم أن بأفعالها البسيطة تلك تُحيي بداخله أشياء ظن موتها منذ زمن، تُعيده لمرحلة المراهقة؛ الانتظار في الطرقات، التلهف لرؤية الحبيب، والتساؤل: هل يشعر به أم لا؟ هل يُبادله تلك المشاعر أم لا؟

اللعنة... بعض الأحيان يتمنى لو يملك نصف جنون شقيقه الأصغر، حتى يفعل ما يريد ويحصل عليه، لكن قدره أن يكون الكبير.

طلّ طيفها فجأة، لتنتبه كل حواسه نحوها، يراقبها فوق السطح، تُلقي بعض مخلفات برج الحمام الذي تراعيه. التقت عيناها بعينيه، في تواصل بصري قطعته فجأة بخجلٍ منها، قبل أن تذهب من أمامه. ابتهج الفؤاد لرؤياها، فنهض أخيرًا تاركًا محله، وقد نال النظرة التي ظلّ ينتظرها منذ ساعات، ليعطي اهتمامه للشيء الملح الآن، ذلك الذي سوف يترتب عليه أمور مصيرية.

تناول هاتفه أولًا، واتصل بشخص ما، والذي ما إن أجاب، أصدر نحوه الأمر:

خليك صاحي وجهز المطلوب، أنا جايلك دلوك.

وداخل البلدة التي لا تبعد عن بلدتهم سوى بعدد من القرى، حيث مخبأه في منزل صديقه "جمعة"، وقد كان نائمًا في هذا الوقت من الليل، في انتظاره حتى يأتي من مناوبة المشفى، يحمل له الطعام والسجائر وما ينقصه من احتياجات.

لا يدري ما الذي حدث حتى جعله يستيقظ من نومه، فيفتح عينيه على أقصى اتساع، وهو يرى مجموعة من الرجال يلتفون حوله، يتوسطهم "جمعة" الذي قابله بابتسامة سمجة قائلًا:

معلش بجى يا صاحبي... هي جات كده!

رفع طرف شفته نحوه بازدراء، قبل أن يلتفت لصاحب الصوت الحازم، والذي عرفه من هيئته المتأنقة، فارتفعت يده تلقائيًا إلى جبهته، موضع ضربة الرأس القوية التي حطّ بها تذكارًا منه قبل ذلك، ليخاطبه الآخر بابتسامة شر:

داخل الغرفة التي تستذكر فيها دروسها ليلًا

ورد إلى أسماعها فجأة صوت صهيل خيل ليس بغريب عنها. أرهفت السمع عند اقترابه أكثر وأكثر، حتى شعرت بأنفاس الحصان في ظهرها، ترافقه أصوات حكّ بالخشب، لتنتفض من مكانها نحو النافذة القريبة خلفها، تفتح شراعيها، وتتوسع عيناها بذهول وانبهار، وهي ترى رأس ذلك الكائن الجميل يمتد بفمه نحوها، لتلتقط منه علبة مغلّفة، مُلصق عليها كارت أبيض.

تناولته بلهفة، تُداعب وجهه بمرح مضاعف، حتى إنها لم تقوَ على منع نفسها من تقبيله، قبل أن تفاجأ بصوت صفير بشري جعله يرتدّ عائدًا على الفور نحو مجنونها الذي كان ينتظره عند المجري المائي.

يطالعها بابتسامة صامتة، بادلته إياها على استحياء، لتتفحّص الهدية المغلفة، والتي كانت لوح شوكولاتة فاخر، والظرف الأبيض مكتوب به:

(حاجة بسيطة عشان تساعدك على المذاكرة، والنبي قبل الهدية)

أمسكته بيدها لحظات بتردد، قبل أن ترفع أبصارها إليه بنصف ابتسامة تغيظه، ثم تعيد غلق النافذة بوجهه، ليعتلي هو حصانه بحنق لا يخلو من مرح، أيضًا لقبولها هديته، واضعًا همّه بالحصان هامسًا له بحسد:

أنا أتعب وأخطط وأشيل همّ المغامرة، وفي الآخر يتقفل الشباك في وشي، وإنت تاخد البوسة على الجاهز، يا ابن المحظوظة!

رواية لاجلها الفصل الثالث عشر

في زحمة الحياة، يتأرجح قلبها بين حب يخفيه الحياء وخوف يبرره العقل. تقف عند حافة هذا التوازن، تراقب خطواته المقتربة منها، وتختلط مشاعرها بين الحاجة إليه والقلق من فقدانه. هي لا تطلب منه سوى أن يبقى، أن يستمر في كونه ملاذها الهادئ، تلك المساحة الصغيرة من الأمان التي لا تعرف سواها.

المراجعة والخاطرة للجمر حجي #سنا_الفردوس

من تشتريه بالمال، اعلم أيضًا أنه سوف يبيعك بالمال. هذا ما كان يعرفه جيدًا، ومع ذلك أعطاه الأمان، ولم يتوقع منه الخيانة بهذه السرعة وخلال أيام معدودة. ذاك الذي يقف الآن بالقرب من الحائط، مصوِّبًا بصره نحوه ببرودٍ مدهش، يراقب التحقيق الذي يُجرى معه، وكأن الأمر لا يعنيه.

ـ انطج ياض، طلعت على بيت مزيونة، وكنت عايز تدخله ليه؟ سرجة ولا غرض تاااني؟

هدر بها حمزة، حتى ارتعشت لها أطراف الآخر، وهو يبتلع ريقه الجاف بصعوبة، ليواصل الإنكار بإصرار:

ـ يا بوي، معملتهاش، ولا أجدر أنط على البيت أصلًا. أحلف لكم بإيه عشان تصدجوني بس؟

كان حمزة في أوج غضبه، يود فعل الأفاعيل به، ولكنه يتحرى الصبر حتى يصل إلى غايته:

ـ مش هكلمك على الطلج اللي صاب رجلك، ولا عينة الدم اللي رفعتها الحكومة وأثبتت إن الفصيلة تخصك. يعني كلها أدلة تدينك ومثبتة عليك، يعني خلصانة.

دنا ليضغط بأنامل أصابعه الخشنة القاسية على جانبي فكِّ الآخر، حتى كاد أن يهشمهما، ليهمس بفحيحٍ وتوعُّد:

ـ حظك يا عطوة إنك متصاب في رجلك ومجادرش تمشي عليها، إنما لولا كده، كنت علّجتك دلوك زي الدبيحة في مروحة السجف، وأتسلّى عليك الليلة كلها.

توقّف برهة يشاهد الهلع الذي ارتسم على ملامح المذكور، كلوحة بائسة بهتت ألوانها حتى أصبحت كشحوب الموتى، ليُعزز من هواجس تعبث برأسه:

ـ لآخر مرة بسألك يا حيوان، كان للسرقة ولا لسبب تاني؟ عرفان ليه يد معاك في الموضوع ده ولا لاه؟

سمع عطوة الأخيرة وكأنها طوق نجاة يتمسك به، لينفد من يدي هذا المجنون، قبل أن يزهق روحه، إن واصل الضغط وأخذ الإجابة، وهي طمعه الحقيقي بمزيونة الفاتنة، وليس أي غرض آخر، حتى ابنتها لا تشغله.

ـ أيوه يا سعادة البيه، عرفان هو اللي سلطني، إني أفطّ على البيت وأهدد مزيونة وأخوّفها عشان تجبل ترجع له لما تحس بالخطر.

.................................

حين تطول السنوات على الذنب الذي اقترفته، ويطمئن جانبك من اكتشافه، تتناساه، بل ويغلبك الظن أنك لم تفعله من الأساس، وأن النتائج التي ترتبت عليه من خسائر للبعض وفوز لك ما هو إلا إرادة القدر. والقدر بريء ممن ماتت ضمائرهم، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم.

سارت تسحب أطفالها بمرح داخل منزلها، الذي دلفت إليه عائدة من الزيارة الأسبوعية لأهلها، وقد جدّدت نشاطها بيومٍ كاملٍ قضته في صحبة الأهل، وزيّنت نفسها بما يجعلها تسترد شغف زوجها بها. صادفت في طريقها إحدى المرايا الملتصقة بالحائط، لتقف أمامها وتخلع الطرحة التي تلفها حول رأسها، فانساب شعرها الذي صفّفته بالمكواة اليوم، وجعلته حريرًا يُحيط بوجهها الذي أضفت عليه بعض المساحيق لتبدو فاتنة كما ترى الآن، مما عزّز الثقة بداخلها لاستعادة زوجها الذي يصفعها بجفائه هذه الأيام.

لم تكن تعلم أنه هو أيضًا كان في انتظارها في هذا الوقت على أحرّ من الجمر، ليس حبًا واشتياقًا مثلها، إنما لشيء آخر، شيءٍ أخطر من أن تتصوره. فهو أيضًا استغل ذلك اليوم الذي فرغ فيه المنزل منها ومن أولاده، في رحلة من البحث استغرقت منه نصف النهار، حتى قلب الأثاث رأسًا على عقب، ليعثر في الأخير على غايته، ويتأكد أخيرًا من ظنه، بعد سنوات من الغفلة قضاها مع امرأة سوداء القلب مثلها. ولتكن المفاجأة من نصيبها الآن، وهي ترى منزلها بهذه الفوضى حينما قدمت إلى الطابق الذي يجمعها به:

ـ يا مري يا عرفان، إيه اللي عمل في البيت كدِه؟ مفيش كرسي جاعد مكانه! إيه اللي حُصل يا بوي؟

تلقى سؤالها ليعلّق بسخرية، وهو واقف أمامها ببرود يكاد أن يجلطها:

ـ معلش، أصلي كنت بلعب كورة مع نفسي، لما لقيت البيت فاضي عليّا.

رددت خلفه بملامح طفا عليها الريبة والاستهجان:

تجاهلها بإعطاء انتباهه للأطفال، وناولهم عددًا من الأوراق المالية حتى ينصرفوا مهرولين نحو البائع في شارعهم من أجل ابتياع الحلوى، ليخلو المنزل عليه وعليها. فتحرك داخلها الأمل، لتتغاضى عن الفوضى التي أحدثها بالأثاث، وتتذكر هيئتها الجديدة وزينتها، فتبادره بحديثها:

ـ شكلك كنت فاضي صُح وإحنا مش موجودين. يلا بجى مش مهم، أبجى أرتب فيهم براحتي بعد كدِه. المهم، إيه رأيك في النيولوك الجديد...

قطعتها بضحكة استفزته بسخافتها وهي تتابع:

ـ زي ما بيقولوا في المسلسلات، بس أدينا بنقلدهم وخلاص. ده لسه كمان لما ألبس عليهم قميص النوم، هتشوف إيه...

ـ هشوف إيه تاني يا بت؟ هو إنتي خلقتك دي حد كان يبصلها أصلًا من الأول؟

اجفلت بعدم استيعاب لفظاظته، مرددة:

لم ينتظر المزيد من اللغو، هجم عليها مباغتًا على حين غرّة، دافعًا إياها بكفّه حتى ارتطم ظهرها بالحائط خلفها، ثم ثبّتها ليرفع بيده الحرة شيئًا ما أمام عينيها، ويسألها:

تجدري تجوليلي إيه ده يا بت؟ برقت عينيها تنظر إلى تلك القماشة المطوية على شيءٍ ما بداخلها، وقد انفكت الخياطة عنها، لتخدع عينيها في البداية بعدم معرفته، حتى كادت أن تحلف على ذلك، قبل أن تتذكر أخيرًا جريمتها المنسية، لكثرة ما مرّ عليها من سنوات. ومع ذلك، ليس لها خيار إلا الإنكار:

ـ إيه ده يا عرفان؟ طلعته منين؟ يا مراري... ليكون حد عاملنا عمل؟... آه...

ما كادت تُنهي عبارتها، حتى تلقت على وجنتها لطمة مدوية جعلتها تصرخ من شدتها، قبل أن يجفلها بلفّ شعرها المُصفف حول يده، ليردد بشرٍ مطلق:

ـ وهو في حد شيطان غيرك يجدر يعملها؟! بجى أنا... أنا عرفان الأشقر يتعملي أسحار وتندَس في المخدة اللي بنام عليها بجالي سنين؟! أنا؟! يا ملعونة تكرهيني في مرتي وأهجرها بالسنين عشان خاطرك؟ عملتي إيه تاني يا بتاعة الأسحار؟!

صرخت بألم تدافع وتواصل إنكارها:

ـ آآآه! مين بس اللي جالك الكلام ده؟ مين اللي فتن واتبلى عليا ظلم؟ أنا بنت خالتك يا عرفان، مش غريبة عنك عشان أعمل حاجة عفشة زي دي!

ضغط بشدة حتى كاد أن يخلع الشعر من منبته، متابعًا:

ـ محدش جالي يا بوز الأخص! إنتي اللي الزمن غرك وخلاكي نسيتي إن المدعوج ده ليه مدة محددة، وخلصت خلاص! عشان أصحى أنا لنفسي وعقلي يشتغل... أنا اللي غلبني الشك، وجلبت البيت النهاردة عشان أعرف السر... لقيت العمل من غير ما حد يدلني على مكانه... خدته ورُحت بيه على واحد من عينة اللي عملهولِك عشان يفسّر كل الكلام في الورقة اللي جواه... بجى تعمليه بالمحبة ليكي يا بومة، وتخليني أكره مرتي اللي بحبها وبتي؟! أنا بتغفليني يا بت الفرطوس!

ليس لديها الآن إلا الدموع، تترجاه بمظلومية زائفة:

ـ حرام عليك يا عرفان، متصدقش! وحتى لو حصل، هتبجى واحدة من الاتنين... يا أمي، يا أمك! ما إنت عارفهم كانوا باكين عليك إزاي، وعلى الغلب اللي عايشه مع مزيونة المرضانة! أنا إيه ذنبي يا ناس؟

تمتم باستدراكٍ سريع، ليزداد اشتعال رأسه بالتخمينات، مردفًا:

ـ جبتي سيرة مزيونة ومرضها؟! أنا إيه اللي يضمني إن مرضها كان طبيعي؟! ما يمكن كان بأعمالك برضو يا ملعونة؟! أنا هشربك العذاب ألوان يا صفا، بحق كل اللي عملتيه في حجّي، وحق مزيونة! هعرفك زين عفاشة عرفان، وأجيبها ستّ عليكي تشتغليلها خدامة انتي وعيالك!

ختم كلماته، ليكيل لها اللكمات والضربات الموجعة في كل جسدها، غير آبهٍ بصراخها الذي ملأ الأرجاء حول المنزل، ولا بتوسلات أطفاله على باب الشقة مع بعض الجيران، التي تطوّعت للتدخل حتى تفصل بينهما.

فلم يُنجدها من بين يديه سوى تدخّل الشرطة التي اقتحمت، لتُجفله بحضورها، وتُبعده أيدي الرجال عنها، بحالة يُرثى لها، وكأنها على وشك الموت. فصرخ بهم موجّهًا الاتهام للجميع:

ـ واحد و بيربّي مرته، إيه دخل الحكومة؟! ولا مين اللي اتصل بيها أصلًا؟!

ـ محدش اتصل ولا بلغ عن ضرب مرتك أصلًا، مع إن دي كمان جريمة تضاف على جريمتك.

ـ جريمتي؟! جريمة إيه اللي عليا؟!

عاد إلى منزله أخيرًا، وألقى بجسده على الفراش يتأوه بتعب، لكن يغمره شعور براحة لا تُقدَّر بثمن، بعدما أنجز مهمته وسلّم المجرم الأول إلى الشرطة، ليدلّ بدوره على المجرم الثاني، ويتم القبض عليه هو الآخر في نفس الليلة.

ساعات قضاها مع الضابط المسؤول في مباشرة التحقيقات، ولم يغادر المكان إلا بعد أن اطمأنّ برؤية شريكي الجريمة مكبلين بأصفاد السجن الحديدية. لو بيده، لأذاقهما أضعاف العذاب، مقابل كل لحظة من الرعب عاشتها هي وابنتها في تلك الليلة. وربّ ضارةٍ نافعة، فبفضل تلك الأحداث، نشط عقله ليخطط لبناء منزل الأحلام بجوارها، ووجد حجته في القرب منها.

بقي له أن يرى ردّ فعلها حين تعرف بالخبر؛ لا بد أن يرى ملامحها بنفسه. كيف له أن يصبر حتى الصباح ليخبرها؟

بعد ساعات من التحقيقات التي قضاها أمام الضابط المسؤول، نفى واعترض، وحاول بكل السبل أن يثبت براءته، لكن لم يصدقه أحد. حتى في مواجهته مع ذلك الفاسد الذي افترى عليه، أصرّ الأخير على اعترافه بشراكته معه، بوقاحة منقطعة النظير. وحتى الآن، لا يستوعب جرأته في رمي التهمة عليه، لكن لا بأس، فقد حان موعد زجّه في زنزانة الاحتياط التي تجمع عددًا من السجناء الجدد، وكان هو من ضمنهم.

– خشّ يا مسجون مع أصحابك، وإياك أسمع لحد فيكم حس.

قالها رجل الأمن وهو يدفعه لينضم إلى المجموعة. قبل أن يُغلق الباب الحديدي، وقف في منتصف الغرفة يطالع وجوه المشتبه بهم، المنشغلين بشؤونهم عن استقباله.

بتركيز شديد، راح يبحث عن غريمه بينهم، دارت عيناه يمينًا ويسارًا لتعود إلى نفس النقطة، حتى وقعت أبصاره عليه أخيرًا، يتخفى بجسده الهزيل خلف أحدهم.

على الفور توجه إليه والتقطه من تلابيب ملابسه:

– بتداري نفسك عني؟ فاكرني مش هعرف أجيبك يا جبان؟

وختم كلامه بلكمة قوية على فكه الأيسر، كادت تطير صفّ أسنانه بالكامل، ليصرخ عطوة متوجعًا بصوت عالٍ، حتى التف حولهما الرجال يحاولون الفصل بينهما:

– جرى إيه يا جدعان؟ في إيه؟ صلّوا على النبي.

جاهد عرفان لتخليص نفسه من أيدي الرجال الذين كبلوه عن الفتك بخصمه، بينما راح الآخر يحتمي بعدد منهم، يدافع عن نفسه بالزور والإنكار:

– بتضربني وتحط غلبك فيّا؟ طب أولي اتشطر على اللي لبّسنا إحنا الاتنين لبعض عشان يخلاله الجو. أنا زيي زيك يا عرفان، افهم بجى.

– زيي فين يا نجس؟ سيبوني يا ناس، آخد فيه جناية أسهل لي. الواد ده...

قالها عرفان وهو يواصل محاولاته للإفلات من بين أيدي الرجال، الذين ازدادوا تشبثًا به، شاعرين بالخطر المتفاقم تجاه الآخر، الذي تابع بإصرار كي ينفي التهمة:

– أيوه يا عرفان، زي ما بجولك، أنا فيا كل العبر إلا الخيانة. بس الراجل اللي اسمه "حمزة القناوي" هو اللي سبكها زين جوي، ولبّسنا أنا وإنت مع بعض.

ارتخت ذراعا عرفان قليلًا، مع انتباهه للاسم البغيض على قلبه، يردده باستفسار طبيعي:

– حمزة القناوي؟ وإيه دخل حمزة القناوي بنصيبتك معايا؟ دا انت بتتبلّى عليا بعيـن جويـة يا واض... سيبوني أخلص عليه!

– والله أنا جولتلك، وإنت عندك عقل تميز بيه.

قالها عطوة، متابعًا بث الفتنة باختلاق القصص، حتى أسعفه الحظ بدخول رجل الأمن. وما إن رآه المذكور، حتى صرخ مستنجدًا به:

– الحقني يا شويش! الحقيني يا حكومة! هتحصل جريمة قتل النهاردة لو ما خلّصتونيش من الراجل ده، دا داخل مخصوص عشان يخلص عليا! الحقوني يا ناس!

وبالطبع، أتى صراخه بنتيجة؛ ليُنقل إلى زنزانة أخرى، بعيدًا عن أيدي عرفان الذي كان مصرًا على ارتكاب جريمة. تُرك عرفان وحده يصارع أفكاره، بين غلّ وتوعد بالقضاء عليه، وبين الحيرة التي اجتاحت رأسه، بعد الفكرة التي زرعها عطوة في عقله عن حمزة القناوي ونيته للتخلص منه من أجل الحصول على زوجته.

................................

أتى مبكرًا قبل الجميع، وقبل حضور رجال البناء، مكتفيًا بعدد قليل من ساعات الراحة. سحب طفله المشاكس حجةً للقاءها وإخبارها بالجديد. ولحسن حظه، كان هذا موعد خروج ليلى لمدرستها. وما إن رأت الصغير، حتى تهلّل وجهها في استقباله ببشاشتها:

– ريان باشا بحاله كده ع الصبح؟ دا إيه الاصطباحة الجميلة دي بس؟

قابلها الصغير هو الآخر بابتسامة، واندماج سريع لا يحدث إلا نادرًا مع الغرباء. قبلته من وجنتيه قبل أن تغادر إلى مدرستها، ليتقابل الوالد مع معذبته، بعد أن خرجت هي أيضًا على الصوت، تستقبل الصغير وتدلله بفطرة أمومية يتقبلها ريان برحابة، ويتلقّاها هو براحة شديدة، فتداعب الأماني الجميلة خيالاته.

تلقّى استفسارها برزانة شديدة، وأجابها:

– امبارح الشرطة قبضت على اللي اتهجم على البيت. بعد التحريات والأدلة اللي جمعوها، اتضح إنه عطوة... صاحب جوزك.

وقع تأثير الخبر علي ملامحها التي تقلصت بغضب، فجاء ردها، مفاجئاً له:

– عديم الشرف! أني برضو كان جلبي حاسس، عشان نبرة الصرخة المكتومة دي مكنتش بعيدة عن ودني.

– طب وليه ما جولتيش على شكّك ده للحكومة؟

– عشان ما ينفعش أتكلم لمجرد شك، مش يمكن يطلع بريء، أو يطلع حد غيره اللي عملها؟

تمتمت بها ردًا عليه، لكن بداخلها كانت تجزم أنه هو. لكنها تعلمت من تجاربها أن أمثال عطوة لن يغلبوا في قلب الطاولة، وربما يتهمونها باتهامات أخلاقية.

– على العموم، هو اعترف على اللي وزّه، واتقبض عليه هو التاني معاه.

– وإيه الغريبة في كدِه؟ دا عطوة بنفسه اعترف إنه هو اللي سلطه عشان يخوّفك إنتي وبتك وتجبلي ترجعيله. أظن فهمتي دلوك الغرض من ورا مجموعة الإغراءات اللي قدّمها لرجوعك ليه.

أومأت تدّعي التفهّم، لكن حدسها كان عكس ذلك تمامًا. رغم منطقية الأسباب التي ذكرها، إلا أن إحساسًا ما بداخلها يكذّب كل ما سمعته.

أما هو، فقد استفزه شرودها، وظنّ أن سبب صمتها هو شفقة على طليقها الملعون. كم ودّ لو يهزّها بعنف لعلها تنفض غبار التفكير به وتُدرك قيمتها كامرأة تستحق الأفضل، وتستحق كل ما هو جميل.

توجّه بسؤاله نحوها وقد غلبته عاطفته وأنساه الغضب حرصه. فقابل ردّها بنظرة غامضة من عينيها الجميلتين، طالعته بها بصمت دام لحظات، حتى شعر أنها تفهمه، ولكنها –كالعادة– لم تريحه بإجابة واضحة،أو أن ترطّب على قلبه الملتاع لو قليلاً:

– مالوش لزوم السؤال خلاص، الحكاية فضّت لوحديها. عن إذنك بجى يا أبو ريان، الناس البناونة بدأوا يهلّوا.

قالتها مشيرة بنظرها نحو عدد من رجال البناء القادمين من أول الطريق، لتسحب نفسها من أمامه، وتتركه في حالة من الغليان، تجعله يودّ الضرب بأقدامه على الأرض كالأطفال. هذه المرأة ستذهب بعقله لا محالة.

تنهد وسحب أنفاسًا عميقة، ليهدّئ قليلًا من وتيرة انفعاله، ثم أخرج الهاتف من جيب سترته، وهاتف من يعرف أنها ستسمعه:

– إيوه يا منى، عايز أحكي معاكي شوية... مخنوق.

وهكذا، مرّت الأيام بين مدّ وجزر، شعور من الفرح يحلق به إلى أعالي السماء، وآخر من الإحباط يُسقط به مكسور الجناح. حتى جاء ذلك اليوم المميز لأهالي البلدة......

...............................

بعد مرور شهر وفي منزل حماد القناوي، حيث الاستعدادات لليلة الختامية لمزار البلدة، والذي يتم الاحتفال به كل عام على مدار ثلاثة أيام، تُذبح الذبائح ويُطعم الجميع، وتُقام ليالي الذكر وسباقات الخيل (المرماح). يتحمل التكاليف كبار الأغنياء، ومن استطاع التبرع من باقي الأهالي فلا يُضر، فالغاية أن يفرح الجميع. وبما أن منزل حماد القناوي من كبار الداعمين، فمعظم احتياجات الحفل والطعام تخرج منه.

أما عن معاذ، فقد كان في هذا الوقت يُطعم الحصان وينظفه بحماس شديد أثناء حديثه مع والدته:

– ليلى هتيجي المرماح النهارده يا أم حمزة، يعني هتتفرج عليا وأنا في السباق وبرقص ع الحصان. الليلة هتبجى أحلى ليلة تمر على ولدك يا ست الكل. ضحكت حسنية وضربت كفًا بكف معلقة: – يا خويا ربنا يفرّحك على طول، هو أنا هكره؟ على الله بس يهدي أمها وترضى تجوزهالك، بدل ما تفضل كده معلَّق وراها بالسنين. – ووه يا أمه، ما تفوّليش في وشي. ده أنا مستني السنة دي تعدي على نار، وأول ما تمسك شهادتها في يدها، هاروح لمزيونة وأعملها ميت لو ما ادتنيش البت.

قالها معاذ بانفعال وهو يجهز الحصان ليعتليه، مما أغضب والدته، فأنهته قائلة:

– طب بطّل خربيط في الكلام، واهمد كده، كل حاجة تاجي بالصبر. ضرب بأقدامه على الأرض بعصبية: – أصبر ده إيه يا أمه؟ بجولك ع تجن على البت! ما تحسوا بيا يا جدعان باه.

جلجلت ضحكة المرأة في الحديقة حتى لفتت أنظار تلك التي كانت في الشرفة، فأعطت تركيزها التام لهما، مما أثار حنق معاذ، فنبه حسنية:

– طب أرجع أجولك تاني، خلي بالك، مرت ولدك ناكتة عينها علينا وأكيد هتحاول تجرجرك في الكلام، عارفها، هتموت وتعرف اللي فيها. خَطفت حسنية نظرة عابرة نحوها، وأومأت بقلة حيلة: – أجولها ولا ما أجولهاش عاد؟ ما هو كل حاجة نصيب. ربنا العالم، أنا كنت رايدة إسراء أكتر منها، بتنا اللي مربّينها وعلى الأقل جاهزة، لكن بقى، إنت غاوي تعب، أعملك إيه؟ ضحك وهو يستقر على حصانه مرددًا: – أديكي جولتيها بنفسك: غاوي تعب، والغاوي محدش يلوم عليه. ادعيلي بس ربنا يوفقني ويقرب المسافة.

شملته بنظرة إعجاب وهو يتحرك بحصانه العزيز مغادرًا نحو وجهته، لتتضرع إلى الخالق برجاء: – داعيالك يا ولدي، يريح جلبك إنت وأخوك، إن شاء الله يا رب، في أقرب وجت تنول مرادك.

أما عند منى، فقد كانت ترجُو زوجها هذه المرة في الخروج، رغم انشغاله بتصحيح كراسات التلاميذ المرصوصة أمامه:

– ممكن يا أستاذ منص تأذن لي أخرج النهارده؟ ومش هعوج بإذن الله، إنت عارفني. ضحكة صغيرة ساخرة صدرت منه ليعلّق دون أن يرفع رأسه إليها: – حلوة "عارفني" دي. طب جولي حاجة تانية على الأقل أبلعها، زي كل مرة ما بتضحكي عليا. أعجلي يا منى وبلاها لعب العيال، بلا مرماح بلا كلام فاضي.

تفهم جيدًا سبب رفضه، ومع ذلك تدّعي عدم الفهم: – يعني كل ناس البلد مجانين؟ وإحنا بس اللي عاجلين عشان نسميه كلام فاضي؟ خبر إيه يا منص؟ ما تفكّها شوية، حمزة أخويا هيزعل مني.

ترك التصحيح ليطرقع بالقلم على الطاولة بغيظ، مواجهًا لها: – أفهم بجى، يزعل ليه حضرته؟ ما يكلّف أي واحدة من أخواتك التانيين. أشمعنا ماسك فيكي إنتِ؟ مشاوير مستشفى، وجلنا ماشي، مشاوير لبيوت وزيارات، جلنا ما يضرش، ست وحدانية هي وبتها، إنما مرماح ومهرجان، رجالة رايحة ورجالة جاية؟

عند هذه النقطة، لم تقوَ على منع ضحكتها، لتردد بعد قليل: – يا راجل لساك برضو فيك الداء ده؟ ده أنا كبرت وبقيت حَجّة يا منصور.

– ما تجنّنيش! صاح بها بغضب حقيقي، وأردف بعصبية: – رايحة جاية تجولي كبرت! إنتِ ما كمّلتيش الخمسة والتلاتين أصلًا. ومش معنى إنك حجّيتي بيت الله يبقى خلاص عديتي السن ومحدش هيبصلك!

حسنًا، لقد وصل إلى تلك النقطة التي تتجنبها طوال الوقت منذ زواجهما، والتي لا يصح معها العبث أو المزاح، ولا يصلح معها إلا حديث العقل واستدراج عاطفته:

– حاضر يا منصور، إنت عندك حق. طب مش هاجولك إني لابسة خمار، ولا إني مغطية حتى ضُفر رجلي من تحت، لكن هأنبهك لحاجة وانت اللي تحكم. أنا طلّعتها في راس مزيونة إنها تطلع وتشوف الفرح في البلد. الست طول عمرها محبوسة، وإحنا ستات يعني طريقنا مختصر، والطلة وحدها لو من بعيد هتفرّحنا. مش بنات صغيرين هندخل من جوه، في وسط الزحمة على المراجيح والمهرجانات. وعلى العموم، يا سيدي، لو لساك معترض، أنا أبعَت لها البت تعتذر، وهي حرة بقى، وربنا يتولاها.

بحنق شديد صار يطالعها بصمت وتفكير متعمّق، رغم غيظه من مكرها في رمي الكرة في حجره حتى يكون القرار منه، بعدما استدعت عاطفته نحو المرأة التي يشفق عليها من كثرة ما حدثته عنها، ليزفر في الأخير حاسمًا:

– ساعة وهترجعي على طول. عوجتي عن كده؟ يبقى خلي حمزة ينفعك!

تهلّل وجهها، ودنت إليه تطبع قبلة على وجنته مرددة: – يا خويا، ده حمزة هيدعيلك من جلبه، وأنا أزيد من ساعة مش هاجعد، ربنا يجبر بخاطرك، يا رب.

....................................

"ياللا يا نسرين، ياللا يا سمر، عايزين نلحق نجضّي لنا ساعة حتى على الأقل!" هتفت بها ليلى موجّهة الحديث إلى صديقتيها، بعد انتهاء اليوم الدراسي، لتسحبهما معها، مغيّرات طريقهن نحو الاحتفال بدلًا من الذهاب إلى منازلهن كالمعتاد.

"ياللا ياللا، ما إحنا ماشيين معاكي. أها، هنركّب عجل في رجلينا؟ دا إحنا مفرهدين أصلًا يا غالية. يعني حقّنا نروح البيت ننام لحد ما ييجي ميعاد الدرس، مش نتفرّج على مرماح وكلام فاضي!"

عبست ليلى نحوها، ثم خاطبت الأخرى قبل أن تعود إليها:

"أنا كنت عارفة من الأول... البِت دي بُوز فقر! ما تهمدي يا بِت واتبطي، إحنا كل يوم هنلاجي حاجة حلوة نروحها؟ دا أنا مصدّجت إن أمي سمحتلي أجي رغم المذاكرة اللي ورايا!"

أيّدتها سمر، موجهة تقريعها للأولى:

"أنا معاكي يا صاحبتي، حتى لو هنتأخر. علقة تفوت ولا حد يموت! دي كفاية نشوف الحصنَة وجمال الحصنَة واللي راكبين على الحصنَة!"

ضحكت ليلى بانطلاق، وقد فهمت المغزى الذي تقصده سمر، لتضمها من ذراعها إليها مغمغمة:

"إيوه يا صاحبتي، انتي بس اللي فهماني. ربنا يخليكي ليا وما يحرمك مني!"

واختتمت بضحكة شاركتها فيها الفتاتان، مواصلات حديثهن والمزاح حتى وصلن إلى موقع الاحتفال؛ حيث ألعاب المراجيح الخشبية والسواقي التي التف حولها الأطفال، وأغاني المهرجان التي تذاع بصخب من سماعات عربات المثلجات والحلوى، وبائعي البطاطا المشوية الساخنة والذرة، صخب وزحام كأنه مولد شعبي.

واصلن طريقهن حتى وصلن إلى الساحة الضخمة لتجمّع الرجال، حيث رجال يعزفون المزمار، وسباق لخيولٍ بفرسانها تركض بعصا طويلة نحو نقطة معينة.

وفي جانب آخر، تواجدت خيول وأصحابها في مكان مخصص لهم للاستراحة للأستعداد لخوض السباق.

وقفت هي وصديقتاها، تبحث عنه، وقلبها كالطبول التي تُقرَع بالقرب منها. شعرت به يتحرك من موضعه فور أن وقعت عيناها عليه، يركض قادمًا بحصانه، عائدًا من تلك النقطة البعيدة لنهاية السباق. منتصب الظهر، يقوده بثقة المنتصر، فارسها المغوار.

هو أيضًا انتبه إلى حضورها من بين الفتيات، ليُشْعِلها بنظرة اخترقت وجدانها، وجعلت الفرحة تكتسح ملامحها بوضوح. لكن سرعان ما خبأت ابتسامتها بعد سماعها لقول سمر:

"ليلى، خلي بالك، مش عايزين حد يعلّق علينا ولا يفهم غلط."

"قصدك إيه؟" سألتها ليلى بتكلّف، لتجيبها نسرين بحرص:

"جصدها واضح يا ليلى، في واحد مدبّقنا من ساعة ما جينا الساحة، وعينه عليكي إنتي بالذات ما اتشالتش."

تطلعت نحو الجهة التي أشارت إليها بعينيها، فتأكد لها بالفعل أن هناك من يترصّدهن، شاب يعلو إحدى الخيول، يطالعها بفجاجة أثارت ارتيابها حقًّا. فسارعت لطمأنة الفتيات:

"هشوف معاذ وهنمشي على طول يا بنات، هو أكيد جاي دلوك، مش هيعَوّج."

وفي جهة أخرى، وقف حمزة يراقب قدومها بصحبة شقيقته العزيزة، والتي جاءت بها عبر طريق مختصر، بعيدًا عن الزحام، ومن أجل راحة الجميع.

كانت ترتدي عباءة سوداء محتشمة، لم تُنقص من جمالها شيئًا، بل زادتها فتنة، حتى جعله يندم على ترحيبه بالفكرة. لكنه أرادها أن تعيش عمرها، تعوّض ما فاتها. يكفيه أن يرى تلك الابتسامة الساحرة، وهي تتحدث بعفويتها مع شقيقته التي تجبرها بخفة ظلها على الضحك.

تنهد داخله بلوعة... متى تشعر به؟

عودة إلى الفتيات وقد اتخذن موقعهن بعيدًا عن الزحام إلى حدٍّ ما، بناءً على اتفاقٍ مسبق بين ليلى وذلك الفارس الذي اقترب بحصانه نحوهن، يُلقي التحية على الفتاتين اللتين ابتعدتا بمسافة قريبة نسبيًا من تلك الحورية التي وقفت تُقابله بلهفة، ومشاعر جمعت بين الفرح لرؤيته بعد ذلك العرض الذي قدّمه مع المجموعة، وجعل قلبها يتراقص على أنغامه، كما كان يتراقص حصانه الجميل على المزمار، وبعضٍ من القلق المتزايد بسبب ذلك الشاب الذي يتبعهن منذ قدومهن، ولم يرفع عينيه عنها حتى الآن.

كاد قلبها أن يتوقف من فرط فرحته، وهي تستقبله ينزل عن حصانه المحبب، يُخاطبها لاهثًا بعد المجهود الرائع الذي بذله، ليُثبت لها أنه فارس حقيقي، وليس مجرد كلمات في الهواء:

ـ أخبار الجميل إيييه؟ عجبك المرماح؟

ـ جوووي! من زمان بتحايل علي أبوي عشان يجيبني، لكنه دايمًا كان بيرفض، كان نفسي بس أركب ع المراجيح والسواقي... يا ريتني كنت صغيرة بقى.

ـ أبو العيال على الكل كليلة، لو عليّا كنت مشّيتهم كلهم وسيبتك لوحدك تلعبي بيهم، بس أعمل إيه بقى في العيون اللي بتناظرك؟ دي كمان عايزة مجهود لوحديها عشان أخذق عينين كل واحد بيبص عليكي.

ضحكت تُغلق فمها بكف يدها مرددة:

ـ والله إنت مجنون يا معاذ. أضاف عليها بتأكيد: ـ بيكي! أنا مجنون بيكي يا جلب معاذ... استني هنا، هروح أجيبلك حاجة حلوة.

ـ هتروح فين؟ استنى، أنا مش عايزة حاجة.

لم يستمع لندائها، بل ابتعد خطوات قليلة متوجهًا نحو إحدى العربات المُزينة بالقرب منهم، ليبتاع لها الفشار...

---...............................

وفي ناحية أخرى، توقّفت المرأتان بجوار عربة الحلوى، لتُعلّق مزيونة بخجل ضاحكة أيضًا:

ـ أما إنتي عقلك صغير يا منى! هنمشي إزاي باللي اشتريناه ده يا وَلِيّة؟

تبسمت الأخيرة بتصميم وهي تمسك عددًا من الأكياس المُنتفخة بداخلها الحلوى:

ـ اللي يعرف أبويا يروح يقوله، كُلي يا بُت واتمتعي، يا فقريّة! مش كل يوم هنلاجي فسحة ولا نشم هوا بعيد عن الضغوط.

ـ ضغوط إيه؟ سألتها ببراءة، لتُجيبها الأخرى بمغزى:

ـ الضغوط وأبو الضغوط! ده أنا مصدّجت إني أتخلّى عنهم النهاردة، يا ساتر! بحسد السناجل والنعمة.

فهمت مزيونة إلى ما ترمي إليه، عن زوجها والأطفال، لتُغرقها كعادتها في نوبة من الضحك ، فتنسي اتزانها المُعتاد، حتى تفاجأت بمن ظهر أمامها من العدم:

ـ ما شاء الله عليكم، ساحة المرماح نوّرت بيكم.

ضحكت منى تستقبل أخاها بكلمات مفهومة إليه:

ـ عارفين يا واد أبوي، خليها تنوّر وتزهزه، هو إحنا جليلين؟

ـ لا طبعًا يا ست منى، كِد كلامك. عاملة إيه يا ست مزيونة؟

تبسمت تُجيبه بخجل طغى على ملامحها، حتى تورّدت له وجنتاها، وكأنها فتاة في عمر المراهقة، لم تنجب أو تتزوج من الأساس، رغم حرصها الدائم على إخفاء مشاعرها:

ـ زينة يا أبو ريان، الله يبارك فيك... صحيح هو فين ريان؟ أومأ لها بسعادة نحو مجموعة من الأطفال تلعب بالقرب منهم، ينادي مصدر حظه وقُربه منها طوال الأيام الفائتة:

ـ واد يا ريان، تعالَ هنا سلّم على عمتك وعلي الست مزيونة.

عاد معاذ مُحمّلًا لها بمجموعة أشياء أخرى، يُشير لها كي تفتح كفّيها، بتصميم جعلها تَكتم ضحكاتها بصعوبة حتى لا تلفت الأنظار نحوها في هذا الزحام الصاخب، وهي تتلقى منه قطع البطاطا الساخنة المُغلفة، والمثلجات أيضًا، لتُردّد بغبطة:

ـ كفاية يا مجنون! مرة فشار، مرة هريسة، ودلوك بطاطا وآيس كريم؟ والاتنين عكس بعض! عايز تبوّظلي سناني يا معاذ؟

ـ بعد الشر على سِنّانك يا حبّة القلب. قالها وهو يُخرج من جيب جلبابه قطعة شوكولاتة أخرى مشددًا:

ـ كُليهم ولا وزّعي على البنات أصحابك، المهم تاخدي كل اللي ادهولِك. أنا عايز اليوم ده يفضل مُعلّم معاكي العمر كله. وده اللي أجدر عليه دلوك، لكن لو عليّا، لا أخليكي تلعبي على كل المراجيح واللعب. بس بسيطة، بعد الجواز نعمل كل اللي نفسنا فيه.

قال الأخيرة بغمزة أربكتها، لكنها كعادتها لا تُعطيه فرصة الاستمتاع بخجلها، لتعقّب بعبوسٍ مُصطنع:

ـ أُممم... ماشي يا خفيف. عدّيني بقى، خلّيني أرجع للبنات عشان نروح، دول على آخرهم أصلًا.

قالتها ليَلتف نحو الفتاتين، وقد اعتلي علي ملامحهما القلق، لتُومئ إحداهما لها نحو ذلك الشاب المُتربّص في جهة قريبة منهن. وما إن التقط نظرتها نحوه، حتى افترّ فمه بابتسامة غامضة وتلميح غير مريح، فانتبه إليه معاذ وسألها:

ارتبكت في لحظتها، ولم يُسعفها الوقت في البحث عن إجابة، وقد تكفّلت بها نسرين صديقتها، التي وصلها السؤال لترد بعفويتها:

ـ دا واحد بيعاكس. من ساعة ما دخلنا أرض المرماح، وعينه مش سايبة واحدة فينا... وخصوصًا ليلى.

سمع منها، واحمرّت عيناه فجأة بوميضٍ مُخيف، مرددًا:

ـ عينه مش سايبة واحدة فيكم، وخصوصًا ليلى؟ يعني الواد ده بيعاكسك يا ليلى؟

لم ينتظر ردًا على سؤاله، وتوجّه نحو الفتى يهمّ بتأديبه، مغمغمًا بشر:

ـ ده ليلة أمه مش معدّية النهاردة!

ـ استنى يا معاذ، ملناش دعوة بيه! قالتها في محاولة لإثنائه، فكان رده أن دفع يدها عنه، متوجهًا نحو هذا الشاب السمج، والذي وقف ينتظره مُتحفزًا، ليرد على أسئلته بوقاحة كما يبدو، أمام أنظار الفتيات.

وجاء الرد سريعًا من معاذ، ليسارع بتلقينه درسًا لن ينساه، ولم يكن الشاب ضعيفًا ليتلقّى الضرب دون رد، وكانت النتيجة معركة حامية التف نحوها عدد غفير من الرجال والشباب، حتى وصل الخبر إلى حمزة ومن معه، فجاؤوا مُهرولين لاستكشاف الأمر، لتتفاجأ مزيونة بموقع ابنتها المُميز بالقرب من الشجار، وهي تبكي خوفًا وفزعًا من مشهد العراك أمامها.

تدخّل حمزة بصرامة، ليرفع شقيقه عن ذلك الغريب قبل أن يُزهق روحه، والذي ما إن خرج صوته، صرخ بعلو، قاصدًا افتعال فضيحة:

ـ طب إنت مالك يا بارد؟ أبصلها ولا أعاكسها حتى؟ ولا هي حلوة ليك وعفشة لغيرك؟

غلى الدم في عروق معاذ، حتى لم يترك الفرصة لشقيقه أن يرد بقسوة، فجاء رده مدفوعًا لحفظ كرامتها ومسؤوليته نحوها:

ـ مالي؟! إنها خطيبتي يا حيوان! يعني اللي يتجرأ عليها، أجطع سيرته من الدنيا كلها!

سمعت مزيونة، لتُذهل ببصرها نحوه، ونحو ابنتها التي صُعقت بحضورها، لتتمتم لها بصدمة وتساؤل موجع:

رواية لاجلها الفصل الرابع عشر

بالرغم من الزحام، هناك أرواح تمضي وحدها.

قلوب تتكئ على الفراغ، وعيون أرهقها الانتظار.

قد نغلق النوافذ، لكننا لا نغلق الحنين.

بعض الوداع لا يُقال فيه شيء، لكنه يأخذ منا كل شيء.

أحيانًا، يمضي أحدهم بصمت… ويأخذ معه كل الأصوات.

ويتركنا نرتب تفاصيل الغياب على أمل ألا ننهار.

لكننا ننهار... فقط بصوت خافت، لا يسمعه سوانا.

الخذلان لا يأتي فقط ممن نكرههم،

بل من الذين وعدونا أن يكونوا لنا وطنًا... ثم غادروا.

فلا الطمأنينة عادت، ولا نحن عدنا كما كنا.

لأننا اعتدنا أن نُخفي الألم خلف قناعٍ من الصبر،

وأن نكمل الطريق، حتى لو بأقدامٍ مثقلة بالخذلان.

المراجعة والخاطرة للجمر حجي/ #سنا_الفردوس

لقد فعلها وأعلنها أمام الجميع، ولم يُكذِّبه أحد، حتى والدتها التي تلقت الخبر كالغرباء، لم تنطق ببنت شفة، وقابلت أمرها بصمتٍ تام ومريب أيضًا.

قالها لينفض عنه وعنها أي اتهام، فينجيها من شرر ألسنة البشر، ليمر هذا الحدث الجلل بسلام، ويحين الآن وقت الحساب.

وقفت هالة في أعلى الدرج تتابع الشجار الساخن أسفله بصمتٍ مدهش، رغم الغليان بداخلها ورغبتها في الصراخ في وجوههم. لكن فضولها في معرفة التفاصيل جعلها تصبر وتحلل قبل أن تُصدر أي رد فعل:

– استريحت دلوك؟ استريحت بعد ما خلّيت الكل يمسك في سيرتك إنت والبنية؟ استريحت بعد ما لمّيت أهل البلد كلهم يشهدوا عليك وإنت بتربي الواد الصايع ده؟ جدع يا معاذ، جدع يا بشمهندس يا عاقل يا راسي!

ختم حمزة كلماته وصفّق كفّيه بعصبية وتشنّج من فرط غضبه، حتى جعل الآخر يبرّر مدافعًا:

– راسي ولا مجنون! كنت عايزني أسكت وأخلّي الناس تمسك سيرتها بعد ما الواد ده خرّبط بحديته؟ والله لو كان يخصني أنا وبس ما كنت عبرته، لكن عند ليلى أصوّر جتيل!

صرخ بالأخيرة حتى أثار جزع والدته، فسارعت بالتدخل لتهدئة الأجواء بين ابنيها مرددة:

– ما خلاص يا بوي، اللي حصل حصل، كده كده الواد عايزها وهي كمان رايداه. بكرة نعلّي الجواب وما حدش يقدر ينطّق ببوم حتى. قال: زيتنا في دقيقنا، ومحدّش شريكنا.

– ههاي! جال زيتنا في دجيجنا ومحدّش شريكنا!

هتف بها حمزة بضحكة ساخرة خالية من أيّ مرح، ثم التفت عنهم، يعطيهم ظهره ليهدّئ من وتيرة أنفاسه المتصاعدة بتوترٍ ملحوظ، وتتدخل منى الصامتة منذ بداية النقاش الحاد بتعقيبها:

– الموضوع مش سهل زي ما إنتي فاكرة يا أم حمزة، ولا المجنون ولدك كيف ما عجّله مصوّرلُه. منظر مزيونة النهارده وهي بتسحب بتها بهدوء ومن غير أي كلمة، ما يوحّيش بأي خير. ده غير إنها مش بالسذاجة دي اللي تخليها تجبل بالأمر الواقع. معاذ غلط إنه كلمها أصلًا في المرماح. خلّينا نبجى واضحين مع نفسنا، ما نبرّرش عشان نطلع بحلول تغصب غيرنا على حاجة هو مش عايزها.

كاد حمزة أن يشكر شقيقته بعدما فسّرت طبيعة الوضع القائم بهدوء وعدل، دون تحفز جائر لشقيقها، حتى أثّر على معاذ الذي بدأ يصحو على حقيقة خطأه، فيأتي رد حسنية بطبيعة أمومية بحتة تُعارضها:

– ليه يا بتي نسميها غصب؟ هي مزيونة لو لفّت الدنيا كلها، هل تلاجي زي المهندس معاذ؟ تربية الأزهر وزين شباب البلد كلها! ده غير إننا مستعدين ننفذ لها كل طلباتها من جنيه لمليون، اللي تأمر بيه إحنا كدِيه!

صاح بها حمزة وقد عاد للانفعال مرة أخرى مردفًا:

– يا أمه، الله يرضى عنك، خلينا نفكّر بعجل ومانخليش عواطفنا هي اللي تغلب! اللي حصل ما كانش في أوضة ولا في سوق حتى، ده حصل جدّام أمة "لا إله إلا الله" من أهل البلد... أهم حاجة نرضي مزيونة. ده حقها علينا دلوك!

قالها بصرامة وحزم حتى أيدته والدته بحماس:

– وماله يا ولدي؟ إحنا نخطف رجلينا عليها العشيّة، تكون هي هدِيت شوية، وأنا ليك عليا أصالحها وأراضيها كمان عشان توافق وتقتنع، وهاخد منى معايا.

– لا معلش يا أمه، اعفيني أنا. كفاية عليا الموشّح الي هاخده من منصور على تأخيري، أسيبكم بَجى وأروح أشوفه. فوتكم بعافية.

تحرّكت مغادرة، لتردد حسنية من خلفها:

– الله يعافيكِ يا بتي، وإحنا إن شاء الله نطمنك بالأخبار.

– الأمور سهلة إن شاء الله، ما تعجّدوهاش على نفسكم. وهي في واحدة في الدنيا تكره راحة بتّها؟

تهللت ملامح معاذ استجابة لكلماتها، وقد ارتسمت بخياله الأماني، على عكس حمزة الذي ردّد بقلق:

– أتمنى ده يحصل فعلًا، ما أنا قلبي مش مطمن.

أما هالة، فقد تحرّكت هي أيضًا ذاهبة لغرفتها، وحالة من الغليان تسري داخلها نحو تلك "المزيونة" وابنتها، وأهميتهما الظاهرة بعنف نحو الأربعة، حتى المرأة الكبيرة نسيت شقيقتها ووعودها الدائمة بتزويجها لهذا المتمرد، الذي كان يتعفف عن الزواج، والآن يُفتح له ألف باب. اللعنة على تلك الحيرة التي أصابتها... هل السر في الأم أم في ابنتها؟

بهُدوء تُحسد عليه، لم تنهَرها، ولم تضربها أو تثر عليها كما تفعل باقي الأمهات في ردّ فعل طبيعي، لكنها خالفت المتوقّع، ليس من أجل شيء سوى أن تفهم... تفهم ما حدث، ولماذا هذا المعتوه تصرّف هكذا أمام الناس علي أنها شيء يملكه؟

أما عن ليلى، فقد تسبب الصمت في انهيارها، فبدأت تحكي وتبرّر وتحكي، دون أن تترك تفصيلة واحدة، حتى لو لم يكن لها محل من الإعراب، لكنها أصرّت ألّا تُخفي عنها شيئًا:

– بس... كل ده اللي حصل من طج طج لسلام عليكم، ما خبّيتش عنك أي حاجة يا أمي. أكيد أنا غلطت ومستعدة لأي عقاب منك، بس والله كله حب شريف، مفيهوش أي تجاوز من أي نوع. يعلم الله، حتى سلام اليد كان ممنوع.

أسهبت وأسْهبت في التبرير، ومع ذلك لا تجد منها إلا الصمت، تطالعها بأعين خاوية، لا تدري إن كان بها عتب، أو خيبة أمل، أو حسرة.

ليتها ضربتها حتى كسرت لها عظامها، على الأقل سيكون أرحم من هذا السكوت المطبق.

– يا أمي، رُدي عليّا، الله يرضى عنكِ!

هتفت بها ليلى وقد فاض بها، لتنهض من جلستها وتسقط أسفل قدميها، تجلس على الأرض، تحتضن ركبتيها وتشهق من فرط بكائها، طالبة السماح، مرددة بصوت متقطع:

– سامحيني يا مزيونة... ولا ولّعي فيّا أحسن... أو اضربيني وكسّري عضامي، إنما ما تجعديش كده ساكتة! أحب على يدك ياما، أحب على رجلك...

وتابعت البكاء بنشيجٍ حارق، حتى بلّل سيل دموعها قماش العباءة فوق ركبتي مزيونة، والتي أشفقت عليها أخيرًا، فتنهّدت بعمق قبل أن تمسكها من ساعديها، لترفع رأسها إليها قائلة بحزم:

– أنا مش هضربك، ولا حتى هحاسبك. أنا بس هطلب منك حاجة واحدة عشان أسامحك، يا كده يا ما تبجيش بتي من الأساس.

التقطت ليلى استجابتها بلهفة، تومئ برأسها بالموافقة، رغم توجسها الشديد من القادم.

فرفعتها مزيونة من ذراعيها حتى أجلستها مقابلة لها، ثم ألقت عليها بصرامة:

– أنا مستعدة أنسى اللي فات، بكل أغلاطك فيه، من أول ما داريتي عني معرفتك بمعاذ، لحد جرْسة المرماح واللي حُصل فيه. بس بشرط: إن اللي جاي كله بكلمتي. أنا اللي هقرّر مستقبلك يا ليلى، وانتي اللي عليكي تجولي حاضر، مهما كانت صعوبة القرار، وأظن إنك عارفاه زين.

وكيف لا تعرفه؟! وهو بمثابة الإعدام لها... ومع ذلك، لا تملك الاعتراض.

وكأنها ملكت قلبًا من حجر، واصلت مزيونة الطرق على الحديد ساخنًا حتى تغلق باب النقاش إلى الأبد:

بانهيار أشد من السابق، ردّت ليلى بصوتٍ بحّ من شدّة الحزن:

– موافقة... كل اللي تجولي عليه... أنا موافقة بيه.

ختمت، لتنطلق في موجة أخرى من البكاء بحرقة، حتى جذبتها مزيونة إلى صدرها، تضمّها وتحتويها، وتُخفي أيضًا دموعها.

لا تملك الجرأة في مخاطبة حمزة أو شقيقه المتمرد، وإن هاتفت منى وسألتها، فسوف تتلاعب بها كعادتها. كما أنها حانقة وبشدة من زوجة عمها التي تخلّت عن وعودها، وباعت شقيقتها لصالح امرأة غريبة وابنتها.

فكان لا بد أن تجد من تنفث فيه طاقة الغضب التي تحملها داخلها منذ ساعات، ومنذ معرفتها بما حدث، الأمر الذي قلب الموازين رأسًا على عقب. ومن أمامها يشاركها مخدعها سوى زوجها، الغافل عن كل ما يحدث من مصائب حوله، وقد كان عائدًا لتوّه من الخارج، ألقى التحية بروتينية باردة:

– مساء النور، أخيرًا جيت يا خليفة، الدنيا تضرب تجلب، وإنت كنك في دنيا تانية ومش عايش معانا!

قطّب حاجبيه، وتوقف عن التوجّه نحو المرحاض، ليعلّق بضجر واستنكار:

– أعوذ بالله منك ومن خشمك اللي بينقط زفت، الفال سعد، محدش فهمهالك دي؟

نزلت من على التخت، تقابله في وقفته متحفّزة:

– لاه دي عارفاها من زمان يا خليفة! بس أنا هحكم إنها "سعد" على أساس إيه؟! ما أنت لو سمعت عن الجرسة والفضيحة اللي عملها أخوك في ساحة المرماح، وعركته اللي اتلم عليها أهل البلد كلهم، أكيد كنت فهمت أنا قصدي إيه!

زام بها بشفتيه باستدراك لمقصدها، ثم أردف ببساطة كادت أن تصيبها بذبحة صدرية:

– يعني إنتي كل عراكك ده عشان معاذ؟! طب ما هي العركة فضّت، وولدنا عرف يوقّف الواد الصايع ده عند حده بعد ما إدّاه الطريحة وادّبه.

سمعت منه لتخرج من نصف حلقها شهقة استنكار، وعيناها برزتا للخارج، ترددت بعدم استيعاب:

– يعني إنت كمان على علم يا خليفة؟! كنت عارف إن أخوك ماشي مع واحدة وبيتعارك عليها في و...

قاطعها بها، ليردف مشددًا برفع سبابته أمام وجهها:

– غلط في بنت الناس، مش هسمحلك، ليلى أخويا طالبها بالحلال، وحكايته معاها في النور جدّامنا كلنا، يعني مش في الضلمة عشان يتقال ماشي معاها!

قابل صرختها بعدم اكتراث، مؤكّدًا:

– أيوه يا ستي كنت عارف. حمزة ومعاذ الاتنين مكلميني في الموضوع، زي ما أنا عارف إنهم دلوك رايحين لأمها عشان يجيبوا منها الموافقة على الخطوبة رسمي.

هل يقصد إصابتها بالجنون؟ لو كان غرضه هذا، فهو قد نجح. فهيئتها التي توشك على الانهيار كانت بالفعل على شفا ذلك:

– يعني كل ده بيحصل من ورا ضهري، وإنت عارف ومشجعهم كمان؟! بتداروا عليّ كأني عدوتكم؟! وأختي إسراء، زينة بنات العيلة كلها، أخوك يرفضها علشان واحدة زي دي؟!

عاد مشددًا بنبرة حازمة، غير آبه بانهيارها:

– للمرة التانية بنبّهك: متغلطيش في البنت، اللي اسمها دلوقتي جدام الناس "خطيبة أخويا"، وبكرة هتبجى مراته، يعني اللي يمسها يمسنا. وبعدين إيه دخل أختك باللي حصل؟!

توقف متأملًا ملامحها المصدومة، يستطرد بقصد:

– دي حاجة اسمها "جسمة ونصيب". يعني لو ملهاش بخت فيه، ربنا يرزقها بالأحسن، يبقى الواجب إنها تشيل من دماغها، عشان لا الحب ولا الجواز بالعافية ولا الفرض... وكل واحد يحافظ على كرامته.

في منزل مزيونة، كانت الجلسة التي تمت بناءً على طلب رسمي للقاء بها بعد حادثة الصباح.

لم تحضر منى، لتحل محلها والدة ياسين، الأخت الأصغر من حمزة، والذي خجل بدوره في الحضور. مع إصرار مزيونة، أن يقتصر الحضور على عدد قليل، تجنبًا لغضب شقيقها، الذي فضّلت عدم إعلامه بالأمر الآن.

بدأ معاذ الجلسة مبادرًا باعتذاره:

– أنا بكرر أسفي للمرة الألف، يعلم الله إن تصرفي ده ما طلعش غير من غيرة وخوف على ليلى، مش أكتر من كده.

تلقت اعتذاره بملامح باردة دون أن تبدي أي رد فعل. فتدخلت شقيقته الكبرى:

– معاذ رايد ليلى بالحلال يا مزيونة، وتصرفه ده على كد ما هو متسرّع، بس بصراحة ما نقدرش ننكر إنه جه في وجته، عشان يخرص أي حد حب يتطاول بكلمة.

تبسمت مزيونة بتسلية رغم حنقها من عفوية المرأة، التي لا تجيد انتقاء الكلمات مثل شقيقتها منى. ثم جاء رد فعلها حين تلقت لكزة قوية من والدتها، التي سارعت لتصلّح:

– لا حد يجدر يتطاول ولا يتكلم أصلاً. بصي يا ست مزيونة، أنا هاجيبلك من الآخر. سيبك من كل اللي حصل، وخلّيكي معانا، الموضوع ده جاي من عند ربنا، عشان يوفّق ما بين العيلتين في بعض. إحنا رايدينها، ونشيلها بشنطة هدومها، واللي إنتي عايزاه إحنا تحت أمرك.

– تعليم ليلى مش هجصّر فيه يا خالة مزيونة، ولو على موتي! لو حصلت أذاكرلها بنفسي، هاعمل كده. المهم إنها تجيب المجموع الكبير وتدخل جامعة محترمة. أنا دريان إن ده حلمها وحلمك، وحلمي أنا كمان دلوك.

خرجت عن صمتها أخيرًا، بهدوء يثير الدهشة:

– بس أنا مش هشرك حد في حلمي أنا وبتي يا معاذ، لأن الموضوع منتهي أصلاً. متزعلوش مني، يعني... أنا جاية من الأول، اللي عايز بنتي، ينتظرها لحد ما تخلص تعليمها.

وقع قرارها كالصاعقة على الثلاثة، حتى ألجمهم عن الرد لحظات. ثم استوعبتهم حسنية أولًا، وجادلتها بحرج:

– أيوه يا بتي، بس... معلش يعني، أنا جصدي...

– جصدك موضوع الخطوبة؟ لا، دي مش مستاهلة تفكير أصلًا.

تدخلت أم ياسين مستفسرة، أمام صمت معاذ الذي أصابته كلمات مزيونة بالدوار:

– مش مستاهلة تفكير إزاي؟ معلش، متزعليش مني يعني... ليلى جدام الناس تعتبر مخطوبة رسمي لمعاذ، من غير حتى جراية فاتحة ولا شبكة!

ردّت مزيونة، ووجّهت نظرة حادة نحو معاذ، قبل أن تستكمل:

– إنتي بنفسك جولتي "يُعتبر"، وده كلام زي أي كلام. نسكت عليه شوية،كد خمس تاشر يوم كده، وبعدها ننشر إن الخطوبة انفلتت. وإحنا برضو حبايب، ومفيش أي حاجة وحشة بينا تمنع الجواز لما تخلص تعليمها.

أطفأت جذوة الأمل داخله، قطعت عليه عشمه بفرحة العمر. كيف طاوعها قلبها؟!

بقلب منفطر، تابع حلقة النقاش التي صارت تُدار أمامه من والدته وشقيقته، أمام مزيونة المتعنتة كالصخر. صارت عيناه تبحث عن وليفته، يريد منها ولو إشارة واحدة فقط، وسوف يفعل المستحيل. كيف تتركه يصارع وحده الغرق، دون أن تمد له يد المساعدة؟ كيف لها أن تتركه يحارب وحده في معركة تخصّهما معًا؟

شارِدًا في زحمة أفكاره، لا يدري أنها داخل غرفتها تكتم صوت بكائها على وسادتها، لا تقوى حتى على الاعتراض... بعد العهد الذي أخذته عليها والدتها، والذي لا يمكن أن تنقضه إلا بالموت.

نهض خليفة من جلسته مع شقيقه حمزة، ليتلقّى والدته التي كانت عائدة من الخارج. أجلسها بجواره، تلتقط أنفاسها في البداية، قبل أن توجه لهما أمرها:

– حد فيكم يشوف الواد ده، مش ناجصين يطينها أكتر ما هي مطينة!

– يا ساتر يا رب! إيه اللي حصل؟ وهو معاذ راح فين أصلًا؟ ولا أم ياسين؟ إزاي سابوكي ترجعي لوحدك؟ عقّب بها حمزة، قبل أن يأتيه ردها:

– أم ياسين وصلناها على بيت جوزها بالعربية، أما أنا، فوصلني لحد باب البيت، وجالي مخنوق، وماقدرش أدخل. أنا خايفة يعمل حاجة في نفسه بعد ما مزيونة رفضت للمرة التانية جوازه من بتها.

تمتم بها حمزة، ليضيف عليه خليفة بدهشة:

– كيف الجزينة دي ترفض؟! هي مش دريانة إن خبر الخطوبة بجى مسمّع في البلد كلها؟! هي المرة دي عايزة توجف حال بتها ولا إيه؟

– إيه اللي حصل عاد يا ولدي؟! مزيونة دي طلعت صعبة جوي!

زفر حمزة، يقابل نقد شقيقه ورد والدته بحزن شديد على الآخر. هذه المرأة تفاجئه كل يوم. تلك العنيدة، كيف ملكت الجرأة لتفعلها؟ تقلب الطاولة فوق رؤوسهم دون أن يرفّ لها جفن؟ وتحوّل نقطة ضعفها إلى مركز قوة؟

– أنا رايح أشوف الواض فين وأطمن عليه.

وغادر، تاركًا لهما الجلسة التي خيّم عليها الحزن... على عكس ما كان يحدث عند صنف آخر من البشر، تلك التي كانت تستمع إلى حديثهم، بقلب يتراقص فرحًا، تغمرها سعادة بعد رفض هذا المتمرّد، لتمتم بشماتة واضحة:

– أحسن! عشان يعرف قيمة إسراء أختي!

في عتمة الليل وسكونه، وقلبها ينزف حزنًا على ما قد تم، وما فعلته بيدها، تنهشها نيران الحيرة؛ لا هي قادرة على التراجع، ولا تملك القدرة على المواصلة. إن اختارت نفسها واختارته، ستخذل أقرب الأشخاص إليها، من هي قطعة من روحها. وإن استمرت وتشبثت بقرارها، فإنها بذلك تكتب شهادة موتها وهي على قيد الحياة، ويبدو أن هذا ما تم بالفعل.

لم يعد لديها سوى سيل الدموع على وسادتها، إنها حتى لا تملك رفاهية البوح بها. هذا ما تبقى لها... ولكن...

صوت صهيل خيل دوّى فجأة يصل إلى مسامعها، جعلها ترفع رأسها، ثم تنهض بلهفة نحو النافذة الخشبية القديمة، فتحت شراعها، لتفاجأ به؛ فارسها المُظفَّر يعتلي حصانه العربي، يدور به في دائرة صغيرة على مسافة آمنة نسبيًا من المنزل. يشير لها بقبضته نحو صدره بعنف ثم نحوها، في إشارة واضحة بأنه لن يتركها، حتى لو تخلّت هي عنه.

وبدون أن تشعر، غلبتها الفرحة بقدومه؛ لتضحك رغم دموعها، وعلى غير إرادتها، تتخلى عن جمودها. فيصل إليه مشهدها كاعتراف غير منطوق، يرطّب قلبه الملتاع.

فيزداد إصراره وتمسّكه بها رغم كل ما حدث، ويتضاعف التأكيد داخلها هي أيضًا بعشقه. مجنون ليلى لم يفقد الأمل بعد، مجنون ليلى لن يتركها إلا بخروج الروح من جسده كما قال؛ فهي الروح، ومن بعدها الموت.

استيقظت باكرًا لتلحق بنشر مفارش النوم والأغطية على الأحبال المعلّقة خلف المنزل، أسفل شجرة التين العتيقة، في روتين يومي لا تتوقف عنه أبدًا لتستفيد من ضوء الشمس، وتسبق مجيء الرجال البنائين الذين يأتون للعمل في المنزل المقابل.

لتتفاجأ به اليوم جالسًا بالقرب منها على المصطبة الطينية، لكن متى قد جاء إلى هنا؟

آسف لو خضيتك يا ست مزيونة، بس أنا جاعد هنا من خمسة تقريبًا، وشكل الوجت سرقني مع الجو الحلو ونسمة الفجر اللي ترد الروح... والخضرة؟ تمتم بها نحوها وهو ينهض مستقيما بجسده، بعد أن انتبه لفزعها، فمن المؤكد أنها لم تتوقع حضوره في هذا الوقت وبهذا القرب منها.

أما عنها، فقد ملكت بأسها بعد لحظات لتخاطبه بعدم اهتمام:

مفيش داعي للأسف، أنا أصلًا متخلعتش ولا اتخضّيت، براحتك يا أبو ريان، حتى لو نويت تبيت مكانك، إيه اللي يمنع؟ الأرض أرض الله.

تبسم بتسلية؛ فقد أعجبه رد فعلها المعاكس. ما أجمل صباحها، قطة فاتنة شرسة تجيد الهجوم، مهما كانت قوة خصمها وحجمه حتي لو زادت أضعافًا عنها.

دا من ذوقك طبعًا يا أم ليلى، أصل أنا بصراحة كنت محتاج اللحظة دي من التأمل والهدوء، بعد الخنقة وضيج النفس... بسبب موضوع كده طيّر النوم من عيني.

حدّجته بنظرة جانبية وهي تنتهي من فرد الفرشة الأخيرة على الحبل، لتعقّب بكلمات مقتضبة:

قالتها وهمّت بالذهاب، لكنه أوقفها بقوله:

ست مزيونة، ممكن تجاوبيني على سؤالي؟...

توقّفت في استجابة واضحة لسماعه، فأردف هو:

سامحيني لو هتدخل، بس أنا صعبان عليا معاذ، عارف إنه غلط، وإنتِ ليكي مطلق الحرية ترفضي أو تجبليه، بس أنا جصدي إنه بيحبها، يعني ممكن نلاجي حلول لارتباطه بليلى؟

حلول إيه بالضبط؟ مع واحد استغل صغر سنها عشان يلف عجلها؟ واحد محرصش عليها ولا على سمعتها؟ واحد أدّى فرصة لعيل صايع يبص لبتي بنظرة مش ولابد، ولا يمكن أفتكرها بت سايبة...

جطع لسان اللي يجول كده! قاطعها بها ليردف بحمائية:

معاذ مسكه ومسح بكرامته التراب...

وكانت النتيجة إيه؟ الواد زعق بأعلى صوته عشان يسوّء سمعة بنتي...

أضافتها عليه لتلجمه قليلًا عن الرد، فقد أصابت بقولها، وهو الأعلم بذلك، ثم أردف موضحًا:

والحمد لله، ربنا ردّ كيده في نحره، بعد ما معاذ قضى عليه، وأثبت إن ليلى تخصه.

أومأت بتحريك رأسها عائدة بسخرية قاتمة:

دا على أساس إنه صلح يعني؟ للأسف، أنت بتبرر لأخوك وهو بيعمل لمصلحته، وفاكر إنه كده هيجبرني، رغم إنك عارف إن الغلط من ساسه لراسه، ومش أنا وبتي اللي هنشيل ذنب مش ذنبنا.

أنهت عبارتها واستدارت عائدة لمنزلها غير عابئة بغضبه. وما إن خطت خطوتين حتى أوقفها للمرة الثانية:

صدحت كلماته تخترق أسماعها بقوة، لتلتف إليه تواجه شرار عينيه بعينين متحديتين، تقارعه:

فعلاً، الحب مش ذنب... لكن الأنانية هي اللي ذنب، وللأسف الأنانية طبع متأصل في الرجّال.

يرى جيدًا من حدتها أنه المقصود، وليس شقيقه فقط، ليكظم غضبه بصعوبة نحوها متسائلًا:

حكمتي على كل الرجالة إنهم أنانيين؟ طب بناءً على إيه؟ إنتي شفتي مين في الدنيا دي أساسًا غير طليقك... الله يجحمه مطرح ما هو قاعد؟ إنك تحطي معاذ في كفة واحدة مع عرفان دا الظلم بعينه.

حلّت ابتسامة ضعيفة على زاوية فمها، تنم عن سخرية واضحة، تريد الانتقام ولو حتى بالكلمات، لتجفله بقولها:

ومين جالك إني حاطة معاذ بس في الكفّة مع عرفان؟

برقت عينيه فجأة باستدراك، متيقنًا أن اللعب بينهما أصبح مكشوفًا ومفهومًا من الطرفين، ليرد على سؤالها بسؤال:

يعني جصدك إن أنا كمان... حطّاني معاهم في نفس الكفّة؟!

ومين جاب سيرتك بس يا أبو ريان؟ أنا جصدي على صنف الرجالة كلهم... متزعلش مني يعني، عن إذنك.

والتفتت مغادرة من أمامه، فلم يوقفها مرة أخرى. إنها غاضبة منه أكثر من شقيقه، وهو ليس بالغباء الذي يجعله يغفل عن الرسائل التي ألقتها في وجهه. تغلق الباب أمامه حتى تمنع عنه الأمل أو التفكير. كم كان خاطئًا حين ظنها لا تعي عشقه الصامت، لا يستبعد الآن أنها تحمل نفس المشاعر، ولكن قلبها القاسي يصر على دفن نفسها بالحياة... ودفنه أيضًا.

وفي مشفى المحافظة كانت صفا محتجزة بإحدى غرفها لتلقي العلاج والعناية المركزة لتلك الجروح والكسور التي أصابتها في أجزاء عدة من جسدها، كالكسور المضاعفة في الذراع الأيمن، وإصابة شديدة بالرأس، ووجه اختفت ملامحه من كثرة الكدمات والانتفاخات، حتى صوتها حين تتوجع كان يخرج بصعوبة:

آااااه يا أمه، جسمي كله اتدشدش يا ناس، مبقاش فيه حتة واحدة سليمة، منك لله يا عرفان، منك لله!

أيوه يا أختي، ادعي عليه، على الله بس تثبتي على رأيك وما ترجعيش تحني تاني وتنسي كرامتك كالعادة!

حرام عليكي يا أمه، هو أنا حمل تجطيم دلوك؟ بتك اللي لولا الحكومة نجدتها، يعني لولا رحمة ربنا، كان زماني دلوك ميتة ولا في الإنعاش، ده كان بيضرب فيا بغِلّ السنين! حسبي الله ونعم الوكيل فيه، أنا أذيته في إيه بس؟

طالعَتها والدتها بذهول وعدم استيعاب، لتعلّق ساخرة:

أيوه صح، عندك حق! انتي عملتي إيه يعني؟ غيرش بس علّجتيه بيكي وكرهتيه في مرته الأولى؟ هو حمار ما بيفهمش يا بتي...

ياما نصحتك زمان وانتي ما سمعتيش الكلام، جولتلك الرجالة كتير، ما وقفتش عليه هو وبس، لكنك كنتِ ماشية زي العمية ورا خالتك اللي كارهة مرته، طب أهو لف الزمن وانجلب السحر عليكي! هتعملي إيه دلوك؟ هترجعي؟ ولا هتطلّجي؟ ولا إيه ظروفك؟

ضربت الحيرة رأس صفا، لا تنكر أنها تريده رغم كل ما أحدثه بها من إصابات، ولكنها تخشى غدره، فهي الأعلم بطبيعته القاسية. حتى إن تنازلت عن حقها، لن يغفر لها ولن يتوانى عن إذلالها وكسر نفسها. فهذا عرفان، ابن خالتها، الذي تعرفه أكثر من أبنائها.

وفي منزل منى وقد أنهت مكالمتها الهاتفية منذ لحظات، ليصيبها حزن تجلّت معالمه على وجهها، حتى أثار انتباه زوجها الذي كان يساعد أبناءه في استذكار دروسهم بجوارها في صالة الاستقبال.

راقب شرودها للحظات، وحين استبد به القلق تركهم، وجلس بجوارها على الأريكة، ليستفسر منها مباشرة:

إيه الحكاية؟ حد بلغك بخبر عفِش في التلفون؟

مش خبر واحد للأسف... دي أخبار! اللي أتوقعتة وكنت خايفة منه حصل،و أكتر كمان. حركة معاذ جلبت مع مزيونة بعند، والنتيجة دلوك إنها اتجفلت من كل النواحي... عليه، وعلى ليلى، وعلى أخوه اللي ملوش ذنب كمان.

حمزة؟ تمتم بالاسم بفراسه منه، لتردف هي مؤكدة:

للأسف اتضح له إن مزيونة فاهْمة وحاسة، لكن عِنْد نفسها خلاها تجلب عليه هو كمان، على أساس إن ليه مصلحة في اللي بيُحصل. مش بقولك اتعجدت من كله!

زَمَّ بتفهُّم وابتسامة صغيرة ارتسمت بثغره رغمًا عنه، معقبًا:

عشان زكية... خسارة والله واحدة زي دي ما كملتش تعليمها. على الأقل كانت تبقى مناسبة أكتر لحمزة اللي متعلم تعليم جامعي.

يا خويا بس ترضى! هو راضي بيها، حتى لو جاهلة، بس هي تحن وترضى.

الصبر يا ست منى، محدش عارف بكرة ربنا كاتب إيه؟

ببعض الاقتناع والارتياح، ردّدت خلفه:

أما عنها فقد كسى الحزن ملامحها، جاهدت ألا تُظهر ذلك أمام والدتها، ظنًا منها أنها قد تنجح، لكن لم يحدث. حتى محاولات صديقتيها سمر ونسرين لصرفها عن التفكير، بدمجها معهما في الدراسة أو المزاح، ولكن لم تفلح أي طريقة معهما.

هي مُصرة على الوفاء بوعدها لوالدتها، وعدم نكث العهد، ولكن أين تجد الإرادة للاستمرار والمضي قدمًا بدونه؟ لا تعلم.

ليلى عرفان موجودة هنا يا بنات؟ ليلى عرفان؟

جاء صوت النداء من مدخل الفصل الدراسي المتواجدة بداخلة أثناء إحدى الحصص، لتنتبه إليه مع رد المعلمة نحو تلك السيدة من عاملات المدرسة:

أيوه، ليلى قاعدة هنا. مالك بيها يا عطيات؟

جاءت الإجابة من المرأة لتسرق انتباه الجميع نحوها:

خطيبها عايزها في غرفة وكيل المدرسة!

بعد قليل كانت أمام غرفة الوكيل برهبة تملكتها، لتفاجأ به أمامها، هو بشخصه، جالسًا مقابل مكتب الوكيل، الذي تلقاها مرحبًا قبل أن يترك الغرفة لهما:

أهلا يا ليلى يا بنتي، اتفضلي. أنا هروح أجيبلي كوباية شاي وراجعلكم.

خطت بأقدامها نحو الداخل، بتساؤل غير منطوق، تناظر ملامحه الباهتة. ليس هذا معاذ الذي تعرفه، طاقة الحب والجنون معًا، الحيوية في أبهى معالمها... حل محلها تعاسة تجلت في نبرة صوته وهو يخاطبها:

عاملة إيه؟ معلش، سامحيني لو اضطرّيت أستغل الصفة الوهمية دي النهاردة. يعني اعتبريها من نفسي قبل ما الست الوالدة تنفّذ اللي في مخها وتعلن فسخ الخطوبة اللي محصلتش أصلًا.

غامت عينيها بدمعة تحتجزها بصعوبة، تسأله بجفاء تتصنّعه:

عشان مش هجدر أشوفك برّا تاني، ولا هوجفك عشان أكلمك وأسألك. أنا خلاص عرفت الإجابة، ومفيش داعي أزوّد أو أجيبلك الكلام...

أنا مسافر أسيوط أستلم شغلي يا ليلى. الخطوة دي بقالي أسابيع مأجلها، وأهي فرصة عشان ألاجي حاجة أحط همّي فيها. هي شركة مقاولات تخص واحد من أصحاب حمزة، مقرها في أسيوط، بس شغلها والمشاريع كلها تقريبًا في القاهرة.

مشاريع كبيرة... أهي تكفي سنين الانتظار على ما تخلصي تعليمك. كنت هموت لو سافرت من غير ما أشوفك. للمرة التانية بقولك سامحيني.

سالت دمعة تحرق عينيها، لتردد بعدم استيعاب:

أسامحك على إيه بالضبط؟ انت بتقول هتبعد بالسنين، يعني هتنشغل عني، ومش هشوفك تاني... هو أنا فعلًا مش هشوفك تاني يا معاذ؟

كيف يخبرها أن بعده عنها بمثابة اقتلاع قلبه من صدره؟ ولكن ما باليد حيلة:

أكيد هشوفك لو جيت أجازة زيارة هنه... لكن مش هكدب عليكي، أنا شايف البُعد أسلم، على الأقل أرحم الجميع من جناني... ودلوك... دلوك لازم أمشي، مينفعش أستنى أكتر من كده. هتوحشيني يا ليلى؟

قالها وهو يجبر قدميه على التحرك والمغادرة. كم ودّ لو احتضنها، لو طمأنها بإلغاء قراره، لكن لا فائدة من الرجوع سوى زيادة عذابه. إذًا، لابد من تنفيذ القرار.

وغادر من أمامها، ولم يلتفت حتى وراءه، كي لا يضعف أمام دموعها، التي انطلقت دون توقف، حتى سقطت على المقعد خلفها بانهيار.

حين عادت إلى منزلها، لم تكن بحالة تتيح لها حتى التصنّع. تسير أمام والدتها كالأموات، وكأن بابتعاده عنها، روحها أيضًا قد تركت جسدها وذهبت معه.

مزيونة، البائسة، ترى في ابنتها التغير الملحوظ، ومع ذلك تغض الطرف وتتجاهل، كي لا تنقل لها ضعفها. حتى وقلبها ينشطر من الحزن، لن تضعف أو تتراجع. لا بدّ لهذه الفتاة أن تقوى، هي لا تقسو إلا لمصلحتها ومستقبلها. ليتها تعي تلك المعلومة جيدًا ولا تترك نفسها كورقة خريف شاردة يتلاعب بها الريح.

لا تستحق لقب "الأم" إن تركتها تتخلى عن مستقبلها من أجل رجل وعشق زائف، سوف يزول بزوال الأيام.

....................................

في المساء قرابة الساعة الحادية عشرة ليلًا، هذا موعده. مرّ أكثر من شهر وهو يأتيها يوميًا، يرسل لها حصانه "عزّوز" محمّلًا بهدايا الشوكولاتة والحلوى، يطرق على النافذة الخشبية بطريقته، كي تستلم منه ما يشجّعها على القراءة واستذكار دروسها – كما يدّعي – لتجده واقفًا عند المجرى المائي، تتلقى منه ابتسامة تمكّنها من النوم سعيدة، وتصنع لها الأحلام الوردية.

أما اليوم، وقد فتحت شراعي النافذة في انتظاره، فلم تجده. لا يوجد "عزوز" الجميل، كي تعطيه قبلة تثير بها غيرة الآخر. المجرى المائي موجود... لكن أين هو؟

لا يوجد إلا الخلاء أمامها، لا يوجد إلا الوحدة الموحشة. لقد سافر وتركها. سوف يبتعد عنها بما يمكّنه من نسيانها. نعم، سوف ينساها... وتظل هي لوحدتها، تهتم بمستقبلها ودروسها كما وعدت والدتها، والمطلوب منها أن تنساه الآن، كما سيفعل هو.

عند خاطرها الأخير، فقدت القدرة على الثبات، لتسقط منهارة بالبكاء فوق كتبها، تبكي وتبكي، حتى غلبها سلطان النوم على تلك الحالة.

.......................................

وفي صباح اليوم التالي وعَت مزيونة على برودة الفراش بجوارها، بما يثبت أن ابنتها لم تَبِت ليلتها معها كما يحدث كل يوم، بعد أن تنتهي من دروسها ليلًا، تأتي وتندس في الفراش بجوارها.

انتفضت تبحث عنها، لتذهب مباشرة نحو الغرفة التي تذاكر بها دروسها، وكما توقعت، وجدتها غافية على كتبها. سقط قلبها حين شعرت بالهواء البارد الذي ضرب صفحة وجهها آتيًا من شراعي النافذة المفتوح على مصراعيه.

يا مَرَي يا ليلى، جالك جلب يا بتي تسيبي الشباك مفتوح! مش خايفة من البرد ولا حرامي يخش يتهجم علينا؟

ركضت تُغلقه على الفور، ثم عادت تخاطبها كي تستيقظ:

كل الغاغة دي ومصحتيش؟ اصحي يا بتي، كملي نومك ع السرير... ليلى!

ليلى... جومي يا بتي، اخطفي لك ساعة ولا...

قطعت مجفلة بهلع، شاعرة بسخونة غير عادية أصابتها بلمسة واحدة منها، لتعاود التأكد، تتحسس الحرارة من جبهتها، لتصرخ بجزع هذه المرة وهي تحاول إفاقتها:

بت يا ليلى! مالك مولعة كده؟ بت يا ليلى، إيه اللي صابك؟ ردي عليا يا جزينة!

لم تستجب لكل هزاتها، غائبة في عالم آخر، لا تشعر بأي شيء حولها، فمها فقط ما يتحرك، ويردد بكلمة بالكاد تُسمع:

إلى هنا، وقد فقدت "مزيونة" كل ثباتها. ابنتها الفاقدة للوعي تريد نجدتها بأي وسيلة. لفت حجابها على عجالة، بغرض البحث عن من يساعدها أو يقلّها إلى الطبيب.

وبغريزة أمومية بحتة، لم تتردد في النداء على أقرب شخص وجدته أمامها:

كان واقفًا أمام منزله في هذه اللحظة، حتى التفت إليها، مكذبًا أسماعه بنُطق اسمه مجرّدًا على لسانها. لكنها عادت تؤكد له بجزعها:

ليلى بتفرفر مني يا حمزة! إلحقني، ولا أنده أي حد يساعدني!

رواية لاجلها الفصل الخامس عشر

قد تظنّ أن بيدك الأمر، وأنك قادر على صدّ الشعور وتقييد القلب، لكنّ الحب لا يُهزم...

فمهما رتّبتَ شروطك، ورسمتَ خطوطك الحمراء، سيأتي يومٌ تُجبر فيه أن تقف وجهًا لوجه أمام أحلامك، بل وأمام كل ما كنت تظنه "ثوابتك".

عندها... لن يكون السؤال: "ماذا تريد؟"

توقفت سيارة الأجرة بالقرب من المشفى الجامعي، ليترجل منها وصفي وولده الأكبر حازم، الذي كان يحمل عددًا من الأكياس البلاستيكية، تحوي بداخلها ملابس ومتعلقات شخصية بالإضافة إلى علب العصائر والطعام أيضًا، بينما يحث والده المتعب على السير:

ـ ياللا يا بوي، هم شوية، هما خطوتين ونبجي في المستشفى، وهنركب الأسانسير نطلع بيه عند الجماعة.

ـ وهما خطوتين للمستشفى، ولا الوصول للأسانسير نفسه، حاجة هينة على راجل جسمه مهدود من سهر الليالي في الحراسة... ياللا بقى، الحمد لله، كله عشان خاطر ليلى وأم ليلى.

ـ ربي يشفيها يا رب، أنا مش عارف بس إيه اللي صابها ده! على رأي أمي، تجولش عين وصابتها... ربنا يجازيهم ولاد الحرام...

لم يعلّق وصفي، فرغم أنه لا يعرف الحقيقة كاملة، إلا أن الشك ينهش قلبه بشأن السبب الحقيقي وراء استمرار مرض ليلى حتى الآن، رغم مرور أكثر من خمسة عشر يومًا دون تحسن يُذكر. وما يزيد من ألمه حال شقيقته الوحيدة، التي أعادته حالتها إلى تلك الذكريات السوداء التي عاشها بعد زواجها من عرفان.

أتى الصوت الرجولي المميز بالنداء من خلفه، ليجعله يلتفت ومعه ابنه نحو هذا الرجل الذي لا يفوّت يومًا دون زيارة، وتسهيل الأمور العديدة عليهم في احتجاز الصغيرة.

اقترب حمزة يصافحهم بعجالة قبل أن يواصل طريقه معهما:

ـ إيه الأخبار؟ شكلكم توكم واصلين. أنا كمان حاسس نفسي اتأخرت النهاردة. محدش طمّنكم عن ليلى؟

السؤال المعتاد منه، وكأن وصفي يعلم أكثر منه بخصوص الحالة التي لا يدّخر هو جهدًا في رعايتها والإلمام بكل تفاصيل مرضها الغريب، من الأطباء الذين يأتي بهم يوميًا. لكن المقصود هنا، والذي لا يغفل عنه الآخر، هو "مزيونة"، وما تحمله من تغيّر واضح تجاهه، رغم إنقاذه لابنتها حين أقلّها سريعًا إلى المشفى قبل أن تسوء حالتها كما أخبرهم الأطباء.

ـ هنشوفها دلوقتي يا أبو ريان، نسأل الله الشفاء التام لها.

................................

أما في المشفى، وداخل الحجرة التي أصبحت مأواهم منذ أكثر من خمسة عشر يومًا، كانت مزيونة تمسك بعلبة الأرز، تغرف منها بالملعقة ثم ترفعها إلى فمها، لتحاول الأخرى التناول منها قدر ما تستطيع. تمضغ بصعوبة، ثم تأتي الصعوبة الأكبر في ابتلاعه، الذي لا يتم في معظم الأوقات إلا بتجرع الماء. حتى إذا فقدت قدرتها على المواصلة، أبعدت الطبق بيدها، مما أثار استياء مستمرًا من والدتها:

ـ وبعدين؟ انتي حتى مخلصتيش رُبعه، ده غير اللحمة اللي بترجع زي ما هي! ساعدي نفسك وساعديني يا ليلى، عشان ربنا ياخد بيدك وتجومي على حيلك.

هتفت بها مزيونة كصرخة قهر علّها تصل إليها وتستجيب، ولكن كالمعتاد، جاء الرد برجاء المهزوم الفاقد لإرادة المقاومة:

ـ مش جادرة والله يا أمي، أنا بمنع نفسي بصعوبة إني مرجعش، وبغصب على نفسي أبلع، حتى الوكل حاسة بيه زي الحجارة في حلقي...

تركت مزيونة الطبق من يدها بعنف، لتنهض من جوارها هاربة نحو الشرفة، كي تفرغ همها بالدموع والبكاء. كم واجهت من مصاعب ومصائب تكسر الظهر، واجهتها بضعف أو بقوة، لكن في النهايات انتصرت، وعززت من شخصيتها حتى أصبحت على تلك الحالة... كل ذلك من أجلها؛ تلك المستلقية على سريرها الطبي الآن.

مرّ أكثر من أسبوعين منذ احتجازها داخل تلك الحجرة اللعينة لرعايتها، دون تقدم في حالتها سوى بخفض الحرارة التي كادت أن تقتلها. أما باقي الأعراض، فلا شيء واضح رغم حيرة الأطباء أمام حالتها: وهن شديد، مع بعض الأعراض الأخرى، يلازمه فقدان شهية جعلها تفقد أكثر من نصف وزنها، لتدخل الحسرة قلب والدتها كلما تطلعت إليها.

تتساءل: هل أخطأت حين أجبرتها على الالتفات لمستقبلها فقط؟ حتى لو كانت بالفعل أمًّا متسلطة، هل كان حزمها في اتخاذ قرارات مضادة لرغبة ابنتها سوى من أجل مصلحتها؟ كي لا تكرر تجربتها المريرة؟!

فاقت من شرودها على بعض الأصوات التي بدأت تصلها من داخل الغرفة عند ابنتها، لتجفف بطرف يدها تلك الدموع العالقة على وجنتيها، ثم سحبت كمًّا كبيرًا من الهواء حتى تهدأ من وتيرة أنفاسها الغاضبة، ثم دخلت لمقابلة شقيقها الذي كان يحتضن ابنتها في هذا الوقت، يناجيها بحنوه كالعادة، وبجواره حازم ابنه يضع الأكياس على الأرض، وعلى مسافة ليست بالبعيدة وقف هذا الرجل، الذي لم يتركهم منذ أول يوم أقلّهم فيه إلى المشفى، ليظل متابعًا لهم باهتمامه ورعايته.

استقبل رؤيتها بلهفة، ثم ألقى التحية عليها، فأجابته بروتينية كعادتها، ليدور بينهما حديث يومي سريع بالنظرات، ما بين اشتياق ورجاء تقابله هي بعتب وحزن، قبل أن تهرب بعينيها عنه، لتتابع لقاء البقية:

ـ يا حبيبة خالك انتي، جومي يا بِت، مشتاچتيش لدروسك ولا لمدرستك؟

سمعت مزيونة، لتقلب عينيها مغمغمة بيأس:

ـ مدرسة إيه عاد؟ دا شكل السنة هتروح عليها.

اقترب منها حازم، ابن شقيقها، يضمها من كتفيها بمزاح يعارضها:

ـ لاه، هتروج يا مزيونة، وتبقي عال العال. بطلي انتي التشاؤم دا وفُكّي كده... فُكّي يا ولية انتي باه.

تبسمت بخفة، مستجيبة لمزاحه، تربت على ساعده بامتنان، أثار غيرة الآخر حتى التفت مصرفًا بصره عنهما، متوجهًا نحو ليلى بحديثه اليومي عن صحتها:

ـ الدكتور طمّني، وجالي التحاليل زينة يا ست البنات، غيرش بس شوية مشاكل بسيطة بس... شدي حيلك وانسي المستشفى والمرض.

أومأت ليلى بابتسامة ضعيفة، ارتسمت على ملامحها الشاحبة، ورددت بما أصبح بفمها كالعلكة:

الفتاة مستسلمة لتعب جسماني سببه نفسي واضح أمامه، وأمام تلك التي تطالعه الآن بنظرات اتهام. ماذا بيده؟ وقد أوضح لها عدة مرات أن عشق ابنتها لشقيقه لم يكن ليأتي أبدًا إلا برغبة حقيقية من الفتاة.

حتى وإن كان عشق مراهقة أو إعجابًا أو انبهارًا، ماذا سنخسر إن عاش الاثنان التجربة بارتباط صغير، أو حتى وعد بالزواج؟ متى ترأف به وترحمه... قبل الاثنين.

في منزل حماد القناوي صعدت حسنية إلى الطابق الثاني تبحث عن زوجة ابنها، التي كانت جالسة على الأرض في وسط صالة منزلها، تمشط شعر ابنتها بعد أن حمّمتها. لتفاجأ بالمرأة تدلف إليها وهي بهيئة الخروج أثناء مناداتها:

– هالة يا بتي، عايزاكي تنزلي تحت وتسيبي شقتك دلوك، عشان البيت ما يبقاش فاضي.

ردّت هالة باستغراب وهي تتأملها بتلك العباءة السوداء الفاخرة وخمارها:

– والبيت يفضى ليه؟ هو إنتي طالعة؟

أومأت تجيبها وهي تُعدّل من خمارها الذي انفك فجأة:

– إيوه يا هالة، منصور جوز بتي هيعدّي عليّا دلوك بعربيته وياخدني معاه على المحافظة نزور البنيّة العيّانة.

– خبر إيه؟ هو إنتوا ما عندكوش شغلانة غيرها المحروسة العيانة دي؟ دي عاشر مرة تزوروها في خمسطاشر يوم! ما تحجزوا أوضة جمبيها أوفر.

حدجتها حسنية باستياء وهي تنهرها:

– أعوذ بالله منك ومن فالك! دا كلام برضو يطلع من واحدة كبيرة زيك؟

تراجعت هالة عن حدّتها، مبتلعة ريقها بحرج، في محاولة منها للتلطيف:

– أنا ما جصديش حاجة عفشة والله، ألف بعد الشر عليكم كلكم... أنا بس مضايجة عليكم، مِجطّعين نفسكم في الروحة والجيّة عليها، والبت دي وأمها رفضوا معاذ بكل جبروت، وكأن اللي خلق بتها ما خلجش غيرها! طب ورقدتلها في الخط، لا تعليم ولا جواز... يا كش تفرح بجعدتها جمبيها!

تقلصت ملامح حسنية بضيق واضح، لتتراجع في طريقها للخروج مرددة:

– أعوووذ بالله منك ومن لسانك... وعنك ما نزلتي خالص! خلّيكِ مرزوعة مكانك... يا ستير!

تطلعت هالة في أثرها بغيظ شديد، تضرب بالمشط على الأرض، قبل أن تجذب ابنتها بعنف نحوها:

– بس يا بتي خليني أسرّحلك شعرك الزفت المعجّد ده!

داخل محبسه حيث اللقاء الأول منذ احتجازه بينه وبين زوجته "صفا"، التي أتت بكدماتها التي لم تشفَ إلا نسبيًا، لكن على الأقل بدأت ملامح وجهها تظهر، تحت الشال الذي يُخفي إصابة الرأس والأربطة الطبية، والذراع الذي لم يلتئم كسره بعد، تلفّه بجبيرة مثبتة إلى صدرها داخل الحامل الطبي الذي يلتفّ حول عنقها.

جاءت بهيئتها المُزرية تلك بقصد مكشوف لاستعطافه، ورسم ملامح المسكنة لعلّه يرأف بها ويصفو، وحتى لا ينتقم منها إن تابعت إجراءات القضية التي كانت على وشك رفعها ضده، لكنها عادت إلى عقلها أخيرًا وتنازلت.

أما هو، فقد شملها بنظرة فاحصة قبل أن يبادرها بسخريته:

– كل ده من ضربتين وكام لوكامية على كام جلم؟ أمال لو كنت فشيت غلي للآخر، كنتي رقدتي في القبر على كده؟

وختم بضحكةٍ ارتجفت لها أطرافها، لترد عليه بتهكمٍ خافت:

– عشان تعرف إن يدك كانت تقيلة عليّ، لكن أنا برضو عملت بأصلي وجيتلك أهو أطمن عليك، عشان إنت واد خالتي وأبو ولادي.

«لا، وانتي الصادقة... دا عشان عارفة اللي مستنيكي، عارفة إني حتى لو خدت حكم في قضية ضربك ولا تكسيرك، آخرهم كام شهر ولا سنة ولا سنتين، وفي الآخر هطلع وأزودهم أضعاف عليكي، ويمكن آخد روحك بيدي كمان».

ابتعلت ريقها بصعوبة بعد تهديده الصريح، لتردد بمظلومية: «كمان روحي يا عرفان! ليه يا بوي؟ أنا عملت إيه لدا كله؟ طب افتكر إني أم عيالك، مرتك اللي قضيت معاها عشرة سنين! منظري ده وأنا مدشدشة مخلّكش تشفق عليّ ولا حنن جلبك؟»

لع قالها بلهجة تشفٍّ، ليكمل بمزيد من التجبر: «بصراحة؟ لا شفقت ولا قلبي حن. بالعكس، دا أنا حاسس دلوك بانتعاش... هون عليا أيام السجن اللي فاتت كلها! وأحسنلك تجومي حالًا دلوك قبل ما أتبع شيطاني اللي بيوزّني أجوم أكمل سعادتي وأنفضك بعلقة جديدة تستاهليها!»

انتفضت صفا ناهضة من محلها برعب، حين أبصرته يتحرك من على الكرسي الذي كان جالسًا عليه واستقام واقفًا. هرولت من أمامه مغادرة، فجلجت ضحكاته من خلفها حتى أدمعت عينيه. وما إن توقفت، غمغم في أثرها بحسرة قبل أن يأتي رجل الأمن ويسحبه لمقره في المحبس: «يعني اللي عايزها وسايق عليها خلق الله عشان تاجي تشوفني مش معبراني! والبومة اللي مكسّرة ومدشدشة برضو جاية تزحف لاجل تنول رضايا...»

في ركن جانبي داخل المشفى، كانت جالسة بجوار شقيقها الذي غلبته الحيرة حتى سألها: «وبعدين معاكي يا بت أبوي؟ أنا لحد دلوك مش راسي معاكي على بر! كلام الناس كلها حواليا يأكد إنه خطيبها، وانتي تجولي مفيش حاجة! طب لما هو كده، الواد نفسه أعلنها جدّام الناس ليه؟»

زفرت مزيونة، ودارت مقلتيها بسأم، لتعود لنفس الإجابة التي لا تكذب فيها: «لاه يا وصفي، وجولتها وهجولها تاني، معاذ أعلن كده في أرض المرماح من دماغه، لما حاش عن البنت وأصحابها الواد اللي كان بيعاكسهم، هو غلط، وأنا رفضته للمرة التانية. وأدي البت عيانة!»

سألها مستدركًا مقصدها: «يعني هو ده سبب عيا البت يا مزيونة؟ طب ما إن كانت عايزاه، ما توافقي وخلاص يا بت أبوي؟ هي أول واحدة اتخطبت ولا اتجوزت وهي بتتعلم؟ مع إني كنت أتمناها لحازم ولدي، بس دا طريجه طويل على ما يتخرج من الجامعة ويشتغل...»

حدّقت به صامتة، بقهر وتعب... بماذا ترد وقد فقدت كل أسلحتها في المقاومة؟ يحدثها عن حازم، وهو من كانت تضعه نصب عينيها الزوج المناسب لابنتها؛ صغير مثلها، يكبران معًا، ويبدآن طريقهما سويًا... لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فابنتها العزيزة لا تراه إلا أخًا.

«مزيونة!» جاء الصوت لينتشلها من شرودها، وكان نداءً باسمها من صديقتها الأقرب الآن، منى، التي لم تتركها منذ مرض ابنتها، ولم تقصر يومًا في السؤال والاهتمام. كانت قادمة نحوها بجانب والدتها، وخلفهما رجل وقور، عرفت قريبًا أنه زوجها.

بعد قليل، وداخل غرفة ليلى، كانت منى تُعرفها لأول مرة على زوجها، مدرسها للعربي في الصف الخامس الابتدائي.

قالت منى ممازحة: «جولي يا ليلى، لو ضربك! حاكم أنا عارفاه، دا يده تقيلة، واسأليني أنا عليه!»

تبسمت ليلى، مستجيبة لمزاحها، ليأتي النفي من منصور زوجها بابتسامة هادئة: «ليلى كانت شاطرة أصلًا في الدراسة. العصاية دي كانت تخوف البليد والمتكاسل، أو اللي بيرغي كتير في الفصل، يا ست منى... أظن أنتي عارفة أنا أقصد مين بالأخيرة؟»

شهقت منى مرددة باستنكار: «شوف الراجل فاكرهالي من إمتى؟ أهو دا عيب اللي تاخد واحد كان بيدرّسلها!»

ضحكت ليلى هذه المرة، ليأتي تعقيبها بفضول نحو هذا الثنائي الجميل: «يعني حضرتك فعلًا كنت مدرسها؟»

تكفلت منى بالإجابة بحماس: «أيوة يا جلبي، كان هو متخرج جديد، ومتعين في المدرسة اللي اتبنت جديد عندينا. ساعتها كان فيه مدرستين ابتدائي في البلد، واحدة في النجع البحري – دي اللي عندكم واتعلمت فيها أمك – وواحدة في النجع الجبلي، دي اللي اتعلمت فيها أنا وعيالي. صاحبنا بقي كان واد عمي ومن عيلتي، بس والله ما عرفته ولا عرفني غير لما درّسلي!»

أضاف هو بابتهاج أشرق بملامحه: «كانت رغاية ومبتسمعش الكلام! أجولها يمين، تجيلي شمال! كل العيال تسمع الكلام إلا هي! كانت غايظاني بصراحة، منكرش!»

«آه، عشان كده فضلت حاططني في مخك لحد ما خدت الدبلوم، من حظي الحلو!» قالتها منى، فانطلقت ضحكات الجميع، حتى زوجها الذي أومأ مقرًا دون تردد، واستمر السجال الجميل بينهما، أمام ليلى التي لم تتوقف عن الضحك بسببهما.

أما والدتها، فكانت تتابعها بتأمل من الجانب الآخر، حتى قطعت عليها حسنية، الجالسة بجوارها، بقولها:

«مش قصدي أزعلك ولا أضغط عليكي، بس لازم تعرفي إن معاذ، ولدي، في كل اتصال بينا، بيسأل عليكي وعلى ليلى. وإحنا بنقوله: كويسين! محدش فينا، لحد دلوك، جاب له سيرة، بناءً على أمر حمزة ولدي. هيفضل الود ما بينا حتى لو مفيش نصيب يا بتي.»

طالعتها مزيونة بامتنان، رغم تشتتها في تحديد القرار الآن، بعد أن كانت محددة وجهتها منذ البداية...

صدقت حسنية ولم تكذب بقولها، لكنها لم تكن تعلم أن ابنها على حدود المحافظة الآن، عائدًا بالقطار من القاهرة. قلبه، الذي كان يخبره بشيء غير مريح، جعله في تساؤل دائم مع كل من يتحدث معه، حتى أتى إلحاحه بالفائدة، مع أحدهم، ليقر له بالحقيقة وما حدث أثناء غيابه. فحزم حقائبه، مستقلًا أول قطار وجده أمامه، حتى لو كان درجة ثالثة غير مريحة على الإطلاق...

"إنت يا خليفة اللي تجوله ،أنت ياخليفة؟!" صرخ بها حمزة في وجه شقيقه الذي أصر على موقفه مرددًا:

"أيوه أنا يا حمزة، ليه نخبّي عليه من الأساس؟ وإيه الفايدة أصلًا؟"

"عشان مينفعش! وعشان ما تتعجدش أكتر ما هي متعجدة. أخوك مجنون، والبِتّ أمها شايفانا إحنا السبب في عياها. مش عايزين نزود، خليها تخف وتعيش، وهو يثبت نفسه في شغله، وعلى ما ربنا يعدلهالهم هما الاتنين."

"يعني إنت عارف وأنا عارف يا حمزة، سبب عيا البت. وأخوك نفسه مش مستريح. طول الأسبوعين اللي فاتوا وهو ولا علي حامي ولا على بارد، مش عارف يكيّف نفسه. لموهم على بعض وخلّصوا."

"وهو بخاطري!" صرخ حمزة في وجهه، ليردف بحنق مضاعف:

"ما هو كان على يدك! وشفت أنا حاولت أساعده، لأني عارف كد إيه هو مندفع، لكن مشاعره صادقة. بس أمها مش عايزة، نغصبها يعني؟"

رقّق خليفة من لهجته كي يهدّئ من وتيرة الانفعال بينهما:

"طب اهدي يا حمزة وبلاش العصبية دي، عشان أخوك كان هيعرف هيعرف، إن مكنش مني ولا منك، يبجى من صحابه على الأقل. وإن كان على أمها، أكيد يعني جلبها مش هيطاوعها على الرفض أكتر من كده. دي مهما كان برضو أمها."

تنهد حمزة بتعب، يشد بأنامله على شعر رأسه من الخلف بعنف. لا شيء مما يحدث أمامه يبشّر بانفراجة. يتمنى لو يستيقظ من النوم ويرى كل الأمور حوله تسير بيسر ودون تعقيد؛ يرتبط معاذ بخطبة ليلى حتى تكمل تعليمها، ثم يتزوجها، ويجد هو فرصته في التقرب من تلك العنيدة... والدتها.

"طب ما جولتليش، كان رد فعله إيه على الخبر؟"

"أخوك يا خليفة، كان رده إيه بعد ما جولتله عن مرض ليلى؟"

"ما هو جفل السكة في وشي بعد ما صرخ وبهدل الدنيا."

"ولا جَبّلين يا سيدي، خد شنطته وركب الجطر، ودلوك زمانه على وصول، إن مكنش دخل المحافظة أصلًا."

كاد حمزة أن يُصاب بجلطة متعددة الأهداف، لا يصدق السهولة التي تحدّث بها شقيقه، يطالعه فاقد النطق للحظات، قبل أن يتمالك نفسه أخيرًا ليصرخ به:

"الله يخرب مطنك! وإنت عارف كده وجاي دلوك تقولي؟ جاي دلوك تقولي يا خليفة؟"

"دلوك ولا بعدين؟ ما هو كده كده جاي. لما ياجي، إبجى إنت كلمه وعقّله." ردّد بها خليفة بدهشة، قبل أن يواجه بعاصفة حمزة الذي صار يلملم متعلقاته كي يذهب:

"مش لما ألحقه الأول! ألحقه قبل ما يعمل المصيبة! جاعد إنت وحاطط يدك في الميّة الباردة! مصدق إنه هينزل على هنا الأول يا خليفة؟"

"أمال هينزل على فين؟ هو ليه بيوت غير بيتنا؟" اكتفى حمزة بتوجيه نظرة نارية نحوه، ولم يكلّف نفسه بالإجابة عن التساؤل العفوي الذي صدر منه، ليتّخذ طريقه نحو الخروج مباشرة كي يلحق بالآخر قبل أن يفعل مصيبة جديدة ويزيد من تعقيد الأمور... المعقدة من الأساس.

عودة إلى المشفى التي دلف إليها العائد من سفره، وقد تَكفَّل برمي حقيبته داخل إحدى سيارات الأجرة، ومنح سائقها بعض النقود كي يوصلها إلى منزل عائلته في البلدة، ليتجه بخطواته السريعة نحو موظفة الاستقبال ليسألها عن الحالة التي يقصدها، ثم يصعد مباشرة إلى طابقها.

يعلم أنه قد ألغى التفكير أو الحرص من قاموسه الآن؛ تحركه فقط الرغبة في الاطمئنان عليها، حتى لو تلقّى السباب من مزيونة أو كلفت الأمن بطرده، لن يتوانى عن تحقيق هدفه برؤيتها. يكفي أسبوعين من العلقم قد تجرعهم في البعد عنها. هل كان يتصور أن يأتي الوقت ويعشق بهذا العنف؟ أو أن يقضي في بعدها أسوأ أيامه؟ لم يتخيل أبدًا أن يحدث ذلك.

حبيبة قلبه مريضة منذ سفره وهو في غفلة الانشغال بعمله في العاصمة، فعلى من يُلقي الذنب؟ على نفسه؟ أم على من أخفوا عنه ظروف مرضها؟ فليترك التفكير في ذلك لوقت لاحق.

وصل إلى الغرفة التي كان بابها مفتوحًا، وبدا أنها فارغة من الجميع، حتى والدتها. حمد الله لغيابها في هذه اللحظة، لينقل بصره نحو تلك المستلقية على السرير الطبي، وقد كانت غافية كما يرى.

يتأمل ملامحها الشاحبة، ورد الوجنتين الذي اختفى وحل محله صفار ملحوظ، وزنها الظاهر للأعمى أنها فقدت منه الكثير. ماذا حل بصغيرته لتصبح على تلك الحالة؟

لم تعد لقدميه قدرة على حمله، فسقط بثقله على الأرض بجوارها، وتمسك بيديه الاثنتين بسريرها، ودفن رأسه في الفراش، يطلق العنان لدموعه ببكاء مكتوم صار يهتز له جسده. الذنب عليه أم على من تسبب بفراقهما؟!

اهتزاز بكائه الشديد أتى بأثره عليها، فاستيقظت من غفوتها الصغيرة، تفتح أجفانها للنور، فتُصدم بشبحه أمامها، شعر رأسه شديد السواد هو المواجه لها فقط. تخيلت في البداية أنه محض حلم لا أكثر، قبل أن تعي حالته وذلك البكاء المتواصل بحرقة مكتومة. هل يُعقل أنه علم وحقيقة، وأن حبيبها عاد إليها؟

"معاذ؟" جاء صوتها كإشارة تنبيه تلقفها بلهفة، ليرفع رأسه على الفور إليها، ويقابل وجهها الجميل أمامه وقد أشرق قليلًا يستعيد بعضًا من رونقه، وهي تردد بعدم استيعاب:

"معجول؟ إنت رجعت فعلاً من سفرك ولا أنا بحلم؟" فسارع بالتأكيد إليها:

"لاه يا حبة القلب، والله ما بتحلمي، أنا جدامك، اها، بشحمي ولحمي، جيتلك أول ما عرفت إنك مريضة، لو أعرف من الأول ما كنتش صبرت يوم. سامحيني يا ليلى، سامحيني يا حبيبتي."

صار يردف آخر كلماته بندم جلي، ودموعه تواصل هطولها بحرقة أجبرتها على التساؤل:

"أسامحك على إيه يا معاذ؟ هو إنت عمرك أذيتني؟ ده أنا ما شفتش الفرحة غير على يدك."

ضرب بكفيه صفحة وجهه بندم معقبًا لها بصوت مبحوح:

"ما هو ده اللي عايزك تسامحيني عليه! ربنا يعلم إن كل فعل مني كان بعفوية ومن جوا جلبي، شكلي أذيتك فعلاً لما خليتك تبادليني نفس الشعور، ياريتني فضلت كاتم على إحساسي. كل اللي حصلك ده بسببي، أنا شكلي بقيت لعنة عليكي. ياريتني ما قربت منك أساسًا."

صمتت قليلاً حتى عبرت عما يختلج داخلها، متخلية عن حذرها الدائم:

"وحتى إن فضلت كاتم على إحساسك برضه كان هيوصلني. من أول مرة شوفتك فيها، حسيت إني أعرفك من زمان، وحتى وأنا بتعارك معاك على الأسوِرة، لو تفتكر، كان عقلي بيتوه وتركيزي معاه، وأنا بسأل نفسي أنا شوفتك فين قبل كده؟ وفضل السؤال يلح عليا كل مرة أُجابلك، لدرجة خليتني أقرأ وأبحث عن الحاجة دي، وعرفت إنها تألّف أرواح. روحي اتعلقت بيك من قبل ما تنطجها يا معاذ. وفرحتي بقربك هي الحاجة الوحيدة اللي خلتني أحس إني حيّة. فرحة خالصة ليا، مش بشهادة ولا حاجة حلوة أعملها لأمي وأفرح بفرحتها ليا. الفرحة اللي حسيتها انطفت وطفت عمري معاها في اليوم اللي ودعتني فيه وسافرت. سبتني ليه يا معاذ؟ هانت عليك ليلى؟"

سقطت في الأخيرة دمعتها لتأخذ دورها في البكاء مثله، فيسارع هو بطمأنتها ورجاءه في الصفح عنه، غافلين عمن وقفت على مدخل الباب منذ لحظات واستمتعت لمعظم الحديث، تحمل في يدها زجاجة المياه المعدنية وعددًا من قطع الشوكولاتة التي ابتاعتها من المتجر القريب من المشفى، من أجل أن تفرحها وتنسيها بطعمهم طعام المشفى وأجوائه، لتأتي الآن وتفاجأ بحضور المتسبب الأساسي في مرض ابنتها، والتي فاجأتها بحديثها اليوم، وجعلتها تشعر بحماقة الحرب التي تخوضها وعدم جديتها، فتراجعت بأسف مرتدة إلى الخلف، متهدلة الأكتاف بإحباط ويأس.

تركت الطابق، وتركت المبنى بأكمله، لتخرج إلى حديقة المشفى. سارت حتى وصلت إلى أسفل المظلة التي خُصصت لحماية الزائرين من أشعة الشمس أثناء انتظارهم.

كان عدد الحضور قليلًا في هذا الوقت من العصر، وقد قاربت الشمس على الغروب. وصلت إلى إحدى الأرائك لتسقط بثقلها عليها، وتسقط معها زجاجة الماء وقطع الشوكولاتة على الأرض.

هل كانت مخطئة حين عاشت حلمها في ابنتها؟ أن تحقق ما لم تحققه هي؟ أن تحيا الحياة التي لم تحيَها هي يومًا؟ لقد قاومت كل شيء من أجلها: ظلم عرفان، كيد صفا، وتهميشها كأنها غير موجودة. ضحت، وما زالت مستعدة للمزيد... أما هي؟ يبدو أنها وجدت من يستحق عنها...

وعند مدخل المشفى، دلف بسيارته ليصطفها في المكان المخصص، ثم هرول بخطوات سريعة، يريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن تأكد من وجود شقيقه داخل المشفى الآن، كما أخبره السائق الذي ذهب إليهم بالحقيبة.

يتمتم بالأدعية ألا يكون قد تسبب لهم بفضيحة؛ فمزيونة العنيدة لن تسكت، ولن يهمها شيء، كما أصبح يعرف عن شخصيتها و.....

توقف عند هذا الخاطر، حين وقعت أبصاره عليها، جالسة في جانب وحدها على إحدى أرائك الانتظار، بعيدة عن البشر، وكأنها في عالمها الخاص.

وبدون تردد، غيّر وجهته متجهًا نحوها، حتى إذا وصل إليها وهي ما زالت لم تشعر به بعد، ألقى التحية حتى تنتبه:

– مساء الخير، جاعدة عندك ليه يا أم ليلى؟

توقف قليلًا حتى أتته استجابتها بنظرة خاوية رفعتها إليه، يتخللها ضعف غريب يراه لأول مرة فيها، وصمت مُحيّر جعله يتساءل بجزع:

– مالك؟... ليلى جرالها حاجة؟ ولا...

قاطعته بهذه الكلمات، فعلق الحديث في حلقه، وتشتّت قليلًا أمام ثباتها والسهولة التي أخبرته بها بذلك، ثم ابتلع ريقه بتوجس، واتخذ مجلسه على الأريكة بجوارها، لكن بمسافة جيدة، وقال بتوجس:

– غريبة يعني، ولما جاعد فوق، انتي سايباه إزاي لوحده... مع ليلى؟

– عشان هو دخل لوحده مستغل غيابي، ومن غير ما يستأذني.

قالتها وهي تلتفت إليه وتواجهه بقوة أربكته، فانقبض قلبه من القادم، فقال بريبة:

– آه طبعًا، عندك حق. على العموم أنا جاي مخصوص دلوك عشان أسحبه من قفاه وأمنعه ميجيش هنا تاني.

– بعدين إيه؟ ما أنا بجولك هسحبه وأمنعه ما يعتبش هنا تاني.

تمتم بها متسائلًا، فجعلها تكرر بوضوح أكثر:

– "بعدين" تشمل كله، مش بس زيارة المستشفى، ولا حتى زيارة بيتنا.

انتظر قليلًا يستوعب المقصود من كلماتها، حتى استدرك أخيرًا ليسأل بجدية:

– جصدك على إيه بالضبط؟ خطوبة ليلى لمعاذ؟ ما انتي فصلتي في الموضوع برفضك، وإحنا منعنا ولدنا وسافرناه يشتغل بعيد عن البلد والمحافظة كلها، ولو جصدك على جية النهاردة، فأنا بتأسف، وبوعدك إنها غلطة ومش هتتكرر.

وكأنه يتحدث مع نفسه... تلك الحالة التي تتلبسها من الشرود، والنظرة الثابتة، مع الصمت الطويل، تجعله على وشك الجنون من فرط حيرته، حتى كاد أن يصيح بها، لولا أنها قطعته حاسمة:

– بلاش توعد بحاجة، مهما حاولت مش هتعرف تنفذها. لا إنت هتقدر تمنع أخوك، ولا أنا هجدر أشيله من مخها...

هذه النبرة من المكاشفة تنبئ أن هناك المزيد... حسنًا، فلتأخذ فرصتها للتوضيح أكثر:

– معلش يعني، أنا أفهم إيه من كلامك ده؟

عادت مرة أخرى للصمت، ولكن بتفكير متعمق، جعل الكلمات تخرج منها بصعوبة. طرقت برأسها للحظات قليلة، ثم تكلمت دون أن ترفع عينيها إليه:

– في فترة من الفترات، أيام ما كنت متجوزة عرفان، سكنت جمبنا واحدة... اسمها أم هاشم، وده اسمها الحقيقي على فكرة. المهم، الست كانت في الأربعين تقريبًا، جوزها نقل بيهم من البندر للبلد عشان شغله، كان راجل محترم، وعيالها يفرحوا القلب. لما كنت أشوفهم كنت أتحسر، مكدبش عليك. أسرة مثالية زي ما بيقولوا. لكن مع الوقت والعِشرة، بقيت أكتشف الصورة على حقيقتها. الراجل تقريبًا كان جايد صوابعه العشرة ليها، وهي نفسها كانت عارفة كده. لكني عمري ما شفتها مبسوطة، عمري ما شفت في عنيها اللمعة اللي تبين محبتها لجوزها، أو فرحتها بأي حاجة يجيبها. ومع شوية وجت عرفت السبب. اتاري أم هاشم دي كان ليها ابن عم بتحبه، لكن أبوها رفضه بدل المرة كذا مرة، لحد ما فقد الأمل واتجوز غيرها، وهي استسلمت واتجوزت أول حد اتجدم لها بعديه. حظها طلع كويس، واتوفقت بجوازة ناجحة، لكن عقلها طول الوقت رافض الحقيقة. عايشة جوازها في الواقع، إنما في خيالها وقلبها مشالتش ابن عمها، ولا اتخيلت غيره جوزها. والسبب ده كان دايمًا تعبها، ومخليها دايمًا حاسة إنها ست مش كويسة، رغم إن جريمتها ما تتعداش الخيال. ولذلك، طول الوقت كانت جايبة الذنب على أبوها، إنه ظلمها وحرمها من اللي بتحبه...

– مع إنها كانت ممكن تتجوزه، ومع التجربة تكتشف إنه ميسواش ضفر الراجل اللي متجوزاه.

تساءل وقد زاد الشك بداخله، ليأتي ردها ناهضة فجأة من جواره دون أن تريحه:

– أنا رايحة أشوف ليلى، تعال انت كمان عشان تشوف أخوك.

– أشوف أخويا! هو انتي عايزة إيه بالضبط؟

دلفت إلى داخل المحتجزة بها ابنتها، رافعة رأسها بقوة، مستعيدة بأسها، لتجد الوضع قد تغيّر مئة وثمانين درجة، رغم بقاء معاذ جالسًا على الأرض كما هو، مستندًا بذراعيه إلى التخت، يتحدث مع ابنتها التي اعتدلت في جلستها، بوجه استعاد بعض نضارته، وكأن رؤيته أعادت إلى بشرتها الحياة. كانت تتبسم بخجل مع اندماجه في الحديث، حتى إذا انتبهت لحضورها، أطّل الرعب جليًا على ملامحها، مما ارتدّ بأثره على الآخر، فاعتدل عن جلسته ونهض عن الأرض ليقابلها باعتذار:

آسف لو جيت من غير استئذان، بس أنا بصراحة ملجتكيش.

ولو لجيتني، كنت هتستنى برضو على ما أطلع عشان تبجي تجابلها من ورايا.

قالتها بحدة جعلته يطرق برأسه خزيًا صامتًا، لتطالعه بعتبٍ جعل الدماء تغلي في رأسها، فتلتفت عنه حين دلف الآخر، يُلقي التحية ويصافح شقيقه بنبرة عادية خالية من التأنيب، حتى انتظروا ثلاثتهم عودتها، التي جاءت بتماسك مبهر، قائلة:

على فكرة، أنا ممكن أوافق على الجواز، بس عندي شروط.

أجفل الثلاثة بقولها، حتى استوعب معاذ أولهم، فرحّب مهللًا:

الشروط اللي انتي عايزاها، قولي وانا مستعد أنفذها، ولو همشي على الجمر حتى!

بابتسامة خفيفة ظهرت على زاوية فمها، تنقلت بعينيها نحو ابنتها التي صارت تترقب بشغف هي الأخرى، وقالت:

لا اطمن، أنا مليش في الخيال والكلام الفاضي. شرطي الأول إن ليلى مفيش خلفة غير بعد ما تخلص تعليمها تمامًا، وشهادتها الجامعية تبقى في إيدها.

كادت المفاجأة أن تعصف برأس معاذ، وقد فهم ضمنيًا من كلماتها أنها وافقت على زواج ابنتها قبل انتهاء تعليمها، مما أشعل حماسه ليقر موافقًا على شرطها الأول:

موافق، وأبصم بالثلث كمان، أهم حاجة عندي هي ليلى، الخلفة والعيال إن شاء الله بعد الماجستير والدكتوراه.

تدخل هنا حمزة، الذي يعبث داخله الشك، مخاطبًا شقيقه:

بالراحة يا معاذ، متتهورش بحماسك ده، واستنى شوف الشرط التاني.

تبسمت مزيونة، تأخذ منه الأخيرة:

لا اطمنوا، الشرط التاني مش صعب ولا حاجة، دا يمكن يكون الأحسن كمان عنديكم.

توقفت برهة قبل أن تصعقهم بالآخر:

الشرط التاني إنها هتكمل سنتها عنديكم، يعني الجواز في أقرب وقت.

صرخ بها معاذ بفرحة أوشكت على إصابته بالجنون، لولا انتباهه لتلك النظرة من شقيقه، ثم استفسار ليلى:

أكمل سنتي كيف عنده؟ ما انتي عارفة إني ثانوية عامة وعايزة مجموع!

دا شرطي يا ليلى. مدام شاريكي ومتشجع كده، يتحمل بقى معاكي حرقة الأعصاب والمذاكرة والدروس وكله! مش بيحبك برضو؟ ولا هو معندوش استعداد يتحمل مسؤوليتك؟

لا طبعًا، عندي استعداد ونص وتلت أربع كمان! بس دا مينكرش إني زيها مستغرب.

كان حمزة في هذا الوقت في وضع المتفرج، يتابع بتركيز شديد، يستوعب صدمة شروطها، شاعرًا وكأنه فخ تنصبه لشقيقه، وبانت الرؤية حين قالت:

أنا هبجى وضعت ثقتي فيك. كنت قد الثقة دي، والبنت تمكنت تنجح وهي على ذمتك وتجيب المجموع العالي، يبجى تمام وكتر خيرك جوي. أما بجى إنك خنت الثقة دي، وتعمدت إنك تجعدها من المدرسة أو حتى خلتها تهمل في دروسها ومتجبش المتوقع، يبقى أنا أمها، ودا سبب كافي جدًا يخليني أطلّقها منك. ولا إيه يا ليلى؟

سمعت منها الأخيرة، لتتردد لحظات قبل أن تنطق خلفها مؤيدة:

أنا معاكي يا أمي في كل اللي تجولي عليه، ومعاذ أكيد لو بيحبني، يبجى أكيد هو كمان معايا.

أومأت مزيونة برضا نحو الأخير، والذي أخذته حماسيته:

أكيد أنا طبعًا شاريها، وجولتها قبل كده إني مستعد أذاكرلها!

أردفت تلقي عليهم شرطها الأخير، موجهة أبصارها نحو الصامت:

شرطي الأخير، ومن غير زعل، ليلى تتعامل في بيتك زي ما بتتعامل في بيتي. يعني متشلش جشاية، عشان تعرف تفضى للمذاكرة، سواء للثانوي أو الكلية، دا لو وصلنا يعني.

إن شاء الله هنوصل، ولو حصلت، أجيبلها خدامة هعلّمها أكيد.

قالها معاذ باندفاع، منهيًا كل الحديث، فكان رد مزيونة:

لا معلش، الشرط الأخير دا بالذات لازم تاخد رأي الحجة.

خرج حمزة بعدم احتمال، رافضًا التدخل، ليصل إلى أسماعه باقي الحديث:

برضو شوفها يا معاذ، متزعلش مني، دي رأيها هي الأهم.

... بعد لحظات ليست بالقليلة، خرجت من الغرفة، لتجده منتظرًا قرب إحدى النوافذ الصغيرة المصممة بجدار المبنى، والمطلة على حديقة المشفى.

بعد لحظات ليست بالقليلة، خرجت من الغرفة لتجده منتظرًا قرب إحدى النوافذ الصغيرة التي تطل على حديقة المشفى. كادت أن تتخطاه، لكنه لحق بها وأوقفها:

– نيتك واضحة جوي يا مزيونة، الأعمى يشوفها.

– والله لو حاسس إن نيتي مش مظبوطة، يبقى تعجّل أخوك من أولها وتخليه يصرف نظر.

قالتها لتجد تحول كاملًا منه، يسألها بحدّة، واضعًا أبصاره نصب عينيها بقوة، متخليًا عن حذره المعتاد، وقد بلغ غضبه ذروته منها، بعد تلك القنبلة التي ألقتها في وجوههم، فقلبت الوضع رأسًا على عقب:

– أنا اللي عايز أفهم، شروطك دي اختبار لمين بالضبط؟ للعيال الصغيرين اللي مش مستوعبين لحد دلوك رغم الفرحة اللي مش سايعاهم؟ ولا للكبير اللي اتصدر في الموضوع من أوله، وأي خلل أو فشل هيلبسه هو جبليهم؟

هي أيضًا لم تزح بعينيها عنه، فكانت تطالعه بندية وتحدٍ خالص، تجلت معالمه في نبرتها، حتى وهي تراوغه:

– وه، وإنت إيه دخلك بس يا أبو ريان؟ شوفتني بوجّه شروطي عليك مثلًا؟ لاه يا بوي، أنا كل كلامي كان مع جوز العصافير اللي حسهم عليّ من جوا الأوضة، وبجى واصلك دلوك بعد ما طلعنا من عنديهم. سيبهم يفرحوا، وبلاش التفكير اللي مش في محلّه ده.

تمتم مشيرًا بسبابته نحو صدره، بحنق شديد، بعد أن حشرته في زاوية لا منفذ منها ولا مهرب:

– أنا برضو اللي تفكيري مش في محلّه؟ ولا إنتي اللي حسبتيها سنة للتجربة؟ إن نجحت الجوازة كان بها، وإن ما نجحتش، يبقى ليلى جربت وشافت اللي يخليها تبقى نسخة تانية من مزيونة، بس نسخة معدّلة.

– احسبها زي ما انت عايز تحسبها، أنا مش هعمل ضد مصلحة بنتي. وإنتوا لو شايفينها شروط تعجيزية، برضو القرار في إيدكم. عن إذنك بجى.

وتحركت تتركه متسمرًا في مكانه، ليردد بصوت يصل إليها:

– هتنجح يا مزيونة... وبكرة تشوفي بنفسك... لما تبجى إنت كمان معاها في بيت واحد.

قال الأخيرة بصوت خفيض، وعهد يقطعه على نفسه.

رواية لاجلها الفصل السادس عشر

نتائج هذا القرار الصعب لم تبدأ بعد؟ ربما تم اتخاذه في لحظة غضب فارقة، حين تجلّت الرؤية بوضوح أمامها، ثم ما تبع بعد ذلك من شفاء سريع لابنتها التي بدت وكأن روحها كانت معلّقة بعودته، ثم عادت بعودته إليها.

شيء يثير الدهشة والحسرة أيضًا، رغم ابتهاجها أحيانًا بالسعادة التي تغمر صغيرتها، وهي تعيش الحلم؛ حلم فارس الأحلام الذي أتى بصورة تفوق خيالها، وأفعاله المستمرة في تدليلها منذ ذلك الوقت، بالإضافة إلى ترحيبه وترحيب أسرته بالشروط التي ألقتها عليهم. وهل يوجد في العالم امرأة تستطيع المعارضة بعد كل ذلك؟

حتى أملها الأخير برفض عرفان من داخل محبسه، والذي كانت موقنة منه، بسبب كرهه الشديد لحمزة القناوي شقيق معاذ، والذي ذهب إليه في زيارة بصحبة المحامي وليلى، التي تشجعت ولأول مرة لزيارته من أجل دعم محبوبها حتى لا يغضب عليها، وللمساهمة أيضاً في إقناعه.

فجاء رد عرفان بشرط مُلزم قبل الرد على طلبهم. الماكر الخبيث لم يُنهِ الأمر ويريحها، أو يطرد معاذ على الأقل كما توقعت. ولكن كيف يفعلها؟ لا يكون عرفان إن لم يحرق دمها ويجبرها على ما لا تطيق... وهو: زيارته!

لتأتي الآن مرغمة وترى وجهه البغيض أمامها، يحدّق بها بسفور يثير مقتها، ويحدّثها بتسلية لا تخلو من وقاحة:

– ووه يا مزيونة، أخيرًا شوفتك؟ أخيرًا قلبك الحجر رق وجيتي ورضيتي على جوزك الغلبان؟

طليجي: قاطعته بها بحدة لتردف بتشديد:

– بلاش ياخدك العشم جوي، عشان أنا جاية أصلًا غصب عني. بلغني قرارك ده عن جوازة البت، موافق ولا رافض؟

– مش لما تجولي إنتي رأيك إيه الأول؟

– وانت مالك برأيي؟ مش هي بتك وانت أبوها زي الأصول ما بتجول؟ إدينا ماشيين بيها، وجالك الواد وطلبها منك، خلّصني بقى يا واد الناس عشان ننتهي من الموضوع ده... جصدي نرسي على بر.

انفعالها الواضح كان خير إجابة له، وكم أراحه صحة توقعه وسرّب إلى قلبه تشفّيًا، فَلانت ملامحه ليقول بهدوء:

– لا، ما خلاص، عرفت الإجابة واتأكدت منها، يعني معدتش محتاج أسمعها منك. ما هو أنا كمان لازم أكون حسيس وأقدّر الظرف اللي إنتي فيه.

– ظرف إيه؟ سألت بريبة، ليميل برأسه نحوها ويجيب بأعين التمعت بالانتشاء:

– ظرف الخسارة يا مزيونة... خسارة عمرك اللي ضاع في حلم بتك، وفي الآخر برضه هترضخي غصب عنك وتعملي اللي رفضتيه واطلجتي عشانه. ليه؟ عشان البت هي اللي عايزة، عايزة الواد، وده اللي أنا شوفته بعيني. متتصوريش دمي كان محروق وجاتها إزاي، ودلوك بَرَرد، وكأنه عصير ساجع نزل على قلبي ورطّب عليه... يا خسارة تعبك يا مزيونة.

ما أقسى كلماته، وهو يترجم أمامها كل ما يدور بعقلها من هواجس وظنون، عديم الإحساس يتشفّى بها وكأنها هي من آذته، وليس هو. لكنها لن تدعه يرى ضعفها:

– تعبي ماراحش يا عرفان. البت هتتعلم في بيت جوزها، وهيكفيها من كله عشان تجيب مجموع كبير وتخش الكلية اللي بتحلم بيها. دي شروطي أنا اللي فرضتها عليهم.

أشارت في الأخيرة بسبابتها نحو صدرها، لتُصدر له أنها صاحبة القرار، فكان رده ضحكة مجلجلة قبل أن يعارضها:

– جصدك طاطيتي للريح؟ البت ضغطت عليكي عشان رايدة عريس الهنا، وإنتي مجدرتيش ترفضي. وحتى جيتك النهاردة جاية غصب عنك. مش لو كنتي عرفتي مصلحتك من الأول مع جوزك يا بت الناس، وشوفتي نفسك، كان هيبقى أحسنلك...

جاهدت أن تخفي ضعفها أمامه، رغم اهتزازها من الداخل، والحرقة التي اشتعلت بصدرها تأثرًا بكلماته السامة، لتردف مؤكدة بعناد:

– مفيش أم بتندم على اللي عملته مع عيالها، حتى لو قطعت من لحمها. وأنا متأكدة من بنتي ومن رغبتها في التعليم. هتعمل المستحيل وتاخد الشهادة. المهم دلوك، رأيك بجى عشان الزيارة ما تخلصش على الفاضي.

"أممم"، زمّ شفتيه بابتسامة مستفزة يدّعي التفكير قبل أن يفاجئها برده:

– أكيد متوقعة إني أرفض، عشان تجيبي اللوم عليّ جدام البت. لكن أنا مش هنولك غرضك، رغم إني بكره عيلة القناوي كلها. بس إن جيتي للصراحة بجى، أنا إيه اللي يخصني؟ مدام مش أنا اللي هحط يدي في يدهم، وأخوكي بارك الله فيه يسد معاهم، ما هو داخل في زوارقهم.

تنهد يجيبها بجدية خالية من عبثه السابق:

– جصدي: مبروك عليها. تشيله ولا يشيلها، يتهنوا ببعض. وإنتي بجى تشوفي نفسك وتراجعيها. أنا لسه شاريكي، ومستعد أصلّح غلط السنين اللي فاتت، واللي عايزاه هعملهولك. وأما عن القضية اللي شغالة، فخلّيكي متأكدة إني هطلع منها. عشان مش أنا اللي عملت الفعل الخسيس ده وسلّطت حد غريب على لحمي. ياريت تستنيني يا مزيونة، خلاص... معدتش ليكي غيري، وأنا بايع الدنيا عشانك.

كان الثلاثة في انتظارها: ليلى التي مُنعت برغبة من أبيها، والذي أصرّ على مقابلة طليقته وحدها، فمرت عليها لحظات من القلق أشد من المرض الذي تعافت منه مؤخرًا بفضل مغامرها الجميل وفارسها النبيل، ذاك الذي كان واقفًا بالقرب منها، يهزّ قدميه بعصبية مفرطة، وترقُّبٍ يكاد يقتله قلقًا.

يُحجم نفسه بصعوبة عن فعل أحمق، كاقتحام السجن وحضور تلك الجلسة بين النقيضين: مزيونة، العنيدة، الطيبة، الحرة؛ وعرفان، الذي اختبر خبثه منذ زيارته إليه، رجل غير مريح، يمتلك مكر الثعالب في المراوغة للوصول إلى هدفه... ولكنهم مُجبرون على اللجوء إليه.

وفي الجهة الأخرى من السيارة كان حمزة، الذي اتخذ من الجمود منهجًا حتى لا تنفضح مشاعره المتقدة بنيران الغيرة، نحو تلك العنيدة، وهي في الداخل تقابل زوجها السابق وغريمه في الحياة، من أجل الموافقة على زواج العروسين المزعومين.

مرّت الدقائق كالدَّهر، حتى أطلت أمامهم خارجة من البوابة الحديدية. كاد حمزة يقفز راكضًا إليها ويفعل مثل ليلى وشقيقه، ويسبقهما، لكنه تذكّر وضعه ومكانته، ليجبر قدميه على الانتظار، حتى أقتربت، وصوت الإلحاح من الاثنين اللذين تلقفاها من وسط الطريق قبل أن تصل إليه:

– إحنا كنا قلقانين جوي عليكي يا أمه، كل ده في الزيارة؟ – شكلك تعبانه يا خالة مزيونة، هو الراجل ده ضايقك؟

– براحة عليها إنتو الاتنين، خليها تجْعد وتاخد نفسها الأول. قالها حمزة بإشارة نحو السيارة التي فتح بابها، في حركة ذكية لم تمكنها من الرفض، لتأخذ مكانها في الخلف، ثم تنضم ابنتها جوارها من الناحية الأخرى، وحمزة وشقيقه في الأمام. ثم تحرك بهم، وعيناه منصبة عليها من مرآة السيارة، يتابع الحديث الذي يدور بينها وبين الاثنين الآخرين:

– مجوّلتيلناش برضو يا خالة مزيونة، جالك حاجة ضايقتك الراجل ده؟ – ده أكيد، ميِبْجاش أبويا إن ما أعملها، أنا أتوقّع منه أي حاجة!

هتفت بها ليلى بانفعال، جعل والدتها تطالعها بصمت، وعيون احتبس فيها الحديث... كيف تخبرها أن عرفان قد أذلها بها؟ هو لا يعنيه ابنته من الأساس، وبمن ستتزوج؟ المهم أنها ستفعل ما كان مقدمًا عليه هو من البداية... تتزوج، وحلم مزيونة يتبخر في الهواء. تتزوج، ويضيع جهدها هباءً، كأنها لم تفعل شيئًا! ترى، هل ستُعطيه ابنتها هديته بالانتصار عليها؟

– أمه، قلقتيني عليكي... جالك إيه؟ أبويا خلاكي كده؟

– جالي إنه موافق على جوازك. ردّها جاء مباشرة ودون تمهيد، حتى اجفلت الثلاثة به، ليتوقّف الحديث على ألسنتهم لحظات، قبل أن يأتي استفسار معاذ، الذي استوعب أولهم:

– وافق كده على طول؟ وما اعترضتش؟

– لاه ما اعترضتش. ردّت بها خلفه كإجابة، ليتدخل حمزة أخيرًا بقوله:

– ما طلبش حاجة قُبَال موافقته دي؟ تطلعت إلى انعكاس عينيه في المرآة أمامها، قاصدة كلماتها بمكر الأنثى:

– طلب إني أستناه الكام شهر دول عشان هَيطلع براءة، لأنه متأكد منها، وحلفلي إنه عمره ما يسلّط حد غريب على حريمه.

ردّ سريعًا بحدّة مكشوفة، وشرار النظرات القاتلة تنبعث مع انعكاس عينيه في المرآة:

– وانتي صدّجتيه؟ تركته بنيرانه ولم تُجب، بل تعمّدت الالتفات نحو ابنتها، التي وصلها الأمر كابتزاز منه لوالدتها، لتُخاطبها برجاء قطع نياط قلبها:

– لاه يا أمه... لو هيحط شرط جوازي برجوعك ليه، فـ أنا مش عايزة الجواز! أوعي يا أمه، أوعي ترجعيله، أوعي... أنا مش عايزة جواز، مش عايزاه خلاص...

وانفجرت في نوبة من بكاءٍ مريرٍ أجبر والدتها على ضمّها إليها، كي تطمئنها وتطمئن ذلك المجنون الآخر في الأمام، الذي تجلّت عليه الصدمة حتى فقد النطق:

ـ محطهوش شرط يا بت، خلاص، اهدِي؟

ـ يعني وافق ولا ما وافجش؟ صرخ بها معاذ بعد أن وجد صوته أخيرًا، فالتفتت مزيونة بنظرة جانبية إلى ذلك المتربص، قبل أن تعيد القول بنبرة موبِّخة إلى حد ما:

ـ وافق يا معاذ، ما تبجاش خفيف إنت كمان زي البت دي، أنا قلت على طلبه، ما قلتش إنه شرطه عليا.

سمعها، فصدرت ضحكته ببلاهة، مرددًا:

ـ طب ما تجولي كده من الأول! جولي كده وفرّحينا، الله يفرّح قلبك يا شيخة! وإنتي يا ليلى، بطلي نُواح، خلينا نفرحوا يا بت، عايزين نفرحوا!

جاء تهليله وصياحه بنتائج فورية على الأخيرة، لتخرج من حضن والدتها، وتبادله الابتسام بدموعٍ لم تتوقف بعد، فعاد يردف متغزّلًا:

ـ النبي العيون الحلوة دي تبكي؟ طب والله حرام عليكي، والله يا شيخة حرام عليكي.

تحوّلت ابتسامتها إلى ضحكاتٍ يميّزها الخجل، فتدخلت مزيونة تُنهيه بحزمٍ مصطنع:

ـ خلاص يا شيخنا، بص جدّامك، وبلاها معاكسة ها، بص جدّامك!

ضحك، ثم التفت للأمام، مزعناً لرغبتها، بينما عادت ابنتها تضمها، لكن بحبٍ وامتنانٍ أظهر فرحتها، لتربّت مزيونة على ساعدها دعمًا، وارتفعت عيناها نحو ذلك المتربص، وعيناه لم تفارقها بعد، ودار حديثٌ سريع بالنظرات، قبل أن تهرب منه كعادتها، وتذهب بأبصارها خارج السيارة.

وفي منزل حماد القناوي، اختلت بشقيقتها التي جاءت في زيارة للمنزل بصحبة عدد من سيدات العائلة من أجل التهنئة والمباركة، مما أثار غضبها، فسحبتها من يدها بخفّة من بينهن، تأتي بها إلى الطابق الثاني بعيدًا عن الجميع، حتى دخلت بها إلي شقتها، ثم أغلقت الباب عليهما قبل أن توبخها:

ـ إنتِ اتجنّيتي يا إسراء؟ جاية برجليكي تباركي وتهنّي بعد عملتهم السودة معاكي وندالتهم؟! إيه اللي خلاكي تاجي؟ إنتي بالذات مكنش لازم تاجي!

طالعتها شقيقتها قليلًا بتفحّص، قبل أن تدلي باستفسارها:

ـ وماجيش ليه إن شاء الله؟ عشان ما هو خطب واحدة غيري يعني؟

شهقت هالة باستنكار قبل أن تجيب على سؤالها:

ـ ودي محتاجة مفهومية يا عديمة الإحساس؟ الواد ده هو وناسه لازم يعرفوا إنك واخدة موقف! كنتي ناجصة إيد ولا رجل إنتي عشان يخطب ويتجوز واحدة غيرك؟!

خطت إسراء لتجلس على أقرب كرسي، تقابل ثورتها بهدوء منقطع النظير، قائلة:

ـ ولما آخد موقف بجى، هيتراجع هو إن شاء الله؟ بجولك يا خيتي، واد عمي معاذ زينة الشباب، وأي واحدة في البلد كلها تتمناه، وأولهم أنا. بس مادام بص لغيري، يبجى ما يلزمنيش.

ـ ما يلزمكيش! هتفت بها هالة، لتأخذ محلها على الكرسي المقابل، قائلة بغيظ:

ـ إنتي حمارة يا بت؟ ما تصحي كده وفوقي من توهانك ده! كونه اختار غيرك، دي في حد ذاتها إهانة! كل الحريم هتستجلك، حتى لو اللي اختارها أقل منك في الجمال، برضو هيشوفوها أحسن منك.

ـ ما يشوفوها أحسن مني؟ عادي. ردّت بها إسراء بعدم اكتراث، ثم أردفت تكشفها أمام نفسها:

ـ أجيبلك من الآخر، لا أنا هالة، ولا معاذ يبقى حمزة. يعني يا بت أبوي، شيليها من مخك الحكاية دي. عن إذنك، أشوف الناس اللي جيت معاهم.

ونهضت تصعقها بمغادرتها، وتتركها على حالتها من الصدمة، لا تصدّق جلافتها بالتلفّظ أمامها بشيء جارح كهذا، وهي التي تعمل على مصلحتها، ولا تريد لها تكرار تجربتها والزواج برجلٍ لا تحبه… بل ولم تكن تضعه في حسبانها من الأساس.

وجفتوا العربية هنا ليه؟ توجهت مزيونة بسؤالها، لياتيها الرد وهي تجد الاثنان يترجلان من السيارة، وحمزة يقول:

هندخل الكافيه نشرب لنا حاجة، ولا هنروح عطشانين كمان.

وقبل أن تدلي برأيها وتعترض، وجدت الباب يفتح من ناحية ابنتها، من طرف معاذ الذي تبسم يدللها بطريقة مسرحية:

بالطبع رحبت الأخيرة بفعله، حتى شرعت في النزول سريعًا على الفور، ولكن منعتها أيدي والدتها التي تمسكت بها رافضة:

مفيش نزول، ولو عايزين تشربوا اشتروا عصير ولا جزايز حاجة ساقعة، كفاية تأخير البت وراها دروس.

دبت ليلى أرض السيارة بقدميها قائلة بتذمر:

ما هو كدة كدة اليوم راح، هبجّي ألم كل اللي راح مني على العشية من البت نسرين ولا سمر.

لا، وانتي العشية بتبقي فاضية جوي. تمتمت بسخرية قاصدة معاذ الذي سارع بالدفاع عن نفسه:

لا، اطمّني، مش هتصل بيها خالص ولا أزعجها عن مذاكرتها، المهم انتي متعطليناش أكتر من كدة، الوجت بيروح، واحنا مش كل يوم بنتفطفط على المحافظة.

سبيها يا ست، مجتش على اللحظة دي، ليلى شاطرة وبتعرف تلم بسرعة ما شاء الله عليها، زكية زي الست ولدتها.

تطلعت إلى باب السيارة المفتوح أيضًا من ناحيتها في دعوة صريحة للترجل، وكأنه يقلد شقيقه، الفرق فقط أن جميع أفعاله بالتلميح، فهي لم تسمح بعد بتعدي الخط الذي ترسمه لعلاقتهما.

ها ست مزيونة، لسة برضه بتفكري؟ اذعنت في الأخير أن تنصاع لرغبة الثلاثة، لتضطر للترجل من ناحيته، بخجل الأنثى التي مهما بالغت في العناد تغلبها نظرة قريبة منه، مصدر الخطر الذي تتجنبه دائمًا، أما ابنتها فترجلت من الناحية الأخرى، ناحية خطيبها، ليلتقيا الأربعة أمام الكازينو المطل مباشرة على النيل، حيث لا يفصل بينهم سوى نصف جدار من الزجاج، ليُمكن الرواد من الاستمتاع بالمشاهدة الكاملة، بالإضافة إلى الجلوس على طاولة لهما وحدهما، وموسيقى هادئة تناسب الأجواء.

كانت مزيونة في هذا الوقت تائهة بعض الشيء فيما تراه من حولها، بالإضافة لإحساس النقص الذي أصابها بأنها غير مناسبة لهذه الأماكن الفاخرة، حتى أتاها صوت معاذ يخاطبها مباشرةً.

ها تحبوا تطلبوا إيه؟ ردت ليلى على الفور:

آيس كريم أو جاتوه، أنا أعرف أنهم بيعملوه حلو جوي هنا.

علقت مزيونة بنبرة حازمة متسائلة:

وانتي عرفتي منين إن شاء الله يا ست ليلى؟ أجابتها سريعًا:

صحابي اللي بييجوا الدرس معايا يا أمي بييجوا هنا ويحكولي.

امممم تطالعها بتشكك، مما جعلها تعيد عليها بالقسم، ليتدخل حمزة:

خلاص يا ست مزيونة، دي أماكن محترمة أصلًا، يعني حتى لو بتيجي، متقلقيش عليها، ليلى بتنا مفيش في أدبها.

تبسمت له بامتنان، ليفصل معاذ ويزيح كرسيه للخلف ناهضًا:

خلاص كدة يبجى تيجي معايا وتختاري بنفسك الآيس كريم اللي تحبيه.

سمعت منه لتهم بالنهوض خلفه، فتمنعها مزيونة للمرة الثانية:

استني هنا، تروح معاك فين بالظبط؟ ما تنده للجرسون ويجيبلها الكراسة تنقي منها براحتها؟

إحنا مش هنبعد ولا نطلع برا الكافية، أنا هاخدها بس تنقي الطعم اللي هي عايزاه، حكم هنا بيتعمل حسب الرغبة، واطمني برضه، مش هتنأخر، ها، مجولتِش أنتي كمان عايزة إيه؟

عبست بتوتر، وهي تنقل ببصرها نحو ذلك الصامت، الذي يتابع ما يحدث أمامه بمكر، فخرج صوته أخيرًا بتسلية:

جولي يا ست مزيونة على طلبك، أنا عن نفسي ماليش في الساجع، هو طلب الجهوة المخصوص، شوفي أنتِ كمان تحبي زيهم ولا زيي؟

لأ زينا، أمي بتحب الآيس كريم بطعم الفانيليا. تفوهت بها ليلى بلهفة أحرجت والدتها التي غمغمت بغيظ منها، حتى طفت السخونة على وجنتيها بخجل شديد، فحسم حمزة ضاحكًا:

خلاص يا ليلى، روحي هاتليها طلبها، وخليه يعملها الطلب مخصوص، وأنت يا معاذ متنساش جهوتي.

تلقى الاثنان الأمر بابتهاج شديد، يتحركان سريعًا للابتعاد، قبل أن تتراجع مزيونة وتوقفهم، والتي شعرت بحماقتها فعليًا، حينما وجدت نفسها الآن، هي وهو فقط، على طاولة وحدهما في مكان شاعري وأمام النيل مباشرة، يا لها من ورطة.

في غرفة غسيل الملابس داخل المحبس، سقط بجسده على كومة الملابس المتسخة الخاصة بعدد من زملائه المساجين، إذ كان دوره اليوم في تنظيفها مع مجموعة من زملائه، فالأعمال الميدانية داخل محيط السجن تُعد من إحدى هواياته، في اختلاف جذري عن النزلاء العاديين.

وذلك لما تمثّله من مزايا تمكّنه من الاختلاط بكافة الشرائح المهمة أو المفيدة له من النزلاء، بالإضافة إلى سهولة الحركة، والمصالح التي يجنيها من هذا الاختلاط، وتنقله بين المرافق. لكنه اليوم كان يومًا استثنائيًا بالنسبة له.

لقد رآها اليوم، أثناء مساعدته لأحد العاملين في السجن في تصليح ماسورة المياه في الحديقة ذات السور السلكي الذي لا يمكن اختراقه، لكن يُمكنه من النظر إلى العالم الخارجي، ذاك العالم الذي يفتقده... وقد كان اليوم موعده معها .

تلك الحورية التي سلبت عقله منذ طفولتها، وعادت لتحرك مشاعره مرة أخرى بعد نضوجها وتخلّصها من عرفان البغيض، حتى ظن أن فرصته بالاقتران بها قد اقتربت. ولكن، ظهر ذلك "الغراب" الذي يحول بينه وبينها، والذي كان يحاوطها كما رآه بعينيه أثناء خروجها من مدخل السجن. لقد عرفها من ظهرها، وكيف له أن يخطئها؟! تلك الساحرة، مكتملة الأنوثة من كل الجوانب.

فتح لها باب السيارة كما يفعل الرجال المحترمون في مسلسلات الدراما وأفلام السينما للنساء الجميلات، تقديرًا وتدليلًا خفيًا. تبا له من ملعون ومتلون! تمكّن من حبسه كما أبعد عرفان، ليخلو له الجو.

ـ ماشي يا حمزة الزفت، مسيري أطلعلك وآخد حقي منك. تمتم بها متوعدًا، قبل أن يفاجأ بصوت أحدهم يناديه باسمه:

ـ عطوة. نهض منتفضًا عن كومة الملابس، يطالع صاحب الجسد الضخم الذي كان يتهرب منه طوال الفترة الماضية، ليفاجأ به الآن أمامه، وداخل المغسلة التي لا يعلم متى أُغلق بابها و... نظر حوله من كل الجهات، يبحث عن أحد من زملائه النزلاء داخل المغسلة، ولكن لا يوجد أحد منهم أيضًا...

تحدث عرفان وقدماه تخطوان نحوه بخطوات سلحفائية متأنية: ـ بلاش تتعب نفسك بالبصّ والدوران عليهم، كلهم باعوك يا غالي، وجاعدين حراس دلّوك على الباب من برا، يعني الليلة ليلتنا يا عسل...

انتفض عطوة متراجعًا إلى الخلف بذعر، قائلًا: ـ إيه اللي انت بتقوله دا بس يا عرفان؟ اشحال ما كنت صاحبي، اللي متربي معاك، وعارفني أكتر ما تعرف نفسك! شيل اللي في دماغك بجى، أنا بريء.

ـ بريء يا كلب؟ فاكرني مغفّل وهصدّق كدبك يااض؟ تمتم بها الأخير، وأقدامه قطعت خطوتين بخطوة واحدة، ارتدّ على أثرها عطوة خطواتٍ عدّة، يهادن هذا الثور القادر على تكسير عظامه بضربة واحدة من يده:

ـ أحلف بإيه طيب عشان تصدجني؟ دا فخ، واتنصب لنا إحنا الاتنين! ما تفهم بجى؟

ـ لا، مش عايز أفهم. قالها عرفان، ثم انقضّ عليه ينهال عليه باللكمات، غير عابئ بصراخه، حتى أسقطه فوق كومة الملابس، مواصلًا "تأديبه" حتى صرخ به عقل الشيطان:

ـ يا أخي، حرام عليك! خد روحي بالمرة يا عرفان، ما دمت عايش في الوهم، وغريمك هايص برا، فرحان باللي عمله!

كاد أن يسمع له وترتخي يداه، ولكن غليل الأيام الفائتة ساهم في إغلاق عقله عن التفكير في سمومه، وترك الحرية ليده كي تنفث عن غضبه؛

ـ تاني برضه بتلعب ألاعيبك؟ يبجى انت اللي جبته لنفسك بجى... خد يا عطوة، خد!

وهكذا تمكّن منه، حتى أنقذه النزلاء والحراس بصعوبة من تحت يده، ومن موتٍ محقّق كاد أن يتسبب به عرفان له.

"الماء والخضرة والوجه الحسن"... هذا ما دار بخلده في هذه اللحظة، وهو يتأمل النيل وضفتيه، اللتين انتشر بهما النجيل الأخضر، بالإضافة إلى الأراضي المزروعة الممتدة أمام بصره. والجميلة الحسناء أقرب إليه من كل ذلك، وهي تشاركه الطاولة نفسها، تتهرّب من خجلها بالنظر نحو أي شيء سوى عينيه. لقد كانت ساحرة في هذا الوقت، رغم بساطة ملابسها، إلا أنه وبنظرة بسيطة، لو قارن بينها وبين كل النساء حولهم الآن، لفازت عليهن جميعًا. فتنة خالصة، بجمال طبيعي، لا تزينه لمسة واحدة من الزينة. توترها وحياؤها كانا السر في جاذبيتها وبكل وضوح.

ـ العيال دول اتأخروا جوي، مش فاهمة أنا ليه عمايلهم دي؟ قابل انفعالها بهدوءٍ يغيظ: ـ همّا لحقوا أساسًا؟ انتي بس اللي مستعجلة وعايزة تمشي بسرعة وتسيبي الطرابيزة، مع إن الأمر عادي يعني.

ما أجملها حين تدّعي السذاجة والجهل، رغم يقينه الأكيد بمعرفتها بمشاعره، ولكن لا بأس، فليُجاريها في لعبتها:

ـ أنا جصدي يا ست مزيونة إن إحنا بقينا عيلة خلاص، يعني... مفيش حرج ما بينّا، إن كلّمتيني أو أنا كلّمتك، أو حتى طلبتيني على التلفون أو أنا طلبتك.

ـ أيوة أمال إيه؟ أنا عرفت إنك خدتي خط ليلى بعد ما معاذ جابلها تلفونها الجديد، ممكن أسجل رقمي عليه؟

ـ هاا... صدرت منها بتشتّت، متفاجئة من جرأته في الطلب، وحرجها عن صده؛

ـ يا ست مزيونة، مش محتاج الموضوع تفكير، الموضوع سهل خالص على فكرة. بكرة تاخدي رقم الست الوالدة زي ما خدتي رقم منى أختي. يلا بجى، ملّيني الرقم. سجليني "أبو ريان"، وأنا هسجلك "أم ليلى".

وبعد أن ابتاع لها المثلجات على ذوقه، توقّف بها أمام السور الزجاجي الصغير، ليلتقط لها وتلتقط له عددًا من الصور الجميلة، مستغلَّين الخلفية الرائعة للنيل والخضرة.

تجبره بابتسامتها الساحرة وضحكاتها ودلالها الفطري على المزيد والمزيد، يريد تسجيل كل همسة لها على هاتفه.

كفاية يا معاذ، أمي وعمّ حمزة هيزعلوا من التأخير.

"سمع عبارتها، وارتسمت ابتسامة على طرف شفتيه، وهو يلقي بنظرة خاطفة نحو الطاولة البعيدة عنهما، دون أن يمنعه البعد من متابعتها من مكانه."

لا، ما تشغليش بالك إنتِ، إن شاء الله ما يزعلوش. المهم أنا عايز آخد صورة معاكي.

لاه يا خفيف، ما تتعشمش، عشان ولا صورة هتاخدها معايا قبل سيشن الفرح!

ولا صورة؟ ليه طيب؟ وإحنا خلاص فرحنا قرب، أجِّل من شهر وهيتم إن شاء الله.

خلاص، يبقى تصبَّر الشهر ده يا خفيف.

غاظته بها، ثم تحرّكت نحو طاولة أخرى فارغة، كانت قد وضعت عليها علب المثلجات، واقتربت الآن لتأخذهم، فتناولهم هو بالنيابة عنها قائلًا باستعطاف:

غلاوة عزوز تخص عزوز، إنت إيه يخصك يا عم؟ أما عجايب دي والله!

وتحرّكت ذاهبة من أمامه تسبقه، ليغمغم من خلفها بتذمّر:

يا دي عزوز، هو ياخد البوس والدلع، وأنا حتى صورة مستكتراها عليّا، ماشي يا ليلى!

وداخل منزل حماد القناوي، تفاجأت هالة بامتلاء المنزل بنساء العائلة والفتيات، يساعدن حسنية وبناتها المتزوجات في تنقية حبوب القمح وغسلها جيدًا ثم تجفيفها قبل الذهاب بها إلى مطحن البلدة.

لتنظر هالة نحو عدد أشولة القمح الكثيرة بدهشة قائلة:

وه! كام شوال قمح فتحتوه؟ إنتوا ناويين تعملوا ليلة كبيرة للبلد إياك؟

لا يا حبيبتي، عقبالك يا رب، إحنا بنحضّر لفرح معاذ، انتي عارفة، يدوب نجهّز الدقيق عشان الخبيز، ما شاء الله... عيش وكحك وبسكويت وناعم...

الكحك والبسكويت والناعم على العروسة يا ست منى، إنتي نسيتي ياك؟ إحنا آخرنا خبيز عشان ليلة الرجالة وليلة الحريم بطبيخهم.

تطوّعت إحدى الفتيات مصحّحة لها:

لا يا عمّة هالة، إنتي ما تعرفيش ياك؟ خالي حمزة حلف على العروسة وأمها لا إنهم ما يخبزوش أي خبيز ولا يحضّروا أي عشا!

نعم! كيف يعني؟ حتى العشية كمان؟ يعني لا كحك، ولا بسكويت، ولا بيتيفور، ولا ناعم، ولا عشا حمام، ولا فطير مشلتت، ولا أمبواخية (المخروطة)، ولا خروف السابع؟

وه وه، مين دلوك يا بت بيجيب خروف السابع في الغلا ده؟

عقّبت بها حسنية بصيغة استنكار أثناء هزّها لحفنة كبيرة من القمح داخل المنخل، فصاحت بها هالة:

بلاش خروف السابع، مع إن كل عيلتنا تقريبًا بتجيبه! باقي الحاجات التانية، ما عندهاش مقدرة كمان الست مزيونة تعمل لبتها؟

لا يا بنيّتي، أكيد عنديها، بس إحنا نحمل على الولية الفردانية ليه؟ ونقلق البت عن مذاكرتها؟ ما إنتِ عارفة أمها اتشرطت، وإحنا وافقنا، نبقى نشيل بعض، وفي بيتها يعني. أديكي شايفة، محدش معايا غريب، كلهم بنتتي وبنات بنتتي. روحي إنتي كمان يا بنيتي غيري جلابيتك وتعالي اغسلي مع البنات، ولا نجي الحجارة من اللي بغربله أنا.

صاحت بها بغل، تعود مرتدة للصعود مجددًا:

كفاية عليكي البنتة وبنات بناتك، أنا بحِ رايحة أسبّح عيالي، عن إذنكم.

يا أختي عليكي، أمال لما تشوفي البت ودلعها بكرة هتعملي إيه؟ هتتشلي؟

صدحت ضحكات الجميع من خلفها، لتضيف كل واحدة منهنّ عليها بمزاحها بعد ذلك، مع مواصلة العمل بنشاط تجهيزًا لليوم الكبير. العريس، أصغر أفراد العائلة ومدللهم، على الجميلة ليلى، ابنة الجميلة مزيونة.

رواية لاجلها الفصل السابع عشر

الملك لك لك يا صاحب الملك، الملك لك لك يا صاحب الملك، سبحان الله العظيم.

تُسبّح مرددة هذه الكلمات خلف طائر الكروان الجميل، ترجمةً معروفة لتغريداته في هذا الوقت من الصباح الباكر، حيث كانت جالسة، ثانيةً ركبتيها، خلف السور الطيني الصغير لسطح منزلها، وقد غلبها القلق وجفى النوم عينيها.

اليوم هو عقد قران ابنتها، صغيرتها التي لم تترك حضنها منذ ولادتها، اليوم ستُكتب باسم رجل آخر، وغدًا سيخطفها لنفسه منها. سيأخذ مؤنستها الوحيدة منذ ولادتها.

سُنّة الحياة، تعلم جيدًا تلك الحقيقة، لكن عقلها لا يستوعبها، وقلبها لا يتقبلها، رغم ادعائها غير ذلك.

ليتها ما رضخت ووافقت على هذا القرار الصعب الذي اتخذته في لحظة غضب. لكنها أيضًا لا تنكر أن فرحة ابنتها تمس شغاف قلبها، هذا الشيء الذي افتقدته هي طوال حياتها، ولم تشعر به يوم زواجها بعُرفان. بل على العكس، تتذكّر أنها كانت تدّعي أو تقنع نفسها بذلك، لجهلها بما كانت مقبلة عليه.

الملك لك لك يا صاحب الملك، الملك لك لك يا صاحب الملك...

الطائر الجميل ما زال يغرد، وهي ما تزال شاردة في ملكوت الخالق وتصريفاته القدرية. قد تكون استسلمت لريح قوية تُسيّر مركبها، وتفقد معها ميزة السيطرة، لكن عقلها الواعي ما يزال محتفظًا بخيار المقاومة في سبيل تحقيق هدفها العظيم، ولن تقبل سوى بالوصول إلى بر الأمان، ولو كلفها ذلك حربًا تخوضها حتى آخر نفس.

اهتز حجرها فجأة بدوي نغمة الهاتف الذي وضعته ونسيته. نظرت إلى الاسم الذي ظهر على الشاشة المضاءة، فرفعته سريعًا، تجيب بسجيتها، مستغربة اتصاله في هذا الوقت:

– وعليكم السلام، صباح الخير يا ست مزيونة.

– اااا صباح الخير... في حاجة يا أبو ريان؟ في حاجة حصلت؟

– خير يا أم ليلى، أنا بس بطمن، أصلك مش متعودة تجعدي كده ورا ربع الحيطة اللي على حدود السطح.

تمتمت بها ونزلت عيناها للأسفل، لتجده واقفًا مقابلها أمام المنزل الذي اكتمل بناؤه تقريبًا، يطالعها بعينيه الضيقتين من تلك المسافة القريبة إلى حدٍّ ما، ليردف بمزيد من التوضيح:

– أصلي بصراحة إتفاجئت لما جيت دلوك أفتح باب البيت، و رفعت عيني لفوق، لقيتك قاعدة كده

– يعني زي ما تكوني سرحانة ولا في حاجة شاغلاكي؟

ليست غبية حتى تغفل عن التغيّر المقصود في نبرة حديثه عند بعض الكلمات، ومع ذلك ليس أمامها سوى الاستمرار على نهجها المتحفظ، فهذا اختيارها الذي لن تحيد عنه:

– شي طبيعي إني أسرح أو أنشغل حتى يا أبو ريان، مش برضو النهارده حنة بتي وكتب كتابها؟ ولا إنت نسيت؟

– أنسى! أنسى كيف بس؟ دا أنا طالع عيني دبايح وليالي، وامبارح بس كانت حنة العريس، والسهرة للفجر مع العيال المجانين صحابه. الفرح دا هيخلص وأنا هقعد شهر نايم في البيت عشان أقدر أواصل بعد كده.

تنهيدة خافتة منها وصلته قبل أن تعقّب بروتينية:

– ربنا يتمم بخير إن شاء الله، أقوم أنا أشوف اللي ورايا، ما هي ليلتنا احنا النهارده بجى، مش انتوا خدتوا ليلتكم امبارح.

جاء رده بتسلية وملامح تجلّى بها العبث:

– دا صحيح خدنا ليلتنا امبارح، وكان نفسنا العروسة تحضر عند عريسها، بس تتعوض النهارده إن شاء الله. العريس هو اللي هيحضر بناسه، إحنا مش محتاجين عزومة، ولا إيه رأيك يا نسيبتنا؟

حسنًا، هو مُصر على رفع التكلفة ويجرّها لذلك بنعومة ومراوغة، ليست هي نِدًّا لها، رغم سلاح الجمود الذي تتمسك به:

– بإذن الله، ربنا يتمم بخير، عن إذنك بجى نازلة للبِت أصحيها.

أنهت المكالمة وتحركت سريعًا لتختفي من أمامه، ليتسمّر هو في مكانه يطالع أثرها علّها تعود مرة أخرى، والأماني والأحلام تداعب خيالاته، بعد أن ذهبت وأخذت قلبه معها. يتشوق بحرقة لذلك اليوم الذي يجمعها به في منزل واحد، تخلع فيه عنها رداء الخشونة الذي لا يليق بها، وتعود إلى أصلها: أنثى حقيقية كاملة، الدلال والنعومة قد خُلقا من أجلها.

..................................

حينما نزلت إلى الأسفل قاصدة غرفة ابنتها، وجدتها بالفعل مستيقظة، لكنها في عالم آخر، تشاهد عبر شاشة اللوح الإلكتروني لقطات مسجلة من ليلة الأمس عند عريسها، حيث يرقص بحصانه على المزمار البلدي، أو بين أصدقائه، والحناء قد زينت كفيه بوضوح.

فرحة من القلب، الجميع يشاركه بها، حتى هذا الـ... من هذا؟! حمزة أيضًا يرقص!

يبدو أن الذهول لم يكن من نصيبها وحدها، فابنتها أيضًا، والتي كانت تُشاهد منذ ساعة وعلى فمها ابتسامة إعجاب بحبيبها، تحولت إلى انبهار شديد ظهر في تعبيراتها حين انتفضت بجذعها، وضحكت بصوتٍ عالٍ حتى انتبهت على وقوف والدتها خلفها، فتهلّل في وجهها:

– شُفتي يا أمي! عمي حمزة بيرقص إزاي؟ والله العظيم عسل، عسل!

تبسمت مزيونة على غير إرادتها، فرؤيته بتلك الخفة وهو يراقص شقيقه بالعصا أو بدونها كان أكبر من تخيلها، ولن تنكر بالطبع إعجابها... لكن في داخلها فقط.

– الفرحة حلوة، ربنا يكرم الكل، لكن انتي من إمتى بتصحي لوحدك؟ أكيد هو اللي رن عليكي وصحّاكِ، صح؟

– لا والله يا أمي، أنا صاحية لوحدي، ما النهاردة يوم طويل زي ما إنتِ عارفة، بس صحيت لقيت معاذ باعتلي كل الفيديوهات دي قبل ما ينام على وش الفجر زي ما هو كاتب، شكل ليلتهم كانت حلوة جوي، ياما كان نفسي أحضرها.

– تروحي فين يا بِت؟ ما تتجلي وارسي مكانك كده، على العموم اهي ليلتك النهارده، يعني لما يحضر هو وناسه هتبجى معدلة أكتر.

– هما جالولِك إنهم جايين؟ مش هزار يعني؟ كيف ما بلغني معاذ؟

– لا يا أختي مش هزار. جومي يلا ذاكريلك حبة، جبل ما ييجوا البنات وندخل في هيصة اليوم. كفاية الكام يوم اللي هتجصري فيهم في الفرح وبعد الفرح.

تمتمت بها ليلى خلف والدتها التي كانت تهمّ بالمغادرة، لتلتف إليها بغيظ لا يخلو من مرح، مرددة بسخرية وحزمٍ مصطنع:

– أيوه يا أختي، شهر البصل... أو أسبوع بمعنى أصح! عينك فتحت يا مضروبة الدم، أخلّصي يا بِت... جووومي!

وكان الرد من ليلى كان ضحكات متواصلة دون توقف.

في منزل حماد القناوي، الممتلئ عن آخره بأهل العريس من إخوته وأقاربه الذين أتوا من سفرهم أو من داخل البلدة، تلك العادات التي مهما مرّ عليها من الزمن لا تتوقف.

كانت حسنية في هذا الوقت مستيقظة، وقد التف حولها أحفادها من الأطفال، كل فرد منهم يُريها نقوش الحناء التي رُسمت على كفوفهم، كي تدلي برأيها فيها.

– حلوة يا ياسين، عقبال ما تبقى عريس يا عين سِتّك. – وأنا يا جدة؟ أنا يا جدة؟

– وانتي يا جنا، هيطلع بختك حلو عشان لايقة عليكي. – وأنا يا سِتِّي؟

– وأنا كمان يا سِتِّي! وأنا! وأنا!

زاد الحماس حتى هجم عليها البقية في استعجال لأخذ رأيها في الحناء بكفوفهم مثل الآخرين، لتصدح ضحكاتها مرددة:

– بالراحة، طب بالراحة على سِتّكم الكبيرة!

جاء صوت منى القادمة من الداخل لتنهرهم بلطف لا يخلو من الحزم، وهي تبعدهم عنها:

– مستعجلين جوي على معرفة بختكم، من دلوك! طب استنوا لما تكبروا... ابعدوا يا مضاريب، سِتّكم نفسها اتكتم!

كانت حسنية غارقة في ضحكاتها من أفعالهم، حتى ظلت لفترة لا تستطيع التوقف. وبعد ابتعادهم عنها، علقت ابنتها بحب:

– ربنا يخليكي ليهم يا سِتّ الكل، وتجوّزيهم كلهم. ردّت حسنية برضا يغمرها:

– يا ختي كفاية اطمنت عليكم، وبُكرة تكمل بجواز معاذ، ربنا بس يديني العمر وأفرح بخلفه، كده أبوس يدي وش وضهر على فضله.

شعرت منى بالغصة التي تخللت حديث والدتها، رغم فرحها بكل ما يحدث، إلا أن قلب الأم بداخلها يتمنى المزيد. ولكن تبقى راحة الأبناء باختيارهم هي الأهم:

– إن شاء الله يا أمي تفرحي بيهم كلهم. ما شاء الله البيت مليان، وتقريبًا كل اللي فيه نايمين كالأموات من تعب الليلة اللي فاتت.

– لا مش كلهم، حمزة خطف ساعتين بس وطلع.

– راح على بيته الجديد قال. أنا مش عارفة إيه غايته في الروحة والجاية كل شوية عليه، حتى إن كان النهاردة إجازة من الشغل والمحارة، أخوكي ده عقله مفوّت.

قالتها منى وابتسامة ماكرة حلّت بملامحها، شقيقها المكشوف حتى وبرغم إجهاده الشديد وإرهاقه في تجهيزات العرس التي يقوم بها، إلا أنه لا يقوى على أن يفوّت يومًا دون رؤية محبوبته المتمردة. يفعل ذلك والرباط بيننا وبينها لم يُوثق بعد، فما باله حين تكون ابنتها في منزلنا؟ لا يُستبعد أن يُصيبه الجنون مثل شقيقه الصغير.

الذي ازدحم بالنساء من أقاربها والأصدقاء في هذا الوقت للمساعدة في تجهيزات الليلة. وعلى الرغم من أنها في الغالب تكون مُحكمة وليست بحجم ليلة العريس، إلا أنها أيضًا لها استعداداتها.

كالصوان الذي تكفّل بنصبه الآن خالها وصفي وابنه الأكبر حازم، في الساحة الشاسعة أمام المنزل، حيث تضم محيطه ومحيط المنزل الجديد لحمزة، والذي كلّف عددًا من العاملين بتسوية المكان والمساعدة مع الرجال.

أما في الداخل، فقد أتت زوجة وصفي وبناتها وبعض نساء العائلة لمساعدة مزيونة، بالإضافة إلى صديقتي العروس، سمر ونسرين، واللتين استغلت مزيونة وجودهما لترتيب أشياء العروس ومتعلقاتها داخل حقائب كبيرة، بعد أن تكفلت هي بشرائها طوال الشهر الفائت. أما الأجهزة فكانت من اختصاص وصفي، يبتاعها من محل الأجهزة إلى شقة العريس على الفور.

تجهيز العروس نفسها غالبًا ما يتم في هذا اليوم أو ما قبله، وقد رفضت مزيونة أن تنكشف ابنتها على امرأة غيرها، لتقوم هي بتلك المهمة، حتى إذا أتى الموعد مساءً، كان قد تم الانتهاء من كل شيء على أكمل وجه.

شهر قضاه في سجن انفرادي بعد ضربه المبرح لعطوة، والذي قضى على إثرها خمسة عشر يومًا في مشفى السجن. ليخرج إليه مرة أخرى اليوم، ويتجدد رعبه منه، بعد أن خلّصه الرجال منه بصعوبة، وقد كان مصرًا على قتله. ولسوء حظه، يلتقي به الآن في فترة التريض اليومي للسجناء، في ساحة مكشوفة تدخلها الشمس تُسمى "الحوش".

فاردًا ظهره ونافخًا صدره بعنجهية ليست بغريبة عنه، وقد زاده الحبس الانفرادي خطورة تروق له، يدخل في قلب من يراه رهبة حتى لا يتكرر معه ما حدث لعطوة، والذي ما إن رآه حتى تراجع بخوف، يبحث عن منفذ للهروب، بعد أن تركه زملاؤه بناءً على إشارة من عرفان.

– وه وه، بترجع لورا ليه بس يا عطوة؟ ما أنت زين وحلو. ده أنا افتكرتك مش هتقوم منها تاني يا راجل، بس أها زي القرد واجف جدامي!

انتفض الأخير يحاول الابتعاد عنه، هاتفًا بمظلومية:

– عايز إيه تاني يا عرفان؟ مش خلاص افتريت عليّا ورقدتني أسابيع في المستشفى؟ أنا سيبتك، شكوتي لربنا، يوريني يوم فيك!

تمتم عرفان بسبّة بذيئة، ليقطع المسافة بينهما فجأة بخطوتين، وينقض عليه ويمسكه من قماش قميص السجن الذي يرتديه، يعنفه بغضب شديد:

– اسمع أما أقولك يا ض، العلقة اللي فاتت دي متجيش نقطة في اللي هعمله فيك لو ما رجعتش عن شهادة الزور اللي اتبليتني بيها. اشتري عمرك وقول الحقيقة. كلها أسبوعين وييجي ميعاد القضية، وأنا مستعد آخد فيك مؤبد لو مرجعتش.

وكعادته في رسم دور الضحية، صاح وصرخ بأعلى صوته، حتى يلفت نظر الحراس لينجدوه من يد المجرم الذي يستقصده كما يُصوّر لهم:

– تاني يا عرفان! عايز تضربني؟! الحقوني يا بشر، الحقيني يا حكومة! ده عايز يكسّرني من تاني ويخلّص مني! إنجدوني يا نااااااس، الراجل ده عايز يخلّص عليّا!

وبالطبع، أتى صراخه بنتائجه، حينما التف رجال الأمن حول عرفان، يكبلونه من ذراعيه ويبعدونه عن المذكور، الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة، خوفًا من تكرار ضربه مرة أخرى من عرفان.

عودة إلى منزل حماد القناوي تحديدًا داخل غرفة العريس، الذي استيقظ على اختراق الدخان لأنفه، مصحوبًا بعدة أصوات، ليجد الغرفة قد امتلأت بأخواته البنات، يلحقن بوالدتهن التي دخلت وهي تحمل المبخرة، متمتمة بالآيات القرآنية والأوراد الحافظة، تدلّله بغرض إيقاظه.

جوم يا باشا، جوم يا واض، في عريس يصحى بعد الضهر؟ طب استنى لما تدخل بعروستك الأول يبجى ليك عذرك.

ضحكت أسنانه، ترافقه تلميحات شقيقاته اللواتي شاركن والدتهن في مشاكسته، فاعتدل بجذعه، يمسح على وجهه وشعر رأسه ليطرد النعاس قائلًا:

لامة بنتتك وجايباهم يتمقلتوا عليا يا حسنية؟ ماشي، حاضر.

"ماشي" و"حاضر" كمان! لاه، عاقل جوي يا واض!

ردّت بها متصنعة العبوس، وهي تواصل اللف بالمبخرة. جلست "منى" بجواره، تاركة شقيقاتها يقمن بجولة على ملابسه الجديدة وما قد يحتاجه من القديم في سكنه الجديد بشقة العرس. لتلكزه قائلة:

ما تجوم وتصحصح يا واض؟ مشحطط الناس في السؤال عنك، لما بقيت في نص هدومي منك!

انتبهت حواسه وقد ذهب ظنه إلى ما يحب، ليردد خلفها بتخمينه:

مين اللي سأل علي؟ ليلى اتصلت ولا بعتت حد؟

قالها، فالتفتت رؤوس الثلاثة نحوه، لتعلّق "منى":

شوفي الواض ومخه الفاضي! خلاص ما عدتش غير ليلى اللي يسأل عنك؟

سيبيه يا بتي، دا عَجَلة رايح منه! أخوكي ده ما تحطيش عليه أمل خالص دلّوك يا بتي.

آه والله، خلاص نسي أصحابه وعيال عمامه اللي سهروا معاه للفجرية، رقص وتنطيط. ولا هي ليلى نفسها أساساً فاضيالُه؟

كادت أن تجيبه بسجيتها، لكنها استدركت الحقيقة لتخفي حرجها بردٍّ صارم:

وإنت مالك باللي بتعمله يا بارد؟ جوم ياض، بطل تناحة، اخلص يلا!

وتبعت الأخيرة ترفع عنه الغطاء، ليردد ضاحكًا وقد فهم من خجلها:

قالها، لتصدح ضحكته، حتى جعل شقيقاته الأخريات يتركن ما بيدهن، ليمازحنه بالطريقة التي يحبها، مع تدخل والدته بجرأتها.

وصارت أصواتهن تصل إلى الشقة المجاورة عند "هالة"، التي كانت تنفخ بضجر، لا يعجبها كل ما يحدث.

في منزل "مزيونة" وقد اكتملت هيئة العروس بعد أن ارتدت فستان سهرة يناسب ليلة الحنّة، كان قد انتقاه لها "معاذ" سابقًا، يناسب لون عينيها المميز. مساحيق الزينة، التي وضعتها لأول مرة على بشرتها، كان لها وقع المفاجأة على الحاضرين، حتى صارت ساحرة في أعين الجميع، وأولهم "مزيونة"، التي رمت كل شيء خلف ظهرها اليوم: هموم، مخاوف، وهواجس، لتبقى فقط على فرحتها بابنتها، التي بدت امرأة ناضجة أمامها. بغض النظر عن جمالها المذهل، لكنها اليوم عروس. ابنتها أصبحت عروسًا، وكم من أم تحلم بتلك اللحظة.

توجهت بالسؤال نحو والدتها، رغم إطراء جميع من بالغرفة والتغزل بها، لكن يبقى الرأي الأخير والأهم هو لها، لمزيونة، التي احتضنتها تختصر كل الكلام بجملتين:

بدر منور يا حبيبتي، أحلى عروسة في الدنيا كلها.

وانطلقت الزغاريد من النساء والفتيات، فتدخلت "محروسة" زوجة "وصفي"، لتُبعد الاثنتين عن بعضهما، قاطعة لحظة التأثر تلك، حتى لا يتطور الأمر إلى بكاء. جذبت مزيونة من يدها قائلة:

تساءلت بها، قبل أن تفاجئها الأخرى بإجلاسها خلف مرآة الزينة الكبيرة، منبهة على السيدة التي زينت "ليلى" أن تقوم بعملها مع "مزيونة":

يلا يا عسل، شوفي، عايزين الأم تبقى أحلى من البِت...

قاطعتها مزيونة برفضٍ قاطع، أمام أنظار الفتيات اللواتي صرن يضحكن مرددات:

إيه اللي بتقوليه ده يا ولية؟ بعدي، سيبيني انتي وهي! هو أنا عيلة صغيرة؟

شددت "محروسة" تمنعها من الوقوف:

آه يا أختي، عيلة صغيرة! انتي اللي في عمرك ما تجوزوش أصلًا! ده أنا، اللي معدّية الأربعين بسنتين، بلبس واتعدل واتسبسب! دي ليلة بِتك يا حزينة، يعني تفرحي بيها، وتفرحي الناس بيكي إنتي كمان! خُشي عليها يا سوسن، البت دي...

قالت الأخيرة نحو خبيرة التجميل، والتي ما إن تحركت لتجهزها حتى همّت بالرفض مرة أخرى، قبل أن ترتخي مقاومتها مع رجاء ابنتها:

وغلاوتي عندك يا أمه، خليها تزوقك، وتلبسي الفستان اللي نجتهولك انا من السنة اللي فاتت وانتي رامياه في الدولاب! الليلة دي بس حتى، وبكرة البسي عباية عادي عشان هتبجى زحمة أصلًا. إنما الليلادي، ليا أنا والبنات، معاذ وأهله مجرد ضيوف وهيمشوا بعديها، يعني هتبقى ليلتنا يا "مزيونة"! مش انتي فرحنالي برضو؟

بتنهيدة من الأعماق، استسلمت للإجابة على سؤال ابنتها، لتترك نفسها لخبيرة التجميل، مع التنبيه عليها بألا تُفرط في المساحيق. وسارت الفتاة على التعليمات، لتكون النتيجة النهائية صاعقة للجميع، بل وأكثر من مذهلة...

بعد أذان المغرب تم عقد القران بحضور عدد كبير من الرجال، في الساحة الخارجية للمنزل داخل محيط الصوان، الذي تم إعداده صباحًا، بحضور مهيب من الرجال: أقارب العريس وأقارب العروس. في عادة متأصلة لا يمكن التخلي عنها أبدًا، حتى لو تم الزواج عن طريق محامٍ بعقد موثق؛ فالجمع شهود، والفرح إشهار، والشروط تسري، ولا يمكن المناص منها.

بالطبع تولّى وصفي أمر وكالتها، ليأتي دوره مع قرب انتهاء الإجراءات في الدخول إليها داخل منزلها، كي يأخذ توقيعها على الأوراق بعيدًا عن أعين الرجال في الخارج.

صدحت زغاريد النساء مع أخذ التوقيع، ليضمّها إليه مقبّلًا رأسها بحنانٍ أبوي، دائمًا ما تشعر به ليلى من قبل خالها الحنون، قبل والدتها أيضًا، وضمّها إليه بفرحةٍ تسلّلت إلى قلبه، أن يرى شقيقته سعيدة، وعائدة لرونقها القديم، لهو أحبّ الأمنيات إلى قلبه.

– مبروك يا ست البنات، إنتي وبِتك عرايس يا بِت أبوي.

ضحكةٌ صافية صدرت منها، تبادلُه قبلةً على وجنته امتنانًا لقوله، لتُطلق بعدها زوجته زغرودةً وصلت بقوتها إلى خارج الصوان، قبل أن تركض وتتركهم عقب استئذان حمزة للدخول:

اعتدلت مزيونة عند سماع نبرة الصوت التي تعرفها، لتشدّ طرحتها إلى الأمام بخجلٍ أصابها، ليتها تستطيع أن تُخفي وجهها أيضًا، أو أن تركض مثل زوجة أخيها، ولكنها تعلم سبب دخوله، ووجودها شرطٌ أساسي، لتبتلع ريقها بتوتر، وشقيقها يرحب سامحًا له بالدخول:

– ادخل يا أبو ريان، إنت مش غريب خلاص.

دلف حمزة من أجل إتمام مهمته هو أيضًا، ولكن المفاجأة كانت أكبر من تصوّره لدرجة أنه لم يعرفها في البداية، قبل أن يميّزها قلبه ويتسمّر في مكانه بعدم استيعاب. هيئتها سلبت لُبّ قلبه، حمد الله أن لا أحد من الرجال دخل خلفه. يُقسم داخله، إن جلست مكان العروس فلن يُصدّق أحد في العالم أنها الأم وليست العروس.

– مالك وجفت ليه؟ مفيش حد غريب، دي العروسة وأمها. إنتو خلاص بقيتوا نسايب يعني مش أغراب.

على أساس أنه لم يعرفها، ولكن صوت وصفي جاءه كمنبّه حتى يتمالك بأسه، ويتقدّم نحو عروس شقيقه أولاً ، الجميلة البريئة:

– ما شاء الله، اللهم بارك، عروستنا اللي بجت بتنا رسمي دلوك .

– ويبارك فيكي إنتي يا أحلى عروسة. الواد اللي جاعد برّا دا مش هدخله، دا مجنون وممكن يخطفك بعد ما يشوف حلاوتك دي!

قهقهت بعفويتها التي تصدر بشقاوة، لتتمازح معه قليلًا، قبل أن يلتفّ عنها ويعطي اهتمامه لتلك الحورية التي كانت تفرك كفّيها أمامه بتوترٍ تضاعف بنظرته الثاقبة نحوها، نظرةٍ اخترقتها بجرأةٍ لا حدود لها، رغم حديثه بصورةٍ طبيعية أمام شقيقها وابنتها:

تلك النبرة التي يتحدث بها، يجهلها الجميع إلا هي، وكأنه يختصّها بها وحدها. ذلك الماكر، وكأنه اخترع لغةً لها، ينجح دائمًا في إرباكها، بالإضافة إلى النظرة المثبتة عليها. ألا يكفيه خجلها الشديد أمامه الآن؟ اللعنة، كيف تجد صوتها الآن؟

اهتزّت رأسها بابتسامةٍ مضطربة كردٍّ له، ليرحمها قليلًا من غزوه، ويُخرج من جيب جلبابه ورقةً يقدّمها لها:

– دا شيك بمليون جنيه، قلت أديهولك في يدك، وإنتي حرّة تديه لِوصفي أو تشيليه مع نفسك.

تناولته وأعطته لِوصفي سريعًا مردّدة:

– وصفي طبعًا أولى، دا أكتر من أبوها كمان.

أومأ لها بهزّة من رأسه، ثم انتبه إلى دوي الهاتف، ليعرف المتصل دون مجهود ولا نظرة إلى الشاشة:

– طب العريس بيرن، يدخل بجى يسلم على عروسته ويباركلها، ولا يستنى لما ياجي بعد شوية مع الجماعة على حنّة العروسة؟

– لا يا عم، خليه يدخل، دا خلاص بقى ولدنا، كيف ما بِتنا بقت بِتكم.

لم ينتظر معاذ ثواني بعد أن جاءه الإذن بالدخول، ليدلف على الفور معهم. وما إن رأى عروسه أمام عينيه، لم يجد الفرصة لتحية الباقين حتى، وقد خطفها مباشرةً إلى حضنه، حتى ارتفعت قدماها عن الأرض، لتصدح ضحكاتها أمام ثلاثتهم. مزيونة جمّدتها المفاجأة، ووصفي الذي تبسّم ضاحكًا هو الآخر، أما حمزة فقد غمغم قائلًا:

ليتوقف بحسرة وعيناه ذهبت نحو معذّبته، متمتمًا بحديثه:

– والله شكله الجنان هو بس اللي بيجيب فايدة.

حيث انقسم الصوان إلى جزئين: أحدهما خاص بالرجال، يستقبل فيه أهل العروس من عائلتها المهنئين والمدعوين، أما النصف الثاني فهو مخصص للنساء والفتيات من أهل العروس. غالبًا ما تكون تلك الليلة هي الأفضل لفئة النساء ، حيث يأخذن حريتهن في الرقص المتواصل والمرح، مع توزيع المشروبات بشكل مستمر.

لكن حين يأتي العريس وأهله، يختلف كل شيء. وماذا إن كان العريس هو معاذ؟! وقد عبّرت محبوبته أمامه عن حسرتها في عدم رؤيته يرقص على حصانه مباشرة، ليأتي اليوم محققًا أمنيتها، فيرقص به أمام تصفيق الجميع وتشجيعهم على نغمات المزمار، ليشعل الحماس في قلوب الفتيات اللاتي يندفعن لاقتناص فرصتهن في الرقص معه. ثم يترجل هو من على حصانه ليرقص معها وسط الدائرة التي التفت حولها النساء والفتيات.

أما ذلك المسكين المنحشر وسط جلسة الرجال في موقع يُمكّنه من المتابعة إلى حد ما، لقرب منزله من الصوان، فبالكاد يرى بعض التحركات أو طيفها الساحر وهي تدلف إلى داخل المنزل أو تخرج منه.

وقد كانت في هذا الوقت تصفق مع النساء تشجيعًا لشقيقه الأخرق وهو يرقص على الحصان.

– عينك يا واد أبوي، الرجالة قربت تاخد بالها، وانت نظراتك كشفاك، ودي مش عوايدك، تمتم بها شقيقه وهو يجاوره في جلسته على الأريكة، ليرد حمزة بضيق:

– ياخدوا بالهم من إيه بس يا خليفة؟ ما تسيب أخوك في حاله يا واد أبوي، أنا أصلًا على آخري.

ضحك الأخير مستمتعًا باحتراق شقيقه، فتناول منه ذراع الشيشة التي لم يستعملها أساسًا، ليدخن منها وهو يقول:

– طب ما بدل الشندلة ووجع القلب ده، ما كنت اتقدمت إنت التاني مع أخوك أبو ربع ضارب، وكنا كاتبنالكم إنتوا الاتنين النهاردة.

– أيوه يا أخوي سهلة جوي! غمغم بها حمزة بسخرية، وأردف:

– أصل كنت هستناك إنت تقولهالي؟ أديني بصبّر نفسي مع الأيام، وأجول يا رب، مع إني من جوه والله بتسوى على الجانبين.

قهقه خليفة حتى سعل ولفت انتباه البعض إليه قبل أن يعود إليه بصوت خفيض:

– والله وجا اليوم اللي تجدر عليك فيه واحدة وتخليك تكلم نفسك! طب ما تكلم أخوها يمكن يقنعها.

عبس ناظرًا إليه بغيظ، وهو يقترح عليه بحسن نية حلولًا لا فائدة منها، وهو الأعلم بطبعها العنيد، وظروفه التي تجعل ارتباطه بها مستحيلًا في شرعها، حتى وإن كانت تبادله نفس الشعور.

– وه أخوك بيزوح الحصان مع ريان والدك،

قالها خليفة مشيرًا نحو مدخل النساء، حيث كان معاذ يصرف الحصان بصحبة ريان كي يعيده، لينتفض حمزة من مكانه مرددًا بعصبية:

– الدون، خد غرضه ودلوك بيتخلص منه.

ضحك خليفة مرة أخرى وسأله بدهشة:

– طب وإنت إيه اللي معصبك؟ ما دا المعروف، أكيد بعد ما خلّص فقرته بيه، عايز يختلي بعروسته، دا كاتب كتابه النهاردة يا عم.

حدجه حمزة بسخط، ثم اقترب وتناول سرج الحصان من ابنه بعد أن أنزله إلى الأرض، ليعتليه هو. وأشار إلى المسؤول عن سماعات الدي جي بإشارة معروفة جعلته يبدل الأغنية الرومانسية إلى مزمار صعيدي، ليأخذ هو دوره في الرقص على الحصان، ويصبح محط أنظار الجميع، كبير العائلة الذي لا يفعلها إلا نادرًا، حتى النساء تركن أماكنهن ووقفن عند مدخل الصوان الفاصل بين النساء والرجال ليشاهدنه. فأطلقت والدته الزغرودة الأولى كإشارة بدء، فتتبعتها باقي النساء بالزغاريد.

أما عنه، فقد كانت جائزته هي، وقد خلى الجمع من حولها، وبقيت وحدها تركز النظر إليه. ومن فوق ظهر الحصان، استطاع أن يرى تعابير وجهها بوضوح، ويحدث تواصل بصري بينهما، لا ينتبه له إلا المحبون، كأشقائه: منى التي صارت تغمز له بمكر، وخليفة الذي يضحك لفعله دون توقف، أما معاذ فقد كان في عالمه الخاص مع عروسه لا يشغله نفسه بشيء.

وأما الحاقدون كهالة التي لم يخفَ عليها ما يحدث، فازداد حقدها، مع شعورها بالوحدة. فحتى شقيقتها التي عوّلت عليها أن تتخذ موقفًا منهم، حتي لو لم يأت بنتيجة،لم تفعل، ولو مجرد تعكير لصفوهم.

رقص حمزة باحترافية حتى وقف بقدميه فوق ظهر الحصان، ليشعل الحماس في قلوب البعض، وتصدح التعليقات المازحة والتهليلات بشجاعته، ليجبرها رغمًا عنها على الابتسام لفعلته.

انتهت الأغنية، لكنه لم ينتهِ بعد، فصدح صوت الموال الجديد من المطرب المعروف، الذي وافق مزاج رأسه، ليؤدي مع كلماته حركاته ولكن الربابة بتحريك الكتفين والذراعين.

راكب العربية دا حبيبي وعينه لي باصص من الشباك الواد لأغاني وعينه لي أبص عليه ألاجيه عينه لي لدعه الغرام جابو خالي يا دلالي عليه يا دلالي

حقًا، كان رائعًا بصورة جعلت الإنكار صعبًا أمام عينيها، حتى اندمجت مع النساء في تشجيعه.

حيث الجلسة التي تجمع بين العروسين في ركن خاص بهما، وقد خف الزحام حولهما إلا من عدد قليل من الفتيات اللواتي يسترقن النظر إليهما بين الحين والآخر.

استغل الفرصة في غفلة منها، ليقبض على يدها، فانتبهت لتضربه بكفها الأخرى، توبخه بطريقتها:

– عييب عليك يا عم الشيخ معاذ، هتاخد فرصتك عشان الدنيا خفّت من حوالينا؟

– بتضربيني يا ليلى على كف إيدي، لكن انتي كدها دي؟

– كدها ونص وتلت أربع! مش كسفتني قدام خالي وأخوك وأمي لما حضنتني؟ فاكرني نِسياها إياك؟ ولا سايبة هي؟

عيون القطة التي تبرق مع الإضاءة في كل كلمة منها، جعلته بالكاد يستطيع التركيز، وهي تقصد استفزازه بشقاوتها، فرد عليها:

– يعني اتكسفتي من مجرد حضن وأنا كاتب كتابي وبقيتي مرتي شرعًا؟ طب إيه رأيك لو بوستك دلوقتي برضو؟ هتجدري تمنعيني؟

– متقدرش، تفوهت بها مائلة برأسها نحوه، حتى كاد أن يفعلها، لولا انتباهه لنظرات الناس التي تحيط بهما، رغم قلتها، فضحكت مستمرة في غيظه، ليتمتم ضاحكًا:

– مش إنت بتقول إن غدًا لناظره قريب.

قالها، لتنطلق في وصلة ضحك دون توقف، وهو بالكاد يسيطر على جموح مشاعره أمام تلك الجنية التي ملكت قلبه، والآن أصبحت زوجته، يعلم ان مزاحها ما هو إلا ستارا كي تخفي خجلها منه، فتلك طريقتها التي حفظها به طوال الفترة الفائتة، وهو متفهمُ لذلك ولا يضغط عليها ابدا

بعد انتهاء الحفل، وقد غادر معظم المدعوين، ولم يتبقَّ سوى العريس وبعض أفراد عائلته، جلست بهم منى تحت شجرة التين في انتظار خروج العريس إليهم.

وقد غلبها التعب، فأسندت جسدها بثقله على المصطبة، تدعو زوجها للجلوس إلى جوارها، بينما كانت تنظر بعينيها نحو منزل شقيقها الذي اكتمل بناؤه تقريبًا، ولم يتبقَ سوى تشطيبه:

تعالى يا منص، تعالى... كاننا هنجوز التاني السنة دي، ولا اي بس؟

وماله يا منى، هو بس يشاور، وبنات الحلال كتير... خصوصًا بعد رجص الحصان وهز الكتاف على الموال والربابة، عيني باردة عليك يا نسيبي.

ضحك خليفة، الذي أخذ راحته بعد مغادرة هالة وأبنائه مبكرًا، ليشاركهما مشاكسة شقيقه العابس:

يا سيدي، بس انت ادعيله... ربنا يعطيه مراده، ساعتها مش بعيد يعمل ليلة لله ويدبّح فيها دبايح كمان.

ضحك له الإثنان، ليعلق حمزة بحنق وعتب نحوه:

حتى انت يا خليفة، اللي بجول عليه العاقل، تتبع جوز أختك؟! ده أصلًا مرته نشعت عليه! خليك بعجلك يا حبيبي، سيبك منهم دول.

توقفت منى عن الضحك بصعوبة، موجّهة له سؤالها:

يعني بالذمة، مش عايز تتجوز صح؟ ولا نفسك تبقى ليلتك بكرة مع أخوك الصغير؟

قالها بقوة، لكنها تبخرت في الهواء سريعًا، فور أن أطلت أمامه تلك الحورية من منزلها، تودّع والدته وعريس ابنتها شقيقه، بعد انتهاء الليلة، ليردد داخله بضعف ورجاء:

عايز... والله عايز... بس هي ترضى.

رواية لاجلها الفصل الثامن عشر

- النهاردة فرح اختي وانا معرفش يا امه؟ العيلة كلها رايحة وانا لا يا امه!

توجه ناصر بشكوته نحو والدته التي استغلت لتصُب سخطها عليها وعلى والدتها بسيء الكلمات:

- ومين جال انها اختك يا واض؟ إنت شوفت بنفسك اها، عزمت كل الناس يروحوا وراها على القاعة، الا انت واخواتك، افهم بجى يا عين امك.

تدخلت والدتها لتلطف نحو الصغير مصححة:

- لا يا ناصر يا ولدي متبعش الكلام الفاضي ده، اللي حاصل هو شوية مشاكل بين امك وابوك وأم ليلى، شي، طبيعي انهم يكونو واخدين على خاطرهم وما يعزموش حد منكم، تتعوض ان شاء الله، وليك غاية يا ولدي اخدك انا على القاعة اللي معمول فيها اكيد هيرحبوا......

- يروح فين اعجلي كلامك يا امه؟ امشي اطلع برا بلا كلام فاضي، لا هي اختك ولا انت تعرفها عشان تدور على فرحها .

تنهدت الأم بامتعاض شديد تهادن الصغير:

- اطلع انت دلوك يا ناصر، ونبجى نتفاهموا بعدين

اذعن لرغبتها الصغير مضطرا ليذهب من امامهما، تارك حربا على وشك النشوب، وقد بادرت الأم على الفور انتقاد ابنتها:

- خلاص انتي هبت منك، بتكرهي الواض في اخته على اساس ان المحبة ما بينكم مجطعة بعضها يعني عشان تلومي وتكومي على البت وامها، طب هي تدعيكي لفرح البت بمناسبة ايه؟ كنتوا في بيت واحد وبتكرهي عيالك وجوزك في الاتنين، كأنهم واكلين ورثك ولا زرع شيطاني مزروع وسطيكم، مع ان الارض أرضهم في الاساس، وانتي اللي طبيتي عليها وخدتي الراجل والعزوة في البيت، بتلومي على مزيونة انها مدعتكيش زي باجي حريم العيلة، هي كانت شافت منك جليل يا بت؟

نفثت صفا من فمها وفتحتي انفها دخان حريق تلغلغل داخلها، بوجه والدتها التي تتحفها بوصلة من التوبيخ دفاعا عن تلك المزيونة غريمتها اللدود وهي الأولى بدعمها الآن:

- ماشي يا امه، جيبي وحطي على بتك واعملي ما بدالك، ما انا خلاص بجيت ملطشة ورمية على الكل، لا جوز راضي يبص في وشي ولا يجبل زيارتي، ولا أهل يحسوا بيا وبالنار اللي مشعللة في جلبي، طب حتى قدري الإهانة ولا كسفتي جدام الجيران والنصايب حريم العيلة، رايحين جاين يتمخطروا جدامي، ويرمو بكلامهم عن ليلة امبارح وأهل العريس اللي طايرين بالبت وأمها، وهي متشرطة عليهم وحاطة رجل على رجل.

هو دا كان غرضها من الاول انا عارفة، عشان كدة رفضت ولد العيسوي شريك عرفان، وعملت حجتها تعليم بتها عشان تنجي على كيفها، هي دي الحريم الجادرة، مش انا جليلة الحظ من كله.

قابلت الأم ثورتها بهدوء شديد وعدم اكتراث، تواجهها قائلة:

- والله لو جليلة حظ صح، يبجى انتي اللي خيبتي بختك، لما علجتي نفسك بالحبال الدايبة، فوقي لنفسك يا صفا، وكفياكي بجى تكرهي العيال في اختهم، مزيونة مش ملاك بجناحات ولا هبلة عشان تنسى عمايلك معاها، اهمدي شوية وكفاية تكرهي الخوات في بعض، محدش عارف مين هيحتاج للتاني بكرة.

في تلك القاعة التي امتلأت عن آخرها بالحضور من اهالي الجانبين او المدعوين من كل الفئات من اجل هذا الحفل العظيم، بتنظيم يسحر الأبصار ويلهب المشاعر بالأجواء الرومانسية كما يحدث الأن، تدار تلك الأغنية التي ناسبت الأجواء وكأنها صممت من أجلها، من أجل ليلى.

فستانك الأبيض اللي هياخد منك حتـة

وعشان اليوم ده رسمت عملت أنا مليون خطة

والمزيكا تعلى ومعاها بتعلى الصقفة

خطوه ورا خطوه بنمشيها دي اللحظة اللي أنا مستنيها.

يراقصها على الألحان العذبة وما الذي يمنعه؟ لقد أصبحت زوجته امام الملأ اجمع، ويحق لهما الان التصرف كما يشاءان على هذا الأساس، تميل معه حينما يميل، خطواتها توافق خطوته، يحتضنها ويدور بها في كل فرصة يلتقطها، فقد كانت اليوم تشبه اميرات الخيال، جميلة ومبهرة في الفستان الأبيض الطويل رقم قصرها نسبيا،

شقية ومندمجة معه لأبعد الحدود، وكأنها قطعة منه، معاني الكلمات يؤديها بكل تفاني، فهي اميرته وصغيرته وحبيبته

في جهة الحضور ، كانت والدتها تشارك الطاولة أسرة شقيقها ، زوجته واولاده، اما وصفي فرغم انشغاله بالترحيب مع الرجال بالحضور من المدعوين، الا انه لم يكف ولا لحظة واحدة كلما حانت له الفرصة كي يطمئن على شقيقته ويقبل رأسها، فرغم فرحتها الظاهرة امام العيان، لكن الخوف من القادم كان أكبر من تحملها

- مش هتجومي ترقصي يا مزيونة مع البنات؟

اجفلتها بالسؤال محروسة زوجة شقيقها، لتذبهل امامها لحظات قبل أن تجيبها ضاحكة:

- مين اللي هيرقص يا مجنونة، عاوزني اهز وسط الخلق! جرالك ايه يا محروسة؟

- يعني هيكون جرالي يا بس يا مزيونة يا كئية، يا ولية بلاها العقل الزيادة ده، انتي بتك العروسة يعني تفرحي وتعملي ما بدالك، اينعم شكلك ميقنعش حد في الدنيا انك ام العروسة، لكن دا ميمنعش انك تهيصي، بل بالعكس دا انتي تاخديها فرصة عشان تفرحي يا ولية يا ام قلب عجوز .

التقطت منها الاخيرة لتردف مؤكدة عليها:

- عندك حق، انا فعلا قلبي هو اللي عجز

- مين دا اللي عجز يا خرفانة؟ انتي هتمسكي ف الكلمة صح ولا ايه؟ طب تعالي هنا.

قالتها محروسة تنتفض ناهضة من مقعدها لتجذب تلك الكسولة امام الحضور فتترجاها بحرج وصوت خفيض:

- يا مري، جرالك ايه يا محروسة سيبي يدي يا مرة انتي.

تشبثت محروسة بها بإصرار، حتى جعلت عدد من النساء الجالسات على الطاولة القريبة منهما، ان يحثنها بتصميم كي يجبرنها على النهوض ومساحتها

فتستلم مضطرة لسحب الأخرى على مضض، حتى إذا وصلت بها لوسط ساحة الرقص عند صغيرتها، هللت ليلى تترك عريسها وتحتضنها بشوق وفرحة حتى التفت حولهما الفتيات من صديقاتها وبنات العائلة في دائرة، ليجعل مشهدهما ملهما لباقي الحضور من المشاهدين.

ومنهم كان ذلك الواقف في مطلع القاعة يستقبل الوفود من الرجال المدعوين ، بحلة أنيقة تعمد ارتدائها اليوم فزادته هيبة واناقة تلهب قلوب الناظرين اليه،

يرحب بالرجال ويتقبل التهاني والمباركات ، يسترق النظرات كل حين نحو تلك الفاتنة المتميزة عن الجميع، رغم تعمدها اليوم ارتداء عباءة سوداء مختلفة عن فستان الأمس، لإظهار الحشمة في الاحتفال المختلط اليوم، وإلا كان نصيبه ان يصور عدد من القتلة بسببها.

ظهر فجأة من العدم شقيقه المتهور صاحب الليلة، يصافح كل من يقابله من بشر في طريقه ويتلقي منهما المزاح حتى إذا وصل اليه، توجه اليه حمزة بسؤاله غاضبًا:

- سايب عروستك وجاي هنا ليه يا زفت؟

- يا عم وهو بخطري يعني؟ هرقص معاها وسط البنات وهي حاضنة امها، دي لحظة خاصة يا حمزة باشا ولازم نحترمها، اروح اشوف صحابي اللي بيشورلي بالمرة...

اوقفه بحزم قبل أن يتحرك متوجهًا نحو مجموعة الشباب من اصدقائه، ليمنعه مشددًا عليه:

- خلي اصحابك في وقت تاني، دلوك تروح بطولك، تغطي شوية على اللي واخدين راحتهم وبيرقصوا، العيون كلها رايحة عليهم، وانا مش حامل يا حبيبي الله يرضى عنك

فهم معاذ إلى ما يرنو اليه شقيقه، ذلك الغيور لا يحتمل النظرة الموجهة لتلك المزيونة رغم وجودها وسط عددا لا بأس به من النساء، ولكنه ليس غبيا حتى لا يعذره، فهي الوحيدة المنافسة اليوم لعروسه، رغم امتلاء القاعة بالجميلات، وعدم تعمدها لفت النظر بذلك الرداء المحتشم الذي ترتديه، رغم فخامته.

- حاضر يا عم حمزة هروح انظم وافرض كردون حواليهم من خواتك وعيالهم، هو احنا عندنا أغلى من العروسة وأم العروسة نداري عليهم ونخبيهم؟

عبس حمزة بحنق لتلميحه المستفز له، ليبادله بابتسامة صفراء زادت من مرح الاخر، فضحك بملء فمه ليتمتم له قبل أن يذهب بناءا على رغبته:

- خلاص يا عم متزقش، ماشي اها.... لعروستي.

غمغم حمزة من خلفه بسبة وقحة، ليعود بعد ذلك للترحيب بالضيوف منتبهًا لغياب الاخر:

- هو الزفت التاني كمان راح فين؟

كان خليفة في هذا الوقت خارج القاعة يودع احد المدعوين من اصدقاءه القدامى من خارج البلدة، حتى أصر على توصيله لباب سيارته، ليهُم بالعودة إلى القاعة والوقوف مع شقيقه الأكبر في استقبال الوفود.

ولكن تفاجأ وعلى حين غرة بتوقف إحدى السيارات بالقرب منه، فترجلت منها إمرأة بهيئة تبدوا مختلفة من ملابسها العصرية عن أهل البلدة ، لم يعطي انتباهه لها ليتحقق من هويتها وتجنب النظر اليها يواصل الذهاب إلى طريق القاعة، حتى توقف على صوت ناعم يناديه بإسمه

لا يدري ما الذي اصاب قدميه وقد تيبست في الأرض وتجمدت كل حواسه مع اقترب الخطوات منه، لقد عرفها، عرفها حق المعرفة، تلك التي دهس قلبه على يدها واختار التعاسة انتقامًا من نفسه بسببها

تمالك يسيطر على الخفقات المتسارعة بصدره، ليُجبر جسده على الالتفاف اليها ، يغتصب ابتسامة مضطربة نحوها متحدثا:

- اهلا يا روان، دا ايه الصدف الجميلة دي؟

ضحكت تلك الجميلة وهي تقترب لتصافحة بيدها قائلة بنعومة لطالما اذهبت بعقله:

- لا يا سيدي مش صدف ولا حاجة، انا اصلا جاية معزومة، هي هالة مقالتكلش؟

تمتم بالاسم عاقد الحاجبين بذهول، لتردف بجرأتها:

- ايوة هالة يا سي خليفة، مراتك طمرت فيها العشرة عنكم، هي اللي اتصلت بيا ودعتني ع الليلة، بصراحة مقدرتش أرفض، معاذ دا اخويا الصغير إلى كبر قدامي ، يصعب عليا اوي ان ماشفهوش في يوم فرحه وهو عريس.

اومأ يهز رأسه يدعي استيعابًا، رغم تشتت الأفكار برأسه عن الدعوة الغريبة، فزوجته العزيزة ابعد الأشخاص عن شيء اسمه المودة مع القريب او الغريب، فما باله ان كانت روان وغيرتها القاتلة منها قبل ذلك.

- مالك يا خليفة سرحان كدة ليه؟ لدرجادي وجودي غير مرغوب فيه؟

قالتها بمزاح داعب عاطفته نحوها، ليومأ لها بابتسامة مرحبا يشير لها كي تسير معه إلى داخل القاعة المقام به حفل الزفاف:

زوجة شقيقه السابقة ليست في جمال زوجته وابن عمه هالة، ومع ذلك كانت دائما رمز الانوثة والنعومة، إمرأة يتمناها كل من يتعامل معها، زكية تعرف جيدا استغلال تلك النقطة، ومع هذا لم تكن ابدا ندا لحمزة الحاد الطباع العصبي، رغم مبادلتها الإعجاب، لتحدث المشاكل العديدة بسبب الاختلاف الكامل في الطباع وعدم تكيفها مع أجواء البلدة الذي كان مصرا عليها حمزة

فلم يصمد زواجهم سوى ست سنوات رغم محاولاتهم الحثيثة للاستمرار من اجل الطفل، وتفرق الاثنان بتفاهم مشترك ، جعلها تترك ابنها في الخامسة من عمره مع والده باطمئنان تام ودون مشاكل تذكر، أو ربما لأنها تطمح في العودة بعدم تعكير صفحتها معه، لا تعرف ان قلبه قد ذهب لغيرها.

ولكن ما الذي أتى بها اليوم؟ ولماذا الدعوة تأتيها من هالة التي كانت تكرهها حد العمى ؟

كانت الأجواء مشتعلة، اصدقاء العريس في جانب، بجنون الرقصات التي تناسب شخصيته معهم، وفي جانب اخر صديقات العروس لا يقصرون بالرقص معها وحولها وبتشجيع البقية من النساء والفتيات من اهل العروس والعريس، حتى كنا يشاركنها مثل حسنية وبناتها، فلم تكن تنقصهم سوى منى التي حشرت بطاولتها بعند من زوجها الذي كان يراقبها بتسلية وهي تفرك للقيام بوظيفتها معهن في انتظار انصرافه حتى كانت تطلبها منه في بعض الأحيان

- منصور يا حببيي، دي المرة التانية حمزة يشاورلك عشان تجوم تجعد مع الرجالة، اللي بيسألو عليك، مش ناوي تروحلهم؟

اهتزت رأسها بابتسامة مستترة برفض قاطع:

- لا مش رايح، واللي عايزني يجيني لحد هنا يسلم عليا، وانا على طرابيزتي

بإحباط شديد عقبت بصوت مبحوح كاد أن يضحكه:

- ليه يا منص؟ ليه يا حببيي؟ طب انت نفسك مزهتجتش من القاعدة جمبي؟ دا انا نفسي تعبت من الكرسي، وعايز افرد رجليا حبة......

قاطعها بها ليردف بصرامة رغم صوته الخفيض:

- هتموتي وتروحي ترقصي مع امك واخواتك يا منى، وانا مش هنوهالك، عشان انتي عارفة طبعي زين في الحاجة دي.

بتعب حقيقي زفرت تتجنب الصدام معه، فهي الأدرى بطبعه، رغم عشقه الجارف والحنان الذي يغمرها به، إلا أنه دائما ما يذكرها انها التلميذة بحضرته، خصوصا في هذه المناسبات الخاصة لها، غيرته الشديدة عليها لم تهدأ او تقل رغم مرور العديد من السنوات على زواجه بها، يحاصرها لدرجة الأختناق، ولكنها كيفت نفسها على الطاعة وفعل ما تريد بذكائها، وهذا ما يحسب حسابه الأن، لذلك يصر على عدم ترك الطاولة حتى لا تذهب إلى صف النساء وتعمل ما برأسها،

توقفت الأغاني الصاخبة فجأة بذهاب العروسين إلى منصتهم، وعودة النساء إلى طاولتهن، كحسنيه التي انضمت تجلس معهما بلهاث تشاكس ابنتها:

- عقبال عيالك يا منصور انت والبت دي، وارقصلهم كدة، لكن انتي مجتيش ليه يا منى؟ انا وكل خواتك كنا بنرقص!

عبست منى رافعة طرف شفتها بغيظ اضحك ذلك المتربص، ليعلق ببرود يزيد عليها:

- ربنا يديكي طولة العمر يا حماتي،، احنا خايبين وملناش في الفرح زي ما انتي شايفة كدة.، معتمدين عليكي انتي والمجموعة، انتو الخير والبركة

- ليه وانا مشلولة مهعرفش ارجص لعيالي

تمتمت بها منى ليواجهها بنظرة حازمة وابتسامه مستترة استطاع اخفاءها، لتغلق فمها ف انتظار الفرج ونهوضه من جوارها حتى تأخذ حريتها .

- ربنا يديكم الصحة والعافية وتفرحوا بيهم وعيالهم، حد في الدنيا يكره العافية.

وعند منصة العروسين، حيث الوالدة التي كانت تعدل من فستان ابنتها وجلستها جيدا، تتبادل معها حديث سريع، ان كان ينقصها شيء ما قبل أن تتركها وتعود إلى طاولتها، فجاء رد ليلى مباشرة:

صدرت من مزيونة ليتدخل معاذ الذي وصلت اليه عبارتها:

- اروح اجيبلك حاجة من البوفية ولا......

قاطعته مزيونة مردفة نحو ابنتها بحزم:

- تمسك نفسها على ما يجي ميعاد الوكل، ولا هي هتاكل وهي جاعدة على الكوشة؟.

تذمرت العروس ضاربة بقدمها على الارض:

- بس انا جوعت فعلا، مش معقول هستني على ما يفتحو البوفيه كل ده.

- احسن عشان تتهدي وتبطلي رقص وتنطيط، ما هو دا اللي خلاكي جوعتي.

تمتمت بها مزيونة في رد لها، قبل أن تجفل على معاذ الذي انتفض ناهضا يقول:

- خلاص انا هتصرف واروح اجيبلها تصبيره.

- اجعد مكانك يا معاذ، انا قولت مينفعش تاكل على الكوشة، خليها تتحمل

دوى الصوت الرجولي المميز يخترق ظهرها قبل أن تجده بجوارها ناظرا اليها باستفساره، حتى تلعثمت امامه بارتباك ليتكفل شقيقه بالرد:

- خير يا واض ابوي، بس ليلى بتقول أنها جعانة جوي وانا عايز اجيبلها اي تصبيره، لكن خالتي مزيونة رافضة

- ايوة تتحمل عشان معدتش صغيرة، ولا هيعجبك لما يصوروها وهي بتلوك في خشمها ويتريقو عليها.

- ومين دا اللي هيسمح ولا يديهم فرصة؟

تمتم بها حمزة ليجاورها في الوقوف، حتى كاد لا يفصل بينهم شيء، ليخرج من جيب حلته علبة مغلفة يعطيها إلى ليلى التي طالعته باستفسار اجاب عنه وعيناه لا تغادر تلك الجميلة، مستغلا ذلك القرب بينهما، غير عابئًا بالبشر التي تطالعهم في القاعة الضخمة:

- دي قطعة باتيه يا ليلى خفيفة وتسد جوعك، كلي منها بسرعة وانا وامك واجفين حيطة سد نمنع عنك عيون الناس وكاميراتهم

ضحكت ليلى تفتحها سريعا امام ابصار عريسها الذي التف بجذعه هو الاخر يخفيها من جانبه، موجهًا الشكر إلى شقيقه بامتنان:

- الله يبارك فيك يا حمزة، دايما كدة عندك الحل

قضمت ليلى منها تتلذذ بالطعم، لتضيف على زوجها:

- وحلوة جوي يا معاذ، شالله يخليك يا عم حمزة بحلولك السريعة

ضحك ينقل ببصره نحوها سريعا قبل أن يعود لقواعده:

- لا من ناحية الحلول دي بسيطة، انا جيبي ميخلاش ابدا من الحاجات دي عشان ريان، ودلوك بقى عندي عيلين مش عيل واحد. يعني لازم اعمل حسابي

قالها بمقصد مكشوف وصل إلى تلك المذهولة من فعله، حتى لم يعد بها رأس للتفكير، يلفها الارتباك بشدة بجانبه؛

- الله يسامحك يا عم حمزة يعني انا عيلة.

تمتمت بها ليلى بضحكة اختلطت بشيء من طفولة وقد أسعدها وصفه، تعرض على عريسها المشاركة ولكن فرحة الاخير بسعادتها كانت كافية ومشبعة له من كل طعام،

فقد تكفل هو الاخر ليحاوط عليها بأسلوبه كي لا ينتبه عليها احد من المدعوين، وتيبست مزيونة محلها بجواره، بعد أن ورطها بتلك المهمة، وهذا القرب، صوت انفاسه يصل اليها، ثاقبتيه التي تخترق حصونها موجهًا حديثه بلهجة تبدوا عادية، وداخل كفه حمل لها قطعة فاخرة من شيكولاته يقدمها لها:

- أقبلي انتي كمان مني دي، حكم انا عندي منها كتير، كذا نوع منها، دا غير الكنز في الجيب التاني،ولو جعانة اطلعلك باتيه زي ليلى.

طالعته قليلًا بازبهلال لتنزل عيناها على الجزء المجاور لها من الحلة فتلاحظ انتفاخ ما بالجيب بما يحتويه، لتبزغ ابتسامة بشفتيها ما أجملها يزينها الحياء، معقبة:

- لا الحمد لله مش جعانة، خليهم لريان لا يعلمك مشاكل .

اردف بمرح، وقلب رفرفت به الفراشات سعيد بابتسامتها:

- انتي صدقتي، ريان دا حجة، انما ان جيتي للحق انا اللي كنت هفرط من الجوع، وسحبت من محل البقالة من غير حساب، خدي انتي بجى متكسفنيش.

امام رجاءه، اضطرت لتقبل الهدية رغم خجلها الشديد، لتتناول قطعة الشيكولاتة المغلفة بأصابعها الرقيقة فتلامس بطن كفه، لتزيده جنونا، فكاد أن ينسى العروسين وما تكفل به من مهمة نحوهما، لولا هذا الصوت الدوى ينزعه من سماء احلامه الوردية:

- شوف المفاجأة الجميلة دي يا ابو ريان.

التف بابصاره نحو صاحبة الصوت الذي يعرفه حق المعرفة، لتكن المفاجأة من نصيبه حين وجد إمرأته السابقة تقف بجوار تلك التي قدمتها تتبسم بخبث يعلمه جيدًا، انها ابنه عمه الذي لا يتوه عن أفعالها ابدا، لتعود بطريقتها المكشوفة قائلة:

- شكلك مش مصدق، دي روان، هو انت هتوه عنيها؟

هتف بها بحدة نحوها، ثم تجاهل يرحب على غير ارداته، بزوجته السابقة، وشيء من الارتياب قد تسرب داخله:

- اهلا يا روان منورة، مفاجأه...... زينة، زي ما جالت...... هالة بت عمي.

تقدمت منه المذكورة وامتدت كفها نحوه بشوق يلاحظه الأعمى:

- رغم اني زعلانة منك عشان معزمتنيش، لكن معلش بقى، انا عذراك، ما أنت اشغالك كتير..... عننا....

صدرت الأخيرة بنوع من العتب الثقيل عليه، في هذا الوقت الغير مناسب على الإطلاق، ليجاريها بلطف وعلى عجالة باعتذاره:

- معلش اعذريني فيها دي، انا فعلا جصرت ونسيت، مش هتاجي تسلمي على العرسان

قالها وانزاح بجسده مبتعدا عن مزيونة التي تشاهد بوجه مغلف ، يقدمها اليها في البداية:

- دي الست مزيونة ام العروسة، سلمي عليها الاول .

قطبت روان في نظرتها الأولى نحو مزيونة تقطب حاجبيها بشيء من الاندهاش عبرت عنه:

- هو انا اعرف من زمان ان الأمهات عندكم صغيرين بحكم جوازهم المبكر، بس مش لدرجادي يعني، اهلا يا ست ااا....

- مزيونة يا روان، هو يبان أسم غريب لكن معناه جميل .

تفوه كلماته بقصد تغاضت عن تفسيره لتقترب منها وتصافحها مهنئة قبل ان تذهب للعروسين وتلتقط الصورة التذكارية معهم، حتى حينما رغبت بمشاركته معهم أصر هو الا تمر الصورة بدون مزيونة.

كل هذا امام هالة المحترقة من تجاهل الجميع لها، وكأنها ليست موجودة بينهم، او ليس لها محل من الإعراب، حتى من تلك المتملقة التي تكفلت بدعوتها عبر الهاتف كي تأتي وتفتح لها امل زائف في الاقتراب من طليقها، لتلتقط حضورها اليوم وكأنها هدية، في الترحيب بها بمبالغة واضحة، ثم يكن جزاءها النسيان منها .

تمتمت بسبة وقحة داخلها لتعود الى طاولتها حيث وجود زوجها المراقب لما يحدث امامه بشك، حتى إذا جلست مقابله له واجهها بقوله:

- بتعزمي روان من ورانا يا هالة، من امتى المحبة اللي مجطعة بعضها دي؟

ردت بكذب مفضوح لتُخفي ارتباكها:

- وانا ايه اللي هيخليني اكرهها؟ هي بس شوية المشاكل اللي ما بين السلايف، وخلاص كل حاجة راحت لحالها من بعد ما اطلقت من حمزة، بت الناس مجطعتش معايا من ساعة ما انفصلوا، يبجى انا هجطع؟ دي حتى اللجمة ما تهونش غير على أبن الحرام

عقب بها برد ساخر لينهي جدالا لا نفع منه معها، ويعود بأبصاره يراقب بصمت، وحزن يشق قلبه وهو يرى لهفة المذكورة في حديثها إلى حمزة بشوق ولهفة، ورجاء صامت حتى يعود اليها، ورد فعل الاخر هو التجاهل التام وقد انصب اهتمامه على عشقه الحقيقي، مزيونة بنت الاحرار.

ظلت هالة تأكل في نفسها بمرور الوقت، تنتظر اي رد فعل يأتي بنتيجة او فائدة ولكن لم يحدث، حتى قررت أن تتحرك من نفسها، ذاهبة نحو مزيونة التي تركت العروسين، لتستريح على إحدى الطاولات القريبة من المنصة، وجلست بجوارها تحدثها:

- عروستك زي القمر يا مزيونة، ربنا يخليهالك وتفرحي بولادها

- يارب افرح بولادها وبشهادتها، دا احلى الأماني على جلبي

- يا حبيبتي ربنا ينولك اللي عايزاه، ماشاء الله الفرحة كانت باينة في الصورة وانتي بتاخديها معاها من شوية، انا كنت واقفة جمب المصور وشوفت بعيني

شعرت مزيونة ببعض الحرج خلف كلماتها لتردف بنوع من الاعتذار:

- هو انتي متصورتيش معانا، سامحيني مخدتش بالي، انا كنت ناحية العروسة، افتكرتك انضميتي تبع قريبتكم دي جمب العريس

- مش قريبتنا يا حبيبيتي ولا كنا نعرف حتى بلدها فين؟ هي بس جات بلدنا في شغل مع ابوها تبع شركة المقاولات واتعرف عليها حمزة ووقع في غرامها، شياكة والاطة وتعليم عالي زيه، اصل هو كمان مهندس، بس مهندس زراعي يعني، مكانش عاجبه ولا واحدة من بنات العيلة ولا البلد كلها ، شافها دي وقال هي بس اللي تليق بيا، النصيب بجى، هما بس شوية عند الي دخلوا ما بينهم، لكن الراجل مسيره لمرته برضو، طول ما في عيل رابطهم ببعض.

سمعت منها لتتجه ابصارها تلقائيا نحو المذكورين عند مدخل القاعة حيث مازالت تلك المرأة تتحدث مع حمزة، تداعب بأصابعها على شعر صغيرها ريان الملتصق بها، برد فعل غريزي من طفل نحو والدته الذي لا يراها سوى مرات قليلة كل فترة،

إمرأة راقية وجميلة، ترتدي ملابس أنيقة مثلها، متعلمة، تحظى باحترام طليقها والجميع من اسرته فقد رأت بأم عينيه ترحيب البقية من عائلته بها، ما الذي ينقصها حتى يفكر بغيرها؟ تليق به ويليق بها، اما هي........

أين هي اصلا من الإعراب؟ حطام إمرأة تعيش على حلم ابنتها، التي تتزوج اليوم....... ثم...... ما الداعي للتفكير من الأساس؟ تنهدت بثقل تتذكر قطعة الشيكولاتة التي اخذتها منه قبل حضور المرأة، قابضة عليها داخل كفها وكأنها شيء قيم، لتطالعها ساخرة داخلها من تلك المشاعر التي رادوتها لحظات، وداعبت خيالها في العديد من الاوقات السابقة، يبدو ان جفاء السنوات السابقة جعلها متعشطة لثمة عاطفة زائفة تلامس احساس الانوثة المهدورة داخلها، يالها من بائسة

انتهى الزفاف بتوصيل العروس إلى منزل عريسها ومقرها الأصلي الايام القادمة، قامت هي بكل مهام الأم المطلوبة منها بمساعدة زوجة شقيقها محروسة التي رافقتها في كل المراحل، بمروءة لا تقل عن زوجها الذي تولي مهمة ولاية أمر العروس على أكمل وجه

اعدت لها عشاء العرس ورافقتها حتى غرفة نومها، تلقي على اسماعها بعض النصائح اللازمة، وبقلب منفطر ودعتها، تدعي ثبات واهي امام أسرة عريس ابنتها التي يغدق افرادها بالمودة الشديدة نحوها، وهذا ما يطمنها بعض الشيء في ترك صغيرتها بحوزتهم، لتغادر بإصرار عجيب على العودة إلى منزلها ومعارضة شقيقها الذي يفعل المستحيل حتى تسكن معه في منزله ولكنها وبكل قوة ترفض،

فتأتي بعد أن انفض الجمع من حولها، بناءا على رغبتها في الانفراد بنفسها، فتحط بثقلها على المصطبة الطينية اسفل شجرة التين العتيقة خلف منزلها.

خيوط الانارة مازالت محلها، وقد تعمرت المنطقة بالمبني الجديد، وعمال الحراسة منتشرين في أماكن متفرقة في المنطقة، لا يوجد وحشة او وحدة سوى داخلها، ولكنها لابد ان تعتاد، هذا اليوم كان سيأتي عاجلا او اجلا، ولابد لها التكيف من الان والتفكير اخيرا في ذاك الشيء الذي نسته كثيرا على مدار عمرها، وبغفلة منها وهو مستقبلها!

صدر الصوت الرخيم لينتشلها من غمرة الشرود التي تاهت بها، لتلتف إليه برزانة وتحفظ:

- يا مرحب يا ابو ريان، مفيش وحدة ولا حاجة، هي بس لحظة التأثر اللي بتصيب كل ام في اول فراق من بتها .

يتفهم جيدا إنكارها وادعائها القوة امامه ، فطالعها بحنو وتأثر قائلا:

- انا عارف طبعا بإحساس كل ام في اليوم ده، خصوصا لما تكون الأم دي مزيونة أعظم ام في الدنيا.

لم تجد من الكلمات ما يناسب اطراءه، وقد شددت داخلها على الالتزام بالتحفظ وعدم الانسياق خلف عاطفة النساء الضعيفة امام كل كلمة ناعمة ولو حتى غير مقصودة، لتطرق برأسها بصمت استغله هو ليواصل طمأنتها:

- مش عايزك تقلقي ولا تخافي يا مزيونة، ليلى بقت بتي زيها زي ريان، يعني مستقبلها وراحتها بجيو اختصاصي قبل ما يكون أمانة في رقبتي.

هنا لم تقوى على الهروب بعيناها عنه، ليحدث تواصل بصري بينها وبينه، وكأنها كانت في حاجة إلى كلماته، حاجة لأن تطمئن؛ في وقت ما اصعبه على إمرأة مثلها.

قطع لحظتهم النادرة قدوم احد الأشخاص نحوهم يخاطبها:

- مساء الخير، انتي لسة مفتحتيش الباب يا عمه؟

تطلع حمزة نحو الفتى يسبقها في الحديث بحنق شديد:

- تفتح ايه بالظبط؟ إنت جاي ليه يا حازم دلوك؟

كان سؤاله به من الفظاظة ما جعلها تسارع على الفور بالتوضيح:

وتحركت ذاهبة من أمامه ترافق الفتي نحو باب منزلها، تتركه متصلبا محله، انه بالكاد شعر باستجابة منها، ليأتي هذا الفتي ويقطع حبل التواصل قبل أن يبدأ جيدا، ياله من تعيس الحظ.

......................................

وبعد ان صلى بها ركعتين وشكر ربه وحمده على نعمته في تحقيق أمنيته في الارتباط بها، ثم وضع

كفه فوق رأسها متضرعا للخالق بالدعاء الشهير لهذا اليوم وبداية العهد الجديد بينهما.

ثم تمتم بعدد من الأدعية الأخرى وجعلها تردد خلفه لبداية يحفها الخير والبركة والرجاء في الحياة السعيدة والذرية الصالحة

حينما انتهيا أخيرًا وقف يتأملها قليلا بصمت، يشبع عينيه من جمالها الفطري، فقد كانت اليوم أميرة بفستانها الأبيض، اما الان فهي تأسر قلبه برقتها، وبأفعالها العشوائية في رفع سجادتي الصلاة ثم خلع الحجاب عن رأسها ناظرة له ببرائة وكأنها لا تعرف برهبة تلك اللحظة والخجل المطالبة به، ليلوح لها بكفيه الاثنان امامها بمزاح لم تفهمه، حتى قطبت مرددة:

ليباغتها فجأة بالقبض على كفيها الاثنان قائلا:

- مش دي يدك اللي كنتي محرمي عليا امسكهم، رفع الاثنان الى فمه، يطبع قبتين على الجلد الناعم بحنو.

وقبل ان تجد صوتها، او ينبت فمها بكلمة واحدة جذب خصلة كبيرة من شعرها الغجري الطويل، يستنشق رائحته بنهم يعبئه به رئتيه ثم واصل بعذوبة:

- ودا شعرك اللي طير من عيني النوم من يوم ما شوفتك، وانا بحلم المسه بإيدي كدة واشم ريحة المسك منه

تأثرت بخجل من فعله حتى اسبلت اهدابها عن مواجهته، لتشهق فجاة، حين دفعها على حين غرة لترتطم بصدره، وذراعيه التي التفت حول خصرها تلصقها به، متمتما بسطوة:

- هو انتي افتكرتي ان دا أقصى طموحي يا ليلي؟

بصعوبة شديدة من فرط حيائها، خرج اسمه من بين شفتيهاا بما يشبه الاعتراض وهي تحاول فك ذراعه عنها:

ردد هذه المرة بصوت رجولي عميق، يمرر انامله على خدها:

- معااذ مين بس؟ لا تكوني نسيتي التانية كمان، اللي اتحدتيني بيها امبارح جدام الناس في حنتك؟

برقت نحوه بعيني القطة خاصتيها، تستدرك مقصده لتغمض شفتيها وتفتحها بما يشبه نطقها، فيترجم هو على الفور:

وما كاد ينهيها حتى أكمل بعمليه، ليلتقط شفتيها بين خاصتيه بالقبلة الأولى بينهما، يتذوق رحيقها بتمهل رقيق يذيبها بين يديه، يمتص خوفها، تحولت قبلته بعد لحظات إلى متلهفة، متطلبه، حتى فقد صبره ليغزوها بجموحه، فيسير بها نحو الفراش دون ان يفلتها من بين يديه وكأنه سوف يفقدها ان ابتعدت ولو قليلا عنه،

يزيل بيده كل ما يحول بينها وبينها، ليبدأ معها سيمفونية من العشق ، في تناغمٍ وجدانيّ متشابك، تعانقت به الأرواح قبل الأجساد.... ليلةً تغزو الوجدان، غرامًا بطعم العشق، وحنينًا لم يُعرف له مثيل.

كل تنهيدة منها تصله كموسيقى عذبة توقظه أكثر من أي صمت.

استحالت أنفاسهما متقاطعة، وهمساتهما ممزوجة، كأن الليل بأسره اختُزل في هذا اللقاء.

رواية لاجلها الفصل التاسع عشر

ليلة أخرى مرت عليها من السهاد والقلق حتى تمنع عن عينيها النوم رغم تعب الجسد المهلك طوال الأيام الفائتة في الاعداد ووقفتها في هذا الحدث الأهم لابنتها ، والتي كان يقتلها الخوف عليها الآن من شيء تمر به كل النساء ولكن قلب الأم لم يستوعب الفكرة بعد.

مخاوف وهواجس تدور برأسها بلا هوادة، وأشياء أخرى لا تود الاعتراف بها، كانت تقطع افكارها دائما، ولا تجد لها حلا لصرفها، فتستقر في الأخير على التركيز في القادم، والخطوات التي يجب اتخاذها، لتبدأ حلقة أخرى من التشتت حتى أشرق خيط النور البسيط ببداية اليوم الجديد، وبداية جديدة بها بعض الاطمئنان الذي وصلها عن طريق تلك المكالمة التي وردت اليها من بنت قلبها،وكأنها كانت تشعر بها، لتبث بداخلها ارتياحًا كانت في أشد الحاجة اليه، فتختطف اخيرا ساعتين من الزمن للنوم كان الجسد يأن تعبا من اجلهم

ثم تستيقظ مضطرة الان لفعل واجبها التقليدي لأم العروس، في هذا اليوم المميز، والاهم هو رؤية صغيرتها التي اشتاقت اليها وبقوة،

أغلقت على سلتها البلاستيكية وما تحتويه من خيرات لفطار العروسين التي اعدته سريعًا لترتدي عبائتها السوداء المحتشمة وحجابها، ثم اتخذت طريقها نحو باب المنزل، بخطوات حريصة حتى لا تزعج ابن شقيقها الغافي على الأريكة الخشبية وسط الصالة، فقد اشفقت ان توقظه في هذا الوقت من الصباح

وخرجت من المنزل قاصدة طريق الجسر في الخلف حتى تستقل منه سيارة أجرة لتقصر عليها مسافة الذهاب بحمل السلة الممتلئة عن آخرها بالطعام الساخن.

وكانت المفاجأة من نصيبها حين اصطدمت ابصارها بذاك الجار والنسيب في اَن واحد، يطوف بخرطوم المياه حول الشجيرات الصغيرة التي تم زراعتها حديثا حول منزله يسقيها باكرا في هذا الوقت، وكأنه لا ينام أبدا عجبا لهذا الرجل؟

تمتمت بها تلقي تحيتها الروتينيه اليه حتى انتبه والتفت رأسه اليها بابتسامة رائقة يجيب تحيتها:

- صباح الفل يا نسيبتنا، شايلة ومحملة كدة على أول الصبح، وراكي مشوار إياك؟

القى سؤاله الاخير بمكر رغم علمه بوجهتها كي يجبرها على الإجابة:

- ودي فيها سؤال؟ أكيد رايحة للعرسان على البيت الكبير ان شاءالله، اللحق اخطفلي لحضة مع البت قبل البيت ما يتملي بزوار الصباحية.

قالتها بيرائة فاستغل هو يضيف عليها بجرأته:

- طبعا عشان تطمني، حقك يا ام العروسة

دفعها الحياء ان تسبل اهدابها عنه رغم غيظها الشديد من تلميحه المبطن، لتتجاهل بقصد التهرب وتتحرك بنية الذهاب:

- طب عن اذنك انا رايحة اشوفلي عربية و......

قاطعها بقسمه ليفاجأها بسحب السلة الثقيلة من يدها على حين غرة وبدون استئذان يردف بتشدق:

- تركبي أجرة لحد بيتنا وانا موجود، دي حتى تبجى عيبة في حقي.

- مالوش لزوم التعب، دا انا ممكن اخدها كعابي حتى خليك أنت في اللي بتعمله....

عبس متحدثا بحسم يقطع كل سبل الجدال في وجهها:

- خلااااص عاااد، بعد الحلفان مفيش كلام تاني، انت يا واض اجفل على المية.

هتف بالاخيرة نحو احد الشباب من العاملين في المنزل، واتجه بخطواته السريعة نحو السيارة المصطفة في جانب وحدها من الشارع ، ليضع السلة الثقيلة في الحقيبة الخلفية بها، ثم قام بفتح الباب الامامي يشير لها للانضمام:

طالعته بصدمه تنوي رفض الجلوس بجواره في الامام، ليلتقط ما تفكر به، ويسبقها بابتسامة ماكرة؛

- ما تيللا بجى يا نسبيتنا هو انتي غريبة يعني؟

داخل غرفة العروسين في منزل حماد القناوي

وقد استيقظ بنصف وعي اثر الضوء الذي كان يخترق اجفانه دون ان يشعر، يتذكر ليلته السعيدة مع عروسه الجميلة، ليمرر كفه على الفراش بجواره كي يلتقطها، ويضمها اليه، مذكرًا نفسه انها أصبحت ملكه بالفعل، وان ما يشبع وجدانه الان من مشاعر تفوق خيال رأسه، لم تكن محض حلم من أحلام يقظته او نومه، بل هي حقيقية وحقيقة مؤكدة ولكن.....

فتح عيناه على وسعها مجفلا لخلاء الفراش منها ومن أي أثر لها، لينتفض معتدلًا بجذعه يطالع الغرفة المزينة حوله وأثار ليلته الجامحة يثبت صحة عقله، فستان الزفاف المعلق في المشحب، مع حلته السوداء بسترتها والبنطال، حذائها وحذائه على الارض والمنامة الحريرة التي ألقاها بنفسه على الأرض أثناء ال.......

نهض عن فراشه فجأة يبحث عن الشيء الوحيد الذي لم يراه حتى الان، متمتمًا بفزع:

- الاسدال، لتكون عملتها وراحت لامها البت المجنونة دي، ليلى، يا ليلى.....

صدر ندائه الاخير بصيحة أتت باستجابة فورية منها:

التف يجدها خارجة من الشرفة بالاسدال ليتنفس بارتياح نسبي يقترب منها ويحتضنها بشوقه:

- يا صباح الورد يا جلب معاذ، انتي سبيتي الفرشة وجومتي ليه من جمبي بس ؟

تركته يقبلها على وجنتيها قبل أن تجيبه:

- عادي كنت بكلم صحابي على الشات .

سمع منها وبرد فعل غريزي ابتعد عنها مرددًا بعدم رضا:

- ودا وجته تكلمي فيه اصحابك يا ليلى، ولا انتي نسيتي وضعك دلوك؟ ميصحش اصلا ، ده ميصحش.

- هو ايه اللي ميصحش؟ انا لقيت نفسي صاحية وانت نايم مكانش ينفع اصحيك، مسكت فوني لقيتهم هما كمان فاتحين نت، دخلت كلمتهم عادي، ضحكنا وهزرنا على الفرح امبارح وبعدها كلموني ع الدورس وكيف هيجمعهوالي على ما ارجع في الكام يوم اللي هنسافر فيهم معاك.

استوعب قليلًا ليومأ متفهمًا ولكن بحذر:

- خلاص نعديها المرة دي بس ياريت متكرريهاش تاني النهاردة ولا بكرة على الاقل، يعني عشان صورتنا انا وانتي جدام الناس، لازم نتقل شوية ونعمل لنا مركز.

توقف برهة ليكمل بمكر وعضلات وجهه ارتخت بعض الشيء لعلمه بطبيعة الفتاتاتين:

- وعلى العموم سمر ونسرين الاتنين مدهولين، مش ناصحين جوي يعني عشان الواحد يقلق منيهم ولا يعملهم حساب...

تبسمت هي لمزاحه رغم اعتراضها، لتلكزه بقبضتها على جانب صدره تحذره:

- بطل غلط، انا مسمحلكش تغلط في صحباتي.

جلجلت ضحكته يضاعف مناكفتها بلف ذراعه حول رأسها مردفًا:

- يا لولة عديها بجى، أنا بهزر وافك معاكي عشان انسى خلعتي منك، بعد ما صحيت من نومي وملجتكيش جمبي افتكرتك مشيتي على امك وعملتيها فيها، حكم انتي يا بت مزيونة مش مضمونة.

توقفت الضحكة بثغره كما أنه رفع ذراعه عن رأسها،

- كلمتيها كيف يعني؟ لا انتي اكيد بتهزري .

- لا والله ما بهزر، امي كانت هتموت من القلق عليا، انا كان لازم اتصل عشان اجولها واطمنها.

بهتت ملامحه إلى حد الإصفرار، يطالعها بأعين برزت برعب، تتلاعب الظنون برأسه ليلطم بكفه على خده مرددًا:

- اتصلتي بأمك يوم صباحيتك تبلغيها عن اللي حصل ما بينا يا ليلى؟

انفعاله المبالغ فيه اضحكها بشدة، لدرجة لم تجد صوتها في رد له، حتى امسك بها من كتفيها يستدرجها ببعض الحزم كي تتوقف:

- ليلى يا حبيبتي، مش وجت ضحكك خالص دلوك، انا عايز اعرف بلغتي امك ايه؟

بصعوبة شديدة تماسكت لتهدئ من روعه:

- ميروحش مخك لبعيد، انا مبلغتهاش بتفاصيل لأن أمي اساسًا مأدبة متحبش الكلام ده، وانا زيها على فكرة يا ابو ضمير مش سالك، دا غير انها منبهه عليا من البداية، ان اللي يحصل بين الراجل ومراته أسرار مينفعش حد منهم يطلعها.

اراحته اخيرا ليسقط بجسده جالسًا على طرف التخت، يزفر بتعب، يمسح بكف يده على شعر رأسه للخلف وبصمت دام لحظات، حتى اقتربت منه قائلة بطرافة:

- سكت يعني مقولتليش زين عليكي حلوة ومتربية زي امك....

وما كادت تنهيها حتى جذبها من يديها، ليسقطها على التخت بجواره، فصدرت صرخة الاجفال منها وهو ينقض عليها مكتفًا ذراعيها فوق رأسها يردد بتحفز:

- وكمان جايلك قلب تستخفي دمك بعد ما نشفتي دمي مرتين يا باردة، دا انا هاخد حقي منك تالت ومتلت دلوك،

فصاحت تقاومه لتدفعه عنها بدلال وتمنع مرغوب، حتى وصلت أصوات مزاحهم والمداعبات الى خارج الشقة، وفي تلك الاثناء كانت إحدى اشقائه تحمل صنية طعام الإفطار، وعلى وشك طرق الباب او الضغط على الجرس، فأصابها الحرج لترتد الى الخلف تهم بالعودة،

متراجعة بخطواتها حتى هبطت الدرج نحو الجلسة التي تجمع والدتها بعدد من شقيقاتها، تجهز نفسها لسخريتهم،

وبداخل السيارة التي تقلها معه، كانت جالسة جواره في الامام يسوق بها إلى وجهتهم ملتزمة الصمت ، تحاول السيطرة على ذاك التوتر الذي أصبح يصيبها في حضرته، أفعاله المكشوفة في مناكفتها، نظراته التي يخطفها نحوها في كل لحظة أثناء ترديده لاغاني المزياع العاطفية، حديثه المستمر معها في مواضيع شتى، وكأنه متعطش لسماع رأيها فيها، فكانت تبداله الردود ولكن بتحفظ مقصود كلما أتى برأسها صورة المرأة الجميلة زوجته، تذكر نفسها بالفرق الشاسع بينهما.

- الواض ريان امبارح كان هيجنني برقصه، قسما بالله كنت هفطس على نفسي ضحك وانا شايفه بيعقب برجليه، العيال دي ميخفاش عليها حاجة واصل .

ابتسامة حقيقية زينت ثغرها بذكر الصغير الذي آثار انبهارها بالفعل حتى نست حرصها في تشجيعه بالأمس وتقبيله من وجنتيه امام البشر، لتعلق على قوله الان:

- هو بالفعل كان حلو جوي امبارح، ربنا يخليهولك وتفرح بيه،

- خسارة مش جاعد النهاردة، اكيد كان هيعمل مهرجان بزيارتك عندينا، حكم دا بيفرح جوي لما يشوفك.

صدر السؤال منها بسجيتها فجاءت اجابته مفحمة لها رغم برائتها:

- خدته امه يبيت معاها كام يوم، اصلها بجالها فترة طويلة بعيدة عنه.

- طبعا ما هي امه، ربنا يخليها ليه ويخليه ليها، ويجمعهم ببعض دايما.

لم يفهد على مقصدها الاخير حتى كاد أن يستفسر مواصلا الحديث، ولكن اوقفه اختراق السيارة لداخل محيط المنزل الكبير، وظهور ابنة عمه وزوجة أخيه هالة، في شرفة المنزل التي كان تطل منها في هذا الوقت..... تطالعهما بانتباه شديد، جعله يزفر بضيق مكتوم مؤجلا حديثه مع هذه العنيدة في وقت آخر.

اما في الداخل فكان المزاح على أقصاه بين ام ياسين التي تعرضت للموقف الحرج وبين اخوتها ووالدتها وقد صارت المادة الخام الان لسخريتهم، مستغلين خجلها الشديد رغم كبر عمرها، وأولهم منى:

- بجى يا ولية يا اللي مجوزة بتين وفيهم اللي مخلفة كمان، في عمرك ده وبتتكسفي؟

- وافرض مجوزة بتين يا منى، انا كنت دخلت معاهم يعني ؟

قالتها المرأة بعفوية لتنطلق ضحكاتهم بصوت أعلى من السابق حتى اجبرن شقيقهن على الخروج من مخبأه في غرفة المكتب التي كان يعمل بها ليستكشف الأمر، وقد صدر تعقيب الثالثة وهي تدعى ام تبارك موجهة الدفة نحو منى:

- عندها دم وبتتكسف يا ختي، مش زيك يا بتاعة منص؟

- ومالها ياختي بتاعة منص؟ هي اللي العيلة دي كلها فيها غير منص.

جاء التعليق هذه المرة من مدخل المنزل، يجفلها حمزة بدلوفه حاملا لسلة الطعام، يردف بضيق مصطنع:

- مجصديش عليك يا واض ابوي،، وهو في العيلة دي كلها زيك، انت ومنص والباقي كله واغش.

- يخرب مطنك انا كمان حسبتيني من الواغش، ماشي يا منى.

صاح بها خليفة ليفاجأها بحضوره هو الاخر لتعلق ردا له:

- وانت كنت متخبي فين يا حزين؟ مش تتنحنح عشان اعمل حسابك.

وهكذا قدمت مزيونة في لحظة من الصخب والمرح بين الأشقاء، ليقدمها حمزة ويخبرهم بحضورها،

فتتلاقاها حسنية بترحابها الجميل قبل أن تصعد بها إلى ابنتها في تقليد متوارث، لقدوم الأم قبل حضور الجميع، وتجد مزيونة اخيرا فرصتها في لقاءها والأنفراد بها أيضًا

توجهت اليها بالسؤال وهي تمشط لها شعر رأسها الطويل وهي تقوم بتزينها، فتأتيها الإجابة من الأخرى بلمعة مميزة طلت من عينيها بوضوح عبر انعكاسها في المراَة:

- جوي يا اما جوي، معاذ عسل وحنين، وبيعمل كل اللي نفسي فيه، انا بحبه كد الدنيا كلها يا امه.

رددت بها مزيونة لتستدرك الأخرى سريعًا مصححة:

لم تقوى على كتم ابتسامتها، لتميل على رأس ابنتها تقبلها وتلقي اليها بالنصيحة:

- حبيه كد ما تحبيه يا هبلة، بس لازم تعرفي ان حبي انا في مكان وهو في مكان تاني، حب الولدين غير حب الجوز، فهمتي.

فعادت تقبلها مرة اخرى وتشدد ذراعيها في ضمها:

- اوعي تغيبي عني اكتر من سبوع، انا لسة اصلا متعودتش على بعادك.

لامست كلماتها شغاف قلب ابنتها التي شددت هي الأخرى تخبرها بتأثر:

- عمري يا امه ما هبعد عنك، حتى اليومين دول مش هبطل عليكي اتصال فيديو، انا مش جبلة عشان محسش بيكي، وزي ما جبرتي نفسك عشان تسعديني وتفرحيني، انا كمان عمري ما هندمك، دا وعد وعهد عليا وخليكي فاكرة

كان ردها كافيا ووافيُا حتى اصمت مزيونة عن المواصلة، ليتبقى لها فقط العناق، وكأن الجسد يأبى الإبتعاد عن قطعة منه، حتى اضطرت لتركها مضطرة مع دلوف منى وصوتها الذي صدح في الأجواء بسخريتها:

- ما خلاص يا مزيونة، خلاص يا حبيبتي، الحضن دا بجى ملك حد تاني، يا ولية افهمي بجى.

ضحكت لها بخجل، تطالع القادمين خلفها، حسنية المرأة الطيبة البشوش ومعاذ عريس ابنتها والذي علق بدوره:

- بس يا ام ضمير مش خلصان انتي، نطلع تاني يا خالة مزيونة لو لسة مشبعتيش من ليلى.

نفت بهزة من رأسها بابتسامة عذبة:

- لا يا حبيبي ربنا يخليكم لبعض، مش لدرجادي يعني، انا اصلا كنت نازلة بيها دلوك، أكيد الناس اللي جاية الصباحية تبارك وتهني بيسألوا عليها تحت .

- مكدبش عليكي يا بتي، البيت تحت اتملى من حريم العيلتين وكلهم بيسألوا عايزين يشوفوا العروسة، بس احنا ولا يهمنا عروستنا الحلوة تنزل براحتها، واللي عايز يستنا هو حر عاد.

رددت منى بها بمزاح، حتى شعرت مزيونة بحرج من كرمهما لتخاطب ابنتها:

- واحنا مش هنتأخر عليهم اكتر من كدة، ياللا يا ليلى .

- لا معلش يا جماعة انا بستاذنكم بس دقيقتين تستنى معايا على ما غيرت ولبست جلابيتي، هنزلكم بيها على طول اطمنو.

اومأت حسنية بتفهم تسحب ابنتها وتحث مزيونة بعيناها ايضا قائلة:

- خلاص يا ولدي احنا هننزل ونسبقكم ، بس متعوجوش

قالها معاذ وتحركت المرأة بابنتها على عجالة تتبعهما مزيونة في مغادرة الغرفة من اجل النزول والترحيب بضيوف عائلتها ايضا، ولكن وقبل عن آن تبتعد عن الغرفة جيدا ومض برأسها شيء ما لتوقف منى برجاءها؛

تركت الاخيرة والدتها تسبقها الى الاسفل وحدها لتجيبها باستعداد تام لمساعدتها:

- اؤمري يا حبيبتي وانا عنيا ليكي.

- تسلم عيونك، بس انا عايزة اجابل استاذ منصور جوزك اشوروه في كلمتين .

قطبت جبينها باستفسار حتى همت ان تسألها، فأتى صوت صراخ مرح وركض من داخل غرفة العروسين التي لم يمر سوى لحظات قليلة على تركها، لتلتف رأسيهما نحوها بإجفال؛ سرعان ما تم استيعابه لتردف بغيظ:

- شوفي الواد ال...... مش مستني على ما نبعد زين.......، دا كدة ولا هينزلوا الضهر حتى بعمايلهم دي.

تبسمت مزيونة بخجل شديد حتى طفى اللون الوردي على بشرتها، تتحدث بصوت بالكاد يخرج من فرط حيائها:

- يبجى ننزلوا احسن واكلمك واحنا ماشين.

اومات منى تلقي بنظرة اخيرة نحو باب الغرفة:

...............................

ونزلت معها تستقبل وتتلقى التهاني والمباركات من نساء وفتيات تعرفهم ولا تعرفهم، جئن خصيصًا لهذا اليوم من العائلتين ومن ضمنهم كان عدد من أهلها كزوجة شقيقها وبناته، اما الرجال فهم في جزء خاص يستقبلا الحاضرين في دار الضيافة او غرفة الاستقبال في الدار، يقوم على رعايتهم أشقاء العريس وأبناء عمومته والاصدقاء الذين كانوا في انتظاره، ليحضر بينهم بعد قليل بعدما قام بإيصال عروسه إلى مقر النساء التي تلقفت قدومها بتهليل شديد، فرحا بها فغالبا ما يتم تصنيف جمال العروس في هذا اليوم، نظرا لما يتم من تجميل مبالغ فيه في يوم الزفاف، وهذه النقطة تحديدا تثير فضول النساء من الطرفين.

والعروس هنا كانت متميزة بصورة تثير الإنبهار، بجمالها الرباني وبشاشاتها في مصافحة النساء التي تتعرف بها لاول مرة، حتى أثارت الغيرة بقلب البعض كهالة التي تغتصب الابتسامات بصعوبة مع انتباهاها لاهتمام الجميع بتلك الفتاة وبوالدتها ألتي أخطأت بعض النساء بها حتى سألتها احداهن عنها أن كانت تلك الفتاة من اهل العروس متزوجة أو لا؟

كل ما يجري حولها أكبر من قدرتها على التحمل، فهي التي مصنفة من ابناء العائلة، لم تلقى تلك الفرحة منهم على الإطلاق في يوم فرحها، لا احد يشعر بها، حتى شقيقتها الحمقاء التي عولت عليها ان تشاطرها الأسى وذلك الاحساس القاسي، تجدها الأن ترقص مع الفتيات والعروس ايضا دون غضاضة وبود مستفز، تجزم داخلها ان ما يجري بعروق هذه الفتاة ماء بارد، وليست دماءًا حارة،

تجبر نفسها على المجاملات وادعاء البهجة حتى يمر هذا اليوم الثقيل ويسافرا زوج العصافير إلى مقر شهر العسل كما يقولون، فالعريس المتلهف لا يكف عن ترك اصدقائه كل نصف ساعة تقريبا، ليطل عليها بين النساء ويناغشها امامهم دون خجل ليطلق جوا من المرح بينهن بتعليقاته، او رقصه معها ومع من تتطوع من النساء من اهله او حتى الجارات.

ليتها وجدت نصف تلك الفرحة على وجه خليفة يوم زواجها به، لكانت نست كل جراح قلبها منه ومن حمزة وربما احبته.

بعد ساعتين تقريبا انصرفت معظم الحاضرات من النساء وصعدت العروس برفقة عريسها كي يستريحا استعداد للسفر عصرا،

وخرجت مزيونة لتقابل الاستاذ منصور قبل أن تغادر منزلها بحديقة المنزل فور حضوره بعد أن أخبرته زوجته برغبتها في لقاءه والحديث معه في أمر ما.

هي ليست جريئة على الإطلاق كي تطلب لقاء رجل غريب عنها ، ولكن منصور او كما تدلله زوجته منص، رجل تستطيع التحدث معه النساء بحرية وعيناه في عينيها دون تكلف، هذا ما لمسته في عدد المرات التي رأته بها، لا يزيح بأبصاره كما يفعل بعض الرجال تجنبا للفتنة، لا بل هو ينقل بنظرته إلى الفرد الذي امامه أُلفة تشعره وكأنه فرد من العائلة، ربما لتاريخه الطويل في تدريس الفتيات وربما لهذا الشيء الأهم وهو عشقه الجارف لامرأة واحدة تكفيه عن نساء العالم جميعًا مهما قابل من جميلات، ولهذا السبب كان لسانها منطلقًا في حديثها معه الآن:

- اللي عايزة اوصلهولك يا استاذ منصور ان انا كنت شاطرة في زمني، لكن دلوك الوقت اتغير والمناهج كمان اتغيرت، انا كنت الأول اعرف اذاكر لبتي في بداية الابتدائي، كان كل حاجة بسيطة ومفهومة بالنسبالي، لكن شوية شوية بجيت امسك الكتاب وانا معرفاش فيه حاجة، لذلك اللي كان متوفر معايا انها تاخد دروس، والحمد لله هي كانت بتفهم، انما اعملها ازاي لنفسي؟ البس المرينة واروح مع البنات ولا اعمل اني بذاكر وانا مش فاهمة، عشان اجي في آخر السنة استنى اللي يعطف علي بإجابة الأسئلة، الموضوع كبير وشاغل مخي من سنين، بس مش عارفاله حل .

بعد أن تركها تدلي عما بداخلها بكل حرية، جاء رده ببساطة تهدىء من توترها:

- يا ستي وليه تعجدي نفسك جوي كدة، كل حاجة وليها حل وانتي مدام نويتي وكلمتيني، يبجى خلاص متشليش هم

- ماشيلش هم كيف يعني؟ هي دي حاجة هينة .

- اه والله حاجة هينة وهينة خالص كمان طول ما انتي عندك الاستعداد، هجولك بس على الإجراءات اللي هنعملها في البداية وبعد كدة كل حاجة تيجي بالتريب

وانصتت اليه، تركز جيدا في كل حرف يقوله، لتسير على تعليماته بعد ذلك، غير منتبهة لتلك التي وقفت في مدخل المنزل تراقب من موقعها الحديث الجاري بين الاثنين، تتحين فرصتها كل دقيقة، بالنظر إلى جلسة النساء القريبة منها ومتابعتها لتلك المدعوة منى التي لا تستقر أبدا محلها، تتمنى لو تخرج اليهم ربما وجدت منها ما يثلج صدرها، ولكن الأخرى لم تفعل أبدا، حتى اتى الفرج من حيث لا تحتسب، بخروج حمزة من غرفة الضيافة يبحث عن شقيقه:

- خليفة طلع من شوية راح يمون العربية اللي هتسافر بالعرسان على الغردقة.

- اااه طب ماشي، لما ياجي ابجي اندهيله طيب عشان عايزه في حاجة كدة

هم ان يتحرك ولكنها اوقفته مرة اخرى بعرضها:

- ماشي هبلغه، بس انت لو عايزه في حاجة مهمة جوي كدة، شوف الاستاذ منصور اهو جاعد وممكن يساعدك

سألها باهتمام بعد ان أثارت انتباهه:

- فينه منصور؟ جاعد مع مرته ولا طلع شقة العريس يباركله؟

- لا دي ولا دي، جاعد برا مع مزيونة

تمتمت بها بلهفة جعلته يطالعها باستهجان مرددًا:

- ايه هو اللي مع مزيونة؟ ما تنجي كلامك .

ارتسمت البراءة سريعًا بملامحها تبرر:

- انجي ليه؟ هو انا غلطت في حاجة؟ استاذ منصور بجاله ساعة واجف في الجنينة برا مع الست مزيونة، يحكي معاها ويتكلم، حتى شوف بعينك اها.

واشارت له بذقنه إلى الخارج، لينقل بنظره هو الاخر، فيشاهد بأم عينيه الحديث المتباسط بين الاثنان، هي من تخجل من النظر اليه، تتحدث مع منصور بعفوية وتضحك معه وكأنها تعرفه منذ زمن، هذا الملعون سوف يقتله، وبدون أدنى تفكير تحركت قدماه ذاهبا نحوهم، غير ابهًا بشيء ولا حتى بفرحة هالة التي يعلم جيدا بنيتها ولكن عقله المشتعل الان بغيرته، ينحي كل حديث للحكمة.

من حسن الحظ، كانت مزيونة قد انهت حديثها وتحركت مغادرة المنزل، وتبقى منصور بمفرده، وقد كان على وشك التوجه للمنزله، حين باغته الاخر بدفعه للخلف حتى اصطدم ظهره بإحدى الشجيرات يجفله بحديثه:

- واجف مع مزيونة بتحكي وتجول ايه ياض؟

كاد منصور ان ينهره على فعلته ولكن وما ان انتبه لكلماته حتى ارتخت عضلات وجهه ضاحكًا يشاكسه:

- وافرض اتكلمت ولا اتحدت معاها انت مالك؟

وما ان نطقها حتى اندفع نحوه على وشك الفتك به مهددا:

- بلاش برودك دا منصور ، انطج وخلصني، لاطلع زرابيني عليك، انا مش شايف جدامي دلوك.

وكأن باحتراقه يزيد من مرح الاخر، الذي لم يأبه بهيئته الخطرة، ليضيف اليه بعدم اكتراث:

رواية لاجلها الفصل العشرون

اتبع فؤادك ولا تنظر لعقبات او معوقات، كُن دائما على استعداد لالتقاط الفرصة، او اخلقها بنفسك.

لا يصح لك التراخي وقلبك معلق بالوصال

حتى وان واجهت الرفض مرات، لا تكف عن المحاولة

اشحن طاقتك دائما باليقين، وكن على ثقة أن ما تسعي سوف يصير.

جالسًا على الأريكة الخشبية التي أتى بها خصيصًا في هذا المكان المميز بالقرب من منزله الذي لم ينته بعد من تشطيبه، والمواجه مباشرة لمنزل معذبته، تلك التي أسس من أجلها كل شيء هنا ، وهو الان في انتظار الطلة الصباحية منها، ان يشبع عينيه من وجه القمر وملامح العزة والعند، تلك الصفات الاخيرة التي قد يكرهها الرجل في المرأة، انما عندها هي فلا والف لا..... خصالها وان كانت عيوب فهو واقع بها إلى حد الثمالة، حتى وهي تتمنع عن اعطاءه ولو امل بسيط، ولكنه صابر ومثابر في طريقه للقرب منها .

مزيونة الحرة على وشك الخروج الان من منزلها، وهذا ما يبدو واضحا من حركة الباب الخشبي القديم الذي يهتز بحركة فتح مغلقه من الداخل، انتبهت حواسه في تركيز شديد ومتابعة، ولكن خاب رجاءه مع ظهور هذا الفتى ابن شقيقها، متوجهًا نحوه بابتسامة سمجة قد تكون بريئة ومع ذلك لا يقبلها منه، فيكفي انه نال مكانة القرب منها بعد زواج ليلى:

- صباح الخير يا عم حمزة، انت دايما صاحي بدري كدة؟

بابتسامة صفراء بادله التحية والرد على مزحته الثقيلة على قلبه:

- صباحك فل يا حازم باشا، طبيعتي يا سيدي ومجدرتش ابدا اغيرها، بس انت بجى اللي مش من عوايدك تصحى بدري .

- هو فعلا مش عوايدي، بس في حاجات مينفعش فيها التأخير زي مشاوير الجامعة اللي طلباتها مبتخصلش، عن اذنك بجى احصل مشواري .

غمغم بها يطالع اثر الفتى حتى اختفاءه لينقل نحو الباب الذي مازال مفتوحًا ولم يغلق بعد مردفًا بحديث نفسه بضجر:

- ايه الحكاية ؟ مش ناوية تطلعي بجى ولا اروح اخبط عليكي بأي حجة انا على اخري وورايا مصالح.

وكأنها أتت على النداء، ضربت ريح منعشة صفحة وجهه وكأنها بشارة، قبل أن تطل بكليتها امامها، تلملم أطراف الحجاب الكبير وهي تلفه حول وجهها، لتفاجأ برؤيته كما يحدث في كل مرة، فتلقي اليه التحية بارتباك:

رد تحيتها بنبرة يتخللها شيء من الارتياح:

- صباح الفل يا نسيبتنا عاملة ايه؟

تلك الاخيرة التي يتمسك بها في كل حوار معها، لفتح باب للحديث وحتى تظهر تلك الابتسامة الصغيرة بثغرها رغم تحفظها الدائم:

- حمدلله يا ابوريان تشكر على سؤالك الدايم.

كانت تهم بالذهاب ولكنه اوقفها باستفساره:

التفت اليه بابتسامة مستترة لتجده قد نهض تاركا محله وخطواته تقترب منها بتأني، بحجج مكشوفه أصبحت تعتاد عليها:

- اتصلت يا ابو ريان وفرحت جلبي بحكاويها هي ومعاذ، على كد اشتياقي ليها، على كدة ما انا جلبي بيرفرف مع كل كلمة اسمعها منهم، ربنا يديم عليهم السعادة

- اللهم امين يارب، خلاص اسبوع العسل قرب يخلص وكلها بكرة ولا بعدة وتلاقيها جات وتشبعي منها، ياللا بجى، واللي خدتو راحة وز وز هيطلع عليها الايام اللي جاية بط بط في المذاكرة .

بقلق لا يفارقها، تحدثت معقبة على كلماته:

- ربنا يعينها عاد ويعدي السنة اللي باجية دي على خير، اسيبك انا واشوف اللي ورايا .

سألها باندفاع تغاضت عنه رغم تحفظها، لتجيبه بمراوغة:

- شوية مشاوير كدة في البلد يعني مش مستاهلة تعب ولا موصلات، يتاخدوا كعابي.... فوتك بعافية يا ابوريان

حسنا لقد فهم على قصدها الاخير وهي تقطع عليه الطريق بعرض خدماته في توصيلها بسيارته، لكن لا بأس، في جميع الأحوال سيعرف وجهتها، ليتمتم ردا لها

داخل يخت الأحلام الذي تم استئجاره هذا اليوم من اجل القيام برحلة ترفيهيه مختلفة عن كل ما سبق ولتنضم إلى قائمة من الأنشطة التي قاما بها الثنائي للاستمتاع بالأيام الأولى لزواجهم

خلف السياج الحديدي وقفت بملابسها الفضفاضة المشرقة، تطالع المياه الزرقاء بأمواجها المتلاطمة بدلال حولها، وبعض الأسماك التي تفاجأها بالقفز للأعلى على حين غرة ثم تعود لموطنها لتزيدها شغفا وانبهارًا حتى اندمجت ولم تشعر بذاك الذي أتى من خلفها يرفعها من خصرها ممازحًا:

صرخت بين يديه تتمسك بطرف السياج الحديدي:

- معااااذ، بلاها هزارك البايخ لاقع من يدك.

- طب عشان هزارك البايخ دي انا هنزلك فعلا.

علت صرختها هذه المرة ليتركها مضطرا:

- يخرب مطنك صوتك مسمع في البحر كله فضحتينا، هو انا كنت هنزلك صح يعني؟ مفكيش عقل؟

- لكزته بقبضتها على كتفه بغيظ مرددة:

- لاه مفياش عقل، وانت الغلطان عشان هزارك التقيل، انا فعلا حسيت انك هترميني يا معاذ وسط السمك اللي بيفطفط ده عشان أغرق ولا القرش كمان ياكلني وتبقى شيلت ذنبي.

برق بابصاره معها ضاحكًا باندهاش:

- كل ده جاه في مخك في الثواني اللي رفعتك فيهم، لدرجادي خيالك واسع يا ليلى؟

- انا برضو اللي خيالي واسع ولا انت اللي غلس؟ بَعد من وشي يا معاذ عشان متعصبش عليك.

كادت ان تزيحه من أمامها وتتخطاه ذاهبة ولكنه اخمد اعتراضها بتكبيل يديها الاثنتان مقهقًا:

- وان مبعدتش هتضربيني يعني؟ طب اعمليها ، دا حتى بيجولو ان ضرب الحبيب زي اكل الذبيب.

تراخت ذراعيها عن دفعه ناظرة اليه بعتب ودلال يعشقه، فواصل بترضيتها:

- دا انا ارمي نفسي للحوت يبلعني ولا اعملها، اقدم روحي للموت نفسه ولا أذي حبيبتي بشوكة تسطها حتى .

تمتمت تسعده بكلماتها بعد ان ذهب الغضب عنها:

ابتسامة رائقة حلت بثغره يشاكسها بالقرص على وجنتها بطرفي اصباعيه:

- دا انا اجول كدة وابو كدة كمان، ولا ان لوله حبيبتي تزعل مني، حبة القلب ونن العين.

ضحكت تقفز بحركات طفوليه لا تحضرها الا معه، لتلف ذراعيها حوله تعبر عن امتنانها ردًا له:

- وانت جلب جلبي من جوا يا معاذ.

جلجت ضحكته يسخر من تعبيرها مشددًا باحتضانها هو الاخر:

- جلب جلبك من جوا، تيجي ازاي دي يا فهيمة؟ انا اول مرة اسمع عنها.

خرجت من حضنه فجأة تشرح له بجدية:

- جلب جلبي يعني المركز، او اعمق حتة جواه، دي اللي انت ساكن ومربع فيها يا ناصح، فهمت بجى؟

وهل كان غبيا ولم تصله من البداية، لا والله، ولكن الشرح منها زاد على تعبيرها روعة دغدغت عاطفته حتى جعلته يريد الصراخ بعشقها، من اعلى قمه في العالم كي يصل صوته الى سائر الكرة الأرضية، وليس بعرض البحر فقط.

حاوط بكفيه على جانبي وجهها يضغط عليهم بشغف مرددًا:

- يا بوي عليكي وعلى كلامك الحلو، طب اعمل فيكي ايه دلوك؟ وانتي عليتي على كل الغزل ولا الوصف اللي اعرفهم في عمري كله بكلمتينك الصغيرين دول، الاقي فين في قواميس الحب كلها اللي يكفي ولا يوفي، انتي طلعتيلي منين يا بت مزيونة؟ طلعتيلي من فين؟

ودنى برأسها يطبع قبلات متفرقة شغوفة على أنحاء بشرتها قبل ان يصل لوجهته الرئيسية بثغرها، فتوقفه بكفها الصغير تمنعه:

- اعجل يا معاذ، احنا في عرض البحر يعني مكشوف لأي حد يشوفنا

وعى لحقيقة وضعهم يوزع ابصاره في الأجواء حولهما قائلا:

- انا مش شايف حد على مستوى عيني وعلى العموم.....

توقف يدنو بجسده ثم يرفعها من أسفل ركبتيها مردفًا:

- احنا برضو ناخد حرصنا ونتحدت جوا براحتنا.

- معاااذ انت نسيت انك كنت نازل البحر

اجاب سؤالها وخطواته تتسارع نحو وجهته الى داخل اليخت:

- يا ستي عني ما نزلت البحر ولا شوفت ميته حتى، الوقت بيعدي وانا لازم اشبع منك انت الأولى يا جلب معاذ فاهمااني.

قالتها وانطلقت ضحكاتها حتى اختفيا الاثنان داخل المقصورة ليخطفا مزيدًا من لحظات السعادة الخاصة بهما.

وقد وقف خليفة يراقب السيارة التي دلفت من مدخل الباب الحديدي ، تخترق محيط منزل العائلة، لتقترب حتى توقفت بالقرب منه، فترجل منها الصغير أبن شقيقه يركض نحوه بتهليل:

تلقاه المذكور يضمه اليه مقبلا رأسه بحنو قبل أن ينقل بابصاره نحو تلك الجميلة التي تقابله بابتسامة رائعة لا تدري بحجم تأثيرها على القلب الملتاع، تحدثه بنبرة عادية كما تفعل دائما لتذكره بتلك الصفة القاتلة التي أخبرته به قديما واجهضت احلامه، بأنها تراه شقيقها:

- عامل ايه يا خليفة؟ أبن اخوك مكانش متحمل حتى الاسبوع معايا قال عشان واحشينه قال.

تبسم في استجابة لها يضم ريان اليه معقبًا:

- عشان راجل والراجل ميبعدتش عن بيته، مش كدة يا واض؟

ردد بها الصغير قبل أن يتركهما مهرولا نحو مجموعة من ابناء عمومته، كانت تلعب بالقرب منهم، فخلت الأجواء عليها وعليه.

كان من الممكن أن تكون فرصة جيدة للحديث معها ولكن كيف يحدث؟ وقد بدا واضحا امامه ان ذهنها مشتتًا بالبحث بعيناها حوله ونحو الباب الداخلي خلفه، في انتظار شخص يعلمه جيدًا:

اجفلها بقوله حتى شعرت بالاحراج، لتنكر مبررة:

- لأ انا مش بدور على حمزة، هي الحكاية بس اني اتفاجأت بعدم وجوده، رغم اتصالي بيه قبل ما اجي ابلغه اني هجيب الولد بنفسي، لدرجادي هو مشغول ؟

تلقى سؤالها الاخير بهدوء شديد، يرمقها بنظرة مبهمة، لا يعلم ان كانت تفهمها او لا؟ ولا داعي للتفكير، يكفي ان يذكر نفسه دائما..... انه لا فائدة.

ليجيبها بعد وقت من الصمت، مشيرا بذقنه:

حمزة وصل اهو وبيركن العربية وراكي، ما انتي عارفة كيف معزة ولده عنده

سمعت منه لتلتف خلفها نحو حمزة الذي كان قد ترجل من سيارته ليستقبل صغيره بالمعانقة والتقبيل، قبل أن يتركه اخيرا ويأتي اليهما مرحبا بطريقته:

- يا مرحب يا روان، جاعدة هنا ليه مش تدخلي جوا البيت تسلمي على حريم الدار، ايه هو انتي غريبة؟

جاء ردها بنبرة يتخللها لهفة واضحة:

- لا مش غريبة طبعا، بس ايه الداعي يعني؟ انا وصلت الولد واطمنت عليه وسطكم.

- وافرضي يعني؟ برضو ميمنعش انك تدخلي حتى تسلمي على الحجة حسنية؟

تمتم بها حمزة بمودة، لتبادله الرد بجدال منها حتى تطيل الحديث، متوقعة تطورا ما في علاقتهما الخاملة على نفس الحالة منذ الانفصال، غافلة عن ذلك المتابع لما يجري بين الاثنين بفهم متعمق، ولكنه يفضل الصمت كعادته.

دوى فجأة صوت الهاتف في جيب حمزة، ليخرجه الاخير على الفور ويرفعه الى أذنه مجيبا المتصل من الجهة الأخرى وقدميه تتحرك في الابتعاد عنهما:

- ايوة........... امممم وايه تاني كمان؟.......... بتقول راحت فين؟.......... طب اجفل اجفل.

أنهى المكالمة يعود بالهاتف الى داخل جيب الجلباب، مرددًا بعجالة نحوهما:

- طب معلش بجى، اصل ورايا مشوار مهم وضروري، عن اذنك يا روان البيت بيتك عاد

لم يترك لها الفرصة حتى في الاستفسار، وقد ختم كلماته واختفى سريعا لخارج المنزل، فظلت ابصارها معلقة في اثره بصدمة حتى تحدث اليها خليفة بلهجة تبطنها السخرية:

- مدام طلع بسرعة كدة، يبجى فعلا الأمر مهم، مش هتدخلي بجى مع ريان البيت حتى تسلمي على هالة.... دي اكيد مشتاقة للحكاوي معاكي، ما انتي عارفة بتحبك ازاي!

وصل إلى منزل شقيقته في أقل من عشر دقائق من بعد الاتصال الذي ورده والتحرك مباشرةً، ليضغط على جرس المنزل بعنف حتى فتح له أحد ابناءها، فدلف سريعًا إلى الداخل يخاطبه بعجالة:

- ازيك يا واض، امك ولا أبوك فين؟

سمعها منه ولم يعطي اهمية ليكمل باحثًا عما أتى من اجله، فوجد شقيقته خارجة من غرفتها اليه بخمارها الذي تلفه حول وجهها مجفلة بحضوره المفاجيء:

رد بتحفز وعيناه تجول في المكان:

- خير يا بت ابوي، هي مش مزيونة برضو دخلت عندك هنا؟..... ولا لحقت تطلع يعني انا مش شايفها؟

تمتمت بها بابتسامة استفزته لتضاعف من حنقه وهي تردف:

- بأه يا حمزة بهزر معاك، على العموم هي فعلا مزيونة عندنا بس جوا في الاوضة مع جوزي

- في الأوضة مع جوزك ! ما تنجي كلامك يا زفتة.

ردد خلفها باستهجان وقدميه تتحرك للذهاب نحو ما أشارت، فتفأجئه في محاولة لاعتراض طريقه:

- وانت متعصب ليه بس يا حمزة ولا ايه الغلط يعني؟ دي مزيونة زي اختي، ثم تعالى هنا، انت مينفعش تدخل عليهم الأوضة اصلا.

برقت عينيه خلف اعتراضها وتلك الجملة الاخيرو التي ترن بإذنه كمسمسار يحك بها ، لتخرجه عن اتزانه:

- هو ايه اللي مينفعش ادخل عليهم الأوضة يا مخبلة انتي؟ طب بعدي من جدامي واجفلي خشمك عشان مصورش جتيل دلوك بعدي

وبرد فعل سريع رددت، قبل ان تغلق بكفيها على فمها :

رمقها بارتياح لفعلها وتوجه مواصلا طريقه، يدفع باب الغرفة إلى الداخل دون استئذان وكانت المفاجأة غير سارة له على الإطلاق.

وذلك حين وقعت ابصاره على الأريكة المقابلة له مباشرة، وتلك السيدتين الجالستين عليها، امرأة غريبة لأول مرة يراها، ظهر على وجهه الزعر كما اجفلت بجوارها مزيونة، ما ارتد عليه بحرج شديد، جعله يبتلع ريقه بصعوبة مبررًا بتقطع:

- اا... انا اسف يا جماعة،فتحت الأوضة وانا فاكر جوز اختى اللي فيها بس......

- ما بسش ولا حاجة انا فعلا جاعد هنا يا ابوريان.

أتى صوت منصور الذي كان بجهة أخرى داخل الغرفة، بعيد إلى حد ما عن السيديتين، بابتسامة خبيثة ينهض ليرفع عنه بعض الحرج:

- معلش يا جماعة اصل حمزة متعود معايا على الهزار التقيل ده،.... اتفضل يا ابو ريان انت مش غريب، دي الست مزيونة نسيبتكم وجمبها الابلة اعتماد زميلتي في المدرسة....

تمنى لو تنشق الأرض وتبلعه، لا يعلم كيف يتصرف في هذا الموقف المخزي، ليتقدم خطوتين نحو الاثنتان بأسف مرحبًا:

- يا اهلا وسهلا بالأبلة اعتماد نورتينا، اهلا يا ام ليلى معلش اعذريني بجى.

أومأت مزيونة برأسها ردا له، يعلو تعابيرها غموض وابتسامة على جانبي ثغرها لم تقوى على اخفاءها، كادت ان تصب بقلبه ابتهاجًا، لولا انتباهه لنظرة المرأة الأخرى والتي كانت ترمقه بشر مطلق وكأنه طالب من طلابها قل بأدبه معها، ليرتد بقدمه للخلف مكررًا اعتذاره:

- طب اسيبكم انا وو...... مستنيك هنا برا يا منصور ماشي

هتف بالاخيرة وخرج سريعًا من امامهم، صافقا الباب من خلفه، يلتقط أنفاسه التي انحاشت في تلك اللحظات العصيبة، يدخل الأكسجين داخل رئتيه، حتى إذا تمالك بأسه، تطلع نحو تلك الغارقة في ضحكات مكتومة بالقرب منه، فانقض يقبض على قماش عبائتها يهزهزها بغل:

- وكمان بتضحكي يا أؤس المصايب انتي؟ ما جولتيش ليه ان في واحدة غريبة جوا؟.

خرج صوتها بصعوبة من فرط ضحكاتها:

- طب.... طب وانت اديتلي فرصة،،،، ما انا كنت عايزة اقولك بس..... بس انت اللي دخلت مستعجل وقولت اخرصي.....

غض بأسنانه على شفته السفلى يزيد من هزهزتها:

- لا وانتي بتسمعي الكلام جوي، دا برضو مغرز تعمليه فيا انتي وجوزك.

خرج الاخير على مشهدهما، ليسارع على الفور بالتدخل حاجزًا ومدافعًا عن زوجته:

- وماله جوزها بس يا عمنا؟ شيل يدك عنها يا حمزة، هي حملك اصلا.

نجح سريعا في ابعادها عنه بعد ان تركها حمزة بإردته

ليصب اهتمامه عليه مغمغمًا بخطورة:

- عندك حق، هي فعلا متتحملش، لكن انت بجى تتحمل وتستاهل.

وما كاد ينهيها حتى قبض بكفيه على عنقه مردفًا:

- شكلي هخش فيك اللومان يا منصور، عشان مصر تطلع عليك شيطايني.

بابتسامة مستترة رغم ألم القبضة الحديدية حول عنقه:

- طب وانا عملتلك ايه بس يا بوي؟ هتموتني وتيتم عيالي كدة من غير سبب.

تدخلت منى تلكم شقيقها على ساعده تنهيه:

- حمزة انت مش حاسس بنفسك، ارفع يدك عن منصور احسنلك، الكلام ده مفيهوش هزار.

تمتم بها، ورفع كفيه عن منصور مستطردا بغضب حقيقي:

- انتي وجوزك تستاهلوا اللي يتعمل فيكم، بس لما افضالكم، المهم دلوك انا عايز اعرف ايه الحكاية، مزيونة جات هنا ليه؟ ومين المرة المكشرة اللي معاها جوا؟

اعترض منصور رغم الابتسامة التي غلبته:

- المرة المكشرة! عيب عليك يا حمزة، أستاذة اعتماد دي ست فاضلة.

- وانا هتجوزها ياض؟ انا عايزة اعرف هي هنا ليه؟

غمغم بها بمشاكسة جعلت حمزة كاد أن يفتك به هذه المرة لولا منى التي لحقت تجيبه قبل أن يقضي على زوجها:

- جايبها عشان تدرسلها وتتفق معاها على المواد والحاجات المطلوبة منها قبل ما يدخلو في الجد ، ما هو جالك المرة اللي فاتت انها هتكمل سنتها الاخيره في الاعداية.

اومأ بتفهم يستوعب كلماتها، ليستدرك فجأة على شيء ما، جعله يعود ناظرًا بشر نحو صهره:

- معنى كدة انك عملت الإجراءات ورجعتها للدراسة من تاني .

تفوه بها منصور بعفوية كادت ان تؤدي لهلاكه مرة اخرى حين باغته بالقبض تلابيب جلبابه هادرًا بصوت خفيض يشبه الفحيح:

- عملتها برضو من غير ما تبلغني، وانت عارف اهمية الأمر بالنسبالي ايه؟

همت منى ان تفصلهم مرة اخرى ولكن منعها الصوت الذي أتى قريبا منهم، ينبيء بخروج الاثنتان من الغرفة،

ليلحق حمزة ويتركه سريعا، ليعدل من هيئته، يتابع شقيقته التي حاولت منعهما:

- ايه ده ايه ده؟ انتوا طالعين من غير ما تبلغوني؟ هو انا لحقت اجعد معاكم يا ست انتي وهي .

جاء رد مزيونة بابتسامة ساحرة كعادتها اما الاستاذة اعتماد فقد وجهت نظرة حانقة نحو حمزة قائلة:

- معلش يا حبيبتي وجت تاني ان شاءالله، انا اصلا ورايا مشاغل كتير والايام لسة جاية كتير عن اذنكم

وتحركت ذاهبة تتبعها منى في الإلحاح لتمنعها من المغادرة، اما منصور فقد حاول معها برزانتها المعهودة ليتركا المجال لهذان الاثنان، وقد خجلت مزيونة من الخروج على الفور، فبادرها هو بحديثه:

- شكل الابلة اعتماد خدت فكرة عفشة عني، رغم اني اتأسغت وجولت اني مش جاصد

- معلش اديها عذرها، الست جد جوي ومعندهاش تهاون.

- وانا حظي ميجيش غير معاها، ياللا بجى، المهم انتي هتعرفي هتتعاملي معاها كيف؟ وهي خشنة كدة.

لم تعجبها الاخيرة منه فردت بنوع من العتاب:

- ابلة اعتماد مش خشنة ولا حاجة، هو بس قرف الشغل وهموم الدنيا اللي بتطفي الست، مع حمل المسؤولية اللي يخليها مش طايقة نفسها، انا جعدت معاها وفهمتها رغم حدتها في الحديت احيانا ، بس الظروف القاسية تعمل العجب في البني ادم

شعر بغصتها التي أصابت قلبه، تعاطفها الشديد مع المرأة ما هو إلا انعكاس للقهر الذي تعرضت له على مدار عمرها الصغير، ياليتها تعطيه الفرصة ليعوضها عن كل ما فات.

- شكلي مخربط النهاردة من كله، ابلة اعتماد ست الستات كمان يا ستي ولا يهمك، انا كل تركيزي معاكي انتي بصراحة، مع ان زعلت انك جصدتي منصور في موضوع أجدر انا احله برنة تليفون، رجوعك للدراسة دا احب ما عليا، انك تعيشي لمزيونة وتعوضي كل اللي فات منها، دي حاجة مش هينة واصل عندي.

طغي اللون الوردي المحب على وجنتيها وبعض المناطق من بشرتها وهي تبرر له:

- ما هو انا مش هعرف بعلاقاتك يعني، انما الاستاذ منصور مدرس وعارف الإجراءات، وعلى العموم ملحوقة ان شاء الله، لو عوزت اي حاجة مش هتأخر ان اقولك.

- ياريت انه ميبجاش كلام وبس عشان ترضيني، انا اخدمك بعيوني ، بس انتي أشري.

قالها بصدق جلي، تصرخ به العيون ويصل إلى قلب العاصي مباشرةً، ولكنها كالعادة تتهرب منه ومن أي نقطة التقاء بينهما، فترد بروتينة وتحفظ:

- تشكر يا ابو ريان، دا عشمنا دايم فيك، افوتك بجى واروح على البيت.

قالتها وهمت بالتحرك ولكنه اوقفها بمرواغة:

- جوام كدة، دي حتى الحجة تزعل منك لو طلعتي من غير ما تاخدي واجبك، انتي نسيتي انك بقيتي من اهل البيت؟ دي حتى تبجى عيبة في حقها.

- لا طبعا منسيتش، بس انت نفسك جولت اني من اهل البيت، يعني الواجب يتأجل في وقت تاني، ورايا عشا العرسان اللي هيوصلوا بكرة ان شاء الله، ومرة اخوي زمانها مستنياني في البيت تساعدني هي كمان، فوتك بعافية بجى .

تمتم يتبع اثرها براحة اكتسحته من الداخل، يذكر نفسه ان القرب منها يوما عن يوم يحدث، ومادامت ليلى من الغد سوف تصير أمانته، فهذه وحدها بادرة ليست بالهيئة في طويق الوصول إلى قلبها.

وفي عرض البحر ، على سطح ذلك اليخت الذي كان كان يبيتان ليلتهما الاخيرة به، يخبئها بحضنه تحت السماء الصافية بنجومها الشاهدة فقط عليهما يلف حولها شال كبير كالغطاء.

لا احد ولا بشر سوى هي وهو في عالم لهما وحدهما، يتنعما بليلتهما الاخيرة قبل العودة إلى أرض الواقع وما ينتظرهما من مسؤوليات.

- بكرة هرجع للمذاكرة وقرف الثانوية من تاني يا معاذ، ياما كان نفسي الاجازة تطول اسبوعين ولا شهر حتى .

تبسم يشدد على ضمها اليه بذراعه مرددا:

- اسبوعين ولا شهر يا ليلى، انا نفسي عايز العمر كله، مش هاين عليا والله نرجع، انتي تنشغلي بدراستك، وأنا كمان اسبوع ولا اسبوعين وارجع شغلي في القاهرة، هسيبك كيف بس؟ مش عارف اتجبلها والله ما جادر اتجبلها

جلجلت ضحكتها خلف صياحه الاخير لتعقب في الأخير بلهجة خالية من العبث، تتمسح كالقطة بصدره:

- حتى لو مش عايزين لكن مضطرين غصب عننا نقبل، انت تسافر كل أسبوع ولا اسبوعين، وانا احط همي في المذاكرة عشان اجيب المجموع اللي بتمناه، دا اختيارنا من الاول ، ولازم نتحمل نتائجه....... تفتكر هنجدر يا معاذ.

رد بثقة يشملها الحماس ناظرًا بعيناه داخل خاصتيها:

- الوصف الصح هو اننا هننجح، دا اللي لازم تبجي متأكدة منه، انا وعدتك كتير وبكرة تشوفي لما اوفي .

ظلت تتأمله بصمت أبلغ من إلف كلمة، دائما ما يطمئنها، دائما ما يقويها بكلماته، يبث اليها أجمل مشاعر الحب والدفء التي كانت تتمناها، هو فارسها وحبيبها الذي حلمت به وكافئها الله به في الحقيقة.

تلك العبارة التي تختم بها كل لحظة من لحظات الحب بينهما، ويبادلها الرد بعملية، فيدنو برأسه منها يقتطف ثغرها بقبلاته الشغوفة مرددًا:

- وانا بعشجك يا جلب معاذ، بحبك يا بت.

- تاني يا معاذ هفكرك، احنا على السطح المكشوف

توقف ناظرا اليها بصمت، ليأتى بفكرته العبقرية سريعا يرفع الشال ليغطي وجهها ووجه، قائلا:

- كدة بجى محدش شايفنا، يبجى ناخدو راحتنا

وكان ردها ضحكة عالية قبل أن تستجيب اليه، وتسرق معه وقتها من السعادة

وداخل محبسه في غرفة الحجز التي أصبحت مقره منذ فترة ليست بالقليلة بفضل ذلك الفاسد والذي تفاجأ به يدلف إليه الان دون خوف او قلق، وكأنه ابتلع حبوب الشجاعة، ليعلق متهكمًا في استقباله:

- جاي لحد عندي برجليك، مش خايف يا حلو لا اتهجم عليك وارجدك في المستشفى زي المرة اللي فات .

- وماله يا عرفان اعملها لو عايز، بس ساعتها هتبقى انت الخسران،، جولت بنفسك ان جايلك لحد عندك، يبقى اكيد عندي كلام مهم اجوهولك .

اعتدل عرفان عن جلسته على الارض، ليقف بجسده الضخم مقابلا له:

- كلام ايه يا روح امك اللي متشجع وجاي تتحفني بيه؟ اسمع يا واض اما معنديش وقت للعب التعايين وحوارتك المكشوفة، اللي اعرفه هو انك تشهد بالحقيقة واطلع براءة من تهمة الزور اللي ورطتني فيها، غير كدة مش عايز.

وبهدوء شديد جاء رد عطوة الذي لا يغلب في حيله:

- والله لما تسمعني اكيد هتلاقي الحل اللي يريحك. انما لو مش عايز خلاص، ارجع بجى لمكاني احسن .

صمت عرفان يطالعه بصمت دام للحظات مضيقا عينيه بتفكير متعمق، لكن سرعان ما قطعه قائلا:

- تمام، اشتري منك واشوف اخرتك ايه؟ جول يا وش الفقر، غني واشجيني، قبل ما ارجع في كلامي

رواية لاجلها الفصل الواحد والعشرون

ما الذي جاء به هنا في هذا الوقت من الليل؟قدميه تتابع السير وكأنها تتحرك وحدها، جسده بالكامل يندفع متوجهًا إلى نقطة ما لا يعلمها ولكن....... ها هو قد وجدها، الان فقط رأى من يبحث عنها بكل خليه من جسده، أسفل شجرة التين واقفة وكأنها في انتظاره، بسحرها الذي لطالما داعب خياله، ملاكه البريء قبل أن تطبع الحياة جروحها عليها، تدمي قلبها وترهق روحها الجميلة فتبدلها الى حطام إمرأة لا تعرف قيمة نفسها، لكن بتلك الليلة هي تفف بصورتها الصحيحة.الجميلة الخلابة كاتت ترتدي فستان ابيض منسدل عليها بنعومة حتى الكاحل،أكمامه من الشيفون الشفاف بشدة حتى اظهر ذراعيها امام عينيه بطولهما حتى للاكتاف في الأعلى، حذاء القدم في الاسفل يشبه حذاء سندريلا بلونه الفضي، شعرها الذي رأه مرة واحدة ولفت ابصاره لنعومته الحريرية رغم تشعثه في ليلتها، الآن كان مصففًا بعناية ، يحاوط بشرتها من الجانبين، هي بالفعل أميرة خارجة من قصة خيالية لا تمت للواقع بصلةخطا حتى اقترب منها يقف قبالها تمامًا ،ليضع عينيه نصب خاصتيها بلوعة حارقة، وقد تبسم ثغرها بابتسامة أظهرت صف اسنانها اللوليه في الأمام، تخاطبه معاتبة:- كل ده تأخير؟ دا انا فقدت الأمل في رجوعك لدرجة ان كنت همشي وانت حر تيجي او متجيش.- ووهتمتم بها بذهول واستغراب متسائلا:- انتي اللي كنتي مستنياني كمان مش أنا؟ دا انا راجل معنديش دم ولا احساس على كدة، ان اعطلك ولا اتعبك يا بدر البدور انتي.زاد اتساع ابتسامتها لتفاجأه قابضة بكفيها الصغيرين على جانبي كفيه الكبيرين، ليلتقط مبادرتها بلهفة، ويبدل الادوار فيحتجزهما داخل راحتيه، مستمتعُا بطراوتهما وبحركة مباغتة دفعها اليه، حتى باتت المسافة التي تفصل بينهما لا تتعدى السنتيمترات، لا يصدق هذا القرب وهذا الترحيب منها، صدره يصعد وبهبط بتسارع ، وقلبه يضرب من الداخل كوحش ثائر، فيطالع تحرك الشفاه بحديثها:- متجولش على نفسك كدة، يمكن انا اللي استعجلت وجيت مشواري بدري، اكيد انت مقصدكشتحركت رأسه برفض:- حتى لو استعجلتي يا جلبي وانا اللي تهت في طريقي واتأخرت، المهم اني في الآخر وصلت ولجيتك، وعمري ما هسيبك تاني ابدًا.- بتحبني يا حمزة؟سؤالها الذي شابه الضعف والرجاء لامس نزعة الحمائية بداخله، حتى ود ان يصرخ بإجابته نحوها:- بحبك! الكلمة دي جليلة جوي، انا مش بحبك وبس، لا دا انا بعشجك يا زينة البنات انتي..... يا مزيونة اسم ورسم.وخطفها في الاخيرة يطبع جسدها على صدره،.يتابع بلوعة:- اه لو تعرفي باللي جوايا، اااه لو يوصلك اللى حارق قلبي، سهد الليالي في انتظار الصبح يطلع عشان أملي عيني بشوفتك، الفكر اللي بيطير النوم من عيني وانا بعيد كل كلمة سمعتها منك في يومي، كل نظرة منك ناحيتي افسرها بميت تفسير...... اااه يا مزيونة اااهشدد في الاخيرة يعصرها بذراعيه، يقبل كتفيها وجانب بشرتها بشوق الغائب الذي تاه عن موطنه، حتى صدر انينها ليفك اسرها قليلا، فتستطيع ألتحدث قائلة بنعومة:- خلاص يا حبيبي انا بجيت معاك اها، ايه فاضل تاني؟اجاب بلوعة وابصاره نزلت لوجهتها:- فاضل الأهم واللي مستنيه من زمان عشان يزود الرابط ما بينا، أكتر واكتر .....كادت ان تسأل ولكنه سبق يعطيها الاجابه بعمليه، يرتشف من شهدها ولا يرتوي ابدا، يطيل بقبلاته ولايتوقف حتى اختفت فجأة من بين يديه التي اصبح ما بينهما فراغ كامل، ليستنتج اخيرًا مع فتح عيناه للضوء ، ان ما شعر به من لحظات لم يكن إلا حلما، حلما يؤرق مضجعه رغم جماله،اعتدل بجذعه لينهض عن الفراش بأكمله، وقد علم من وجهة ضوء الشمس الذي اخترق الغرفة بتأخر ايقاظه عن ميعاده اليومي، وخطا يمسح بكف يده على شعر رأسه، قاصدًا المرحاض، ولكنه توقف في نص المسافة يرهف السمع نحو تلك الاصوات والجلبة التي صارت تصل اليه من الاسفل، يراوده ظنا ما، تأكد منه بدخول صغيره المفاجيء بعد ان اجفله بحضوره دافعا الباب إلى الداخل بقوة صاحئا:- عمي معاذ وعروسته رجعوا من السفر يا بوي..............................بخطوات تشبه الركض وصلت إلى المنزل الكبير تخترقه بلهفة، بعد أن وصلها الخبر بعودة صغيرتها من رحلتها الصغيرة التي لم تتعدى اسبوعا ولكن هذا اول فراق بينهما، وكما قالتها قبل ذلك، هي لم تتعود على فراقها الجدي بعد، لذا لا أحد يلومها الان وهي تدلف اليهم بلهفة ظاهرة جعلت الجميع ينتبهون لدخولها، وابنتها التي كانت جالسة برزانة وسط عائلتها الجديدة ، طارت تستقبلها من مدخل المنزل ، وترتمي داخل احضانها، تذكرها بأنها لم ولن تكبر ابدا على عناقها والركض نحوها حتى لو وصل عمرها للسبعون.- خلاص يا جماعة انا كدة بالفعل هغيرهتف بها معاذ بدعابة ليتلقى التوبيخ من شقيقته منى والمتحفزة لمشاكسته:- اما عيل بارد، فاكرها بجت خالصة مخلصة ليك يا واض، دا حضن الأم يساوي الدنيا بحالها، مش حضنك انت يا معضمصدرت الضحكات من الجميع ليعلق بغيظ يكتنفه من سخريتها:- اه منك انتي ولسانك المعوج، انا عارف جوزك صابر عليكي ليه؟تدخلت حسنية تصمتهم في البداية قبل ان تدعو الاثنتان ببشاتها:- هتفضلو تناقروا ف بعض كدة لحد اما تعجوزو وتبقوا جدود انتو اصلا مفيش فايدة فيكم، تعالي يا مزيونة وجعدي بتك هي كمان، دي تعبانة من السفر ولساتها راجعة حالا، شالله يارب ما يحرمك منها ابدا .استجابت مزيونة تسحب ابنتها اليهم مرددة بامتنان :- ولا يحرم اي حد من ضناه، معلش يا جماعة لو هتشوفوني مزوداها، بس انا روحي ردت برجعتها، يمكن بكرة مع الوجت اتعود.قالت الاخيرة وقد اقتربت منهم وكانت على وشك الجلوس حين اتاها الصوت العميق من ذاك المتابع منذ بداية حضورها :- ولا متتعوديش حتى، بيتنا يبجى بيتك يا نسيبتنا، يعني في اي وقت اشتاجتي للبت تجدحي الباب برجليكي وتدخليجذب انتباهها اليه رغم تعمدها في البداية تجاهله، ولكن كلماته اجبرتها لتلتقي ابصارها بخاصتيه، لم يكن حديثه مجرد مجاملة وفقط، بل تجلى التملق فيه بوضوح حتى آثار التسلية في قلوب البعض وحقدا في قلوب اخرين ، اما هي فقد اكتسى وجهها بغطاء الحياء الذي جعلها كمراهفة صغيرة تتعلثم امام غزل أحدهم لها:- ااا تشكر، تشكر يا ابو ريان.وجلست تنفض عنها حالة الارتباك التي اجتاحتها بفضله، لتشغل نفسها بالحديث مع ابنتها وحسنية القريبة منهما،اما عنه فلم يرفع عينيه عنها، يستعيد برأسه ذاك الحلم الجميل رغما عنه، غافلا عن انتباه الحاضرين له، حتى لكزته منى على خصره بمرفقها تهمهم جوار أذنه بتحذير:- ما تمسك نفسك يا كبير ناسك، كسفت الولية وكسفتنامعاك ، ما كنت بعجلك يا واض ابوي، ايه اللي جرالك بس؟رمقها من طرف عينيه بعبوس يأمرها:- خليكي في حالك انتي، ملكيش دعوة.توسعت عينيها بإجفال وقد ذهبت بأبصارها نحو هالة التي تراقب بشرار عينيها، تستشعر حقدا منها يقبض على قلبها، لتعود اليه وتجذبه بحرص حانقة:- خد بالك وحرص شوية يا حمزة، مش كل الناس هتتمنالك الخير.استطاعت في الاخيرة ان تلفت انتباهه إلى ما تقصد، ليخطف بنظرة ماكرة نحو اخيه وزوجته فيحدثها مباشرة بتحدي:- الضهر على ادان يا هالة، طب حتى اعملي واجب العرسان، مش مهم احنا ولا غدانا حتى، دا لو هنتعبك يعني، ولا ايه يا خليفة؟انتفض الاخير عن مطالعة الهاتف الذي كان مشغولا به، بموافقة يوجه الأمر لها:- ايوة طبعا غدا العرسان وغدانا احنا كمان يدوبك تحضره، جومي يا هالة؟خرجت الاخيرة بصيحة لفتت ابصار الجميع نحوها، لتحدجه بناريتيها رفضًا، لا تستطيع البوح به:- كل حاجة جاهزة مش محتاجة تحضير، ثم إن الوقت بدري يعني.....عارضتها حسنية بسجيتها- بدري فين يا هالة، العرسان تلاقيهم على لحم بطنهم ، ولا وكل النواشف طول طريق السفر بتاعهم، عجلي يا بتي عشان يلحجوا يريحوا.بغيظ متعاظم اضطرت لتنهض على غير ارادتها وما همت تجر أقدامها نحو المطبخ، حتى تفاجأت بمنى تسبقها قاطعة بهمس امامها:حضري انتي وكل البيت، اما وكل العرسان فانا واخواتي البنتة اللي هنجوم بيه.وجمت ناظرة في اثرها بصدمة، فعلى الرغم من ثقل هذا الأمر عليها ، الا ان سحبه منها هكذا وبهذه الطريقة يثير داخلها ارتيابًا جعلها تخطف نظرة شاكية نحو خليفة التي بادلها بأخرى لائمة بجدية اغلقت امامها باب الجدال من بدايته، لتضطر إلى المغادرة من امامه مؤجلة مظلمتها في وقت آخرفتنهد بيأس يعود إلى شاشة الهاتف التي كان يتصفح بها ذلك الحساب بإحدى التطبيقات، والذي كان توقف عن متابعته منذ سنوات، ليعود اليه الان وقد غلبه الشوق يشاهد صورا وأنشطة متجددة لتلك الراقية الناعمة رغم عملها اليومي وسط العمال من الرجالإلا أن ذلك لا ينقص من انوثتها شيء على الإطلاق، وابتسامتها المشرقة في كل صورة تأسر النظر نحوها.دلف ريان من الخارج أثناء ركضه للعب خلف إحدى الاطفال، فالتقطه عمه يقبله ويدغدغه ممازحًا:- وانت يا حيوان عمال تجري هنا وهناك، مش تسلم على عمك اللي راجع من السفر يا واض.ضحك ريان وعلق والده بمزاحه:- ما هو شاف عمه ملهي بعروسته وجاني واشتكاني، هيعمل ايه بجى؟ وهو اللي كان على الحجر وجات اللي تاخد مكانهتدخلت ليلى بمرحها:- طب وانا ذنبي يا عم؟ ان كان هو اتخلى عنه يبجى انا مليش دخل.ضحك الحاضرين ليعبر معاذ عن صدمته:- وه يا ليلى، على طول كدة بتبعيني مكانش العشم، بس ريان دا حبيبي، مش أنا حبيبك يا واض؟ ولا انت بتحب مين فينا أكتر؟حانت من الصغير نظرة نحو والده، فسارع معاذ مردفا:- لا خلي ابوك على جمب، خلينا في اللي جاعدين في الجعدة، عايزك تروح لاكتر واحد بتحبه فينا يا عم ماشي .اومأ ريان برأسه موافقا، ليقف محله يطالع وجوه الحاضرين يختار منهم الأحب إلى قلبه، وفي لحظة خاطفة أرتمى بجسده النحيل في حجر مزيونة التي اجفلت مزهوله من فعله، حتى ضحكت مرحبة تقبله من وجنته، فانهالت التعليقات من البقية لفعله الغير متوقع، اما والده فقد انتفش باعتزاز يغمغم داخله:- جدع يا ريان، واد ابوك صح واض........................ركضت متوجهة الى والدتها التي كانت جالسة امام الفرن الغازي تنتظر نضوج الخبز الذي أعدته بنفسها، لتلتف اليها معتدلة بجذعها فور ان التقطت هتافافها وتهليلها:- عرفان طالع من السجن ياما، عرفان طالع من السجن، المحامي اتصل بيا دلوك وبلغني.توقفت المرأة امام مشهدها قليلا قبل أن يصدر استفسارها:- الف مبروك، بس دا حصل كيف بالساهل؟ مش كان الواد التاني برضو معترف عليه؟ردت صفا بحماس يثير الدهشة، وقد غاب عن عقلها ما وصلت اليه االعلاقة من جفاء بينهما:- انا معرفش تفاصيل كتير، بس اللي عرفته من المحامي هو ان الزفت ده غير اقواله وكدة يبجى عرفان هيطلع براءة في اجرب وجت مدام خلاص انحلت- اممممزامت المرأة بفمها تلقي بنظرة نحو الخبز داخل الفرن قبل أن تعود اليها مردفة:- وعلى كدة عرفتي حل لنفسك انتي كمان معاه؟ يعني ان كان هيرجعك اليه ولا هو لساتو مصمم على رأيه؟شحبت صفا تستدرك لواقعها الان معه، فتجيبها بعقل مشتت وقلب يصر على تتبع السراب في عشق مستحيل:- هو المحامي مقاليش صراحة، بس اكيد هرجعله ومهاهونش عليه انا وولادي.مالت شفاه المرأة بابتسامة ساخرة تطالعها بصمت استفزها لتصرخ بها:- وه يا امه كركبتي بطني من الخوف بعد ما كنت فرحانه بطلعته براءة، طب لو مش طايقني انا هيرمي عياله كمان؟!لم ترحمها المرأة لتمعن في تذكرها بسوءتها علها تقتنع :- ما عملها جبل كدة وطرد مرته وبته من البيت في الليالي ايه هيفرق؟ فاكرة فرحتك يوميها يا صفا؟- يووووهصرخت بها صفا تنهض بعنف من جوارها، لتردف بحنق منها:- تاني برضك بتجيبي سيرة المعوجة وبتها، وكأني مش بتك، خبر ايه يا بوي، هو انتي امي ولا امها؟ مش كفاية عليها حظها النار منين ما تروح، وانا الغلبانة مكسورة الخاطر حتى انتي امي كمان جاية عليا، سيبهالك وماشية، خليني اريحك مني ومن خلقتي انا وعيالي.وهرولت من أمامها تنهب الأرض في الهروب من امامها، تبصر المرأة اثرها بيأس، مازال رأس ابنتها اليابس لم يستوعب بعد، ان عرفان الذي روضته بطريقتها على مدار سنوات لم يعد يريدها الان، لقد انقلب الساحر على الساحر وبقي فقط الجزاء ودفع فاتورة الحساب القديم من الأخطاء.......................أنهى تحقيقه الجديد بطلب من محاميه بناء على رغبة منه واتفاق مع الاخر، ذلك الذي كان يقف في انتظاره أسفل إحدى الشجيرات، كي يعرف منه بأخر المستجدات:- ايه الاخبار؟ عرفت تسبكها لوكيل النيابة؟عبس عرفان يجيبه بفتور:- سبكتها يا خوي زي ما اتفقنا، بس دا بعد ما أكدلي المحامي ان الكلام الجديد ده هو اللي هيبقى سبب في برائتي، لولا كدة انا ما كنتش وافقت ولا تبعتك واصل في لعبتك الماسخةطقطق عطوة صوت استنكار من فمه قائلا:- عاد ماسخة ولا زفت حتى مش المهم انك تطلع بريء وخلاص.ضاقت حدقتي عرفان يطالعه بشك لا يخفى عليه ليردف بدفاعية:- ما بلاش بصتك دي، انا حكيتلك ان الأمر حصل غصب عني، لولا الشديد الجوي اللي جبرني ما كنت عملتها ولا ورطتك، ايه اللي يخليني اصلا افط على بيت طليقتك؟ على اساس الدهب اللي مخبياها ولا الفلوس اللي مكومة معاها عشان اتهجم واسرقها، ما تعقلها يا عم عرفان.اهتزت رأس الاخير يعقب على قصته ألتي ادلى بها اليه بالأمس:- ايوة اعجلها وأصدق انك فطيت على بيت حرمتين لوحديهم في نص الليل عشان تحتمي بيه من الرجالة اللي كانت بتفر وراك ليلتها وهي عايزة تقتلك..صاح بمظلومية يبرر له:- طب احلفلك بأيه عشان تصدق؟ رجالة مدبولي ابو سنة اللي كنت شغال معاهم زمان، جم الغرزة ليلتها وهما ناوين يخلصوا عليا، يا ادفع حق البيعة اللي نصبت عليهم فيها وقت الشقاوة يا اخد المطوة في صدري واودع الدنيا، انا جريت لما اتجطع نفسي وهما يجروا ورايا ، بيت طليقتك كانت الحاجة الوحيدة جدامي اللي ينفع اتدارى فيه في الحتة المجطوعة دي، لكن حظي العفش بجى هو اللي خلى مرتك تصحى وتطلق عليا بندجيتها من غير ما تشوفني ولا تفهم حكايتي....- ايوة يا اخويا وبعدها تلبسها فيا انا عشان تعكرها بيني وبين بتي وأم بتي.صدرت من عرفان بغضب حارق وصل إلى الاخر، ليسارع بالتبرير للمرة التي ماعاد يذكر عددها، حتى يقنعه :- ان شالله يدوس عليا الجطر يا شيخ لو كان جصدي اخرب بينك وبين جماعتك، يا عرفان انا اتجبرت من الراجل اللي اسمه حمزة، هو اللي وزني وانا كنت زي الغريق مش عارف اتصرف، وانت من ساعة ما دخلت السجن مش مديني فرصة اشرح ولا اقولك على الكلام اللي مجدرش احكيه لغيرك، انت صاحبي وسري معاك، ورغم انك طحنتني ضرب ورقدتني اسابيع في المستشفى لكن انا برضو مسامحك يا حبيبي .....................................على مائدة الطعام التي كانت تجمعه ولأول مرة بها، رغم امتلائها بالحضور من أفراد اسرته بالإضافة إلى العروسين الذان اقيمت المأدبة من اجلهم.أحاديث واصوات معالق وبعض الأحيان صراخ أطفال، جلبة تملأ المكان وتتوقف عنده، فقد كان منفصلا عن العالم بأكمله، يتلاعب بالطعام وعيناه منصبة عليها، مستغلا انشغالها بالحديث مع بعض النساء من حولها من شيقيقاته ووالدته التي كانت ترحب بها فرحا يدخل السرور في قلبههيئتها في الحلم كانت في صورة ملائكية يطير بها العقل، اما في الحقيقة وكما يراها الأن ودائما فهي إمرأة بما ينطبق عليها المعنى بوضوع، رقيقة رغم ادعاء القوة الزائفة حتى لا تنكسر مرة اخرى، راقية وعنيدة وفوق كل ذلك فاتنة وبشدة رغم تعمدها اخفاء جمالها، وهذا ما تجلى له في حلم اليوم حتى......نفض رأسه قليلا يجليها من أفكاره العابثة حتى لا يفقد صوابه امام الجمع الغفير، ولكن كيف يفعلها وكلما وقعت عينيه عليها تذكر القبلة وال...... اللعنة ، لن يستطيع لن يستطيع.صدح صوت والدته من جديد اليها وهي تضيف على طبقها من قطع اللحم والارز:- ما تاكلي زين يا مزيونة، هو انتي غريبة؟ انتي بقيتي من اهل البيت يا مرة انتي، يعني تمدي يدك لوحدك مش احنا اللي نضايقك.حاولت مزيونة منعها:- طب كفاية كفاية الله يخليكي، مين يقدر ياكل دا كله اصلا؟- انا أجدر، تحبي اوريكي كمان اهاهتفت بها منى واضعة قطعة كبيرة من اللحم بفمها حتى ضحكت ممتنة لها، فهي الوحيدة التي تفهمها تقريبا، منذ دخولها المنزل وحالة من التوتر تكتنفها فرحتها بعودة ابنتها والسعادة التي تراها ظاهرة الان عليها بجوار زوجها الذي لا يكف عن تدليلها امامهم دون خجل او احراج.ولكن ما يفسد عليها اللحظة تلك النظرات التي يرمقها بها حمزة بما يقارب التسبيل بعيناه، انه حتى لا يتصرف بطبيعته التي تعلمها عنه، لا تعلم مالذي اصاب هذا الرجل اليوم ؟!وفي جانب اخر كانت جالسة تلك التي تراقب بصمت، مرة نحو العروسين محط أنظار الجميع واهتمامهم، ثم تلك المرأة التي يهيم بها حمزة بصورة فاضحة امام العيان، ولكنهم يتعاملون مع الأمر وكأنه عادي ولا شيء يدعو للأستغرابهي وحدها المندهشة، هي وحدها المظلومة بينهم، وكأنها ليست موجودة، زوجها بجوارها ولا يراها.نظرت اليه فوجدته يتناول طعامه وذهنه في ملكوت اخر، تلك الحالة التي تعود اليه من حين إلى حين، منذ زواجها به، علاقة فاترة احيانا فقط يشوبها بعض القرب، ولكن لا تستمر طويلا..........................بعد انتهاء طعامهم، صعدت مع ابنتها لافراغ حقائب السفر وطي النظيف منها داخل الخزانة ، وقد تكفل اهل المنزل من النساء في ترتيب الشقة وإعداد طعام العروسين، فلم يتركا شيء حتى ملأ الثلاجة بالطعام فعبرت ليلى عن فرحتها :- دول مسابوش حاجة، امي حسنية وبناتها قاموا بكل شيء حتى مسح الشقة وغسل الهدوم اللي كانت سبت الغسيل، وانا اللي كنت شايله همهم.وعلى عكس ابنتها فقد غمر مزيونة الحرج:- يا دي الكسوف، طب ياريتهم كانو قالولى على الأقل كنت ساعدتسقطت ليلى على التخت تقفز عليه بجلستها قائلة بحبور:- يا امي ما البيت ما شاء الله ومتنسيش ان دا كان شرطنا وهما عارفين، معاذ وعم حمزة ما بيقولوش كلام وخلاصاستدركت مزيونة لتلك النقطة التي كانت تغفل عنها، لتستدرك هفوتها الان موجهة النصح لابنتها:- برضو يا ليلى ما ترميش الحمل عليهم، مش معنى أن هما فرحانين ومرحبين يبجى احنا نرمي الحمل عليهم. ترتيب اوضتك دا انتي متعودة عليه من زمان، الوكل ان شاءالله متشليش همه، مرة مني مرة منهم، مرة تجيبي جاهز أو أي حاجة خفيفة، وباجي شغل البيت تعملي خفيف خفيف وجت ما تخلصي مذاكرتك، وانا ليكي عليا هجيلك كل يومين على الاقل اساعدك، جال وأن كان حبيبك عسل يا بتي، انتي عارفة باجي المثلوكعادتها ليلى، جاءت اجابتها توميء بطاعة تامة وابتسامة عذبة:- فاهمة يا ست الكل فاهمة...............................وفي الاسفلكانت الجلسة الدائرة بين الأشقاء الثلاثة، ومزاح الاثنان لحمزة:- بجيت مكشوف جوي يا كبير، انت مش صغير على الفرهدة دي.همست بها منى بمكر حتى لا يصل الصوت إلى أحد غير مرغوب به، ليدعمها معاذ هو الاخر :- جال وانا اللي كنت فاكر نفسي الخفيف الوحيد في العيلة دي، اتاري فيه اللي أخف مني.عبس حمزة رافعا الجزء الأعلى من شفتيه يناظرهما بإزدراء قائلا:- اممم طالبة معاكم غلاسة عليا النهاردة، وانا مش فاضي لأم دمكم التقيل معايا، خفوا انتو الاتنين، دماغي مش رايقاكم خدمالت منى برأسها على ذراعه وفد لفت يداها الاثنين عليه كالعلقة تواصل مشاكسته:- ليه يا كبير مش رايق؟ ايه اللي شاغل بالك بس؟ انا اختك وسرك يا اخويا جولطالعها حمزة بقرف يحاول نزع ذراعه عنها:- بعدي عني يا بت، وروحي للمحروس جوزك اهو غتت زيك ويتحملك، بعدي عني ياختي، جال تكتمي السر جال، بعدي يا بت.تشبثت به أكثر غير سامحه له بالابتعاد ليقهقه معاذ في متابعتهم حتى قطع عليهم دوي اتصال وارد على هاتف حمزة، لتتركه طواعية، فيفاجأ بصاحب الاتصال الهام، والذي اجابه على الفور:- الووو........ ايوة يا باشا دا ايه المفاجأة الجميلة دي............ الله يبارك فيك يارب موضوع ايه؟............ نعم..... ماله عرفان.........تصادف بها في نطق الأخيرة بهبوطها الدرج مع ابنتها، ليجذب الاسم انتباهها في متابعته حتى إذا انتهى توجهت اليه بسؤالها:- ماله عرفان؟بغموض اعتلى قسماته رد يجيبها:- دلوك نعرف لما نزور البيه الظابط اللي متولي قضيته هو وعطوة، هتيجي معايا؟...................................بعد قليلكانا الاثنان امام الضابط صاحب المعرفة القوية بحمزة يسرد لهما ما جد في القضية، وبناء عليه فقد اتخذت القضية طريق اخر، مختلف تماما عما كانت تسير به، فجاء الاعتراض على الفور من حمزة:- كيف يعني كان جصده يحرسها؟ حد في الدنيا يعجل الكلام ده؟ الواد بيلعب بينا فاكرنا هفيات.امام سكون مزيونة التي كانت تتابع بصمت فند الضابط الادعاءات الجديدة:- اهدي يا حمزة وبلاش عصبية،، الكلام ده اتفق عليه عطوة وعرفان، الاتنين قالوا نفس القصة، ان عطوة كان ماشي بالصدفة وشاف الحرامي اللي بيترصد بالبيت ولما اتصل بعرفان يبلغه، قالو عايزك تقوم معاه بالواجب لحد ما اوصل، وبناء عليه اتصرف المذكور من دماغه ينط داخل الجزء المكشوف من البيت عشان يمسك الحرامي، لكن الاخير خاف وجري يهرب قبل ما يطوله ، اما عطوة فنال الطلقة من الست مزيونة الي نشنت من خلف الباب من غير ما تميز هوية الشخص اللي طلقت سلاحها وتشوفه.- يا سلااامتمتم بها حمزة موجهًا ابصاره نحو صاحبة الملامح المغلفة، يردف متسائلا حتى يرى رد فعل منها:- بالذمة ده كلام يخش العجل؟ انتي تصدقي أن الكلام ده صح؟وقبل ان يصدر ردها سبقها الضابط:- هي مش في مجال انها تصدق او متصدقش، دي اعترافات جديدة من الاتنين اللي بقت شهادتهم واحدة.جادله حمزة مصرا على موقفه:- طب وافرض ان كلامهم صح؟ متكلموش ليه من الاول، ايه اللي أجل اعترافهم الا اذا كانو متفقين.زفر الضابط بسأم يغلق باب النقاش المرهق:- حتى لو كلامك صح، القاضي مالوش غير الادلة والقرائن والاعترافات، وهنا الادلة مثبتة على عطوة بأصابة قدمه، واعترافه اللي اتغير دلوقتي بقى في صالحه وصالح عرفان، يعني هو الحكم عليه هو هيبقى مخفف، وعرفان هياخد براءة بما ان مش عليه أي شيء يدينه بعد شهادة الأول.ردد حمزة بما يشبه الصدمة مستدركًا:- يطلع براءة!- طبعا يطلع براءة، دي حاجة مش مستاهلة مجهود من محاميهختم بها الضابط تأكيده لينتقل حمزة بابصاره نحو مزيونة، والتي ظلت على صمتها، بإصرار غريب آثار الريبة بقلبه..............................عودة إلى منزل حماد القناويتحديدًا داخل شقة العروسين، وقد خلت الغرفة عليها الآن، لتبدأ في استذكار ما قد فات منها على مدار الايام الفائتة في الزواج، الكتب التي ارتصت على سطح المكتب الصغير، وشاشة اللوح الإلكتروني امامها تطالع المرسل من صديقتيها، أكوام من دروس في جميع المواد وبعض الابحاث، معلومات لابد من فهمها وأخرى لابد من حفظها، يبدو ان ما نالته من سعادة في الأيام الماضية لابد من دفع ثمنها الان مجهود مضاعف وخرافي على الاصح.دلف اليها معاذ ليسترعى انتباهه مشهدها، وقد بدت كالغريق الذي يصارع الامواج الغاتية امامه، ليتخذ طريقه نحوها، فيباغتها بقبلة حانية على وجنتها مشاكسًا:- الجميل اللي بيذاكر ولقي اللي يشغله عنياجفلت تتبسم اليه بتوتر وضعف :- معااذ خضيتني، انت دخلت امتى؟سحب المقعد القريب منها ليجلس عليه ملاصقًا لها:- انا داخل دلوك حالا، بس انتي اللي محستيش ولا خدتي بالك، لدرجادي مفحوتة في المذاكرة.ردت بنبرة شبه باكية:- مفحوتة بس؟ انا ضايعة خالص يا معاذ، مخي وقف، مش عارفة ابدأ بأيه بالظبط، كل الدروس اللي اتكومت على ما استوعبها وافهمها، عايزة شهر، شهر على الاقل يا معاذضمها من جذعها اليه يخفف عليها:- طب اهدي طيب اهدي، خدي نفس وخففي التوتر عشان تجدري تلميهم في رأسك.امأءت برأسها كاستجابة له، تفتح ملخص لإحدى المواد، تقلب في عدد الصفحات التي غابت عن فهمها، فزفرت بيأس وتهدلت اكتافها بإحباط بصورة أثارت شفقته ليسارع في طمأنتها، بضمها إلى صدره ضاحكًا:- انا كنت عارف ان دا اللي هيحصل من الاول ، عشان كدة عملت حسابي .رفعت اليه ابصارها تطالعه بلون العسل في خاصتيه بتساؤل:- عامل حسابك على ايه؟تنهد يعدل من جلستها حتى لا ينساق لاهوائه ويخطفها في جولة غرامية من جولاته، ضاربًا عرض الحائط بوعوده في مساعدتها، ولكن ضميره الحي لايزال بصحته، ليجيبها بجدية متناولا ملخص المادة الذي تركته قائلا:- عملت حسابي في اني خدت جولة سريعة على المواد اللي بتدريسها قبل ما اعجد عليكي وندخل، عشان ابجى فاهم وأنا بساعدك،تهللت ملامحها بأمل:- بجد يا معاذ، انت فعلا هتساعدني؟تبسم يجيبها بصدق يخرج إحدى الأشياء من جيب بنطاله القماشي:- بجد يا قلب معاذ، انا عارف ان دي أصعب مرحلة معاكي، والباقي هيبقى سهل بمجهودك ان شاءالله وانا برضو هساعدك فيه كل ما افضى من شغلي، خدي بقى عشان تفتحي نفسك وتركزيصاحت بمرح منتبهة على تلك العلبة الذهبية المغلفة بما تعلمه بمحتواها:- الله يا معاذ شكولاتة، فكرتني بأيام الحصان عزوز والشباكضحك يهديها اليها بقبله تسبقها مرددًا:- احلى شيكولاتة لاحلى لولة، نخلص دلوك بس المذاكره وعزوز نبجى نشوفه بعدين، هو هيروح مننا فين يعني، نسمي بسم الله بقى يا حلوةبدروها تناولت منه تخطف قبلتها على ظهر يده، لتبدأ معه حصتها الأولى..............................اما عن حمزة والذي كان كبركان ثائر في هذه اللحظة، يضغط على مكابح السيارة بغضب شديد ، يخطف النظرة نحوها كل دقيقة، هذا الجمود والغموض منها يزيده تشتتًا، حتى فاض به يبادرها بحديثه:- بصراحة انا مستعجب هدوئك ده، ايه الحكاية؟ لا تكوني فرحانة بطلوع عرفان؟تلك النظرة التي رمقته بها في البداية تجعله على يقين بأنها تفهمه وتفهم ما يشعل النار بصدره الان، ولكنها كالعادة تستطيع اخفاء ما داخلها، لتخرج عن صمتها بإجابة متحفظة :- وايه اللي يخليني افرح بطلوع عرفان؟ نفس الأمر برضو اللي هيفيدني من حبسه لو كان بريء؟برقت عينيه بشرار حارق، يردد باستهجان خلفها، وهذا البرود منها في استقبال هذا الأمر يضاعف عليه:- كيف يعني ايه هيفيدك حبسه؟ واحد مجرم زي ده، يطلع منها زي الشعرة من العجين بعد ما يلعبها صح مع المجرم شريكه.وتجولي ايه هيفيدك!زفرت داخلها بصمت دام لحظات، فكيف تخبره عما يجول بخاطرها؟ هو يرى الأمر بطريقته وهي تعلم اكثر بحقيقة ما يصل اليها بإحساس المرأة اليقظ، عرفان طليقها به كل العيوب التي تجعلها تكرهه ولكنها ايضا لا تقبل بظلمه، اما عطوة رأس الحرباء هذا تتوقع منه كل فعل دنيء، لديه عقل الشيطان في قلب الحقائق، لذا لا تستغرب لعبته مع عرفان.صمتها المريب يمر كالسكين الحامي برأسه، لماذا لا تريحه؟ الا يكفي نيران العشق التي يتلظي بها؟ لتزيد عليه بما هو أمر، تلك الغيرة القاتلة التي لم يعرفها سوى على يديها، لذلك لم يدري بصيحته حين خرجت بعنف انفاعله بها:- تاني هتسكتي، طب جاوبيني على الاقل، لما انتي هامك عرفان جوي كدة، كنتي جولتي من الاول امنع عطوة ما يعترف عنه، مدام في كل الأحوال هو بريء في نظركياليتها تسبه افضل من تلك النظرة التي وجهتها نحوه، بها حديث صعب عليه تفسيره، ومشاعر اخرى كغضب وعتب هو أضعف البشر امامهم، ربما الاعتذار كان هو الحل الامثل ولكنه لا يأتي بما يريحه:- انا اسف لو اتعصبت، بس انتي معدتيش غريبة، انتي بجيتي مننا دلوك، يعني اللي يأذيكي يأذينا، واللي يخصك يخصنا.....شدد في الاخيرة بقصد واضح تعلمه جيدا، كما تعلم ايضا، بما هو على وشك البوح به ان لم توقفه سريعًا:- خلاص يا ابوريان ولا يهمك، هي لحظة غضب وانا مقدرة، ربنا ما يجيب حاجة عفشة، عن اذنك بقى وجف العربية، بيت اخويا اخر الشارع زي ما انت شايف.وبدون أدنى نقاش اذعن لرغبتها يوقف السيارة على جانب الطريق، لتترجل منها نحو المنزل الذي لا يبعد الا بمسافة الشارع الضيق، لينفث هو عن غضبه بالضرب على مقود السيارة بعنف شديد، حتى كاد أن يدمي قبضتيه، يتنفس كالوحش، عاجز عن الوصول اليها،تلك التي ملكت قلبه وتتلذذ بعذابه، متى ترحمه من قسوتها؟ متى ترمي الماضي وجراحه خلف ظهرها لتنظر إلى حاضرها معه؟ حتى يعوضها عن كل ما فات فلا تتذكر من الرجال سواه.كيف السبيل اليكِ دليتي؟

ما الذي جاء به هنا في هذا الوقت من الليل؟

قدميه تتابع السير وكأنها تتحرك وحدها، جسده بالكامل يندفع متوجهًا إلى نقطة ما لا يعلمها ولكن....... ها هو قد وجدها، الان فقط رأى من يبحث عنها بكل خليه من جسده، أسفل شجرة التين واقفة وكأنها في انتظاره، بسحرها الذي لطالما داعب خياله، ملاكه البريء قبل أن تطبع الحياة جروحها عليها، تدمي قلبها وترهق روحها الجميلة فتبدلها الى حطام إمرأة لا تعرف قيمة نفسها، لكن بتلك الليلة هي تفف بصورتها الصحيحة.

الجميلة الخلابة كاتت ترتدي فستان ابيض منسدل عليها بنعومة حتى الكاحل،

أكمامه من الشيفون الشفاف بشدة حتى اظهر ذراعيها امام عينيه بطولهما حتى للاكتاف في الأعلى، حذاء القدم في الاسفل يشبه حذاء سندريلا بلونه الفضي، شعرها الذي رأه مرة واحدة ولفت ابصاره لنعومته الحريرية رغم تشعثه في ليلتها، الآن كان مصففًا بعناية ، يحاوط بشرتها من الجانبين، هي بالفعل أميرة خارجة من قصة خيالية لا تمت للواقع بصلة

خطا حتى اقترب منها يقف قبالها تمامًا ،

ليضع عينيه نصب خاصتيها بلوعة حارقة، وقد تبسم ثغرها بابتسامة أظهرت صف اسنانها اللوليه في الأمام، تخاطبه معاتبة:

- كل ده تأخير؟ دا انا فقدت الأمل في رجوعك لدرجة ان كنت همشي وانت حر تيجي او متجيش.

تمتم بها بذهول واستغراب متسائلا:

- انتي اللي كنتي مستنياني كمان مش أنا؟ دا انا راجل معنديش دم ولا احساس على كدة، ان اعطلك ولا اتعبك يا بدر البدور انتي.

زاد اتساع ابتسامتها لتفاجأه قابضة بكفيها الصغيرين على جانبي كفيه الكبيرين، ليلتقط مبادرتها بلهفة، ويبدل الادوار فيحتجزهما داخل راحتيه، مستمتعُا بطراوتهما وبحركة مباغتة دفعها اليه، حتى باتت المسافة التي تفصل بينهما لا تتعدى السنتيمترات، لا يصدق هذا القرب وهذا الترحيب منها، صدره يصعد وبهبط بتسارع ، وقلبه يضرب من الداخل كوحش ثائر، فيطالع تحرك الشفاه بحديثها:

- متجولش على نفسك كدة، يمكن انا اللي استعجلت وجيت مشواري بدري، اكيد انت مقصدكش

- حتى لو استعجلتي يا جلبي وانا اللي تهت في طريقي واتأخرت، المهم اني في الآخر وصلت ولجيتك، وعمري ما هسيبك تاني ابدًا.

سؤالها الذي شابه الضعف والرجاء لامس نزعة الحمائية بداخله، حتى ود ان يصرخ بإجابته نحوها:

- بحبك! الكلمة دي جليلة جوي، انا مش بحبك وبس، لا دا انا بعشجك يا زينة البنات انتي..... يا مزيونة اسم ورسم.

وخطفها في الاخيرة يطبع جسدها على صدره،.يتابع بلوعة:

- اه لو تعرفي باللي جوايا، اااه لو يوصلك اللى حارق قلبي، سهد الليالي في انتظار الصبح يطلع عشان أملي عيني بشوفتك، الفكر اللي بيطير النوم من عيني وانا بعيد كل كلمة سمعتها منك في يومي، كل نظرة منك ناحيتي افسرها بميت تفسير...... اااه يا مزيونة اااه

شدد في الاخيرة يعصرها بذراعيه، يقبل كتفيها وجانب بشرتها بشوق الغائب الذي تاه عن موطنه، حتى صدر انينها ليفك اسرها قليلا، فتستطيع ألتحدث قائلة بنعومة:

- خلاص يا حبيبي انا بجيت معاك اها، ايه فاضل تاني؟

اجاب بلوعة وابصاره نزلت لوجهتها:

- فاضل الأهم واللي مستنيه من زمان عشان يزود الرابط ما بينا، أكتر واكتر .....

كادت ان تسأل ولكنه سبق يعطيها الاجابه بعمليه، يرتشف من شهدها ولا يرتوي ابدا، يطيل بقبلاته ولايتوقف حتى اختفت فجأة من بين يديه التي اصبح ما بينهما فراغ كامل، ليستنتج اخيرًا مع فتح عيناه للضوء ، ان ما شعر به من لحظات لم يكن إلا حلما، حلما يؤرق مضجعه رغم جماله،

اعتدل بجذعه لينهض عن الفراش بأكمله، وقد علم من وجهة ضوء الشمس الذي اخترق الغرفة بتأخر ايقاظه عن ميعاده اليومي، وخطا يمسح بكف يده على شعر رأسه، قاصدًا المرحاض، ولكنه توقف في نص المسافة يرهف السمع نحو تلك الاصوات والجلبة التي صارت تصل اليه من الاسفل، يراوده ظنا ما، تأكد منه بدخول صغيره المفاجيء بعد ان اجفله بحضوره دافعا الباب إلى الداخل بقوة صاحئا:

- عمي معاذ وعروسته رجعوا من السفر يا بوي.

بخطوات تشبه الركض وصلت إلى المنزل الكبير تخترقه بلهفة، بعد أن وصلها الخبر بعودة صغيرتها من رحلتها الصغيرة التي لم تتعدى اسبوعا ولكن هذا اول فراق بينهما، وكما قالتها قبل ذلك، هي لم تتعود على فراقها الجدي بعد، لذا لا أحد يلومها الان وهي تدلف اليهم بلهفة ظاهرة جعلت الجميع ينتبهون لدخولها، وابنتها التي كانت جالسة برزانة وسط عائلتها الجديدة ، طارت تستقبلها من مدخل المنزل ، وترتمي داخل احضانها، تذكرها بأنها لم ولن تكبر ابدا على عناقها والركض نحوها حتى لو وصل عمرها للسبعون.

- خلاص يا جماعة انا كدة بالفعل هغير

هتف بها معاذ بدعابة ليتلقى التوبيخ من شقيقته منى والمتحفزة لمشاكسته:

- اما عيل بارد، فاكرها بجت خالصة مخلصة ليك يا واض، دا حضن الأم يساوي الدنيا بحالها، مش حضنك انت يا معضم

صدرت الضحكات من الجميع ليعلق بغيظ يكتنفه من سخريتها:

- اه منك انتي ولسانك المعوج، انا عارف جوزك صابر عليكي ليه؟

تدخلت حسنية تصمتهم في البداية قبل ان تدعو الاثنتان ببشاتها:

- هتفضلو تناقروا ف بعض كدة لحد اما تعجوزو وتبقوا جدود انتو اصلا مفيش فايدة فيكم، تعالي يا مزيونة وجعدي بتك هي كمان، دي تعبانة من السفر ولساتها راجعة حالا، شالله يارب ما يحرمك منها ابدا .

استجابت مزيونة تسحب ابنتها اليهم مرددة بامتنان :

- ولا يحرم اي حد من ضناه، معلش يا جماعة لو هتشوفوني مزوداها، بس انا روحي ردت برجعتها، يمكن بكرة مع الوجت اتعود.

قالت الاخيرة وقد اقتربت منهم وكانت على وشك الجلوس حين اتاها الصوت العميق من ذاك المتابع منذ بداية حضورها :

- ولا متتعوديش حتى، بيتنا يبجى بيتك يا نسيبتنا، يعني في اي وقت اشتاجتي للبت تجدحي الباب برجليكي وتدخلي

جذب انتباهها اليه رغم تعمدها في البداية تجاهله، ولكن كلماته اجبرتها لتلتقي ابصارها بخاصتيه، لم يكن حديثه مجرد مجاملة وفقط، بل تجلى التملق فيه بوضوح حتى آثار التسلية في قلوب البعض وحقدا في قلوب اخرين ، اما هي فقد اكتسى وجهها بغطاء الحياء الذي جعلها كمراهفة صغيرة تتعلثم امام غزل أحدهم لها:

وجلست تنفض عنها حالة الارتباك التي اجتاحتها بفضله، لتشغل نفسها بالحديث مع ابنتها وحسنية القريبة منهما،

اما عنه فلم يرفع عينيه عنها، يستعيد برأسه ذاك الحلم الجميل رغما عنه، غافلا عن انتباه الحاضرين له، حتى لكزته منى على خصره بمرفقها تهمهم جوار أذنه بتحذير:

- ما تمسك نفسك يا كبير ناسك، كسفت الولية وكسفتنا

معاك ، ما كنت بعجلك يا واض ابوي، ايه اللي جرالك بس؟

رمقها من طرف عينيه بعبوس يأمرها:

- خليكي في حالك انتي، ملكيش دعوة.

توسعت عينيها بإجفال وقد ذهبت بأبصارها نحو هالة التي تراقب بشرار عينيها، تستشعر حقدا منها يقبض على قلبها، لتعود اليه وتجذبه بحرص حانقة:

- خد بالك وحرص شوية يا حمزة، مش كل الناس هتتمنالك الخير.

استطاعت في الاخيرة ان تلفت انتباهه إلى ما تقصد، ليخطف بنظرة ماكرة نحو اخيه وزوجته فيحدثها مباشرة بتحدي:

- الضهر على ادان يا هالة، طب حتى اعملي واجب العرسان، مش مهم احنا ولا غدانا حتى، دا لو هنتعبك يعني، ولا ايه يا خليفة؟

انتفض الاخير عن مطالعة الهاتف الذي كان مشغولا به، بموافقة يوجه الأمر لها:

- ايوة طبعا غدا العرسان وغدانا احنا كمان يدوبك تحضره، جومي يا هالة؟

خرجت الاخيرة بصيحة لفتت ابصار الجميع نحوها، لتحدجه بناريتيها رفضًا، لا تستطيع البوح به:

- كل حاجة جاهزة مش محتاجة تحضير، ثم إن الوقت بدري يعني.....

- بدري فين يا هالة، العرسان تلاقيهم على لحم بطنهم ، ولا وكل النواشف طول طريق السفر بتاعهم، عجلي يا بتي عشان يلحجوا يريحوا.

بغيظ متعاظم اضطرت لتنهض على غير ارادتها وما همت تجر أقدامها نحو المطبخ، حتى تفاجأت بمنى تسبقها قاطعة بهمس امامها:

حضري انتي وكل البيت، اما وكل العرسان فانا واخواتي البنتة اللي هنجوم بيه.

وجمت ناظرة في اثرها بصدمة، فعلى الرغم من ثقل هذا الأمر عليها ، الا ان سحبه منها هكذا وبهذه الطريقة يثير داخلها ارتيابًا جعلها تخطف نظرة شاكية نحو خليفة التي بادلها بأخرى لائمة بجدية اغلقت امامها باب الجدال من بدايته، لتضطر إلى المغادرة من امامه مؤجلة مظلمتها في وقت آخر

فتنهد بيأس يعود إلى شاشة الهاتف التي كان يتصفح بها ذلك الحساب بإحدى التطبيقات، والذي كان توقف عن متابعته منذ سنوات، ليعود اليه الان وقد غلبه الشوق يشاهد صورا وأنشطة متجددة لتلك الراقية الناعمة رغم عملها اليومي وسط العمال من الرجال

إلا أن ذلك لا ينقص من انوثتها شيء على الإطلاق، وابتسامتها المشرقة في كل صورة تأسر النظر نحوها.

دلف ريان من الخارج أثناء ركضه للعب خلف إحدى الاطفال، فالتقطه عمه يقبله ويدغدغه ممازحًا:

- وانت يا حيوان عمال تجري هنا وهناك، مش تسلم على عمك اللي راجع من السفر يا واض.

- ما هو شاف عمه ملهي بعروسته وجاني واشتكاني، هيعمل ايه بجى؟ وهو اللي كان على الحجر وجات اللي تاخد مكانه

- طب وانا ذنبي يا عم؟ ان كان هو اتخلى عنه يبجى انا مليش دخل.

ضحك الحاضرين ليعبر معاذ عن صدمته:

- وه يا ليلى، على طول كدة بتبعيني مكانش العشم، بس ريان دا حبيبي، مش أنا حبيبك يا واض؟ ولا انت بتحب مين فينا أكتر؟

حانت من الصغير نظرة نحو والده، فسارع معاذ مردفا:

- لا خلي ابوك على جمب، خلينا في اللي جاعدين في الجعدة، عايزك تروح لاكتر واحد بتحبه فينا يا عم ماشي .

اومأ ريان برأسه موافقا، ليقف محله يطالع وجوه الحاضرين يختار منهم الأحب إلى قلبه، وفي لحظة خاطفة أرتمى بجسده النحيل في حجر مزيونة التي اجفلت مزهوله من فعله، حتى ضحكت مرحبة تقبله من وجنته، فانهالت التعليقات من البقية لفعله الغير متوقع، اما والده فقد انتفش باعتزاز يغمغم داخله:

- جدع يا ريان، واد ابوك صح واض.

ركضت متوجهة الى والدتها التي كانت جالسة امام الفرن الغازي تنتظر نضوج الخبز الذي أعدته بنفسها، لتلتف اليها معتدلة بجذعها فور ان التقطت هتافافها وتهليلها:

- عرفان طالع من السجن ياما، عرفان طالع من السجن، المحامي اتصل بيا دلوك وبلغني.

توقفت المرأة امام مشهدها قليلا قبل أن يصدر استفسارها:

- الف مبروك، بس دا حصل كيف بالساهل؟ مش كان الواد التاني برضو معترف عليه؟

ردت صفا بحماس يثير الدهشة، وقد غاب عن عقلها ما وصلت اليه االعلاقة من جفاء بينهما:

- انا معرفش تفاصيل كتير، بس اللي عرفته من المحامي هو ان الزفت ده غير اقواله وكدة يبجى عرفان هيطلع براءة في اجرب وجت مدام خلاص انحلت

زامت المرأة بفمها تلقي بنظرة نحو الخبز داخل الفرن قبل أن تعود اليها مردفة:

- وعلى كدة عرفتي حل لنفسك انتي كمان معاه؟ يعني ان كان هيرجعك اليه ولا هو لساتو مصمم على رأيه؟

شحبت صفا تستدرك لواقعها الان معه، فتجيبها بعقل مشتت وقلب يصر على تتبع السراب في عشق مستحيل:

- هو المحامي مقاليش صراحة، بس اكيد هرجعله ومهاهونش عليه انا وولادي.

مالت شفاه المرأة بابتسامة ساخرة تطالعها بصمت استفزها لتصرخ بها:

- وه يا امه كركبتي بطني من الخوف بعد ما كنت فرحانه بطلعته براءة، طب لو مش طايقني انا هيرمي عياله كمان؟!

لم ترحمها المرأة لتمعن في تذكرها بسوءتها علها تقتنع :

- ما عملها جبل كدة وطرد مرته وبته من البيت في الليالي ايه هيفرق؟ فاكرة فرحتك يوميها يا صفا؟

صرخت بها صفا تنهض بعنف من جوارها، لتردف بحنق منها:

- تاني برضك بتجيبي سيرة المعوجة وبتها، وكأني مش بتك، خبر ايه يا بوي، هو انتي امي ولا امها؟ مش كفاية عليها حظها النار منين ما تروح، وانا الغلبانة مكسورة الخاطر حتى انتي امي كمان جاية عليا، سيبهالك وماشية، خليني اريحك مني ومن خلقتي انا وعيالي.

وهرولت من أمامها تنهب الأرض في الهروب من امامها، تبصر المرأة اثرها بيأس، مازال رأس ابنتها اليابس لم يستوعب بعد، ان عرفان الذي روضته بطريقتها على مدار سنوات لم يعد يريدها الان، لقد انقلب الساحر على الساحر وبقي فقط الجزاء ودفع فاتورة الحساب القديم من الأخطاء

أنهى تحقيقه الجديد بطلب من محاميه بناء على رغبة منه واتفاق مع الاخر، ذلك الذي كان يقف في انتظاره أسفل إحدى الشجيرات، كي يعرف منه بأخر المستجدات:

- ايه الاخبار؟ عرفت تسبكها لوكيل النيابة؟

- سبكتها يا خوي زي ما اتفقنا، بس دا بعد ما أكدلي المحامي ان الكلام الجديد ده هو اللي هيبقى سبب في برائتي، لولا كدة انا ما كنتش وافقت ولا تبعتك واصل في لعبتك الماسخة

طقطق عطوة صوت استنكار من فمه قائلا:

- عاد ماسخة ولا زفت حتى مش المهم انك تطلع بريء وخلاص.

ضاقت حدقتي عرفان يطالعه بشك لا يخفى عليه ليردف بدفاعية:

- ما بلاش بصتك دي، انا حكيتلك ان الأمر حصل غصب عني، لولا الشديد الجوي اللي جبرني ما كنت عملتها ولا ورطتك، ايه اللي يخليني اصلا افط على بيت طليقتك؟ على اساس الدهب اللي مخبياها ولا الفلوس اللي مكومة معاها عشان اتهجم واسرقها، ما تعقلها يا عم عرفان.

اهتزت رأس الاخير يعقب على قصته ألتي ادلى بها اليه بالأمس:

- ايوة اعجلها وأصدق انك فطيت على بيت حرمتين لوحديهم في نص الليل عشان تحتمي بيه من الرجالة اللي كانت بتفر وراك ليلتها وهي عايزة تقتلك..

- طب احلفلك بأيه عشان تصدق؟ رجالة مدبولي ابو سنة اللي كنت شغال معاهم زمان، جم الغرزة ليلتها وهما ناوين يخلصوا عليا، يا ادفع حق البيعة اللي نصبت عليهم فيها وقت الشقاوة يا اخد المطوة في صدري واودع الدنيا، انا جريت لما اتجطع نفسي وهما يجروا ورايا ، بيت طليقتك كانت الحاجة الوحيدة جدامي اللي ينفع اتدارى فيه في الحتة المجطوعة دي، لكن حظي العفش بجى هو اللي خلى مرتك تصحى وتطلق عليا بندجيتها من غير ما تشوفني ولا تفهم حكايتي....

- ايوة يا اخويا وبعدها تلبسها فيا انا عشان تعكرها بيني وبين بتي وأم بتي.

صدرت من عرفان بغضب حارق وصل إلى الاخر، ليسارع بالتبرير للمرة التي ماعاد يذكر عددها، حتى يقنعه :

- ان شالله يدوس عليا الجطر يا شيخ لو كان جصدي اخرب بينك وبين جماعتك، يا عرفان انا اتجبرت من الراجل اللي اسمه حمزة، هو اللي وزني وانا كنت زي الغريق مش عارف اتصرف، وانت من ساعة ما دخلت السجن مش مديني فرصة اشرح ولا اقولك على الكلام اللي مجدرش احكيه لغيرك، انت صاحبي وسري معاك، ورغم انك طحنتني ضرب ورقدتني اسابيع في المستشفى لكن انا برضو مسامحك يا حبيبي .

....................................

على مائدة الطعام التي كانت تجمعه ولأول مرة بها، رغم امتلائها بالحضور من أفراد اسرته بالإضافة إلى العروسين الذان اقيمت المأدبة من اجلهم.

أحاديث واصوات معالق وبعض الأحيان صراخ أطفال، جلبة تملأ المكان وتتوقف عنده، فقد كان منفصلا عن العالم بأكمله، يتلاعب بالطعام وعيناه منصبة عليها، مستغلا انشغالها بالحديث مع بعض النساء من حولها من شيقيقاته ووالدته التي كانت ترحب بها فرحا يدخل السرور في قلبه

هيئتها في الحلم كانت في صورة ملائكية يطير بها العقل، اما في الحقيقة وكما يراها الأن ودائما فهي إمرأة بما ينطبق عليها المعنى بوضوع، رقيقة رغم ادعاء القوة الزائفة حتى لا تنكسر مرة اخرى، راقية وعنيدة وفوق كل ذلك فاتنة وبشدة رغم تعمدها اخفاء جمالها، وهذا ما تجلى له في حلم اليوم حتى......

نفض رأسه قليلا يجليها من أفكاره العابثة حتى لا يفقد صوابه امام الجمع الغفير، ولكن كيف يفعلها وكلما وقعت عينيه عليها تذكر القبلة وال...... اللعنة ، لن يستطيع لن يستطيع.

صدح صوت والدته من جديد اليها وهي تضيف على طبقها من قطع اللحم والارز:

- ما تاكلي زين يا مزيونة، هو انتي غريبة؟ انتي بقيتي من اهل البيت يا مرة انتي، يعني تمدي يدك لوحدك مش احنا اللي نضايقك.

- طب كفاية كفاية الله يخليكي، مين يقدر ياكل دا كله اصلا؟

- انا أجدر، تحبي اوريكي كمان اها

هتفت بها منى واضعة قطعة كبيرة من اللحم بفمها حتى ضحكت ممتنة لها، فهي الوحيدة التي تفهمها تقريبا، منذ دخولها المنزل وحالة من التوتر تكتنفها فرحتها بعودة ابنتها والسعادة التي تراها ظاهرة الان عليها بجوار زوجها الذي لا يكف عن تدليلها امامهم دون خجل او احراج.

ولكن ما يفسد عليها اللحظة تلك النظرات التي يرمقها بها حمزة بما يقارب التسبيل بعيناه، انه حتى لا يتصرف بطبيعته التي تعلمها عنه، لا تعلم مالذي اصاب هذا الرجل اليوم ؟!

وفي جانب اخر كانت جالسة تلك التي تراقب بصمت، مرة نحو العروسين محط أنظار الجميع واهتمامهم، ثم تلك المرأة التي يهيم بها حمزة بصورة فاضحة امام العيان، ولكنهم يتعاملون مع الأمر وكأنه عادي ولا شيء يدعو للأستغراب

هي وحدها المندهشة، هي وحدها المظلومة بينهم، وكأنها ليست موجودة، زوجها بجوارها ولا يراها.

نظرت اليه فوجدته يتناول طعامه وذهنه في ملكوت اخر، تلك الحالة التي تعود اليه من حين إلى حين، منذ زواجها به، علاقة فاترة احيانا فقط يشوبها بعض القرب، ولكن لا تستمر طويلا

بعد انتهاء طعامهم، صعدت مع ابنتها لافراغ حقائب السفر وطي النظيف منها داخل الخزانة ، وقد تكفل اهل المنزل من النساء في ترتيب الشقة وإعداد طعام العروسين، فلم يتركا شيء حتى ملأ الثلاجة بالطعام فعبرت ليلى عن فرحتها :

- دول مسابوش حاجة، امي حسنية وبناتها قاموا بكل شيء حتى مسح الشقة وغسل الهدوم اللي كانت سبت الغسيل، وانا اللي كنت شايله همهم.

وعلى عكس ابنتها فقد غمر مزيونة الحرج:

- يا دي الكسوف، طب ياريتهم كانو قالولى على الأقل كنت ساعدت

سقطت ليلى على التخت تقفز عليه بجلستها قائلة بحبور:

- يا امي ما البيت ما شاء الله ومتنسيش ان دا كان شرطنا وهما عارفين، معاذ وعم حمزة ما بيقولوش كلام وخلاص

استدركت مزيونة لتلك النقطة التي كانت تغفل عنها، لتستدرك هفوتها الان موجهة النصح لابنتها:

- برضو يا ليلى ما ترميش الحمل عليهم، مش معنى أن هما فرحانين ومرحبين يبجى احنا نرمي الحمل عليهم. ترتيب اوضتك دا انتي متعودة عليه من زمان، الوكل ان شاءالله متشليش همه، مرة مني مرة منهم، مرة تجيبي جاهز أو أي حاجة خفيفة، وباجي شغل البيت تعملي خفيف خفيف وجت ما تخلصي مذاكرتك، وانا ليكي عليا هجيلك كل يومين على الاقل اساعدك، جال وأن كان حبيبك عسل يا بتي، انتي عارفة باجي المثل

وكعادتها ليلى، جاءت اجابتها توميء بطاعة تامة وابتسامة عذبة:

كانت الجلسة الدائرة بين الأشقاء الثلاثة، ومزاح الاثنان لحمزة:

- بجيت مكشوف جوي يا كبير، انت مش صغير على الفرهدة دي.

همست بها منى بمكر حتى لا يصل الصوت إلى أحد غير مرغوب به، ليدعمها معاذ هو الاخر :

- جال وانا اللي كنت فاكر نفسي الخفيف الوحيد في العيلة دي، اتاري فيه اللي أخف مني.

عبس حمزة رافعا الجزء الأعلى من شفتيه يناظرهما بإزدراء قائلا:

- اممم طالبة معاكم غلاسة عليا النهاردة، وانا مش فاضي لأم دمكم التقيل معايا، خفوا انتو الاتنين، دماغي مش رايقاكم خد

مالت منى برأسها على ذراعه وفد لفت يداها الاثنين عليه كالعلقة تواصل مشاكسته:

- ليه يا كبير مش رايق؟ ايه اللي شاغل بالك بس؟ انا اختك وسرك يا اخويا جول

طالعها حمزة بقرف يحاول نزع ذراعه عنها:

- بعدي عني يا بت، وروحي للمحروس جوزك اهو غتت زيك ويتحملك، بعدي عني ياختي، جال تكتمي السر جال، بعدي يا بت.

تشبثت به أكثر غير سامحه له بالابتعاد ليقهقه معاذ في متابعتهم حتى قطع عليهم دوي اتصال وارد على هاتف حمزة، لتتركه طواعية، فيفاجأ بصاحب الاتصال الهام، والذي اجابه على الفور:

- الووو........ ايوة يا باشا دا ايه المفاجأة الجميلة دي............ الله يبارك فيك يارب موضوع ايه؟............ نعم..... ماله عرفان.........

تصادف بها في نطق الأخيرة بهبوطها الدرج مع ابنتها، ليجذب الاسم انتباهها في متابعته حتى إذا انتهى توجهت اليه بسؤالها:

- دلوك نعرف لما نزور البيه الظابط اللي متولي قضيته هو وعطوة، هتيجي معايا؟

...................................

كانا الاثنان امام الضابط صاحب المعرفة القوية بحمزة يسرد لهما ما جد في القضية، وبناء عليه فقد اتخذت القضية طريق اخر، مختلف تماما عما كانت تسير به، فجاء الاعتراض على الفور من حمزة:

- كيف يعني كان جصده يحرسها؟ حد في الدنيا يعجل الكلام ده؟ الواد بيلعب بينا فاكرنا هفيات.

امام سكون مزيونة التي كانت تتابع بصمت فند الضابط الادعاءات الجديدة:

- اهدي يا حمزة وبلاش عصبية،، الكلام ده اتفق عليه عطوة وعرفان، الاتنين قالوا نفس القصة، ان عطوة كان ماشي بالصدفة وشاف الحرامي اللي بيترصد بالبيت ولما اتصل بعرفان يبلغه، قالو عايزك تقوم معاه بالواجب لحد ما اوصل، وبناء عليه اتصرف المذكور من دماغه ينط داخل الجزء المكشوف من البيت عشان يمسك الحرامي، لكن الاخير خاف وجري يهرب قبل ما يطوله ، اما عطوة فنال الطلقة من الست مزيونة الي نشنت من خلف الباب من غير ما تميز هوية الشخص اللي طلقت سلاحها وتشوفه.

تمتم بها حمزة موجهًا ابصاره نحو صاحبة الملامح المغلفة، يردف متسائلا حتى يرى رد فعل منها:

- بالذمة ده كلام يخش العجل؟ انتي تصدقي أن الكلام ده صح؟

وقبل ان يصدر ردها سبقها الضابط:

- هي مش في مجال انها تصدق او متصدقش، دي اعترافات جديدة من الاتنين اللي بقت شهادتهم واحدة.

- طب وافرض ان كلامهم صح؟ متكلموش ليه من الاول، ايه اللي أجل اعترافهم الا اذا كانو متفقين.

زفر الضابط بسأم يغلق باب النقاش المرهق:

- حتى لو كلامك صح، القاضي مالوش غير الادلة والقرائن والاعترافات، وهنا الادلة مثبتة على عطوة بأصابة قدمه، واعترافه اللي اتغير دلوقتي بقى في صالحه وصالح عرفان، يعني هو الحكم عليه هو هيبقى مخفف، وعرفان هياخد براءة بما ان مش عليه أي شيء يدينه بعد شهادة الأول.

ردد حمزة بما يشبه الصدمة مستدركًا:

- طبعا يطلع براءة، دي حاجة مش مستاهلة مجهود من محاميه

ختم بها الضابط تأكيده لينتقل حمزة بابصاره نحو مزيونة، والتي ظلت على صمتها، بإصرار غريب آثار الريبة بقلبه

تحديدًا داخل شقة العروسين، وقد خلت الغرفة عليها الآن، لتبدأ في استذكار ما قد فات منها على مدار الايام الفائتة في الزواج، الكتب التي ارتصت على سطح المكتب الصغير، وشاشة اللوح الإلكتروني امامها تطالع المرسل من صديقتيها، أكوام من دروس في جميع المواد وبعض الابحاث، معلومات لابد من فهمها وأخرى لابد من حفظها، يبدو ان ما نالته من سعادة في الأيام الماضية لابد من دفع ثمنها الان مجهود مضاعف وخرافي على الاصح.

دلف اليها معاذ ليسترعى انتباهه مشهدها، وقد بدت كالغريق الذي يصارع الامواج الغاتية امامه، ليتخذ طريقه نحوها، فيباغتها بقبلة حانية على وجنتها مشاكسًا:

- الجميل اللي بيذاكر ولقي اللي يشغله عني

سحب المقعد القريب منها ليجلس عليه ملاصقًا لها:

- انا داخل دلوك حالا، بس انتي اللي محستيش ولا خدتي بالك، لدرجادي مفحوتة في المذاكرة.

- مفحوتة بس؟ انا ضايعة خالص يا معاذ، مخي وقف، مش عارفة ابدأ بأيه بالظبط، كل الدروس اللي اتكومت على ما استوعبها وافهمها، عايزة شهر، شهر على الاقل يا معاذ

- طب اهدي طيب اهدي، خدي نفس وخففي التوتر عشان تجدري تلميهم في رأسك.

امأءت برأسها كاستجابة له، تفتح ملخص لإحدى المواد، تقلب في عدد الصفحات التي غابت عن فهمها، فزفرت بيأس وتهدلت اكتافها بإحباط بصورة أثارت شفقته ليسارع في طمأنتها، بضمها إلى صدره ضاحكًا:

- انا كنت عارف ان دا اللي هيحصل من الاول ، عشان كدة عملت حسابي .

رفعت اليه ابصارها تطالعه بلون العسل في خاصتيه بتساؤل:

تنهد يعدل من جلستها حتى لا ينساق لاهوائه ويخطفها في جولة غرامية من جولاته، ضاربًا عرض الحائط بوعوده في مساعدتها، ولكن ضميره الحي لايزال بصحته، ليجيبها بجدية متناولا ملخص المادة الذي تركته قائلا:

- عملت حسابي في اني خدت جولة سريعة على المواد اللي بتدريسها قبل ما اعجد عليكي وندخل، عشان ابجى فاهم وأنا بساعدك،

- بجد يا معاذ، انت فعلا هتساعدني؟

تبسم يجيبها بصدق يخرج إحدى الأشياء من جيب بنطاله القماشي:

- بجد يا قلب معاذ، انا عارف ان دي أصعب مرحلة معاكي، والباقي هيبقى سهل بمجهودك ان شاءالله وانا برضو هساعدك فيه كل ما افضى من شغلي، خدي بقى عشان تفتحي نفسك وتركزي

صاحت بمرح منتبهة على تلك العلبة الذهبية المغلفة بما تعلمه بمحتواها:

- الله يا معاذ شكولاتة، فكرتني بأيام الحصان عزوز والشباك

ضحك يهديها اليها بقبله تسبقها مرددًا:

- احلى شيكولاتة لاحلى لولة، نخلص دلوك بس المذاكره وعزوز نبجى نشوفه بعدين، هو هيروح مننا فين يعني، نسمي بسم الله بقى يا حلوة

بدروها تناولت منه تخطف قبلتها على ظهر يده، لتبدأ معه حصتها الأولى

اما عن حمزة والذي كان كبركان ثائر في هذه اللحظة، يضغط على مكابح السيارة بغضب شديد ، يخطف النظرة نحوها كل دقيقة، هذا الجمود والغموض منها يزيده تشتتًا، حتى فاض به يبادرها بحديثه:

- بصراحة انا مستعجب هدوئك ده، ايه الحكاية؟ لا تكوني فرحانة بطلوع عرفان؟

تلك النظرة التي رمقته بها في البداية تجعله على يقين بأنها تفهمه وتفهم ما يشعل النار بصدره الان، ولكنها كالعادة تستطيع اخفاء ما داخلها، لتخرج عن صمتها بإجابة متحفظة :

- وايه اللي يخليني افرح بطلوع عرفان؟ نفس الأمر برضو اللي هيفيدني من حبسه لو كان بريء؟

برقت عينيه بشرار حارق، يردد باستهجان خلفها، وهذا البرود منها في استقبال هذا الأمر يضاعف عليه:

- كيف يعني ايه هيفيدك حبسه؟ واحد مجرم زي ده، يطلع منها زي الشعرة من العجين بعد ما يلعبها صح مع المجرم شريكه.وتجولي ايه هيفيدك!

زفرت داخلها بصمت دام لحظات، فكيف تخبره عما يجول بخاطرها؟ هو يرى الأمر بطريقته وهي تعلم اكثر بحقيقة ما يصل اليها بإحساس المرأة اليقظ، عرفان طليقها به كل العيوب التي تجعلها تكرهه ولكنها ايضا لا تقبل بظلمه، اما عطوة رأس الحرباء هذا تتوقع منه كل فعل دنيء، لديه عقل الشيطان في قلب الحقائق، لذا لا تستغرب لعبته مع عرفان.

صمتها المريب يمر كالسكين الحامي برأسه، لماذا لا تريحه؟ الا يكفي نيران العشق التي يتلظي بها؟ لتزيد عليه بما هو أمر، تلك الغيرة القاتلة التي لم يعرفها سوى على يديها، لذلك لم يدري بصيحته حين خرجت بعنف انفاعله بها:

- تاني هتسكتي، طب جاوبيني على الاقل، لما انتي هامك عرفان جوي كدة، كنتي جولتي من الاول امنع عطوة ما يعترف عنه، مدام في كل الأحوال هو بريء في نظرك

ياليتها تسبه افضل من تلك النظرة التي وجهتها نحوه، بها حديث صعب عليه تفسيره، ومشاعر اخرى كغضب وعتب هو أضعف البشر امامهم، ربما الاعتذار كان هو الحل الامثل ولكنه لا يأتي بما يريحه:

- انا اسف لو اتعصبت، بس انتي معدتيش غريبة، انتي بجيتي مننا دلوك، يعني اللي يأذيكي يأذينا، واللي يخصك يخصنا.....

شدد في الاخيرة بقصد واضح تعلمه جيدا، كما تعلم ايضا، بما هو على وشك البوح به ان لم توقفه سريعًا:

- خلاص يا ابوريان ولا يهمك، هي لحظة غضب وانا مقدرة، ربنا ما يجيب حاجة عفشة، عن اذنك بقى وجف العربية، بيت اخويا اخر الشارع زي ما انت شايف.

وبدون أدنى نقاش اذعن لرغبتها يوقف السيارة على جانب الطريق، لتترجل منها نحو المنزل الذي لا يبعد الا بمسافة الشارع الضيق، لينفث هو عن غضبه بالضرب على مقود السيارة بعنف شديد، حتى كاد أن يدمي قبضتيه، يتنفس كالوحش، عاجز عن الوصول اليها،

تلك التي ملكت قلبه وتتلذذ بعذابه، متى ترحمه من قسوتها؟ متى ترمي الماضي وجراحه خلف ظهرها لتنظر إلى حاضرها معه؟ حتى يعوضها عن كل ما فات فلا تتذكر من الرجال سواه.

رواية لاجلها الفصل الثاني والعشرون

مدينتي تحتاج إلى الحب كي يسكنها،

وإن ادّعيت غير ذلك، فاعلم أني كاذبة.

غربة القلب أقسى من غربة الأوطان،

فحقيقة الأمر هي غير ذلك على الإطلاق...

وإن لم أعترف بها حتى أمام نفسي.

هل أصبحت عادة بالنسبة لها؟ أم هو شيء جميل لا تتمنى الاستغناء عنه؟

بمجرد أن تطلّ برأسها من باب منزلها إلى الخارج،

أو حين تخرج المفروشات لتهويتها وتنشرها على الحبل المشدود أسفل شجرة التين في الناحية المواجهة لمنزله، كما يحدث الآن،

فقد كان يسقي تلك الشجيرات التي تنمو يومًا بعد يوم.

فهو دائمًا ما يسهر ليلًا أيضًا في نفس المكان مع رجال حراسته،

وتستمر السهرة إلى وقتٍ متأخر من الليل،

وفي جميع الأحوال، يشاكسها بعينيه العابثتين رغم حديثه العادي... والعادي جدًا.

كان يعطيها ظهره في هذا الوقت، مندمجًا بتركيز تام في ريّ تلك النبتة الصغيرة التي جعل زراعتها قريبة من شجرتها،

فلم ينتبه لخروجها المنتظر حتى الآن،

وذلك لوقوفها في مكانها دون إصدار أي حركة،

ليست متعمدة، ولكن الفضول ربما، أو شيء آخر لا تعلمه،

يجعلها تلتقط فرصة انشغاله للتأمل ومطالعته.

في العادة يمنعها الحرج وجرأة أفعاله من النظر حتى في عينيه،

لعلمها جيدًا أنه لا يفوت هفوة عن التفسير والتلميح إليها،

أما في تلك اللحظات النادرة، فلا شيء يمنعها من التمعن في النظر إليه.

شَكليًا، في صفاته، لا يختلف أحد على وسامته الرجولية الخشنة،

التعليم الجامعي طبع عليه حضاريته بوضوح،

أحيانًا يستفزها بجرأته وإصراره على كسر جمودها وتحفظها معه،

يكفي وجوده بجوارها ليغمرها شعور تام بالأمان.

هو حولها، ومعها في أي وقت وزمان،

بل من أول مرة دافع فيها عنها وعن ابنتها بتلقين "عرفان" درسًا قاسيًا بضربه،

وقتها رأت في عينيه نظرة دافئة لم ترها عند أي رجل غيره.

استفاقت من شرودها فجأة على التفاف رأسه إليها وابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتيه،

فاحتدت أبصارها نحوه، وتمالكت بأسها بحمحمة صغيرة منها تجلي حلقها كي تسيطر على ارتباكها،

صمت برهة يشاهدها تنفض بيدها الملاءة الملونة قبل أن تتقدم نحو الحبل وتضعها عليه،

– صباح الخير والهنا يا نسيبتنا.

حسنًا، ها قد بدأنا وصلة العبث والكلمات المبطنة بمعانٍ ذات مغزى...

– الواد ريان إمبارح نزلني في نص الليل أدوّر له على محل حلويات فاتح، وكله بسببك.

توقفت يداها عما تفعل، ورفرفت أهدابها بدهشة،

ترك خرطوم المياه يسقط في الجدول الصغير،

كي يُقرب المسافة بينهما ويجيبها بمكره:

– ما هو من ساعة ما داق المعمول البيتي بتاعك، وهو اتعلّق بيه وعايز منه يوماتي.

وأنا بصراحة هتكسف أطلب من خواتي البنتة، ولا مرت أخوي،

في الأول نزلت بيه على المحافظة ندور على محل زين، واشتريله علبتين،

فاضطريت أدور على أي محل في البلد فاتح وخلاص،

أصل بيصعب عليا جوي، أكمنه وحيد... وملوش أخوات،

وأمه مش موجودة معاه عشان تعمله،

وتنهّد في الأخيرة بمسكنة كي يستجلب استعطافها،

بهذا التأثر الذي اعتلى ملامحها حين تحدثت، متجاهلة الأخيرة:

– لا طبعًا مالوش حق، كان واجب يقولي، هو أنا غريبة؟

ده لو لمح بس جدام ليلى، هي كمان مكنتش اتأخرت وبلغتني.

على العموم، ملحوقة، النهاردة إن شاء الله أعمل له حبّاية كتار، يجعد فيهم شهر.

– ما عايزينش نتعبك يا نسيبتنا...

صدرت منه بنبرة مزجت بين لؤم ونعومة، أخجلتها،

فحاولت الانسحاب من أمامه حتى لا يتطور العشم بينهما لأكثر من عمل المعمول:

– مفيش تعب ولا حاجة، ده ريان زي ليلى، بتي ولا عيال أخوي.......

أوقفها مقاطعًا قبل أن تلتف عنه ذاهبة بسؤالها:

– بجالك يومين يعني ما زُرتيش ليلى، لحقتي تنشغلي عنها؟

– لاه، كيف؟ أنا كنت رايحالها النهاردة.

جاءت إجابتها بعفوية، ثم استدركت مستفسرة:

– وإنت عرفت منين صحّ إني ما زُرتهاش بجالي يومين؟

لو تعلم كيف يستمتع بمشاكستها حين يستفز ذلك الجزء البريء في شخصيتها،

ردّدتها من خلفه بتساؤل، وكأنها لم تفهمها من المرة الأولى،

لتتنهد داخلها بيأس من أفعاله، عائدة لتحفظها:

– تمام، أعدي عليها النهاردة إن شاء الله، أنا بس كنت مشغولة فعلًا...

جاءت الإجابة على سؤاله بظهور مفاجئ لتلك المرأة،

معلمتها المتجهمة دائمًا في وجهه، كلما وقعت أبصارها عليه:

ردّت مزيونة التحية، فقد أربكها حضورها المفاجئ قليلًا:

– صباح الفل يا أبلة اعتماد، وشّك ولا القمر. جيتي بدري يعني؟

ردّت اعتماد موجهة نظرة نارية نحوه:

أنا قولت أبدر عشان ناخد درسنا في السريع بدل ما أروح المدرسة متأخرة،

رجالة فقر ميجيش من وراها غير الفقر.

طالعها بإجفال، يعقّب على قولها:

– ربنا يكفينا شر الفقر... صباحك خير يا أبلة اعتماد.

ردّت وهي تشير بيدها إلى مزيونة نحو باب المنزل،

– توك ما افتكرت، ولا هي وصلت متأخر.

فالتجم في أثرها لحظات حتى خرج صوته:

هو أنا بيني وبينها تار الولية دي؟!

حيث تلك الجميلة التي تتمايل بردائها المدرسي أمام المرآة بعد انقطاع عن ارتدائه لأكثر من أسبوعين،

وهاهي اليوم عائدة إلى دراستها بكامل نشاطها،

بعد أن تمكنت من لملمة ما فاتها في وقتٍ قصير بفضله،

زوجها الحبيب الذي تكفّل بمساعدتها طوال الأيام الماضية بعد رجوعهما من السفر،

ساعات في استذكار الدروس، تقابلها لحظات حب تجمعهما سويًا،

تلك الأيام التي تحلم بها كل الفتيات،

أما هي فستخلّدها في ذاكرتها إلى آخر العمر.

لكن ها قد آن أوان انغماس كلٍ منهما في مجاله،

وهو من الغد، سيسافر إلى عمله في العاصمة...

وقد كان في هذا الوقت جالسًا بجذعه على فراش السرير، متكئًا على قائمته،

بهمٍّ يغلبه رغم روح الفكاهة التي يتمسك بها في تعامله معها:

– هتجعدي تتخايلي جدّام المراية كده كتير؟ شكلك ملكيش غاية،

أنا بجول نأجل يوم تاني، على الأقل تلاجي نفسك مستعدة.

– ولا نص يوم حتى! مش كفاية الأيام اللي ضاعت؟

الأساتذة جابوا آخرهم مني، وأنا معدتش عندي حجج.

واتجهت إليه، تجاوره على الفراش، قائلة بتأثر:

– خلاص، لو زعلان، أغيب النهاردة، ما جاتش على اليوم ده يعني.

مش جايلة بنفسك إن معدتش المدرسة هتقبل حججك؟

عايزة تترفدي ولا يجيلك إنذار على الأقل؟

– طب أعمل إيه طيب؟ ما انت زعلان...

أي حاجة أقولها هتبعيني فيها؟ ما فيكيش مخ؟

توهّجت مقلتاها، ولكزته بقبضتها على كتفه بانفعال:

– طب أنا الحق عليّ إنك صعّبت عليا...

ماشيه، وسايبهالك يا معاذ، بس كده!

سيطر عليها بقوته، يكبّل ذراعيها بيد واحدة، ثم قبّل جبهتها،

– خلاص، اهدي... أنا بهزر معاكي.

ما أنا كده كده هسافر من بكرة، وأغيب عنك بالأسابيع...

مش يوم المدرسة اللي هتاخدي فيه ساعات بس وراجعة تاني.

خمدت شراستها بتأثر، وارتخت يداها عن ضربه،

ناظرة له ببراءة قادرة على سحق مقاومته لشياطين رأسه،

التي تدعوه لرمي كل الوعود والالتزامات خلف ظهره ويطيع أهواءه،

ولكنه يحمد الله أن ما زال فيه ذرة من عقل تنهيه وتصرفه عن ذلك،

– لاه لاه، بلاش يا غالية تبصيلي بعينيكي الحلوة دي وتطلعيها في دماغي صح،

جومي يا ليلى من جاري الله يخليكي...

قومي روحي مدرستك، هتتأخري عليها،

ارتصت أنواع متعددة من الأطعمة للإفطار،

وقد أتت به "حُسنية" تحمله في وعائه المخصص،

لتكمل به الوجبة المتكاملة، وتضعه على المائدة،

تلقي نظرة شاملة على الحضور قائلة:

محدش فيكم طلع يصحي معاذ ولا عروسته ياجوا يفطروا معانا؟

ما تخلي حد من عيالك يطلعلهم يا هالة،

سمعت منها الأخيرة، فتوقف الطعام بفمها،

– إنتي عايزاني أنا الكبيرة أطلعلهم يا مرت عمي؟

وهمّا ما ينزلوش لوحديهم ليه؟ مش عارفين اللي وراهم؟

وجمت "حُسنية" تطالعها بإجفال لحدّتها غير المبررة،

فزفر "خليفة" الذي تابع الموقف منذ بدايته، لينهرها بدوره:

– خلاااص... وفّري كلامك الماسخ،

أنا هرن عليه من مطراحي وأصحيهم... ولا العوزة ليكي.

تمتم بها بنزق، فأفحمها عن الجدال،

ليتناول هاتفه، ويشرع في الاتصال بشقيقه،

لكنه انتبه لهبوط الاثنين الدرج بكامل هيئتهما للخروج،

مقرّبًا رأسه من هالة، هامسًا بضيق:

– حرام تجمّلي نفسك شوية، بدل ما تبقي مكشوفة كده جدام الكل.

عدّلت رأسها نحوه، تحدجه بنظرة نارية لم يأبه بها،

ليصرف نفسه عنها، ويوجه اهتمامه نحو العروسين وترحيب والدته المحب لهما:

الله أكبر، دول نازلين لوحديهم، أهاه، من غير ما نبعت حد!

أنا لازم أبخّركم النهاردة قبل ما تطلعوا.

تبسّم الاثنان لحفاوة الاستقبال المبالغ فيها من المرأة وباقي الحضور،

وتحوّل تمامًا إلى مشاكسة شقيقه وعروسه المحظوظة كما رأتها الآن "هالة".

على "معاذ" الذي كان ملتصقًا بها، وكأنه يرفض ابتعادها عنه تلك اللحظات،

فرحته بها، وهذا العشق المبارك من الجميع،

– تعالوا يا عرسان تلحقوا الأكل الصابح وهو سخن.

تفوهت بها "حُسنية"، وكان رد "معاذ":

– مش هينفع يا حسنية، يدوب أوصلها بالعربية.

– معلش يا أمي، لما يرجع بجى أبقي اكليه براحتك.

قالتها "ليلى"، لتصيح "حُسنية" ببهجة شديدة:

– يا ختي على "أمي" اللي طالعة من بوقك زي العسل!

تعالي يا بت، أبوسك في خدك على الكلمة الحلوة دي، جربي يا بت!

انصاعت "ليلى" وهرولت تقترب منها بمرح،

وأعطتها خدها، فقبلتها هي أيضًا،

فدلف "حمزة" على هذا المشهد معلقًا هو الآخر:

طب واقفين ليه؟ ما تجعدوا، خلي نفسي تتفتح أنا كمان معاكم!

قالها "معاذ"، وهمّ بالذهاب مع زوجته،

– وأنا على الغدا بجى يا عم يا حمزة،

تأخير أكتر من كده مش هلاقي حد يدخلني المدرسة!

– روحي يا بتي، وربنا يوفقك... اللهم آمين.

أما "حمزة" فلم يتركها تتخطاه دون أن يوقفها:

– استني هنا... خدي قبل ما تمشي.

فجذبها على حين غرّة، واضعًا بها شيئًا ما،

لتتفاجأ بورقة نقدية من فئة المئة جنيه،

فأصابها الحرج، وشرعت في إعادتها:

قاطعها بحزم، مشدّدًا على أحرف كلماته:

لكن "معاذ"، الذي انتفخ صدره بفعلته،

اخلصي... خلينا نلحق الحصة الأولى حتى.

وسحبها فجأة، ليهرول بها بخطواته السريعة،

ضحك جميع الحاضرين من كبار وصغار لمشهدهم،

فقد بات الأمر أمامها أقسى من قدرة تحمّلها.

وقد كان وسط مجموعة من زملائه الذين يودعونه بطريقتهم الخشنة في المزاح الثقيل،

وضحكاتهم تجلجل في قلب المكان، ليثيروا انتباه الموجودين والمارة أيضًا.

هتوحشني يا "عرفان" يا ولد بلدي!

رغم تفاجئه وانزعاجه من تلك الطريقة في توديعه،

إلا أنه تماسك، يربّت على ظهره ويجاريه:

وإنت كمان هتوحشني، بس إحنا هنروح من بعض فين؟

خرج "عطوة" من حضنه، يضيف على كلماته:

بعد الفتنة اللي حصلت ما بينا وبعدتنا عن بعض،

بس إنت أخيرًا فهمت اللي فيها... أها، مسامحني يا صاحبي؟

للمرة التي لم يعد يذكر عددها يناديه "صاحبي"،

وكأن بلعبته الأخيرة في التحايل على القانون ليخرجه من القضية،

هذا الأحمق، يبدو أن الغباء قد استبد به،

ونسي أن القضية تخص من إليه بالأساس!

يعني، إن لم يتأكد من صدق الرواية التي أدلى بها،

فعواقب الكذب ستكون عليه أقسى حتى من تخيله.

هل يظن أن التعرّض لعرضه شيء هين؟!

– ملوش لازمة منه الكلام ده يا "عطوة"،

....................................

توقف بسيارته لينتصب واقفًا، يطالع المبنى الذي يُجرى العمل على بنائه بواسطة الشركة المعروفة.

ارتفعت رأسه نحو المخطوط على اللوحة المعدنية في تلك المنطقة الصحراوية، القريبة من بلدتهم:

"مجمع مباني المشفى المتخصص لأبناء المدينة الجديدة والقرى المجاورة لها"،

وهو المشروع الذي تتولى الشركة إنشاؤه، تمامًا كما فعلت من قبل في مبنى الوحدة الصحية ببلدتهم قبل عدة سنوات،

واقفة وسط العمال، تُشرف وتُلقي بأوامرها على رجال لا يصلون لنصف حجمها،

ولا يجرؤ أحدهم على رفع عينيه إليها،

تمامًا كما يحدث الآن أمامه، وكأن الزمان لم يتحرك لحظة.

لا يدري ما الذي أتى به إلى هنا؟

هل يوجد في هذا العالم رجل يعشق تعذيب نفسه مثله؟

ربما... لكن يكفي هذا، عليه أن يغادر.

ارتد بقدميه بالفعل عائدًا إلى سيارته، يهمّ بالمغادرة،

ولكن أوقفه ذلك الصوت الذي تعشقه أذنه،

ليتوقف رغم إرادته، يتابع نداءها باسمه، بعد أن انتبهت إليه كما يبدو:

أغمض عينيه، يستمتع برنة الصوت الناعمة،

سحب دفعة من الأكسجين، ثم زفرها ليملك بأسه،

واستدار إليها، يطالع اقترابها رويدًا رويدًا، حتى وصلت إليه لاهثة:

– في إيه يا عم؟ بقالي ساعة بنده عليك.

برّر بابتسامة لم تصل إلى عينيه:

– سامحيني، مخدتش بالي... هو انتِ بتندهِي بجالك كتير؟

أنا يدوب خدت بالي وإنت واقف مدّي ضهرك،

رحت جاية على طول أتأكد وأسلم عليك،

أجاب وعيناه تحاولان الهرب من خاصتيها، ومع ذلك لا ينجح:

لقيت الفضول موجفني أشوف المشروع الجديد،

بس ما كنتش أعرف إنه تبع شركتكم.

– آه بقى، ما إحنا ماسكينه قريب بدل الشركة اللي كانت موقفاه،

صمت حتى انتهت من إسهابها، يومئ برأسه كاستجابة،

بعد أن تمكنت من قلب فرحته بلقائها إلى تذكير صارخ بأولوياتها في الحياة،

– تمام يا هالة... هجولهم الاتنين يبجوا يعدّوا عليكي.

وقد أتت اليوم في زيارة لابنتها، بعد غياب لم يتعدَّ الثلاثة أيام،

وكانت نتيجته شكوى وصلت إليها، لتعبّر عن استيائها منها الآن:

– بتشتكيني لجوزك يا ليلى عشان بس اتأخرت كام يوم؟

أمال لو زوّدت، هتعملي إيه يا بت؟

وأنا اللي جولت إنك كبرتي وعجلتي في جوازتك دي!

تعقيبًا على قولها، ردّت ليلى بتشتّت:

أنا يمكن زعلت صح، بس مش لدرجة الشكوى!

– على تلت أيام يا موكوسة زعلتي؟

والمحروس اللي ما يتبلّش في خَشمه فولة،

بلّغ الغضنفر التاني، طب يمكن كنت تعبانة!

صدر منها شهقة عالية تقارب الصرخة، مرددة بهلع وقد اقتربت منها تتفحصها بعينيها:

حاسة بإيه؟ جوليلي، أجيبلك دكتور!

مكنتش تعبانة ولا حاجة، زينة وتمام،

لكن غيبت يا ستي... فيها إيه يعني؟

وجمت ليلى، بملامح تذكرها باحتياجها الدائم لها،

بس أنا مهما شفت من محبة في البيت هنا،

يعني انتي كده لو زودتي في الأيام، يبجى عايزاني أتعوّد على الوحدة؟

نفت لها "مزيونة" بهزّة من رأسها:

– لاه طبعًا... إن شاء الله أجيلك دايمًا، بس...

فكيف تخبر ابنتها الصغيرة عن تلك المشاعر المتناقضة التي تنتابها في هذا المنزل؟

لكن... نظرات غريبة من تلك المدعوة "هالة"، رغم ادّعائها غير ذلك،بالإضافة إلي حمزة... الذي...

لا تعلم، ولا تريد التفكير في الأمر...

لكنها دائمًا ما تفضّله كجار في بيتها، أما هنا؟

لا... لا تريده أصلًا، لا تريد حتى رؤيته!

خَطفتها ليلى من شرودها، فتنتبه، وتغيّر دفة الحديث سريعًا:

المهم شوفي السلة اللي عند الباب دي،

طلّعي منها الحاجات اللي فيها، وهاتيها ورايا على المطبخ، نرتّبها في التلاجة.

سمعت منها ليلى، وتحركت بالسلة حتى وضعتها على أرضية المطبخ،

تُخرج الطعام المُعدّ من والدتها داخل أوانٍ مُحكمة الغلق:

الحمام المحشي بالأرز – فهذا شيء أساسي –

لكن ما لفت انتباهها تلك العلب البلاستيكية المغلقة،

التي ما إن قامت بفتح غطائها لتكتشف محتواها، حتى هتفت بلهفة نحو والدتها،

التي كانت بدأت في جلي الأطباق بحوض الغسيل:

– أيوه، استني بس... أنا عاملة علبتين،

– أيوه، ريّان... أصلّي عرفت إنه بيحبّه...

لا تعلم "مزيونة" لماذا برّرت عبارتها بنوع من الحرج الذي شعرت به فجأة،

لكن ليلى صاحت بمرح، تركض بالعلبة:

وقد ركضت بالعلبة لتُفرح الصغير،

...............................

حين خرجت من شقتها تبحث عن الصغير، وقفت في الشرفة الشاسعة التي تتوسط الطابق، لتنظر إلى الأسفل، فوجدته يلعب مع أقرانه.

حين التفت إليها، أشارت بيدها كي يصعد وحده، وملامحها تنبئ بأنهّا ستخبره بسر ما،

مما حفّزه أن يذهب سريعًا دون أن يسحب معه البقية، ليعرف ماذا تريد.

أما والده، فقد كان في هذا الوقت يصطف بسيارته داخل الفناء الضخم للمنزل، عائدًا من الخارج،

– طلع من الصبح؟ انت متأكد من كلامك ياض؟ الراجل ده فعلًا طلع؟... طب اسمع زين، عايزك تخلي بالك منه وتجيبلي أخباره أول بأول... زي ما بقولك كده، انت نفّذ وبس... تمام.

أنهى المكالمة، يزفر بضيق متعاظم، وهمٌّ يجثم على صدره.

لقد خرج هذا الشقي يحمل بيده صك البراءة من الجريمة المخزية،

وهو الأعلم بما يدور برأسه الآن.

وهو لم يتقدّم ولو خطوة واحدة في علاقته بتلك العنيدة،

التي تفرض سلطة عقلٍ ممتلئ بعُقد الماضي

على قلبٍ سلّم الراية منذ فترة ليست بالقليلة.

زفر بضيق، ثم دلف إلى داخل المنزل،

وألقى التحية على والدته التي تتخذ من المقعد في وسط الردهة مجلسًا دائمًا لها،

– مساء الفل والهنا يا نور عيني... شكلك جاي تعبان يا ولدي؟

أومأ لها بضيق، يرمي حُجّته على العمل، دون الإفصاح عن السبب الحقيقي:

– معلش، بجى النهاردة كان يوم مليان شغل ومقابلات ولتّ وعجن... يلا، الحمد لله.

مش متعوّدة تجعدي لوحدك؟ فين بقية الشعب؟

على العموم، لو قصدك على أخواتك البنتة، فدول في بيوتهم، مفيش ولا واحدة جات منهم النهاردة.

أما عن خواتك، فخليفة نايم فوق، ومعاذ راح يجعد شوية مع أصحابه قبل ما يسافر بكرة على شغله.

أما عن حريم إخوتك، فهالة... انت أدرى بيها، زي الجن، تخفي وتظهر فجأة.

تمتم بها، معتدلًا في جلسته، مردفًا باهتمام:

– يعني مزيونة جاعدة فوق عند بتها دلوك؟

أومأت بجفنيها، وشبح ابتسامة بزغ على ثغرها، قائلة بمكر:

– طلعت بجالها ييجي ساعة... قعدت معايا لحظة قبل ما تروح لبتها.

شوية كده وتلاقيها نازلة، حكم إنها عزيزة النفس، ما تحبش تأخر نفسيها أبدًا.

بدوره، أومأ هو الآخر، يدّعي التفهّم:

– أيوه، صح... أنا برضو واخد بالي منها في الحتة دي... أآآ...

قطع الحديث بتشتّت، وقد تاه عقله بين رغبة ملحّة في الصعود ورؤيتها،

أو الانتظار المرّ، وذلك ما يملكه الآن، ولا حيلة له بغيره.

حين وصله صوت صغيره، مختلطًا بصوتها وصوت ليلى،

تنبهت حواسه، واعتدل باهتمام شديد، يتابع هبوط الثلاثة على الدرج:

– أنا هغيظ بيه كل العيال النهاردة يا خالة مزيونة، واللي ياخد واحدة يدفع تمنها الأول!

قالها ريان ردًا لها، وأيدته ليلى بشقاوتها:

– جدع يا ريان! أيوه كده، اتعلم تبقى تاجر شاطر من صغرك.

– شوف يا خوي مين اللي بتتكلم! أخيب واحدة في العالم بتدي نصايح!

شهقة استنكارية عالية صدرت من ليلى، هاتفة بها:

– أنا يا أمه؟ أنا برضو خايبة يا أمه؟!

– أيوه إنتي يا عين أمك، أمال أمي أنا؟!

قالتها "مزيونة" بضحكة جلجلت بمرحها، غافلة عمن اهتز قلبه فرحًا بداخله...

فقد كانت هذه أول مرة له يسمع ضحكتها المنطلقة دون تحفظ،

ضحكة تتعمد كتمها مع جميع البشر،

إلا هذين الاثنين: ابنتها ليلى... وفخر العرب، ابنه ريان.

والذي كان أول من انتبه إليه منهم،

ليكمل باقي الدرجات نحوه راكضًا...

أبوي، ابوي، شوفت خالتي مزيونة عملتلي ايه؟

خجلت الاخيرة تبتلع ريقها بحرج شديد، فهذا ما كانت تخشاه، والان يتحقق مع رد فعله وهو يتذوق واحدة من يد صغيره متلذذًا بشدة:

- امممم تسلم يدها، دا احلى كمان من اللي اشترناه من محل امبارح واللي قبله يا ريان .

قدم ريان واحدة آخرى ممن يحتفظ بهم داخل كفه إلى جدته والتي تناولت منه هي ايضا، لتعبر عن إعجابها:

- يا ماشاء الله، تسلم يدك يا بتي، حلوة جوي صح زي ما جال ريان وابو ريان، بس مش عيب يا ولدي تملى كفك من حاجة العروسة؟

تدخلت هنا ليلى تزيد على الطين بلة بعفويتها:

- لا ما هو مش من بتوعي، ريان امي عملتله علبه كبيرة لوحدة لما عرفت انه بيحبه زيي .

تمنت مزبونة أن تنشق الأرض وتبتلعها، فرغم أن ما قامت به كان بمحض نيتها الطيبة لا تقصد من خلفه شيء، ومع ذلك شعرت الان بحنق شديد، وكأنها وقعت بفخ نصبه لها ذلك الماكر والد الطفل، كم تود خنقه.

- يعني امك عملت علبة معمول كاملة لريان؟

جاء التساؤول فجأة من تلك التي ظهرت ايضا فجأة، لا احد يعلم من أين خرجت او أتت ، تطالع مزيونة بأعين حادة ، حتى جعلت حمزة يقطع عليها، موجها خطابه للأخرى:

- تشكري يا ست مزيونة، والله وفيكي الخير، جبرتي بخاطر ريان ولدي مجرد بس ما عرفتي انه بيجيب المعمول .

- طبعا امال ايه، مش بعيد عليها بت الأصول، ربنا يبارك في صحتك يا بتي، والله اللي عملتيه ده عجبني انا كمان، تسلم يدك.

اومأت مزيونة برأسها في رد للأثنان، متجاهلة تلك التي صارت تخرج دخان احتراق منها ، فتستأذنهم:

- الله يسلمكم انتو الاتنين، اسيبكم بجى بعافية، اصل عايز اعدي على اخوي قبل ما اروح بيتي.

هم حمزة أن يمنعها عن الذهاب ولكن اوقفه دوي هاتفه باتصال من الرقم الذي كان يحدثه منذ قليل، وما ان شرع بأن يجيبه حتى دخل احد الاطفال من ابناء اخيه مناديا:

- عمي حمزة ، في واحد برا طالب يدخل يشوف مرة عمي ليلى .

انتفض حمزة هادرا نحو الصغير امام دهشة ليلى ووالدتها:

- مين يا مخبل انت اللي طالب يشوف مرة عمك كدة مرة واحدة، دا مجنون دا ولا ايه؟

- لا مش مجنون، دا بيقول انه ابوها.

تفوه بها الصغير لتأتي كصاعقة ضربت رؤوسهم، وتابع حمزة بعدم تصديق:

- ابوها مين يا واض؟ هو اي حد يقولك كلمة تصدقها؟

- انا اها يا حمزة باشا، جايلك بنفسي عشان تتأكد.

جاء الصوت من مدخل المنزل، من قبل عرفان الذي دلف بصحبة زوج ابنته معاذ، يرافقه بوجه متجهم، اظهر حجم الضيق الذي يشعر به، وهو يدعوه مضطرا:

- اتفضل يا عمي طبعا البيت بيتك .

رواية لاجلها الفصل الثالث والعشرون

من عيون الناس، من مفترق الطرق، من لحظة ضعف… منكِ، حتى منكِ.

أحببتكِ كمن وجد فيكِ وطنًا… فصار يخشى كل رياحٍ تعصف بالبيوت.

أعلم أنّي لا أُحسن التعبير… ولا أُجيد حياكة الكلمات كما تستحقين.

أحمل عنكِ صمتكِ حين يثقلك، وأخبئ وجعكِ في صدري، ولو استطعت لخبأتكِ كلّكِ فيه.

أنا لا أملككِ، لكنّي لا أحتمل فقدك.

وكل ما أفعله الآن… حماية بصوتٍ مكتوم، وتمسّكٌ بصبرٍ مرّ، ودعاء لا يسمعه سواي:

"اللهم احفظها… كما أحفظها أنا، بل أكثر."

مراجعة وخاطرة جميلتي #سنا_الفردوس

المنزل المرتب النظيف أصبح مدخله ساحةً لها، تقطعه ذهابًا وإيابًا، تطل برأسها كل لحظة إلى الخارج تستطلع إن كان قد وصل إلى الشارع أم لا.

لقد طال انتظارها، وتسرب القلق إلى قلبها. منذ علمت من أحد أقاربها أنه قد وصل إلى مدخل القرية وعلى وشك الوصول إليها؟ ما الذي أخره؟ والمسافة المقدرة من مدخل القرية إلى منزلها لا تستغرق أكثر من دقائق بالسيارة أو ربع ساعة على الأكثر إن قطعها بقدميه، إذًا ما الذي عطّله؟

ألا يكفيه بعد أن رفض استقبالها له خارج أبواب السجن حين خروجه، لتضطر إلى التزام المنزل في انتظاره؟! لقد فعلت كل شيء من أجل إسعاده. قلبت المنزل رأسًا على عقب في التنظيف والترتيب، أعدّت كل الأصناف التي يحبها من الطعام، حمّمت أطفالها وجعلتهم يرتدون الملابس الجديدة الزاهية، فهم وسيلتها لاستدراج عاطفته نحوها. أما عنها، فقد فعلت كل شيء حتى تصبح امرأة كاملة كما تنظر إلى نفسها في المرآة. حتى لو استمر على صلفه، ربما تغلبه رغبة الرجل بداخله. لقد اشتاقته... وبشدة. ألن يأتي بعد؟

زفرت وهي تلتف عن المرآة، ذاهبة نحو الهاتف، تحاول الاتصال بأحدٍ ما يخبرها عنه، ولكن أوقفها دخول ابنها الذي كانت قد أرسلته هو الآخر منذ قليل للسؤال. ركضت نحوه بلهفة:

– واض يا ناصر، عرفت إيه أخر أبوك؟

أجابها الصغير متأففًا وقد أرهقته بتوترها وأسئلتها المستمرة:

– أبوي دخل البلد من بدري يا أمه، بس هو عدّى على بيت أختي يسلم عليها قبل ما ييجي على هنا، زي ما قالي عمي اللي كان معاه.

– أختك مين اللي راحلها؟! إنت اتخبلت يا واض إنت؟

رد ناصر ببساطة وهو يجاور شقيقته في الجلوس على المقعد:

– أختي ليلى يا أمه، راح يزورها في بيت جوزها، وعلى ما يخلص مشواره هياجي على هنا.

صرخت بها، تضرب كفًا بكف، ثم تفركهما بغل:

– والله عال، يعني طالع من السجن عليها دوغري في بيت الناس! اللي كان ما يسأل عليها وهي في بيته هنا؟! ماشي يا عرفان، أما أشوف آخرتها إيه معاك، إنت والمحروسة مزيونة الزفت! أن ما كنت أطلع القديم والجديد لو حصل اللي في بالي.

......................................

هل اقترب الوصال؟ أم ما زلنا في تلك المتاهات

وننتظر فقط المعجزة لقلب الواقع إلى السعادة التي نرجوها؟

في منزله! ومجبر على استقبال ذلك المتنطع!

في منزله! ومجبر على الجلوس والتكلف بالحديث معه في تلك الجلسة التي تضم أفراد عائلته، وبحضورها هي وابنتها.

تلك النيران التي تشتعل داخله الآن، من يشاركه بها؟ أو يشعر به؟!

كان ينقصه هذا الناقص ليزيد على همومه، وهو بالكاد يتلمس لينها بعد شهور أنهكته صبرًا في ترويضها من عقد كان هو سببها.

– مجرد بس ما عربيتي دخلت البلد، وأنا لقيت نفسي جاي على البيت هنا طوالي، من غير ما أريح ولا أغسل جسمي، عشان أشوف البت وأطمن عليها وسطيكم.

توقف ناقلًا بصره نحو حسنية المتجاوبة معه بعض الشيء، مردفًا نحوها:

– حكم نار كانت جايدة فيا يا حجة، ربنا ما يحط حد مكاني، ولا يتعرض للظلم اللي أنا اتعرضتله.

أومأت حسنية بعدم تصديق ولكنها ادعت مجاراته:

– الحمد لله اللي فك كربك في الآخر يا ولدي، وربنا يجازي ولد الحرام اللي كان السبب، بس سمعت إنه كان صاحبك؟

أنكرها سريعًا، ليجبر هذه المرة مزيونة على تكذيبه بحدة، قطعت بها صمتها:

– كيف يعني ولا نعرفه؟ إنت بتتكلم على حد غريب؟ دي عطوة، اللي عتبت البيت شكت من دوسه عليها.

ضحك بخبث، يحدق بها بسفور وكأنه أوقعها بالفخ، يتحدث بانشراح وكلمات مقصودة:

– معلوم يا أم ليلى، بس أنا ما جصديش على اللي فات، دا عدى وولى بالنسبالي من كله، يبجى هتمسك بصحبة واقعة زي دي تجيب الفقر ليه؟ أنا راجل قررت أبدل من نفسي بعد الظلم اللي عيشته، وأبجى إنسان تاني، يعني عرفان القديم مات، واللي جدامك دلوقتي عرفان المحترم، اللي عايز يحادي على عياله ويصلّح اللي فات.

صدح بها قوية، ذلك الثائر، برفض حاسم لتلك الألاعيب المكشوفة من هذا الثعبان المتلون، وحتى يصرفه عن النظر نحوها بوقاحة تجعل الدماء تغلي برأسه. فجاء الرد من عرفان بتسلية وتبجح يثير الدهشة:

– وماله بجى اللي حاصل دلوك يا أستاذ حمزة؟ ما أنا بقول أها، طالع من السجن وفاتح بابي للدنيا وللتغيير، بتي...

توقف يضم إليه ليلى المذهولة، والتي كانت جالسة جواره، ليردف بحمائية جديدة عليه:

رد معاذ بحدة لا تقل عن شقيقه، وقد استفزه المعنى المبطن خلف كلماته:

– وماله يا عمي لما تبقى سندها، بس ليلى وراها رجالة كتير، مش بس خالها وصفي، ولا رجالة عيلتها اللي استلمتها منهم على الأصول المعروفة. أمها كمان، نفسها الست مزيونة، بألف راجل بالنسبالي. وبردك ليلى مش محتاجة لحد، أنا هحافظ عليها جوا عيوني، مش هعوزها للي يدافع عنها.

غمغم بها خليفة، الذي كان حاضرًا هو الآخر، بفخرٍ انتفخ بصدره كبقية الحاضرين. فقد سدد رميته جيدًا في إفحام هذا الرجل المستفز لهم، بحديثه الذي أشعل الصدور، ليضطر هو الآن للتدخل من أجل تهدئة الأجواء، قبل أن يفعل شقيقه الأكبر جريمة يجزم أنه على وشك القيام بها:

– زي ما جالك كده يا حج عرفان، وفي الأول والآخر، ليلى بنتنا وفي عنينا كلنا من جوا، إحنا برضو رجالة ونعرف في الأصول.

– أيوه يا أبوي، إن كان عمي خليفة، ولا عمي حمزة، ولا أمي حسنية، كلهم في البيت ده بلا استثناء شايلني جوا عيونهم، دول عيلتي الكبيرة بعد أمي...

– وأبوكي... بعد أمك وأبوكي يا ليلى، احفظيها.

قاطعها بها، يثير الاستهجان والحنق الشديد نحوه، رغم تريثهم الشديد معه. ثم أردف يرحمهم قليلًا من ثقله، وهو يهم بالنهوض عن أريكته:

– طب، أجوم أنا دلوك أستأذن عشان أروح بجي.

خاطبه خليفة بمجاملة زائفة أمام صمت الباقين:

– بسرعة كده يا حج؟ خليك شوية على تتعشى وتريح شوية، ولا عاوزها تبقى عيبة في حقنا، وإحنا خلاص بقينا عيلة واحدة.

عبست ملامح حمزة بضيقٍ واضح نحو شقيقه، الذي تبسّم مشاكسًا، وقد دعمته حسنية أيضًا تنفيذًا للأصول التي تربّت عليها:

– صُح، زي ما جالك كده، البنتة جوا بيحضروا الوَكْل، مسافة خمس دقايق بس، وكله يجهز على السفرة. إنت أبو ليلى بنتنا، يعني منينا دلوك.

ضحكة سمجة ارتسمت على محياه، يوزّع أبصاره نحو حمزة وزوجته السابقة مزيونة، قبل أن تستقر أخيرًا علي حسنية:

– يجعله عامر بحسك يا حجة، إنتي قولتي بنفسك، بجينا عيلة، يعني في أي وقت أجي أسأل على بتي الغالية، بكريّة أبوها.

إلا صحيح... هي وقفت دراسة ولا بتروح منزلي؟

هتفت مزيونة ردًا له، تسبق ابنتها في الإجابة:

– لا دي ولا دي، بتي مكملة في تعليمها عادي، وهتكمل سنتها عشان تجيب المجموع الزين وتدخل الكلية اللي هي عايزاها.

للمرة الثانية، يجرّها لمخاطبته، فيحدّق معقّبًا عليها، يتفرّسها بعينيه، يزيد من جذوة النيران التي تسري بقلب حمزة، الذي يُحجم نفسه بصعوبة عن ارتكاب جريمة قد تكلّفه عارًا يلبسه، إن هو قتله أو حتى طرده من المنزل:

– وعد الحر دين عليه، وإحنا ناس بنفهم في الأصول، نبجى كدها، مش واطيين إحنا عشان نوصل لعرضنا وبعدها نلحس عهودنا.

ذهب عن عرفان العبث، وقد فُهِم قصده، بتلميحه الواضح عن مزيونة وشهادة الإعدادية التي حرمها منها بعد زواجها. تقلصت ملامحه بضيق واضح، مستأذنًا:

– وماله؟ كل حاجة نصيب في الأول وفي الآخر. يلا يا أم ليلى، مش مروحة معايا برضو؟

– أم ليلى لسه هتجعد شوية مع بتّها.

لا تعلم كيف فعلها، وتكفّل بالإجابة عنها. لتضطر، مُذعنة، لمجاراته رغم حرجها الشديد أمام باقي الحضور. حتى إذا غادر عرفان يجرّ أذيال الخيبة خلفه، توجهت بنظرات متسائلة نحو حمزة، الذي تنفّس أخيرًا، بعد قرابة الساعة التي قضاها مختنقًا في وجود عرفان الكريه. لينتبه إليها قائلًا:

– أكيد مكنتيش هترضي تمشي معاه، فأنا حبيت أوفّر عليكي. أبو تجل دم أمه، أنا مش عارف كنتي متحملاه إزاي الجزين ده!

تفوهت حسنية بالاسم بلهجة محذّرة حتى لا يتجاوز، فيُحرج المرأة وابنتها التي تغضّنت ملامحها بتأثر، لا تدري عن سبب الزيارة المفاجئة لوالدها، أتحمل وراءها خيرًا أو شرًّا؟

– معلش يا جماعة، ما تأخذونيش، أنا بس اتعصّبت. يعني لما طبّ كده من غير سابق إنذار... لكنه أكيد مرحّب بيه عندنا، وبرغم كل الخلافات اللي ما بينّا، يكفي إنه أبوكي يا ليلى.

أومأت الأخيرة بتفهّم، وقد التفت ذراع زوجها الحانية حول جذعها، يدعمها، ويبث إليها الاطمئنان بنظرته، مما انتقل بأثره على مزيونة، التي شعرت بالإنهاك، يأن جسدها تعباً وطلباً للراحة:

– يادوبك أنا كمان أروح على بيتي، الله يجازيه عرفان، أخرني أكتر ما أنا متأخرة.

كانت تتحدث وأقدامها تتحرك للمغادرة، مما استدعى حمزة لتوقيفها:

هتفت تهمّ بالجدال، لكنه حسم بإصرار لا يقبل النقاش:

– هسبقك أنا وريان على العربية. من الليلة دي أساسًا، هبيت في بيتنا الجديد.

تمتمت مزيونة من خلفه بذهول، وقد تيبّست قدماها، ناظرةً في أثره وهو يسبقها بالفعل للمغادرة، تحاول استيعاب قراره المفاجئ بالسكن في المنزل الجديد، رغم عدم اكتماله بعد، على حسب علمها...

ذلك الشيء السحري لاستمرار العلاقات، أن نتشاجر ثم نعاتب، ونتقبّل النقد، حتى وإن اختلفنا في الطريقة أو مهما حدثت بيننا من أخطاء...

كل شيء يمر، وتبقى المودّة التي تجمع بيننا ولا تفرّقنا.

والمحبّة... هي وقود الاستمرار في مواجهة الواقع.

أغلقت خلفه مصحفها، بعد انتهائها من القراءة فيه وهي خلفه.

سُنّة يتبعها معها منذ بداية زواجهما معًا؛

مهما مرّ عليهما من خلافات، أو نشبت بينهما مشاجرات،

فمجرد أن يأمرها أن تتوضأ وتأتي خلفه... لا تعصيه أبدًا.

وكم كان جميلًا، وما زال، إطفاء نيران الغضب بالوضوء والصلاة معًا، ثم قراءة القرآن.

صدّق على آيات الله الكريمة، يتأملها جواره بنظرة رضا، وقد اندمجت تتضرع إلى المولى ببعض الأدعية له ولها، ولباقي أفراد أسرتها ومن تعرفهم. ثم تمسح بكفّيها على وجهها، فتنتبه أخيرًا على تحديقه بها، سائلة:

– إيه؟ بتبصّلي كده وانت ساكت ليه؟

جاء رده بعملية ومحبّة، حين امتدت كفّه ماسحًا بأنامله طرف ذقنها، ليرفعها بعد ذلك إلى فمه، يقبّل أثرها بهم قائلًا:

– وأنا من إمتى كنت شبعت بُصّ فيكي أصلًا؟

تبسّمت بخجل شديد تنهيه، رغم سعادتها الدائمة بغزله:

– ووه عليك يا منصور، لما فجأة تهبّ عليك، بتطلع منك حاجات!

وبارتباك شديد، حاولت أن تنزل طرحتها لتقف وتذهب، إلا أنه جذبها، لتصطدم بجسده، يطبق عليها بذراعيه، يهمهم مرحًا، بعد أن وضع المصحف على حامله:

– إيه يا ست منى؟ يا أم لسان طويل، بيكشّ فجأة مجرد ما أجولك كلمة حلوة؟ بعد العمر ده كله ولساكي بتتكسفي مني؟

اعترضت تحاول إزاحته عنها، بمزاحها كعادتها:

– وانت هتطلعني بتكسف بالعافية؟! بعد يا منصور، ليدخل حد من العيال، يقولوا عليك إيه وانت حاشر أمهم على صدرك كده؟

– يقولوا اللي يقولوه يا ستي، إنتي ملكيش دعوة!

ادّعت التذمّر في محاولة الفكاك منه:

– يوووه، لما تطلب معاك غلاسة! طب افتكر حتى صلاتك، ولا القرآن اللي كنت لِسّاك ماسكه في يدك، يا شيخ منصور.

تبسّم، مشدّدًا بذراعه أكثر على ظهرها، يرفع وجهها مقابل وجهه:

– وإيه اللي يمنع بَجى، مادمت ماسك حلالي؟ ومغضبش ربنا في فعل الحرام؟ ده حتى يبقى حرام عليّا أكتم أشواقي اللي محبوسة في صدري دي ناحيتك. ترضيهالي؟

هذه المرة، كانت الضحكة من نصيبها، تعلّق ساخرة:

– أشواقك إيه يا منصور؟ كل السنين دي مع بعض، ولسّه باجي أشواق محبوسة في صدرك؟

تبسّم مرة أخرى ليؤكد على قولها:

– ولو مرّ ميّة سنة، ما أظنش أبدًا إني أبطل أحبك ولا أشتقلك.

من وجت ما شوفتك أول مرة في الفصل، بضفيرتينك، وأنا أول مرة أدرّس، كنت عايز أعمل شخصية بشدتي عشان الكل يحترمني.

كل البنات خافت، إلا إنتي، الوحيدة اللي كنتي تعارضي، ولما أتعصّب تقلبيها هزار.

لا بعاقبك، ولا بجدر أمنع نفسي من الضحك على أي جملة تجوليها.

شجلبتي عقلي، وخلّيتيني أحب التدريس عشان أدخل كل يوم الفصل بس أشوفك وأناكّف فيكي.

ولما زادت معايا، حلفت إني هستنّى عليكي لحد ماتكبري، لا هبصّ لغيرك، ولا إنتي هتكوني لغيري.

كانت تناظره بحب، فالوضع بينهما لا يحتمل استخفافًا ولا المزاح الذي تتخذه منهجًا في التعامل معه.

هو بالفعل اختارها منذ أن كانت صغيرة بضفيرتين، وهي أيضًا لم ترَ أو تعرف من الرجال غيره، وإن كانت لا تعرف الطريقة في التعبير مثله،

إلا أنها تعلم تمام العلم أن شعورها المتبادل معه... يصله جيدًا.

غلبتها عفويتها، سائلةً تنتشله من شروده وذكريات مضت:

صدحت ضحكته العالية مرة أخرى،ثم رد عليها:

– لا، أنا عارف آخرتها... وانتي كمان عارفة.

قطبت قليلًا، ثم ما لبثت أن فهمت مغزى كلماته، لتحاول الفكاك منه:

– واه! ده إنت محدد هدفك كمان! جوم يا منصور، لحد من العيال يعوز حاجة!

باغتها، يرفعها عن الأرض حاملًا لها، مؤكدًا على ما يعتزم عليه:

– لا والله ما يحصل. العيال؟ وزمانهم ناموا أصلًا!

– تاني "عارفة"؟ ووه عليك يا منصووور!

صافح جميع من استقبلوه وتحدث مع معظمهم فور عودته إلى منزله، وها هو الآن يحتضن أطفاله، يقبّلهم ويداعبهم، فلم يتجاهل إلا هي. حتى حين تخاطبه، يجيبها بكلمات مقتضبة دون أن يلتفت إليها، وكأنه يستكثر عليها النظرة. ومع ذلك صبرت، ووضعت همّها في تجهيز الطعام، حتى إذا انتهت من تحضير المائدة، جاء وقت دعوته:

– الوَكَل يا عرفان، مش ناوي تاجي؟

رمقها بطرف عينيه، يقبّل ابنته الصغيرة قبل أن يتركها بصحبة الباقين، وينهض نحو المائدة التي ارتصّت بما لذّ وطاب، والعديد من الأصناف المتنوعة. جلس مشمّرًا عن ذراعيه، يلتقط على فمه بنهم من كل الأطباق. جلست هي مقابلةً له، تردد بأسى وتعاطف:

– أكيد كنت جعان جوي، دا غير أكل السجن اللي ما يجوع أكتر ما يشبع، اسم الله عليك، نجصان النص!

توقف فجأة عن تلوِيك الطعام بفمه، ليحدجها بنظرة غامضة وغير مفهومة، أطال بها لدرجة أثارت الريبة داخلها، حتى ابتلعت ريقها بتوجس، سائلة:

مصمص طرف أصابعه المدهونة بأثر اللحوم التي كان يلتهمها بشراهة، ليرد بما أذهلها:

تنبهت حواسها، وتراقص داخلها الأمل، لتلمس شعرها المصبوغ، متعشّمة بكلمة غزل منه:

– عندك حق، اصلي صابغة شعري جديد عند الحفّافة، خليتها دارت على وشي وجسمي، مخلتش حاجة. حتى رسم، تحبّي أوريك آها؟

قالتها لترفع كم ذراعها، تُظهر الحنّاء حتى الرسغ، ثم في الأمام، تُنزل حتى آخر نهديها، ثم أكثر المناطق إغراءً. تطالعه بتفاخر وهو يتأمل كل واحدة منها بصمت، حتى ظنّت أنها وصلت لغرضها، قبل أن يفاجئها بقوله:

– تعبتي نفسك جوي، بس دا كله لمين بَجى؟

– هيكون لمين يا عرفان؟ هو أنا ليا غيرك عشان أتزوّج له؟ دا أنا مستنياك على نار بجالي شهور، وما صدّقت إنك طلعتلي بالسلامة.

ابتسامة غير مفهومة حلت في زاوية فمه، سائلًا بهدوء:

شهقة ملتاعة شقّت حلقها، تجيب عن سؤاله المُختصر في كلمة:

– اشتاجتلك!... دي كلمة صغيرة جوي عن اللي جوايا يا عرفان، دا أنا هموت من شوقي إليك.

زامّ بفمه متابعًا طعامه، وهي في انتظار إشارة منه تُثلج قلبها، فلم يدم صمته سوى لحظات، قبل أن يصعقها بفظاظته:

– غريبة! مع إني لا اشتقت، ولا طايقك أصلًا.

غصّ حلقها، شاعرةً بنصل سكين حاد انغرز في صدرها. لا تصدّق كمّ القسوة التي يتحدث بها، دون أدنى إحساس بما يفعل من جرح لكرامتها وأنوثتها. لتجد أخيرًا صوتها معبّرة عن استيائها:

– ليه كده يا عرفان؟ ليييه؟ أنا مرتك ولا عدوتك؟

توقف أخيرًا عن طعامه، لينهي الحديث والجدال:

– اعتبري نفسك لا مرتي ولا عدوتي. وكويس جوي إني حاطك في المساحة دي دلّوك، مش عايز أجلب ولا أخليها ضلمة عشان العيال اللي ما بينا، بس لو تفتكري إني نسيت يبجى انتي واهمة. أذيتك ليا ولمرَتي دي تروح فيها رِقاب.

بدمعة احتبست في عينيها إثر الإهانة التي أصابتها منه، دافعت:

– بس أنا معملتِش حاجة لمَرَتك، كل اللي عملته كان عمل بالمحبّة. إنما مرض مزيونة فأنا ماليش دخل بيه. ولو عايز الحق، يبجى بسببك وبسبب أنانيتك. كلنا كنا عارفين وفاهمين، إلا أنت. عشان مبتفكرش غير في نفسك وهواها. وهي كانت صغيرة، صغيرة جوي على حمل واحد زيك. أنت مبتَرحمش، ولا بتحِس يا عرفان، ولا عايز تعترف إن العيب فيك مش فيا. أنا كل اللي عملته في حياتي، عشان كنت عشقاك. تعرف معناه إيه الكلمة دي؟

ضاقت عينيه بحقد وغضب دفين، بعد أن غمره الانتشاء بدموعها، رافضًا تعكير مزاجه أو تصديق ما تدّعيه. فزفر أنفاسًا حارقة، يردف بهدوء مريب:

– حظّك إنّي مليش غاية أعكّر مزاجي، وهفوت. لكن كلمة تاني، يبجى انتي اللي جبتِيه لنفسك...

صمت برهة، يحدّق بها بناريته، يبث الرعب بقلبها حتى تخرس عن أي جدال، ويتابع آمرًا:

..........................................

أوقف السيارة في المنطقة الفاصلة بين منزلها ومنزله، لتلتفت إلى ريان، ذلك الصامت منذ أن تحرك بها من المنزل الكبير. وها هو يترجّل منها بتجهّم، يُخرج حقيبتين من الملابس له ولطفله، جمعهم على عجالة، وكأنهم استعداد لرحلة مدرسية. وجهه مظلم بغضب لا تعلم سببه، لقد تبدّل مزاجه من وقت ظهور عرفان في منزله، ضغط على نفسه وتعامل معه بالأصول مضطرًا، لكن في الآخير، تحوّل إلى هذا الشخص الغريب أمامها.

يتعامل بجفاف حتى مع طفله، وهي لا يُحدّثها كعادته، ولا يلتفت نحوها من الأساس. وها هي الآن، عليها أن تترجّل من السيارة، وتترك ذلك الصغير ليبيت معه داخل منزله الجديد، الذي لا تعلم إن كان مجهزًا ومفروشًا أم لا؟ ولماذا العجلة في السكن من الأساس؟

– هتنزل معايا يا ريان؟ أديك من بلح الشام اللي عملاه النهاردة، دا هيعجبك جوي.

لا تعلم لماذا عرضت على الطفل ذلك الأمر، ربما أشفقت عليه من جنون أبيه، وكما توقعت، وجدته مرحّبًا:

– بلح الشام من يدك إنتي؟ أكيد هيكون أحلى من المعمول كمان، يا خالة مزيونة...

قاطعه والده، وهو يُلقي بالحقيبة الصغيرة إليه:

– مش وجت حلو! خش دلّوك، رتّب هدومك في دولاب الأوضة بتاعتنا، على ما أركن العربية وأجي وراك.

لم يعارضه الصغير، رغم الحزن الذي اعتلى قسماته، ليتناول الحقيبة ويسبقه في فتح باب المنزل، وتنفيذ ما أمره به. مما استفزّها لتعبّر عن سخطها:

– في إيه؟ دا انت ساحب الواد من غير ما تعشّيه في بيت جده، وحتى الحلو كمان مستكتره عليه! عشان هدمتين يطبجهم في دولابك؟ طب استنّى لما تجهّزلُه أوضته حتى!

– لا، مش هجهّز. هو مجبر يبيت معايا على سريري، على ما أجهّزلُه أوضته بالمرة. وإن كان على الوكل، متشيلِيش هم. أنا ممكن أبعَت أي حد يجيلي من البيت أي حاجة خفيفة، الوكل دا آخر همّنا.

يتحدث بحدّة تستعجبها، وكأنها أخطأت أو أجرمت في حقه:

– طب وليه دا كله؟ فجأة طبّ في دماغك تبات الليلة في البيت الجديد إنت والواد؟ وانت لسه مخلصتش ألوانه حتى؟

بماذا يُخبرها؟ تلك الجاحدة التي تجعل نيرانه تستعر وهي في عالمٍ آخر، لا يصلها شيء. ليحدّق بها بصمت أربكها، وكادت أن تتركه، لولا أنه لحق سريعًا بإجابة جاءت بكلمات ذات مغزى:

– الألوان كمان مجدور عليها، وترتيب البيت، وباقي العفش كله ياجي في وقت واحد. المهم إني... ما أسيبش هنا... البيت ميتسابش كده لوحده. من النهاردة، مفيش نوم بعيد عنه. دا بيتي... اللي بحاوط عليه بجالي شهور، ومش هسيب حد يقرّب عليه، ولا ياخده مني.

قالها بثقة وأمر محسوم، جعلها تحاول صرف الفكرة التي طرأت برأسها عن مغزى كلماته... أن تكون هي المقصودة.

هي بالطبع تظن خطأ، ما دخل المنزل بها؟

أغلقت هالة باب خزانة الملابس الخاصة بها هي وزوجها، بعد أن اختارت منها منامة تصلح للنوم، لتخلع عنها عباءتها البيتية وتهمّ بارتدائها، فدخل خليفة إلى الغرفة عائدًا من الخارج، لتقع عيناه عليها بتلك الهيئة، فقد كانت شبه عارية أمامه، بمشهد يأسر البصر.

لا ينكر أن جمالها كان من أهم الأسباب التي دفعته للموافقة على الزواج بها، ولكن...

كانت قد ارتدت القطعة العلوية حين انتبهت إلى دخوله، فاقتربت بلهفة، وقبل أن تزرر أزرار منامتها، سألته بفضولها المعتاد:

– أخيرًا دخلت يا خليفة، ضيف الغَبَرة مشى على كده؟

قطّب جبينه بعدم تركيز قبل أن يجلس ويخلع حذاءه عن قدمه:

اقتربت لتجلس على الكومود المقابل له، فأصبح جسدها المكشوف مائلًا نحوه، لتصيبه بالتشتت، وكاد أن يفقد تركيزه لولا كلماتها:

– جصدي على نسيب الهَنا يا خليفة، خريج السجون أبو الغندورة، مرة أخوك معاذ.

بحركة بسيطة منها، وغبية كما أصبح يراها الآن، قلبت سحر اللحظة، ليخاطبها مستهجنًا:

– هالة، هو انتي حرام تتكلمي زين عن خلق الله؟ مش واخدة بالك إن الكلام ده يزعلني؟ بما إنك بتجيبي سيرة أخويا؟

ارتفعت زاوية شفتها بعدم اكتراث، لتنهض من أمامه وتكمل ما كانت تفعل:

– وإيه اللي يزعلك بجى؟ هو أنا جبت كلام من عندي؟ ده الراجل طالع طازة من السجن على بيتنا، كأنه فاكرها تكية أبوه واد الفرطوس!

زفر وهو يطالعها بغضب مكتوم، فما الفائدة من الحوار مع امرأة لا تقتنع من الأساس؟ أجبر نفسه على التجاهل، لكنها أبت أن تتركه، فما إن ولى بجذعه عنها، حتى وجدها تسقط فجأة على السرير بجواره:

– طب جولي، أخوك سحب ولده يبيّته معاه في البيت الجديد ليه؟

ضرب بكفه على الفراش، مما جعلها تجفل من فعله، ليهدر بحنق:

– ميخصّكيش! والزمي حدودك بقى، عشان أنا جبت آخري منك! وحتى الأوضة، سيبهالك!

أنهى كلماته ونهض، ساحبًا جلباب بيتي، وخرج ذاهبًا إلى غرفة أخرى في المنزل، يبدّل ملابسه وينام ليلته بعيدًا عنها. لتغمغم هي في أثره:

– براحتك يا خليفة، حتى كلام بيني وبينك مش مدّيني فرصة. مش حامل كلمة على إخواتك، وهمّا ضاربينها طول وعرض...

– بس حلو، طلوع المتعوس ده من السجن حلو جوي. يلا، خليه يلمّ لحمه ويغور بيهم بعيد عنينا!

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

"الأمر لك، لك يا صاحب الملك... الأمر لك، لك يا صاحب الملك..."

خرجت صباحًا والشمس لم تشرق بعد، يجذبها التغريد العذب من الطائر الجميل، لا تعلم من أين يأتي، فالأشجار كثيفة في المنطقة، ولابد أنه اتخذ موقعه على إحداها.

"الملك لك، لك يا صاحب الملك..."

كانت تكررها من خلفه، وقدماها تسحبها للاستمتاع بنسمة الفجر الساحرة، والهدوء منسجم مع التغريد الذي يأتي من الموقع المجهول للطائر، فيأسر حواسها ويمنحها لحظتها الخاصة من السعادة والتأمل.

لكن شعورًا بالحركة خلف ظهرها جعلها تلتفت فجأة بإجفال، لتُفاجأ بحمزة غافيًا على مصطبتها الطينية أسفل شجرة التين، حاضنًا صغيره "ريان". يذكّرها بوالدها قديمًا حين كان ينام على نفس المصطبة ويأخذها هي في حضنه.

ولكن، ما الذي يدفع هذا المجنون لذلك الأمر؟

استدركت فجأة وجه التشابه بين الحالتين، لتقترب، تهمهم بدهشة:

– يا دماغك يا حمزة اللي عايزة ظبط زوايا! يعني تطقّ في دماغك كده فجأة، تسكن هنا انت والمسكين الصغير ده؟ لا واللي عليك كل حاجة تجهّز هوا!

وانت أصلًا ناسي إن البيت لا فيه مروحة ولا تكييف؟ كان عليك بإيه بس؟ تشحطط الواد معاك؟! عقلك رايح منك خالص!

تنهدت بعمق تتأمل ريان بإشفاق، تمصمص شفتيها:

– يا حبيبي يا ولدي، ربنا يعينك على أبوك.

وانتهت تسحب نفسها عائدة إلى منزلها، غافلة عن ذلك الذي فتح عينيه الاثنتين على وسعهما، وقد أدار رأسه يتابعها حتى اختفت من أمامه، ليغمغم متوعدًا بابتسامة اشرقت بوجهه:

– ماشي يا مزيونة، ومطالعاني مجنون كمان؟ حااااضر... انتي لسه شوفتي جنان أصلًا!

تحديدًا داخل منزل حمّاد القناوي، كان هذا موعد سفره، أول فراقٍ بينها وبينه منذ الزواج. سيغيب عنها لأسابيع، بعد أن اعتادت على دفئه، وعلى عاطفته المجنونة التي يُغدق بها عشقًا لا ينضب.

كيف يُقنع نفسه بالذهاب، وقدماه قد تيبّستا على الأرض من شدّة تشبثها به؟

تلف ذراعيها الاثنتين حول جذعه، وهو لا يقصّر في ضمّها وتقبيل رأسها:

– خلاص يا ليلى، أنا كده هلغي السفر في الآخر، يا جلبي متصعبيهاش عليا، كلها أسبوع ولا أسبوعين بالكتير وهتلاقيني فوق راسك.

رفعت رأسها نحوه، وبعينا القطة التي تأسره حين تنظر إليه:

– ما أنا مش عارفة هجضي الأسابيع دي إزاي يا معاذ، أنا اتعودت عليك وعلى حضنك ليا، وانا متعودتش أنام لوحدي… ينفع أنده أمي ولا أروح لها أنا؟

ضحك بمرحٍ حتى عاد رأسه إلى الخلف، ثم مال يُقبّل وجنتيها الشهيتين قائلًا:

– والله بكلامك ده بتفكرّيني بالنكتة الشّهيرة. على العموم يا ستي، في الحالتين ما ينفعش… أنتي عارفة عوايد بلدنا، مفيش عروسة تروح على بيت أبوها غير بعد سنة، ولا ست أشهر على الأقل.

وإن كان على أمك تاجي هنا، أنا والله ما ممانع، بس هي هترضى؟

هزّت رأسها نفيًا، ثم أطرقت بعينيها، فطبع قبلةً حانية على جبهتها، ثم تناول حقيبته يجرّها بيد، والأخرى التفّت حول كتفيها.

خرج بها من الشقة، يُلقي عليها بعض التعليمات لتلتزم بها في غيابه، حتى توقّف عند أهمها، عند حاجز الدّرج الإسمنتي:

– وأوعي تنسي تاخدي الحباية… أوعي يا ليلى، فاهماني؟

أومأت بثقة تطمئنه، فاقتنص من ثغرها قبلةً أخيرة، ثم نزل الدّرج، حيث كان شقيقه خليفة ينتظره ليقله بالسيارة إلى محطة القطار.

غافلًا عمّن كانت واقفةً خلفه على باب شقتها في الطابق الأسفل، وقد وصل إليها الحديث بالكامل، لتتساءل في نفسها:

رواية لاجلها الفصل الرابع والعشرون

ارتدت ملابس المدرسة وتجهزت للحاق بدوامها الدراسي باكرا كما اعتادت، منذ ان تولت مهمة الاعتماد على نفسها او بالأصح بمساعدة من زوجها الذي كما ينهض باكرا للذهاب إلى عمله، كان يتابعها ايضا عبر الهاتف، يفعل المستحيل لانجاح التجربة وهي ايضا لا تقصر بالإستذكار وفعل كل ما يلزم في سبيل التفوق والحصول على الدرجات العليا من أجل إسعاد والدتها ونفسها أيضا بالمستقبل الباهر الذي تتمناه، ولماذا تتراخى مادامت تجد التعاون من الجميع؟

وصلت الى الطابق الارضي، لتجد حسنية او كما تطلق عليها امي حسنية جالسة في انتظارها ببراد الحليب الساخن وقطع الكحك والبسكويت المصنوع في المنزل، تتلاقاها بابتسامتها العذبة فتبادلها ليلى بالقاء التحية:

ـ صباح الخير يا أمي، انتي برضك صاحية بدري مستنياني، حرام والله، كان لازم تبجي دفيانة على سريرك دلوك

-يا ختي ياريت يجيلي قلب اجعد حتى لسبعة، لكن الجسم اللي واخد على الشجا والصحيان بدري يا نور عيني هو نفسه مبيرضاش، الفجر يأدن وتلاقي الفرشة كأنها شوك تحتي، لازم اصلي وابدا يومي بعدها، خلاص العضم اتكيف على كدة، اقربي ياللا اللحقي كوبايتك جبل ما تبرد.

تبسمت ليلى بامتنان تقترب وتجلس على الكرسي المقابل، لتبدأ في تناول فطورها كما تحب بتناول الكحك الصعيدي المغموس بحليب الجاموس الكامل الدسم، يكفي فنجان واحد منه لاشباع المعدة وإمداد الجسد بدفعة مذهلة من الطاقة.

وحسنية الجميلة لا تكف عن تحفيزها:

- اوعي تسيبي نقطة في كوبايتك، وطبق البسكويت دا تاكليه كله مع وحدتين الكحك على ما عمك خليفة ينزل من فوق عشان ياخدك في طريقه

توقفت عن المضغ بفمها، لتهمهم حرجا بحديث نفسها، قبل تتوجه بخطابها إلى المراة:

-- كمان عمي خليقة يشحطط معايا زي كل يوم، مش كفاية عمي حمزة بيناولني المصروف يوماتي قبل ما يروح على بيته..... طب يا امي انا كل يوم بجولهالكم، والله ما فيها حاجة لما خدها كعابي مع صحابي للمدرسة، دا حتى بيقولوا المشي رياضة.

بصوت بدا كالشهقة تحدثت حسنية بتشدق لطيف:

- برضك عايزة مرة البشمهندش معاذ بحاله على سن ورمح تاخدها كعابي؟ كملي وكلك يا بت وفضيها رط، شدي حيلك بس وجيبي مجموع كبير، خلينا نعدي السنادي على خير، وليدي خليفة دا ميعاد شغله اصلا مهياش مستاهلة يعني.

توقفت فجاة رافعة ابصارها الى اعلى الدرج، مستطردة:

- واهو نازل لوحده اها على ميعاده من غير ما نبعت حد.

نظرت ليلى الى الاعلى بدورها، تتابع نزول خليفة الذي تبسم لها تلقائيا يلقي تحية الصباح وخلفه هالة العابسة دائما، تلقي تحيتها الفاترة بصوت بالكاد يخرج، لتظل على صمتها في متابعة مزاح الثلاثة:

- تعالى يا خليفة يا ولدي شوف مرة اخوك ام مخ ضارب، جال خايفة على تعبك جال،

- ليه هشيلها فوق راسي يعني ولا ايه؟ بلاش الاحساس دا يا ليلى، انتي متجوزة واحد ميعرفوش اصلا.

تبسمت ليلى بحرح ردا على مزحته ثم نهضت رافعة حقيبتها لتتحرك معه، وذهبا الاثنان، تاركي حسنية وهالة التي وجدت فرصتها في الانتقاد:

- طب والله كويس انها بتحس، انا جولت الصفة دي متعرفاش اصلا على رأي خليفة

- لزوموا ايه الكلام ده يا هالة؟ لا تكوني مدايجة كمان عشان بيوصل البنية؟

- لا طبعا وانا ايه اللي يزعلني يعني؟ العربية بتاعة البيت كله اصلا مش ملك خليفة، وحتى لو كان، انا مش قصدي على كدة اصلا، رغم اني معايا الحق برضوا.

تمتمت الاخيرة بصوت خفيض كالهمس ومع ذلك وصلت إلى حسنية التي عقبت باستنكار واضح:

- كلامك في تلميح ماسخ يا هالة محدش يجبله، ليلى الصغيرة بتقول لخليفة يا عمي.

انتفضت هالة وكانها تدافع عن كرامتها:

- وه يا مرة عمي اللي بتجوليه ده؟ برضك انا هالة هغير منها؟ ليه يعني؟ كانت احلى مني مثلا؟ ثم انا كمان مجصديش على كدة خالص على فكرة، انا اجصد على تناحتها، بصراحة يعني مزوداها جوي، اكتر من شهرين دلوك وهي عايشة فيها في دور العروسة اللي متقربش حتى على هدومها وتغسلها، طب بتذاكر وقولنا ماشي انما مبتجيش عليها ولو نص ساعة حتى تنضف شقتها وتعمل طبختها لوحدها، من غير ما تتعب اهل البيت في خدمتها ، ولا امها دي اللي بتبعتلها الوكل جاهز كل يوم او تاجي بنفسها .

_ نص ساعة هتنضف وتطبخ فيها كمان!

غمغمت بها حسنية بما يشبه السخرية، لتردف بعدها بتشديد:

- اسمعي يا هالة، مادام جاعدة محلك يا حبيبتي ومحدش طلب منك مساعدة يبجى متتعببش نفسك، بنتتي ولا بناتهم مفيش واحدة فيهم بتعمل غصب عنها، دول بيساعدو برضاهم، عشان يرضو اخوهم ويرضوني انا كمان، وانا ان كنت بطلب منهم فدا عشان عمار ولدي يا غالية، بالظبط زي ما انا متصبرة عليك من اول جوازك بخليفة وبغطي على كل اغلاطك، ولا نسيتي ان انتي كمان اتجلعتي وياما عكيتي الدنيا برغم انك مكنتيش بتتعلمي ولا حاجة ولا حتى كان عندك اي سبب.

طالعتها بغضب دفين، بعدما افحمتها بردها، لتزيد على حقدها من تلك المذكورة ووالدتها مزيونة

...............................

نعم وذلك بفضل العمل المتواصل ليل نهار للعمال طوال الفترة الماضية، مع تجهيزه بالاثاث اللازم ، فلم يعد متبقي سوى رتوش قليلة قد يضيفها للزيادة من فخامته ، ثم يأتي بعد دور الطابق الثاني والذي كان واقفا به الآن يعاينه بأعين خبيرة ليقرر كيف سيكون نظامه؟ مطابقا للاول أم مختلف عنه؟ فقد كان خاليا الان الا من السور الذي يحاوطه وألاعمدة التي سوف يتم الاكمال عليها، تطلع أمامه بنظرة رضا فهو لا ينكر داخله أن ذلك هو الجزء الاحب إليه ، يكفي أن يقف هنا ويطل من محله على منزل محبوبته المكشوف أمامه ، ان كان من برج الحمام أو حتى بعض الأجزاء المفتوحة داخل المنزل الطيني.

تلك المتمردة التي تصر على تجاهل مشاعرها نحوه، رغم كل ما يلمسه منها من تجاوب واضح ومع ذلك لا يجرؤ حتى الآن للمواجهة خشية انقلاب مفاجيء منها، فهو الاعلم بما قاسته على مدار سنوات عمرها وخلف داخلها عقد ومأسي لا تنمحي الا بصعوبة ، بفضل هذا الملعون زوجها السابق و...... تبا ما هذا

كان قد وصل إلى حافة السور بأفكاره الدائرة برأسه دون هوادة ليتفاجأ بغريمه واقفا أمام منزلها وهي مقابله وكأنه يعطيها شيء ما وهي تتقبله بتأثر ، بمشهد جعل الدماء تغلي برأسه، ترا بماذا يتقرب إليها هذا المتبجح؟ اللعنة عليه أن تركه يصل إلى غرضه

اما عند مزيونة والتي كانت واقفة بالفعل أمام باب منزلها ، تتناول من عرفان ذلك الشيء العزيز الذي أتى به إليها ، فكانت في حالة لا تسمح لها حتى بالكلام ، وقد غص حلقها بذكريات الماضي التي تجلت أمامها بتلك الأشياء البسيطة التي كانت تمسك بها الآن بين يديها ، وعرفان المتربص أمامها ، يعلق بنوع من تأثر وكأنه يتضامن معها.

من اول ما عيني وجعت عليها وانا عرفت أن يستحيل تسبيها بخاطرك، شكمجية المرحومة امك انا عارف زين كيف كانت غالية عليكي، دي فيها كل روايح المرحومة.

بصوت مبحوح وهي تدور على الأشياء الجميلة بذكرياتها، ترفع الزجاجة الفارغة من عطرها ولكن تبقى أثرها ورائحة تشتاق اليها بوجع، ثم صور الابيض والاسود للراحلة والباهتة بعض الشيء، الأساور الفضية وعبوة الكحل وبعض قطع الدهب من عقدها الذي تحتفظ به هي الآن بدرجها وصورها وصور والدها وشقيقها وأبرة وخيط كتان، وبعض ازرار ملابسها واشياء أخرى عديدة :

- دورت عليها كتير في اليوم اللي طلعنا فيه انا وبنيتي وانا بلم خلجاتي وخلجاتها مع الحاجات الضروري اللي كان لازم اخدها، لحد ما فجدت الامل إن القاها وانت كنت واجف مع الرجالة وبتستعجل طردنا، يأست وفي الاخر سيبت تكالي على الله .

رق صوته بنوع من الاسف مرددا وقد مر أمام عينيه الشريط المخزي لكرامته في تلك الليلة؛

- في ليلتها كان الغضب عاميني يا مزيونة وكأني واخد ضربة فوق راسي بفكرة انك تسيبني انتي والبت وتمشي كلمتك عليا... بس....... ما علينا .

توقف حين قرأ الاستهجان بنظرتها إليه ، ليلحق سريعا حتى لا يعطي فرصة للنقاش في ذلك الأمر مردفا:

اللي فات مات يا مزيونة، انا جولتلك من الاول اني بجيت واحد تاني دلوك، بدليل اها ، اول اما لمحت شكمجية المرحومة امك جيت جري عشان اسلمهالك لمعرفتي الزينة بغلاوتها عندك .

اومأت بهزة من رأسها تجاري كذبه:

- ماشي يا عرفان، على العموم متشكرين يا سيدي..

- لا يا مزيونة انا مش بعمل كدة علشان الاقي شكر منك، انا جصدي ابينلك اني اتغيرت، بدليل اني مش بس مستعد اكمل علام ليلى وهي في بيت جوزها على حسابي، لاه دا انا كمان مستعد اكملك انتي واوفي بالعهد القديم اللي خدوا عليا المرحوم والدك، انك تاخدي شهادة الاعدادي في بيتي، كنت صغير ساعتها ومديتش اهتمام لكن دلوك اللي تجولي عليه يا بنت الناس .

اظهر اسفه في الأخيرة حتى يستجلب استعطافها، اما عنها فلم يدخل حديثه رأسها على الإطلاق ، حتى أصابها الضجر منه لتنهي هذا اللقاء معه:

- مفيش داعي للكلام دا دلوك يا عرفان، ثم كمان مينفعش اجف على الباب اكتر من كدة ولا اجدر اقولك اتفضل.

- ماشي يا مزيونة حقك، انا برضو ميهونش عليا حاجة تأذيكي, افوتك بعافية بجى سلام.

أنهى يسحب نفسه ويغادر من أمامها بضيق استشعاره بعدم استجابتها، لكن سرعان ما تبدل مزاجه، فور ان انتبه لحمزة الذي كان واقفا على باب منزله الجديد بتجهم لا يخفي على رجل مثله، وقد فطن إلى مراقبته لوقفته مع مزيونة، حتى أثار بداخله التسلية ، كي يكيده بابتسامته هاتفا:

- مرحب يا نسيبنا منور بيتك الجديد

وأكمل بضحكة استفزت حمزه ليحدجه بنظرة نارية مغمغما في أثره:

- دا نورك يا اخوي اللي معبي الدنيا، يا بوي على تقل دمك

وبعد أن بعث إليها ريان لتخرج إليه الآن وتلقاه أسفل شجرة التين في المنطقة الفاصلة بين منزله ومنزلها، معطيا لها ظهره بغموض غير مفهوم ، مما اضطرها الهتاف بإسمه حتى تخبره بحضورها. او لفت انتباهه على حسب اعتقادها:

- نعم يا ابو ريان، الواد بلغني أنك عايزني ضروري .

ظل على وضعه لبرهة، لتنتبه على سحب أنفاسه القوية بتحرك عضلة ما بظهره, قبل أن يلتف إليها بغموض تجلى في نبرة صوته :

- فعلا انا اللي بعته، عشان عايز اتكلم معاكي ضروري ، ضروري جوي,

اهتزت رأسها اليه باستفسار، فجاء رده مباشرة ودون مواربة:

- كنت عايز اعرف، عرفان كان هنا ليه؟ وكيف يجف معاكي؟ امال الواد حازم دا ايه لزمته ؟

لم تغفل عن حدته في توجيه السؤال، ومع ذلك فضلت الرد بصورة طبيعية رغم رفضها تحقيقه:

- حازم ابن اخوي ربنا يحفظه ويبارك فيه ، هو اللي فتحله وكان واقف معاه جبل ما اطلع انا واستلم الأمانة اللي كان مصمم يسلمهاني في يدي .

مال برقبته نحوها يتابع استفساره:

نفخت داخلها باستهجان لأسلوبه، في إثارة حفيظتها, لتجيبه بنوع من الانفعال:

- أمانة غالية يا ابو ريان، شكمجية المرحومة امي، كانت تايهة في العفش اللي فوتناه

غمغم بها مطرقا رأسه بتأثر ثم ما لبث أن يرفع ابصاره إليها بحدة مستطردا:

ـ بس برضو ، كان بعته مع اي حد ، كان اداه لاخوكي ، لواد اخوكي، لاي حد من طرفه، لكن هو ياجي هنا ليه؟ ولا هي تماحيك وخلاص.

ـ وافرض ان كان بيتمحك ولا يتزفزت، انا ليا حاجتي اني خدتها منه وخلصنا على كدة .

هتف بها من خلفها، ليضيف بالمزيد وكأنه تحول إلى شخص آخر :

ـ الراجل البارد ده مالهوش جيا هنا واصل ، النهاردة شكمجية من ريحة المرحومة، بكرة جزمة ولا بعده بنسة شعر ، ورجله تاخد على البيت ، وابجى جابليني لو خلصنا صح.

- امتقعت ملامحها باعتراض، فما تلمسه من تجاوز يجعلها تكاد تفقد الذرة المتبقية من تماسكها، لتزفر بسخط قائلة:

ـ مش شايف انها كبرت شوية منك يا ابو ريان

صاح ردا لها بغضب متعاظم، وكأنه صار كالمجنون غير واعي أو مدرك لأي شيء سوى ردع هذا الرجل عن الاقتراب منها :

ـ خليها تكبر يا ستي، المهم الراجل ده يتلم على دمه، فاضينله أحنا عشان ياجي ويتحنجل بأي حجة يخترعها وتفتحله سكة للقرب، اجفلي معاه من اولها، مش تسبيه لحد ما ياخده العشم ، انتي ادرى واحدة بدماغه السم المنتول ده، هو انا اللي هنبهك عليها دي؟

تصلبت محلها بعدم استيعاب ، مستنكرة ذلك التسلط الجديد منه، لتخرج عن تحفظها هي الأخرى:

- جرا ايه يا نسيبنا؟ الموضوع مش مستاهل كلام ولا فرض أوامر يا نسيبنا.

استفزه تركيزها الشديد في تذكيره بتلك الصفة حتى لا يتعدى حدودها معها، ومع ذلك هو اليوم مصر على تحديها:

ـ لا مزيونة مستاهل، مستاهل يا مزيونة ومن غير نسيبتنا كمان؟

احتدت ملامحها بخط مستقيم ناظرة له بحنق شديد مقارعة له:

ـ ولما تنفي صفة النسيب، يبجى فرض الأوامر ده بصفة ايه ؟

تبسم دون مرح، وجديه تقطر مع كل حرف منه، كاشفا كل أوراقه لها:

- صفتي انتي عارفاها زين يا مزيونة، وان كنت صابر عليكي ومأجل اي خطوة جدية أخدها معاكي، فدا برضو عشانك، جافل على اللي في قلبي وكاتم على اللي جوايا ، في انتظار انك تحني وتنسي اللي فات، تبصي لنفسك ولعمرك معايا، مش تفضلي واجفة محلك واللي تقدري عليه يدوب هو شهادة تطوليها بعد سنين.

كان حادا في اعترافه بل وصادما في كشفها أمام نفسها، بصورة افقدتها النطق لحظات، تتحرك حدقتيها بتشتت، تستجمع شتاتها بصعوبة لتكن على مستوى الحدث في ردع هذا الرجل المتبجح، كيف يخاطبها بتلك الجرأة؟ ولكنها لا تجد صوتها ، ولكن تملك قدمين للذهاب... او الهروب ......

- استني عندك يا مزيونة انا بكلمك.

هتف يعترض طريقها فور ان التفت للذهاب ، مما حفزها هذه المرة لتنهره:

ـ بعد من وشي يا حمزة يا قناوي، انا مش هسمحلك تتمادي معايا اكتر من كدة......

صرخ بها مقاطعا لها، يتابع بقهر ما يعتري قلبه نحوها:

ـ دا انا صابر عليك صبر ايوب، انا لو مش متأكد انك بتبادليني نفس الشعور عمري ما كنت هتكلم ولا حتى اصدق نفسي، الماضي الزفت وعقده اللي حاجبه عنك كل حاجة حلوة حواليكي، انك تبصي في المراية وتشوفي صورتك زين، تشوفي مزيونة اللي تستحق الحب والحياة اللي تستاهلها.....

ـ بعد عني يا حمزة، انت كدة اتعديت حدودك.

لم يغفل عن ارتجافها امامه، ولا بصوتها المهتز في مخاطبته، رغم ادعائها القوة في رفض تصديقه، ومع ذلك هو اليوم قد أخذ القرار في إخراج ما في قلبه كاملا :

- لا يا مزيونة مش هبعد، عشان تشوفيني زين، ارفعي عينك اللي بتهرب مني دي واعرفي مين اللي واجف جدامك؟ انا حمزة مش عرفان، حمزة اللي يحطك تاج فوق راسه، مش عرفان اللي........ ما يعرف في الحياة غير نفسه وشهواته مع واحدة جميلة زيك...

ازدادت حدة انفاسها، وامتقعت ملامحها بغضب عميق، فقد تخطى كل الخطوط الحمراء امامها، حتى كادت أن ترفع يدها وتصفعه على وجهه، ردا لوقاحته ولكنها لم تملك الجرأة سوى الرد بلسانها:

صاحت بها في وجهه، لتندفع من أمامه عائدة إلى مصدر امانها، بخطوات أشبه بالركض، فتعلقت عيناه بها حتى اختفت داخل منزلها، تغلق بابها عليها ، صافقته بقوة ، ليغمغم هو محدثا نفسه:

- جلة ادب! هو انتي لسة شوفتي جلة ادب؟ والله ما هعتقك يا مزيونة لغاية ما تعترفي لنفسك قبل ما تعترفيلي انا كمان.

وجدها تقف أمامه متخصرة في استقباله، بجسد يهتز من فرط عصبيته، ليعلق ساخرا:

- كفاية هز لافتكر أن سطتك الكهربا وهتفرحيني لما تروحي فيها...

ختم بضحكة سمجة ضاعفت من حنقها لتصيح به:

ـ حقك يا عرفان تضحك وتتمسخر، مدام جاي من عندها بعد ما سويت اللي مخك، يبجى اكيد ضحكت عليك بكلمة تطيب خاطرك، مسكين وصعبان عليها ياعيني.

ـ اتلمي يا صفا بدل ما اعرفك انا مجامك.

لم تتأثر بتعنيفه؛ فقد برد نارها قلب مزاجه سريعا ، لتتابع في التنفيس عن غضبها:

ـ هتعمل اكتر من كدة ايه يا غالي؟ بعد ما خليتني خدامه تحت رجليك، ولما تعوز اللي متقدرش تستغني عنه، تعاملني زي الجارية، وبس تخلص نفسك ترميني من اوضتك زي الحشرة، أوضتك، اللي هي اوضة المحروسة في الأصل، و اللي بتتنشج على نظرة منها تحن عليك بيها

سمع منها يعلق بصلف وجلافة ردا على وقاحتها في الحديث معه

توهجت نيران الحقد بداخلها لتواصل غير آبهة بغضبه:

، رايح تودليها الشكمجية اللي رميتها انا مع الكراكيب ورا البيت يا عرفان، طب ياريتني كنت حرقتها مع وجيد الفرن وانا بحمي للخبيز،

ـ طب أن هجيبلك من الاخر ، مهما عملت يا عرفان مش هترجعلك، عارف ليه؟ عشان المرة اللي عايزة جوزها صح، مهتسيبش المرض يتمكن منيها ويرعى في جسمها عشان تبجى حجتها في بعده عنه، مزيونة كانت مرحبة بالمرض اكتر منك، بدليل أنها مطابتش ولا خفت منه، غير ما اطمنت انك زهدت فيها، ودا كله بفضل العمل اللي عملته، دا انا خدمتها اكتر ما خدمت نفسي.

هل كان عدوها لتنتشي بتأثير الكلمات السامة عليه الان؟ لا لم يكن عدوها ولكن جرح قلبها وإهدار كرامتها كان له أكبر الأثر في صفعه بالحقيقة ولتتحمل عواقب قولها الآن، بعد أن امتقعت ملامحه الشقراء تقارب السواد من فرط غضبه منها ، وقد برزت عروقه بخطر ليقترب منها مقررا فش غليله بضربها، يسبق رفع يده جملة واحدة منه:

ـ طلبتي ونولتيها، انتي اللي جبتيه لنفسك يا صفا ، اتحملي بجى

ناظرة في المرأة، تطالع نفسها كما اخبرها، تلوم ذاتها في تساهلها معه ، حتى تبجح في الحديث وتطاول عليها، لابد من رد قاس مع هذا الرجل ، حتى لا يتجرا ويعيدها مرة أخرى، لقد غلب بجنونه شقيقه الاصغر مع ابنتها ، ولكن الاخر له عذره، اندفاع الشباب في عروقه وعدم نضج صغيرتها كانا من أهم الأسباب لتأجج المشاعر بينهما ، أما هو وهي .......هو رجل اوشك على الاربعين من عمره، اي في عز نضجه ولا ينقصه شيء حتى يفتعل هذا الجنون مع امرأة مثلها.........

لقد أخبرها أنها تستحق الحياة، وأمرها أن تنظر في المرآة، وهل كانت مقاطعة ولا تنظر بها كل يوم ؛ ما الذي ستكتشفه يعني؟ تتأمل جيدا تلمس على شعرها الحريري المفرود على كتفيها وحول وجهها، ذلك الذي يتميز بنضارة طبيعية لطالما حسدتها الفتيات والنساء عليه، عيناها اللوزية بلونها البني، ولون الوجنتين بحمرة طبيعية تتفاقم وقت خجلها أو غضبها كما حدث منذ قليل، لقد اخبرها أنها جميلة؟ نعم هي تعرف هذه الصفة منذ مولدها، حتى الاسم الذي أطلقه والدها عليها كان بفضل هذه الصفة، ولكنها أيضا كانت قد فقدت الاحساس به، احساس الجمال أو أنها مرغوبة.

لطالما رافقتها نظرات الإعجاب أو تلك الجائعة التي تعرفها حق المعرفة اينما حطت قدميها بمكان ولكنها لم تكن تتأثر على الإطلاق .

اللعنة لماذا تنظر في انعكاس وجهها الآن وكأنها تراه لأول مرة؟ هل اخبرها أنها فاتنة ايضا؟ لا لم يخبرها اللعين.

انتفضت فجأة من شردوها على صرخة اخترقت اسماعها:

- اللحقني يا بوي، اللحقيني ياخالة مزيونة ، حد ياجي ويلحقني يا ناس.

صرخت بها لتركض نحو الخارج، ساحبة طرحتها على عجالة، تغطي شعرها المفرود بإهمال، لترا ما الذي أصاب الصغير

من داخل شرفتها، وقفت تستند بمرفقها على السور ذو السطح الرخامي، تتمعن النظر بذلك المشهد المستفز لها، داخل الحديقة وتجمع صغارها حول الأرجوحة التي استولت عليها تلك المدللة بعد عودتها من إحدى كورسات الدروس التي يتكفل بها زوجها لإكمال دراستها، تتأرجح مع الاطفال وكأنها منهم ، بانطلاق ومرح ، مالذي سيشغلها أو تحمل له هما؟

وهي تعامل كالأميرة، تذهب الى المدرسة صباحا وحين تعود تجد الشقة المرتبة، الملابس النظيفة والطعام الجاهز، تخطف لقمتها ثم تخرج إلى دروسها، وحين تعود تمرح مع الأطفال في اللعب لمدة من الوقت قبل أن تعود لشقتها ومذاكراتها مرة أخرى، الجميع يعمل على خدمتها وسعادتها بفضل ذلك المتمرد زوجها، والذي حين يأتي كل اسبوعين يسقيها من الدلال واللعب والمرح أضعاف

إذن لماذا لا تضحك كما تفعل الان؟ اللعنة وكأنه يأتي على السيرة ، ما الذي أتى به الآن ؟

تمتمت هالة داخلها بالاخيرة وهي تفاجأ بولوج معاذ إلى داخل محيط المنزل الكبير ، يتسحب على أقدامه كي يفاجأ ليلى من خلف ظهرها، أمرا الاطفال بإشارة منه حتى لا ينبهها أحد منهم، فخرجت صيحة الاجفال منها بصوت عالي جعل جميعهم يضحون، حتى خليفة الذي راقبهم وهو يحمل الحقائب كالعامل الأجير ،يضحك بملء فاه لذلك المقلب الذي فعله شقيقه بزوجته، اللعنة عليهم جميعا، سوف يتسببون لها بأزمة قلبية ببرودهم.

في الاسفل كان مشهدهم ما اروعه، وقد تكفل هو بالمهمة في هزهزة الأرجوحة بها بعد اجفالها وصرخات المرح منها التي لفتت أبصار الجميع نحوها ، ليعقب بمشاكسة:

ـ متعرفيش تتخضي وانتي ساكتة لازم تفضحيني وتلم عيال اخواتي عليا، يجولوا علينا ايه دلوك ها؟ يجولوا علينا ايه؟

صرخت مرة أخرى حين دفعها للأعلى في الهواء لتعقب على قوله:

ـ هيجولوا عليك مجنون يا معاذ وانا كتر خيري اني متحملة واحد زيك، دا كفاية خلعاتك ومقالبك فيا اللي هيجطع منها الخلف بسببك.

ـ كمان بتجولي مجنون ، يعني لما اروحك على الدور التاني فوق دلوك هتتلمي يا ليلى.

دفعها إلى الأعلى من المرة السابقة لتصرخ بجزع حقيقي تترجاه بجدية هذه المرة:

ـ هجع يا مجنون والنعمة هجع، انا تعبت بجد والله اياك تكررها تاني

انتابه الرعب لهيئتها، مقررا ايقاف الأرجوحة بيده، ليطمئن عليها:

ـ انتي بجد تعبتي؟ طب انزلي طيب ولا تركبيها ليها اصلا المرجيحة دي؟ هو احنا ناقصين دوخة.

لهثت أنفاسها وكأنها عائدة من عدو سريع حتى أذا انتبهت إلى الخوف الذي احتل معالمه، سارعت بطمأنته:

ـ متجلجلش جوي كدة، دا بس من الخضة، عشان تحرم ما تجدحني لفوق جوي في الهوا مرة تاني، انتي عارف اني جلبي خفيف اصلا .

ـ يعني بتجيبها فيا يا ليلى بعد ما قررت اساعدك واخليكي تركبي الهوا شوية لما لقيتك وسط العيال بتلعبي زيهم، دا بدل ما ارجع من سفري الاقيكي مستنياني بالاحمر والاصفر، زي باقي الرجال المتجوزين.

ـ حظك بقى انك اتجوزت عيلة، ومش هتكبر واصل على فكرة ، يعني تفقد الامل في حكاية الدلع والاحمر والاصفر، احنا ناس مؤدبين مش بتوع الكلام دا واصل يا بابا.

ـ طب يا عيلة يا صغيرة، على كدة لما احب اهاديكي، ابجى اجيبلك مصاصة ولا بسكويت ويفر، بدل صندوق الهدايا ولا بوكيه الورد ، هو دا اللي عايزاه، خليكي جريئة وجولي أيوة .

ضحكت حتى رجعت رأسها إلى الخلف تزيده ولها بها، حتى ملكت صوتها اخيرا :

ـ لا يا معاذ مش عايزة صندوق هدايا ولا بوكيه ورد، عايزه مرجيحة اللي وعدتني بيها جبل الجواز، زي اللي جاعدة عليها دي، بس تبقى ليا لوحدي فوق السطح عشان اللعب براحتي، ولا انت نسيت؟

تعقد حاجبيه قليلا بتفكير حتى تذكر بالفعل، ليضرب كفا بالاخر قائلا:

ـ يخرب مطنك ومطن دماغك، بجى فاكره كلمتيني من ساعة المولد ومراجيح العيال ، طب انا والله بالفعل نسيت

ـ واديني فكرتك يا سيدي ، اشوفك بجى هتصدج في وعدك ولا لاه؟

مال نحوها يتمسك بقائمي الارجوحي، مرددا بصدق:

ـ هصدق والله هصدق، انا عمري جصرت معاكي، جولي لو جصرت.

نفت بهز رأسها ضاحكة رغم شعورها ببعض التعب ولكن روح المرح داخلها غلبتها، لتطلب منه:

ـ لا بصراحة لحد دلوك لسة، مرجحني شوية بجى قبل ما نطلع فوق.

قالها بحماس اخافها قليلا لتسارع بتنبهيه:

ـ بس مش تعليها جوي زي المرة اللي فاتت.

وصار يدفع الأرجوحة بها لتقهقه بسعادة ، مرة واثنان وثلاثة والعديد والعديد حتى إذا اكتفت امرته بالتوقف ، وما كادت تضع قدميها على الأرض حتى شعرت باهتزاها من تحتها، فحاولت التحرك ولكن دوار ما لفها، حتى اسود العالم أمام عينيها، فلم تشعر بنفسها حين وقعت فاقدة للوعي ولا بصرخة معاذ الذي جثى على الأرض كي يطمئن عليها صارخا:

ـ ليلى ، ليلى انتي مالك؟ ليلى ..... ليلةةةة

خرجت بإحساسها تتبع صوت الصراخ حتى وصلت إلى شجرة التين ، لتجد الصغير معلق فوقها على احد الافرع الضخمة، يتمسك بها بقوة، صارخا بهلع فور ان انتبه لها:

ـ اللحقيني يا خالة مزيونة، انجديني لا يموتني.

- هو ايه اللي يموتك؟ وانت معلق فوق الشجرة كدة ليه؟

أشار بسبابته التي كانت ترتجف معه، نحو أحدي الشجيرات المزروعة حديثا من قبل والده أمامها ، لتفاجأ بثعبان ضخم أسفلها، وكأن الجلبة وصراخ الصغير أثارت انتباهه هو الاخر، حتى جعل قلبها يرتجف داخلها، ومع ذلك دفعها الخوف على الصغير أن تتجاوزه، تتسحب بخفة من أجل إنزاله وبعدها ترا أمر ذلك الثعبان ، وصلت إليه ترفع ذراعيها الاثنان لتتلقفه:

ـ انزل ياللا عشان اتلجاك ، انت ايه اللي ركبك اصلا؟

دفعه الخوف للاعنراض والتشبث بمحله:

-لا يا خالة مزيونة لما ياجي ابويا الاول يجتله، لاحسن ياكلنا انا وانتي

- اانزل يا ريان بلا ابوك بلا حكاوي، دا وقت جلع ده؟ خليك شجاع، التعبان بياكل الجبنا بس.

صدح الصوت الجهوري من خلفها، لتلتف اليه مجفلة، فتواجه بناريته وقد بدا انه سمعها وهي تراوض الصغير لينزل اليها، فعادت تلتف سريعا عنه تخفي خجلها منه،، وقد نفعها في تلك اللحظة مناجاة ريان المباشرة اليه:

- دا كان عايز يموتني انا وخالة مزيونة.

- معاش اللي يقرب منك ولا يسطك ياض وانا جاعد.

قالها حمزة ليتولي امر الثعبان، فتشجع ريان ليقرب المسافة بينه وبين مزيونة حتى يصل اليها ولو بذراعه فتتولى هي مهمة حمله والابتعاد به.

وما ان نزلت به الارض حتى انتفض الاثنان. تأثرا بالطلق الناري الذي اخترق اسماعهم، ليلتفا اليه، يجدان الثعبان قد فارق الحياة، وهو يدخل في جيب سيالته في الامام السلاح الناري، كل خليه منه توجهت نحوها بتحفز حتى اقترب يتناول صغيره منها، ابصاره كالسهام تطوف عليها، يطالع الوجه البهي والشعر الحريري مبعثر حوله وفوق الجبهة بعشوائية، من تحت الطرحة التي تغطي نصفه فقط، يحمد الله ان الصغير معه الان، حتى يحجم نفسه عن اهوائها، فيعلق بكلمات مقصودة:

_ حطها حلقة في ودنك يا ولدي، طول ما انا عايش مفيش تعبان يقدر يهوب منك، لا انت ولا خالتك مزيونة.

بالطبع هذه المرة قد فهمت على مقصده بوضوح، لتختار الهروب منه كما حدث منذ ساعات تلتف عائدة الى منزلها، شاعرة بحدة نظراته التي تخترقها، حتى وصل لاسماعها صوت دوي الهاتف وبعدها كلماته-

- ايوة يا خليفة انا معاك.......... ......... بتقوا مين؟ ايه اللي جرالها ليلى؟

رواية لاجلها الفصل الخامس والعشرون

نمضي في الحياة نرسم خططنا بدقة، نُقسم اللحظات، ونرتّب الأماني، ونحسب خطواتنا كأن كل شيء بأيدينا…

نمنح الثقة بحساب، ونمنعها بحساب، نُحب بحذر، ونحذر بحب، نظن أن الأمان يُبنى على عقلٍ راجح، وعلى وعودٍ نحفظها كالعقود…

أن الله وحده من يُجري المقادير، وأنّ كل حسابات البشر تنهار أمام كلمة "كن".

فالذي وثقنا به قد يُخذلنا، والذي خفنا منه قد يُنقذنا، والذي حسبناه نجاةً قد يكون الهلاك، والعكس صحيح.

ولمَ نقف طويلاً أمام أبوابٍ أُغلقت، أو نُعاتب قدَرًا لم نختره؟

لماذا نحمل أنفسنا ذنب ما لم يُكتب لنا أصلاً؟

فما دام القدر بيد من لا يظلم، فكل ما فات، وما هو آتٍ، فيه حكمة، ولو غابت عنا.

المراجعة والخاطرة للجميلة دائما/ سنا الفردوس

دلفت بخطواتها المتسارعة خلفه داخل المشفى المركزي للبلدة وما يجاورها من قرى، تتلفّت يَمينًا ويسارًا في اتباعه على مضض، تُريد القفز من محلها داخل المكان حتى تصل إلى صغيرتها وتعرف ما الذي أصابها واستدعى نقلها إلى هنا:

ـ البِت أوضتها فين؟ بجالنا ساعة بنلف في دخانيب المستشفى الهباب، ولا أكننا في مغارة علي بابا!

صاحت به وقد استبدّ القلق داخلها على طفلتها، الأمر الذي جعله يتغاضى عن حدّتها وهذايانها في الحديث منذ أن علمت بالخبر واستقلّت معه السيارة، ليواصل مهادنتها:

ـ المستشفى كبير، وأقسامه كتيرة، شيء طبيعي نتعب على ما نوصل للي عايزينه. على العموم، الأوضة شكلها اللي هناك دي، على حسب وصف خليفة معايا في التليفون.

وما كاد يُنهي جملته حتى وجدها تطير مهرولة إلى تلك الأخيرة، تقتحمها دون استئذان:

ـ ليلى، بِتي فين؟ مش دي أوضتها برضو؟

صدحت بالأسئلة دون تركيز نحو هوية الأشخاص المجتمعين أمامها، حتى استدعت منى لتدعوها على عجالة:

ـ هي أوضة بِتك يا جزينة، إنتي لسه هتسألي؟

وبدورها كانت هي الأخرى قد دلفت بلهفتها، تتخبّط أبصارها بالحضور داخل الغرفة المكتظة بهم: حسنية، وابنها خليفة، وزوجته هالة، ومنى بالقرب من السرير الطبي الذي كانت تجلس عليه صغيرتها، ومعاذ الذي كان يجاورها، فركضت نحوها بتساؤلها وتفحّصها:

ـ مالك يا بتي؟ إيه اللي جرالك ومجعدك كده؟

ضحكت ليلى وهي تقبل كفيّ والدتها التي تمرّ على وجنتيها وجبهتها ثم باقي جسدها، وكأنها ستستكشف علتها من تلك اللمسات، لتُسارع في طمأنتها:

ـ يا مزيونة، أنا زينة جدامك أهو، وآخر تمام. بصّيلي كويس، مفياش حاجة والله.

ـ أمال نقلوكي على المستشفى هنا فسحة؟!

سخرت بها مزيونة في رد سريع على ابنتها التي تستخفّ كما تظن، فتدخل معاذ مطلِفًا ومحتدًّا أيضًا:

ـ هي قصدها تطمّنك يا مزيونة، إن الأمر هيّن إن شاء الله. أكيد شوية ضعف، على رأي الدكتور اللي فحصها من شوية.

التوى ثغر هالة بضجر، تلتف برقبتها عنهم مغمغمة بغيظ:

ـ صغّديها في خشمها كمان، ما هو ده اللي ناجص!

وصلت همهمتها إلى خليفة، الذي حدجها بنظرة نارية، لتُمسك نفسها عن إظهار غيرتها أمامهم. أما حمزة، فقد عقّب باستنكار:

ـ ولما هو الأمر مش مستاهل كده، جايبنها على المستشفى دي ليه؟ ما كان يكفي الوحدة في البلد؟ على الأقل عشان ما نتشندلش إحنا وراكم ويطلع عنينا!

ـ ما أنا ما اعتمدتش بصراحة على وحدة الفُقر دي. ليلى كانت مسخسخة في يدي ومش دارية بالدنيا، جلبي اتخلع عليها، كان لازم أطمن.

ردّت خلفه مزيونة باستفسار واحد:

ـ جلبك اتخلع عليها كمان؟ هو إيه اللي حصلها بالضبط، بنيّتي؟

تكفلت ليلى سريعًا بالرد تُخفّف عن زوجها:

ـ يا أمه، معاذ هو اللي بيهوّل. اللي حصل إني غيرت من العيال الصغيرة واتفشيت في المرجيحة النهارده، والبركة في معاذ اللي كان بإيديه بيهزّهزني هو كمان. بس بعدها دوّخت، وغمرت أول ما رجلي سطّت الأرض عشان أقف، وبس كده.

تمتمت بها مزيونة في شك، موجّهة أبصارها نحو منى التي كانت مخالفة للجميع بصمتها، حتى إذا شعرت بتساؤل مزيونة نحوها، رفعت كفيها وأنزلتهما تدعي عدم الفهم:

ـ أنا مكنتش موجودة في البيت، جاية على المستشفى زيّك، بس أكيد إنه خير إن شاء الله.

صاحت بها مزيونة بتضرّع، لتنهض فجأة:

ـ طب هو فين الدكتور؟ أنا عايزة أشوفه وأسأله، إن كانت الحالة زينة كده، مأمَرش ليه بطلوعها؟ ولا هي شندلة وخلاص!

أوقفها معاذ قبل أن تستقيم بوقفتها جيدًا:

ـ لا، ما إحنا في انتظار نتائج التحاليل اللي أمر بيها.

وما كادت تنهي سؤالها، حتى انتبهوا جميعًا نحو مدخل الغرفة، بعد أن دلفت إحدى الممرضات من الطاقم الطبي، تُلفت انتباههم بهتافها:

ـ ليلى عرفان الأشقر، نتيجة التحاليل ظهرت يا مدام.

ردّ حمزة، يسبقهم جميعًا في التساؤل:

سمعت منه الفتاة، فتبسم ثغرها، موجهة أبصارها إلى الحالة المقصودة وزوجها:

ـ خير أوي على رأي الدكتور. ألف ألف مبروك يا مدام، إنتِ والأستاذ اللي معاكي. النتيجة بتقول إنك حامل، وفي ست أسابيع.

صاحت بها مزيونة بعدم تصديق، وتكذيب لما وصل إلى مسامعها، فتضامن معها حمزة، الذي تجلّت الصدمة في نبرته هو الآخر:

ـ إنتي متأكدة إن التحاليل دي بتاعة الحالة اللي هنا؟ اقري كويس رقم الغرفة لو سمحتي!

عبست ملامح الفتاة أمام ترقّب الجميع في الغرفة، لتُصرّ على قولها بتأكيد لا يقبل الشك:

ـ يا أستاذ، مش محتاجة أقرأ رقم الغرف اللي حافظاها أكتر من خطوط إيدي! ده غير إني ساحبة العينات بنفسي منها. إنتي مش مركزة ولا إيه يا مدام؟

توجّهت بالأخيرة نحو ليلى، التي صارت تطالعها بوجوم، وكأن الحديث موجّه إلى واحدةٍ أخرى، ليست هي. لتعقب مزيونة التي بدت وكأن الكلمات تترنّح معها:

ـ دي بتجولك يا مدام، ومتأكدة من سحب العينات! يعني الدوخة كان ليها سببها الحقيقي؟ حامل يا ليلى؟ بِتي حامل يا معاذ؟!

التفت رأسها نحو حمزة بعتاب أشد من الرصاص يخترق قلبه:

ـ الأمانة اللي جولتلي في عينيا، مكملتش تلت أشهر وحبلت؟ بِتي حبلى يا حمزة؟ حبلى يا حجة حسنية؟ حـ...

ولم تُكمل باقي كلماتها، لتسقط على الأرض فاقدة وعيها هي الأخرى، فيتلقاها حمزة هاتفًا بجزع:

ـ يا بِنت الناس، أبوس يدك قوليلي، أنا مش كل يوم بتصل بيكي وأسألك عن الحباية؟ حصل ولا ما حصلش؟

بعقل يكاد أن يهرب منه، كان يكرر تساؤله بأكثر من صيغة، وكأنها لا تعي جيدًا صحة الإجابة، والتي كانت تكرّرها هي الأخرى ببكاء يقطع نياط قلبه، حتى باتت تؤكد عليه بالقسم:

ـ والله العظيم، والله العظيم، ما في يوم واحد فوت! ده أنا عملالها منبه مخصوص قبل ميعاد اتصالك، يعني مفيش مرة كدبت عليك فيها.

هتف وهو ينفض ملابسه بتشتت وضجر، ردًا عليها:

ـ خبر إيه يا واض؟ ما تهدى شوية على البنيّة! دي فيها اللي مكفّيها! مش كفاية خلعتها على أمها، ولا التعب الجديد عليها؟ حملك كمان عشان تزود عليها؟!

سمعت ليلى منها، ليزداد نشيجها المتقطع، فسارعت حسنية بالتلطيف بعد أن شعرت بهفوتها في ذكر أمر الحمل:

ـ يووه يا بتي، ما جصدتش والله! أنا كأني بخربط ولا إيه؟ سامحيني.

أغمض معاذ عينيه بتعب، يشدّ على شعر رأسه إلى الخلف، مهمهمًا بصوت مهزوم:

ـ هي تسامحك؟ طب وأنا مين يسامحني؟ من أول جوازي وأنا بعمل المستحيل عشان أوفي بوعدي قدّام أمها، وجدامك، وجدام حمزة... حمزة اللي أول مرة أشوف في عينيه نظرة واعرة! نظرة واحد خاب أمله فيا. طب ليه ده يحصل وأنا ممشيها بالقلم والمسطرة؟ وهي بتحلف ما أخلفتش، ولا بتكدب؟

ـ أيوة، والله ما بكدب، صح! ومستعدة أحلف على المصحف، ولا من غير حلفان. إحنا نحسب كام شريط وكام برشامة اتاخدوا بعدد الأيام، عشان تعرفوا إن كان كلامي صح ولا تأليف! ثم كمان ليه يحصل؟ وأنا أكتر واحدة مضرورة، وهشيل همّ فوق طاقتي، ولا ناسي؟

قالتها، وانطلقت في حضن حسنية ببكاءٍ مرير، حتى غصّ قلبه حرقةً عليها، ليسقط بجوارها على الفراش من الناحية الأخرى، يسحبها من حضن والدته إلى براح حضنه الشاسع، يمسح على ظهرها ويبثّ بها الأمان مطمئنًا:

ـ عمرك ما هتشيلِي هم وأنا جمبك، وإن كانت خيبت منينا المرة دي، برضو المشوار مستمر، ومش هنوجف غير بانتصار كامل.

خارج الغرفة، كان خليفة مستندًا بذراعيه على الحائط، بحيرة تأكل رأسه. لا يدري ماذا يفعل، بعد أن انقسم أفراد أسرته إلى فريقين: فريق مع الصغيرة في الداخل، والفريق الآخر مع والدتها في غرفة قريبة منها. وكان نصيبه الوقوف الآن في الوسط، مع هالة، التي تفتح علب البسكويت التي أتت بها من مقهي المشفى، واحدة تلو الأخرى، وتتناول وتمضغ دون حرج أو خجل، حتى فاض به منها ومن قلّة ذوقها في الأكل بنهم دون مراعاة لهيئتها أمام البشر الذين يمرّون أمامهم، ليقترب منها محذّرًا من بين أسنانه:

ـ خلي عندك دم شوية، الناس رايحة جاية تبص عليكي، ده غير إن الموقف نفسه ما يتحمّلش، ولا إنتِ مش واخدة بالك؟

ـ لا، مش واخدة بالي يا أستاذ خليفة! هو إيه اللي حصل يعني؟ عشان أتعكنن؟ ولا أمنع على نفسي الوَكْل؟ واحدة حبلى وبتتجلّع، وأمها بتتمحك عشان تبين نفسها؟ يعني مش عيا ولا تعب عشان نزعل عليهم! دي أمور حريم يا حبيبي... بلا فقع مرارة!

ردّ خلفها بدهشة، سرعان ما تداركها لمعرفته الواثقة بشخصيتها:

ـ أمور حريم؟ تصدّجي يا هالة، أنا مش مستغرب! هو إنتي من إمتى أصلاً كنتي بتحسّي ولا تفهمي، عشان أعتب عليكي؟ ده أكيد غباء مني إني ظنّيت لوهلة كده إن المعجزة دي تحصل!

توقّف فمها عن المضغ بصدمة، تُناظر ابتعاده عنها، لا تُصدّق فحوى الكلمات التي خرجت منه. ولكن لمَ العجب؟ فهذا خليفة، ابن عمها وزوجها، الذي لم تفهمه أبدًا.

تحوّلت أبصارها فجأة نحو الجهة التي تطلّ من خلفها، بعد أن احتلّ الإجفال معالمه، لتُفاجأ به يستقبل تلك التي قدمت عليهم بدون استئذان:

ـ روان؟ إنتي إيه اللي جايبك هنا؟

تحدثت المذكورة بلهفة امتزجت بالخوف:

ـ أنا جاية على ملا وِشي عشان أطّمن يا خليفة! ريان كنت بكلمه في التليفون من شوية، وقالّي إنكم كلكم في المستشفى، من غير ما يعرف أي تفاصيل يطمني بيها! خير؟ لتكون ماما حسنية جرالها حاجة؟

كادت هالة أن تُجيبها، ولكن آخر ما استوعبته هو سماع تلك الجملة التي تكرهها كُرهاً شديداً "ماما حسنية"، فتعطي فرصة لخليفة عن غير قصد ليُسارع لطمأنة تلك "المائعة" في نظرها:

ـ ألف بعد الشر عليها يا روان، الموضوع ما يخصهاش أصلًا، مرات معاذ داخت ووجعت منّينا، وده اللي خلانا نيجي بيها على المستشفى.

هبّ الحماس بهالة لتسبق زوجها في الإجابة هذه المرة:

أغمض خليفة عينيه، يتنفس بغضب، قبل أن يوجه أبصاره نحوها بعد أن جذبت اهتمام الأخرى وسحبتها للحديث معها:

ـ يا ما شاء الله، بسرعة كده؟ ما أفتكرش إن العرسان كملوا التلات شهور في جوازهم. ألف ألف مبروك، أكيد الحجة حسنية الفرحة مش سيعاها دلوقتي؟

ضحكت هالة، تضاعف من حنق زوجها بردّها عليها:

ـ لا يا حبيبتي، مكملوش. تعالي اجعدي جنبي بدل وجفتك دي، وأنا أعرفك الحجة حسنية فرحانة إزاي دلوك؟

تقبّلت روان دعوتها بترحيب، واقتربت لتجلس بجوارها، فأخذتها هالة في وصلة من الحديث وكأنها أصبحت "حبيبتها"، وخليفة يقتله الصمت... لا هو قادر علي إبعاد الاثنتين، ولا علي غلق فم امرأته التي لا يجد لها حلًا.

ـ خدي يا مزيونة، حُطّي بنتك في حضنك يا بنيتي.

ـ أمسكها كيف؟ أنا خايفة منها...

ـ ليه بس يا بنيتي؟ دي ضناكي، خليها تشم ريحتك عشان تعرفك، رضّعيها، دي جعانة.

ـ كيف وأنا مش عارفة أمسكها أصلًا؟ كيف وأنا خايفة منها؟ خدوها مني، أنا تعبانة ومش قادرة حتى أجعد على سريري، مش مالكة حتى أرفع صباعي، هربيها كيف دي؟ هربيها كيييف؟

استفاقت لوعيها بدمعة تحرق عينيها، والذكريات السوداء تجتمّع لتُعيدها إلى أرض الواقع المؤسف، بعد أن استراح عقلها قليلًا في تلك الغيبوبة التي صنعها لنفسه، ليعود الآن بقسوة يمرّرها أمام عينيها كشريط سينمائي، ويا ليتها توقفت عند هذا الحد، بل المفزع هو الاحتمال الأكبر أن تتكرر المأساة مع صغيرتها، وتمرّ هي الأخرى بكل ما مرّت به.

ـ مزيونة، إنتِ فوقتي أخيرًا،حمد الله على سلامتك يا غالية.

هتفت منى، تُغلق مصحفها بعد أن انتبهت لها، وكانت على الكرسي المجاور لسريرها، تُراعيها وتقرأ القرآن. صوتها لفت انتباه شقيقها الذي كان واقفًا بجوار النافذة في انتظار استفاقتها هو الآخر، ليهرول إليها سريعًا بلهفته:

ـ خلعتي جلبي يا مزيونة عليكي، بس المهم إنك فوقتي الحمد لله.

التفت رأسها إليه بحدّة، تُعلّق على كلماته:

ـ ياريت كنت أروح فيها وارتاح خالص، بس للأسف بتي، هسيبها لمين؟ خصوصًا بعد الشيلة اللي اتبلت بيها دلوك.

ـ استغفر الله العظيم، ما تجوليش كده. الأطفال دول رزق، وإن كان ربنا عجّل بيهم، أكيد له حكمة.

نظرتها كانت بألف كلمة حين وجّهتها إليها بصمت، قبل أن تذهب ببصرها لذاك الذي وثقت فيه، وتعشّمت به، حتى سلّمته ابنتها أمانة، فجاء الخذلان منه... باكرًا، باكرًا جدًا.

ـ بلاش اللومة اللي شايفها في عنيكي دي يا مزيونة، أنا زيي زيك مصدوم. ده غير إني مهما كانت سلطتي، لا يمكن هوصل لخصوصيات الراجل مع مرته.

لم تُكلّف نفسها عناء الرد عليه، بل زادت تعنّتًا حين أزاحت أبصارها عنه، تطلق تنهيدة من عمق صدرها الموجوع، وتلتف برأسها تجاه الأمام في تجاهل، يُحوّل قلبه إلى شظايا متناثرة، حتى زفر هو الآخر ردًا لها، يخرج من صدره دفعة ساخنة من رماد حريقه الداخلي...

ـ منى، اطلعي انتي برّا وسبيني معاها شوية.

سمعت منه وبرقت أبصارها نحوه باعتراض لم يكترث له، ليعيد عليها مشددًا:

ـ اطلعي بقولك يا منى، إحنا مش صغيرين، إحنا ناس كبار ما يتخافش علينا.

جاء الاعتراض هذه المرة من مزيونة، التي لم تستوعب الموقف إلا مؤخرًا، لتتوجه برفض واضح:

ـ اجعدي يا منى، ولو هتجومي وتسيبي الأوضة، يبقى مش لوحدك.

ضاقت عينيه بتوعّد بعد تصريحها الأخير، والذي يُماثل الطرد. حتى منى اجفلت، لتنهض دون انتظار، متحمحِمة بحرج:

ـ لا، طب حيث كده يبجى أقوم أشوف منصور، كان اتصل من شوية وقال إنه جاي... يلا بينا يا حمزة.

صاح بها بقوة وتحدٍّ كامل، لتضطر الأخري أن تتحرك للذهاب، متمتمة بقلة حيلة:

كادت مزيونة أن تنادي عليها لتُعيدها، شاعرة بالخطأ نحوها، الأمر الذي جعلها تعتدل بجذعها بتحفّز، هاتفة إليه بسخط:

ـ أما عجايب والله! يعني اللي عايزاها تجعد تمشي، وحضرتك الـ... تجعد؟! مش شايف إنها فرطت منك؟! ده إنت ولا أكن ليك حق لازم معايا، حمزة يا قناوي، لمّ الدور. لا إنت معاذ المجنون، ولا أنا ليلى العيلة الصغيرة اللي تلفّ عقلها وتضحك عليها!

رغم حدّتها، رغم صلفها معه وإصرارها على تحميله المسؤولية، إلا أنه لا يُنكر إعجابه بشراستها، تلك التي تزيده تمسّكًا بها، وقد تسرّب إلى قلبه نوع من الارتياح، ليُعلّق بهدوء يغيظها:

ـ إن كان على معاذ، فأنا أجنّ منه... وإن كان على ليلى؛ فأنتي في نظري أصغر منها، ده غير إنك أحلى منها طبعًا.

صاحت بها بعنف تنهاه، وقد تحوّل وجهها إلى الأحمر القاني، وبرقت عيناها الجميلتان نحوه بصورة كادت أن تُدخل في قلبه التسلية، لكن الوضع لا يتحمل.

ـ بس أنا مجولتش غير الحقيقة يا مزيونة، واللي في جلبي من ناحيتك لسه ما طلعتش حتى واحد في المية منه. إنتِ مش عايزة تسمعي؟ أديكي عذرك دلوك... لكن مش قابلاه؟ مظنّش.

ازدادت حدّة أنفاسها، والغضب يعصف بها، لدرجة تجعلها تريد جرحه بكل الطرق حتى تنتقم منه... ومن نفسها:

ـ تاني برضو بتفسر كل حاجة على هواك؟ بس الغلط عليا أنا، عشان وافجت على المهزلة دي، وخدني العشم إنك تبجى كد وعدك ليا!

ـ مكنش عشم يا مزيونة، ده كان اختبار حطّيتيه من غير ما تدري... ثقتك في محلّها، لكن مافيش طريق في الدنيا بييجي سالك مية في المية، لازم بيجابلنا عثرات ومعوقات مش حسبينلها، لكن في النهاية... برضو هنوصل. وأنا هنا أجصدها شاملة... شاملة يا مزيونة.

وأشار بسبابته والوسطى في الأخيرة، يُلوّح بهما نحو صدره وعليها، الأمر الذي جعلها تنهض مستنفرة:

ـ تاني هتخرف وتصنع أوهام؟ أنا قايمة، وانت عيش في أحلامك!

تركها تتخطّاه وتذهب، وتوقّف في إثرها لحظات، يتبعها بعينيه، مؤكدًا:

ـ وماله؟! ما هي كل حاجة حلوة حصلت، كان أولها حلم برضو... وأنا قصتي معاكي حقيقة، مش حلم يا مزيونة.

خارج المشفى، وعلى مقاعد الاستراحة، جلست مع زوجها الذي غلبه الغضب، حتى منعه عن فعل الواجب مع نسائبه، بعد أن أخبرته زوجته بذلك الأمر المفاجئ، ليُعبّر لها الآن عن استيائه:

ـ أكيد الأمر كان فيه إهمال... أخوكي كان لازم يحرص أكتر، وأنا اللي وثقت في معاذ وجولت إنه راجل وهيبقى قد كلمته... يقوم يخيب ظني وبالسرعة دي؟ طب يستنى على ما تدخل الكلية حتى!

تنهدت من العمق بأسى، قائلة بثقل:

ـ أهو اللي حصل عاد يا منصور. كل حاجة كانت ماشية تمام وعلى الساعة، كلنا كنا بنحاول، وأمي نفسها كانت أكتر واحدة فينا محرسة... لكن أهو... أمر ربنا.

تمتم بها بخفوت لا يخلو من شك لم تتقبله زوجته، لتدافع عن يقين ترسخ داخلها:

ـ لا يا منصور، ميبجُاش تفكيرك مش صح كده في معاذ. هو مندفع ومجنون اه، بس عمره ما يخلف وعده. لو ما كانش ناوي ينفّذ كلامه، ما كانش لزم نفسه بالشروط دي أصلًا. وليلى نفسها بتحلف إنها ما فوتت يوم واحد من غير ما تاخد الحباية... بس بجي... والله ما أنا عارفة!

كان يعلم داخليًا أنه لا يحتاج لإثبات، لكن الغضب أعمى بصيرته ودفعه للهذيان، ليُردّد خلفها باستفسار:

توقفت تنظر له بتشتّت، وعقلها يدور في كل الاتجاهات حول تلك المشكلة التي لم تكن بالحسبان، حتى انتبهت فجأة لظلّ صاحب الجسد الضخم يمر أمامها في اتجاه مدخل المشفى، فانتفضت واقفة بهلع:

ـ يا وجعة طين... جوم معايا يا منصور!

تشتت عقلها في البداية عن ذكر السبب الحقيقي، ثم ضجرت وهي تسحبه من كفه على عجل:

ـ وده وجِت أسئلة؟ اخلُص يا منصور، بعدين أفهّمك.

استجاب لسحبها له على مضض، يرافقها في العودة إلى المشفى، غير مدرك أن عقلها يدور كطاحونة، فقد تركت شقيقها وحده مع مزيونة، وذلك الثور... زوجها، لا تعرف ما الذي أتى به الآن!

ومن في العالم يستحق التضحية سوى ابنتي؟ حتى لو أخطأت في حقي وفي حق نفسها... أنا أيضًا لن أتركها.

دلفت إلى داخل الغرفة التي لم تغادرها صغيرتها بعد، وكأنها كانت في انتظارها، فتلقّت قدومها بلهفة ورجاء شعر به زوجها، فنهض ليترك لهما المجال للقرب. انضم إلى والدته، التي احتلت مقعد الزوار تتابع اللقاء بين الأثنتين وفمها لايتوقف عن التسبيح علي المسبحة التي لا تفارق أناملها.

تحركت مزيونة استجابةً لنداء النظرات، لتقترب بخطوات هادئة حتى جلست على طرف الفراش بصمت. كم ودّت توبيخها أو حتى تذكيرها بالوعد الذي قطعته معها، ثم ها هي الآن تنقضه من أول جولة! ثم إنها لم تصل بعد لمنطقة آمنة تسمح لها بالتهاون...

لكن ماذا تفيد العِظة الآن؟! وقد وقعت في المحظور، ولا حل سوى أن تأخذ بيدها ـ كالعادة ـ لتُوصلها إلى بر الأمان.

وبلا كلمة، جذبتها إلى حضنها، تهوّن عليها وعلى نفسها بدفء لا يعلمه إلا سواهما.

تلقت ليلى عناقها كطوق نجاة لغريق تخطفه الأمواج، فتشبثت بها بقوة، لتلتمس منها الأمان، وتهمهم بنحيب خافت:

ـ أنا ما جصّرتش يا أمي، والله ما جصّرت!

السعادة اللي كنت بحلم بيها مع الإنسان اللي بحبه...

تنهدت مزيونة، واكتفت بالصمت والعناق. فلا جدوى من الجدال الآن.

خيم الهدوء على الغرفة، لا يُسمع إلا صوت الأنفاس، حتى قطعه ذلك الضجيج المرتفع القادم من الخارج، تبعه دفع باب الغرفة من آخر شخص تمنّت ألّا تراه الآن!

كان عرفان يتجول داخل أروقة المشفى يبحث عن رقم الغرفة الذي أخبرته به موظفة الاستقبال في القسم الذي وصله بصعوبة، حتى اطمأن لوجهته، فور أن وقعت عيناه على خليفة. لم ينتبه له الأخير لانشغاله بمتابعة الحديث العجيب بين زوجته وزوجة شقيقه السابقة، تلك الصداقة التي لا تدخل عقله أبدًا.

حتى جاءه صوت عرفان يفيقه من شروده:

ـ إيه اللي جرا للبِت عشان تنقلوها هنا يا خليفة؟

أنتظر الأخير لبرهه يتأمّل قدومه بدهشة، ثم استنكر استفساره المتحفز، ليرد عليه بإستنكار:

ـ يعني هيكون فيها إيه يا عرفان؟ تعب عادي زي أي تعب، بس إحنا قلوبنا خفيفة وبنحب نطّمن من كل ناحية.

رد عرفان بنبرة تشكك واضحة ليزيد من إستفزازه:

ـ تعب عادي تجوموا تجروا بيها على المستشفى الكبيرة دي؟ طب ما الوحدة الصحية جاعدة، أو أي دكتور مخصوص يجيلها على البيت!

البِت مالها يا خليفة؟ أنا عايز أشوفها وأطمن عليها بنفسي.

تدخلت هالة بدورها، تدعم زوجها وتزيد من إشتعال الموقف:

ـ ما قالك تعب عادي يا عمنا، يعني دي جزاتنا إننا خوّفنا عليها؟

ـ خوّفتوا عليها؟! يعني الموضوع واعر علي كده؟!

ـ يا عم أنت كمان، ولا واعر ولا حاجة، ثم إنت إيه جابك؟ عرفت منين إننا هنا؟

ردّ عرفان وقد ارتفع حاجبه بحدة:

ـ أنا كنت رايح أسأل عليها في بيتكم، وعيالكم خبروني إنها وجعت في الجنينة قدامكم وما حطّتش منطج.

بعد ما جوزها وصل، أنا عايز أعرف ولدكم عمل فيها إيه؟

ظهر الغضب جليًا على وجه خليفة، رافضًا اتهامه الباطل لشقيقه، وكاد يرد عليه ردًا يلقّنه فيه درسًا عن كيفية معاملة الشرفاء أمثالهم، لولا تدخل زوجته للمرة الثانية لتضحض كل شئ، بدعم من روان هي الأخري:

بِتك تعبت لسبب... إنت هتفرحلُه جوي.

شُفت بجى الخبر الحلو اللي ما جدرتش تصبر عليه!

نطقها عرفان بعدم تصديق، لتؤكد روان التي شعرت أنها يجب أن تتدخل هي الأخري:

ـ أيوه طبعًا، الحمل يعمل أكتر من كده، بس كويس إن جوزها لحقها... عشان تراعوها بقى من دلوقتي.

تمتم بالكلمات، ثم اتجه نحو خليفة الذي زفر بضجر، يلتف عنهم بملامح ضيق متعاظم، يُكبح نفسه بصعوبة من الانفجار في وجه هاتين الغبيتين، بفعلتهما التي ستكلّفه وإخوته الكثير والكثير من قلة الراحة.

أما عرفان، فقد التمعت عيناه ببريق المنتصر...

كاد أن ينفضح أمره، وصورة طليقته تطل أمامه بوضوح...

لا يريد شيئًا سوى رؤيتها الآن، وهي يومًا بعد يوم تخسر بعد طلاقها منه، لنفس الأسباب التي يعرفها.

لكنه تمالك نفسه بسرعة، مُسيطرًا على انفعالاته، وقال بنبرة درامية:

أنا عايز أشوف بِتي... أكيد جاعدة في الأوضة دي.

حاول خليفة منعه قليلًا حتى يُمهل من في الداخل لاستيعاب حضوره:

ـ طب استنى طيب... أديهم خبر بس.

صاح بها ثم دفع باب الغرفة، يطلّ بجسده الضخم، يوزّع أبصاره على الوجوه المذهولة من حضوره، حتى استقرت نظرته على طليقته...

يرمقها بنظرة فهمت عليها جيداً، تزيد من وجعها بتلك الشماتة التي لن تغفل عنها أبدًا.

وحين اكتفى، خطا بلهفة ـ يدّعيها ـ نحو ابنته، يسقط بجوارها على الفراش من الجهة الأخرى، ويخطفها من حضن والدتها، يضمّها إليه:

ـ ألف سلامة عليكي يا بِتي، أبوكي وصل وحضر علشانك!

دخل خليفة بعده، ينظر إلى شقيقه ووالدته بأسف وقلة حيلة، تتبعه زوجته هالة، وروان التي هرعت نحو حسنية بلهفة لتلتقي بها.

فقد تجاهل الجميع، متجهًا نحو ليلى، التي تجلّت الصدمة في ملامحها، وهي تتلقى أول عناق من والدها بحنان غريب عنه...

حتي أصابها الخرس وتجمدت بين يديه، ليتولي معاذ الحديث:

ـ منوّر يا عمي، بس ليلى زينة زي ما انت شايف جدامك أهوه، يعني مفيش داعي للقلق.

صاح بها عرفان، منزعًا ابنته من حضنه بسهولة، مستطردًا بانفعال يدّعيه:

ـ وإنت كمان ليك عين تتكلم بعد ما خالفت الشروط وحبّلتها في أقل من تلات تشهر؟ هو دا وفاءك للوعد؟!

فين اللي لجّح واتريق عليا؟ ولا إيه رأيك يا ست مزيونة؟

البت اللي اطّلجتي مخصوص عشان تعليمها، عملتي إيه انتي يخالف اللي كنت هعمله أنا؟

أغمضت عينيها تلتقط أنفاسها بثقل، تزيح بصرها عنه بقهر، تنتظر المزيد والمزيد من الشماتة، حتى قطع السكون صوت قوي، وصاحبه الذي ولج فجأة إلى داخل الغرفة:

ـ حلّ عن مزيونة وخلي كلامك معايا أنا، وانت إيه دخلك أصلاً بالشروط ولا الاتفاق؟

انتفض عرفان بأعين يطير منها الشرر، يقابل غريمه بشَرٍ مطلق، واسم "مزيونة" دون ألقاب أشعل رأسه قبل الإهانة:

ولا هو عشان عجّدتوا على البت وأنا في السجن ظلم يبجى خلاص اشتريتوا البت وأمها وتعملوا ما بدالكم؟

لأ، اصحوا... البت وأمها من سبع، يهد بدل الحيطة عشرة بدراع واحد جدامكم، ولا بسلامتكم مش شايفين؟

انتفض باقي الأفراد وتحفز الجميع لمتابعة الشجار أو التدخل، كما حدث من حسنية التي حاولت بتعقل:

ـ صلّي على النبي يا أبو ليلى، حمزة ماجصدش يغلط فيك، هو بس بيرد عليك لما لقاك ابتديت بالعراك من غير سبب أصلاً.

الحمل دا رزق ربنا، والبت ما طلعتش من علامها لا سمح الله عشان تتهمنا بلحس الوعود.

ـ أيوه يا بوي، والله جات كده من عند ربنا، معاذ ربنا يخليه مش مِجصِّر معايا.

ـ جوليلو يا ليلى، عشان يعرف إن مش كل الناس زيه؟!

صدحت من حمزة بقوة اهتزّت لها الأبدان، ليوجه عرفان حديثه بسخرية نحو تلك التي ظلت علي وضعها صامتة:

ـ ما تتكلمي يا ست مزيونة، وجولي، لادد عليكي اللي بيحصل ده؟

الناس اللي حطيتي عشمك فيهم نصروكي دلوك؟

همّت أن تقطع صمتها برد مفحم، بعد أن استفزها بطريقته الملتوية في الحديث، لكن حمزة سبقها بحمائية تثير التعجب من هاتين المراقبتين في إحدى جوانب الغرفة:

ـ جولتلك ملكش دعوة بمزيونة، كلامك معانا، لو عايز تتعارك شد حيلك وورينا مرجلتك.

دعوة كانت صريحة بالشجار من حمزة، الذي فتح صدره استعدادًا لها، وتلقّفها عرفان بترحيب شديد واضعًا في رأسه أن هذا وقت أخذ ثأره القديم. لكن صرخة أوقفت تحفزهم، وسبقت الجميع الذين أصابهم الهلع بمحاولات مبكرة لإثنائهم:

لا مزيونة مش مستنية اللي يدافع عنها، ولا بتها سابت التعليم من أساسه.

حبِلت؟ بجي محبِلتش؟! أنا شرطي واضح من الأول: تسيب، ولا تسيب تعليمها... تمام؟

عادت توجهها لمعاذ الذي وافقها دون جدال:

ـ تمام يا خالة مزيونة، وأنا إن كان فرطت مني المرة دي، وعد ودَين عليا ما تتكررش تاني.

تمتمت بها حسنية في تعقيب عليه، ثم توجهت إلى البقية، مضيفة على قول مزيونة:

ـ كده بجى نتعوّذ من الشيطان ونمشي كلنا، مادام اطمّنا على ليلى.

نطلع كلنا بجى من الأوضة عشان البت تغيّر هدمتها مع أمها قبل ما نروح بيها.

وتابعت تدفع كل فرد منهم بيدها تنادي بأسمائهم:

ـ يلا يا خليفة، يلا يا معاذ، يلا يا هالة إنتي وروان، يلا يا حمزَةةة...

في الأخير، كانت تدفع بكل قوتها دون فائدة، وكأنها تزيح جرارًا زراعيًا. لتتوجه إلى عرفان مشيرة بيدها على حذر:

ـ يلا يا عرفان يا ولدي، أديك شايف كلهم بيطلعوا.

سمع منها، لينفض جلبابه بحنق شديد، مقرِّرًا الذهاب على الفور بعد أن تلقى صفعة أخرى منها، فيغادر ساحبًا شياطينه معه. ليستجيب أخيرًا حمزة لمحاولات والدته، يرمق ليلى بنظرة مطمئنة قبل أن ترسو أبصاره على والدتها، فلم يرفع عينيه عنها إلا بعد إخراجه من الغرفة وغلق الباب بوجهه بفضل حسنية التي خرجت خلفه، فتجد ابنتها أمامها تتلقفها بلهفة:

ـ إيه الأخبار يا ما؟ أخيرًا هديت؟

ـ وانتي كنتي فين يا مخفية وسبتيني؟

أجابتها منى بنبرة مطمئنة إلى حدٍّ ما:

ـ أنا كنت بره مع جوزي لما دخل عرفان، شوفته لما وصل هنا.

حمدت ربنا إنه ما عملش نصيبة، وكويس جوي إنها رسِيت على عركة في أوضة ليلى.

تمتمت الأخيرة بما يشبه الهذيان، لتعلّق والدتها بعدم فهم، فلم يصلها ما ترنو إليه ابنتها:

ـ أمال كنتي مستنياهم يعني يتعاركوا في ساحة؟ انتي فين جوزك أصلًا؟

أشارت لها بذقنها نحو الجهة التي اجتمع فيها الثلاثة أشقاء من زوجها، الذي كان يستفسر منهم عمّا حدث، في انتظار خروج ليلى ومزيونة. ثم عادت إلى والدتها، سائلةً بهمس وحرص:

ـ إيه اللي جاب روان دلوك؟ ولمّها على هالة؟

تقلّصت ملامح المرأة بقلة حيلة تخبرها أنها لا تعلم شيئًا.

أما عند هالة، فكانت تغلي داخلها مما حدث منذ لحظات أمامها، حتى استفزّ الأمر تلك المدعوة روان، هي الأخرى، لتعبر عن دهشتها الشديدة قائلة:

ـ هو إيه اللي يخلي حمزة يدافع عن والدة ليلى بالشكل ده؟! هي لدرجادي معزّتها كبيرة في العيلة عندكم؟

ـ معزّتها كبيرة عندنا؟ دا انت شكلك طيبة جوي يا روان ولسه مفهمتيش الست البلوة اللي جوا دي.

تبسمت بمكر وقد وصلت إلى ما تبتغيه، قائلة:

ـ هجولك يا روان واشرحلك كل حاجة، بس تعالي جنب عشان ناخد راحتنا في الكلام...

كانت تلفّ لها الحجاب ورأسها يدور بلا هوادة، غير منتبهة لنظرات ابنتها التي تحوّلت إلى تلميح صريح بعد ذلك:

ـ عمي حمزة كان زي الأسد النهاردة، أول مرة أشوفه متعصب كده.

فهمت مزيونة ما تقصده، ولكنها كالعادة تأبى أن تُظهر ما بداخلها، رغم المشاعر التي تجتاحها من الداخل وتزلزل ثوابتها بقوة:

ـ عشان أبوكي عفِش وما لهوش غير الشدة... على العموم، خلينا في موضوعنا. أنا مش هسألك دلوك وهسيبك ترتاحي،

بس عايزاكي لو افتكرتي، تجولّيلي.

ردّت مزيونة وهي ترفع باقي متعلّقاتها وحقيبة اليد الخاصة بها:

ـ عن موضوع الحبوب والحمل يا ليلى، ولا انتي نسيتي؟

رواية لاجلها الفصل السادس والعشرون

هي لا تعرف إن كان ما تشعر به حبًّا،

أم ضعفًا… أم مجرد ارتباكٍ كلما نظرت في عينيه.

وأن الهروب قوّة… وأن تجاهله نجاة.

أن قلبها ما عاد يَطمئن إلا حين تراه…

وأن صوته يطرق بابًا خفيًّا في صدرها،

بابًا لا تملك له مفتاحًا… ولا تجرؤ حتى على الاعتراف بوجوده.

فكأنه يراها من الداخل… من حيث لا ترى هي نفسها.

يعرف أن عيونها تنكر، لكن قلبها يهتف باسمه في الخفاء.

هو لا يحتاج تأكيدًا… ولا ينتظر إذنًا.

وليبقى… حتى تُدرك هي ما أدركه منذ اللحظة الأولى.

الخاطرة والمراجعة لحبيبتي بطوط/ سنا الفردوس

ركضت كثيرًا حتى تعبت، حاولت مرارًا الوصول إلى هدفها باستماتة، وفي النهاية سلّمت أمرها.

فما الذي ستجنيه من خوض حرب لم تعد تخصها الآن؟ فلتُهَوِّن على نفسها قليلًا وتترك الأمور تسير كما أرادها القدر.

لكنها، رغم ذلك، لن تتوقف عن المساعدة أبدًا.

كان الوقت بعد العصر بقليل، حين أبصرها من جلسته على الأريكة المواجهة مباشرة لمنزلها، تخرج منه مائلةً برأسها عن قصد، بافتعالٍ مقصود حتى لا تلتقي نظراتها به.

وعلى قدر ما يستفزه فعلها، على قدر ما يثير بداخله التسلية.

منذ آخر مواجهة بينهما في المشفى وهي تتجنبه، تهرب منه بقدر استطاعتها، وهو يتصيد الفرص ليتحدث إليها، يحاصرها بكل الطرق، ولا يترك لها فرصة للابتعاد عن عينيه، كما يحدث الآن.

فبدون أن تخبره، يعلم أنها ذاهبة إلى المنزل الكبير، والدرس الأول لابنتها من قِبَل تلك المدعوة اعتماد، بعد أن نسّق هو مع زوج شقيقته كي تساعد تلك المرأة ليلى، فتُكفيها عن الذهاب والمجيء المُتعِب إلى مجموعات الدروس.

تسابق خطواتها الريح في الذهاب، وهو يتبعها بابتسامة عابثة حتى اختفت من أمام عينيه ليعلّق بمرح:

— فري واهربي على كيفك يا مزيونة... يعني هتروحي مني فين؟

أما عنها، فقد هدأت وتيرة أنفاسها قليلًا بعد أن وصلت إلى الجسر الخلفي لمنزلها، واستقلت إحدى السيارات لتأخذها إلى الجزء الغربي من البلدة، حيث منزل ابنتها.

ليتها تملك سيارة تحت يدها تمكنها من الذهاب دون هذا الجهد، مثل ذلك المغرور، جارها الوحيد ومُتعبها!

هذا الرجل وكأن الزمان سلطه عليها خصيصًا ليقلّ راحتها...

نعم، لا جدال في ذلك، يكفي وقاحته وثقته الزائدة بأنها تبادله تلك المشاعر الحمقاء!

أصبح يستولي على عقلها، لا تُنكر، تحدث معها أشياء غريبة كخفقات القلب المتسارعة والتوتر الذي تسيطر عليه بصعوبة، والارتباك...

كل ذلك بالتأكيد نتيجة أفعاله في فرض نفسه عليها.

ليته يتركها في حالها ويرحمها...

هي ليست ندًّا له، ولا حتى أهلًا للارتباط برجل مثله؛ متعلم ومنفتح على الحياة، أما هي فقد سلّمت منذ سنوات طويلة لقدرها، حطام امرأة لا تصلح لشيء، شاخ قلبها وأصابه العجز، حتى وإن خالف رقم عمرها في البطاقة هذا الشعور.

لم يتبقَّ لها في الحياة سوى زرعتها الصغيرة التي تُجاهد من أجلها، رغم الخذلان الذي يصيبها منها أحيانًا، لكنها لن تتوقف حتى تصل بها إلى برّ الأمان.

وعلى ذكر الأخيرة، توقفت السيارة لتضم عددًا من الأفراد في طريقها، وكانت من بينهم تلك المدعوة اعتماد، التي استقلت المقعد المجاور لها بتأفف وضجر بعد أن دفعتها إحدى النساء أثناء صعودها، قائلة:

— استغفر الله العظيم يا رب، مش تفتحي يا ست

— لمؤاخذة يا بنيتي، ما خدتش بالي.

— ما خدتيش بالك ولا مسروعة؟ تسبجي اللي وراكي؟ هي الدنيا هتطير؟

هتفت بها إعتماد بصوت عالٍ أصاب "مزيونة" بالحرج، فقرصتها بخفة على يدها، تبرق لها بعينيها في تحذير حتى تنتبه، لكن ذلك استفز اعتماد ليعلو صوتها أكثر:

— بتتجرصي على إيدي وتبحلجيلي بعيونك ليه؟ غلطت أنا يعني ولا غلطت؟

اصفر وجه مزيونة حين لاحظت عيون الركاب وقد التفتت نحوها، في انتظار ردها على تلك المجنونة التي لم تكترث لأيٍّ منهم.

لتجد نفسها تحصد نتيجة فعلتها الخفيفة التي كانت تقصد بها تهدئة الموقف وتجنّب الفضيحة، فارتدّ الأمر عليها.

تمنت في تلك اللحظة لو اختفت أو تبخّرت، فلم تملك إلا أن التفتت نحو النافذة المجاورة، تهمس في حزنٍ يكاد يصل للبكاء:

...............................

أما داخل شقة الزوجين الصغيرين، فقد تولى مهمة المراجعة مع زوجته حتى تأتي تلك المرأة.

منذ أسبوعان تقريبًا ولم يذهب إلى عمله بعد، فمنذ معرفتهما بأمر الحمل، وقلبه لا يطاوعه على تركها.

يتحمّل المسؤولية كاملة في رعايتها ودعمها، رغم كل ما يتلقاه من مساعدة من باقي أفراد العائلة، ومع ذلك يشعر بالتقصير وتأنيب الضمير كلما رآها متعبة ومجهدة.

لدرجة أنه يندم أحيانًا على الاستعجال في زواجه بها، لكنه يتراجع سريعًا، مذكّرًا نفسه بالسعادة التي يحياها بقربها، ليشحذ همته مصمّمًا على إنجاح زواجهما على أكمل وجه، مع وجود الرابط القوي الآن، وهو طفلهما القادم، الذي سيرسّخ العلاقة بينهما أكثر وأكثر.

— ما كفاية بجى يا معاذ، ولا انت ناسي إن لسه دوري مع أبلة اعتماد؟ دي بتهلكني أصلًا!

— ألف بعد الشر عليكي من الهلكان والفرهدة، خلاص نغيرها خالص المحزونة دي ونشوف غيرها.

— لا يا معاذ، ما توصلش لكده، حرام عليك. وبعدين هي ممتازة وسادة معايا في كله، ما شاء الله عليها حتى في اللغات.

— ما انتي اللي بتشتكي منها ولا نسيتي؟

— لا، ما نسيتش، بس دي لحظات بتعدي وتتنسي. دي طيبة جداً، بس عصبية جوي، وأكيد عنديها أسبابها.

— أسباب إيه يا شيخة بس؟ دا أنا بخاف منها! الوليّة كل ما تشوفني تظغرلي بعنيها، وكأن بيني وبينها طار جديم.

تمتم بها جاداً حتي جعلها تضحك ساخرة:

— يالهوي يا معاذ على شكلك وانت بتتكلم عنها! بس هي طارها مع كل الرجالة، مش إنت بس. مسكينة ما شافتش من صنفكم غير كل خسة.

أثارت فضوله بتصريحها ليسألها بإستفسار :

— يخرب بيت تعبيرك وانتي بتعمّمي، بس أنا معرفش قصتها. كل اللي أعرفه إنها واحدة مكشرة وخلاص.

— ماهي قصتها طويلة جوي، والشرح فيها يطول. بس يكفي أجولك إن أبوها طفش وساب لهم البيت وهي عندها ستاشر سنة في الثانوي، يعني سابها في أكتر وجت كانت محتجاه فيه.

مسكينة اشتغلت وهي بتدرس عشان تكفي مع أمها مصاريف البيت، ما قدرتش تحقق حلمها وتدخل طب، واكتفت بتربية، كملت شغل عشان تساعد إخواتها اللي أصغر منها، وشالت المسؤولية كلها.

لحد لما جالها النصيب اللي إتأخر، ولما حصل وحست إن الدنيا بدأت تضحكلها طلع نطع وعايز يعيش على مرتبها، ولما ماعجبهاش، فضّل يرازي فيها ويرمي بلاه، لحد ما اتخلصت منه بطلوع الروح، ورفضت تتخلى عن إخواتها اللي بقت عايشة ليهم من غير سند وأكتفت بيهم كنهم ولادها اللي مخلفتهمش .

— يا ساتر يا رب... أعوذ بالله من الأشكال دي. ما أكره في حياتي قد الراجل النطع، وهي بحظها الحلو اتسطّت في اتنين!

قالها معاذ بنوع من السخرية السوداء لتبتسم علي إثرها وتضيف:

— فعلاً زي ما جولت، عشان كده أمي بتحبها جوي، وبتعديلها كل أخطاءها. وهي اللي حكيتلي قصتها من البداية، عشان أعرف أنا بتعامل مع مين وأتحمّل عصبيتها،وغضبها علي أتفه الأسباب في بعض الأحيان

أومأ بتفهم، وقد هدأت مخاوفه من تلك المرأة الشرسة التي كان يخاف على زوجته منها، لدرجة أنه أراد طردها من أول يوم سمعها فيه تنفعل عليها أثناء تدريسها، لولا رفض منصور، زوج شقيقته، الذي وبّخه وقتها وطلب منه ألا يتدخل مادامت ليلى لم تشتكِ أو تطلب منه شيئًا.

انتفض الاثنان فجأة على صوت عالٍ صدح في الأجواء قادمًا من الأسفل، فركضا معًا إلى الشرفة ليتبينّا أن صاحبة الشجار لم تكن سوى من كانت تدور حولها الأحاديث منذ لحظات، والمفاجأة كانت في الشخص الذي يتشاجر معها!

كانتا قد وصلتا إلى محيط المنزل الكبير، وفي طريقهما إلى صعود الدرج الرخامي نحو المدخل، كانت مزيونة تسبق اعتماد، التي كانت منشغلة بقراءة إحدى الرسائل على هاتفها، فلم تنتبه لأحدهم وهو يغسل سيارته منهمكًا، فيُلقي بدلو الماء لغسلها من الصابون، فانتقلت إليها المياه من تلك المسافة القريبة إلي حد ما إلى حجابها ووجهها، وظهرت بعض البقع على بلوزتها، لكن الضرر الأكبر كان في الهاتف.

شهقة بصوت عالٍ صدرت منها، وهي تلتف نحو الجهة المعادية، فلفتت إنتباه الأخر ومزيونة التي عادت راكضة لتجد الذهول مرتسم على وجه خليفة، الذي شعر للتو بخطئه، فتلقى جزاءه بصيحة غاضبة:

استفاق خليفة من ذهوله بعد سبتها، ليملك زمام أمره ويرد عليها بقوة:

— إيه يا أخت أنتي؟ نَجِّي كلامك واعرفي بتكلمي مين قبل ما تغلطي! شايفاني عيل صغير جدامك ولا هِفَيّة؟

نظرت إلى هاتفها الذي أُظلم فجأة، تحاول مسح الماء عنه، مرددة بنبرة مختنقة:

— لا، شايفاك إنسان مهمل ومعندكش نظر! ألحق على هدومي اللي اتبلت ولا التليفون اللي فصل مية ونور!

حاولت مزيونة التخفيف عنها، ومسحت الهاتف بشالها، ربما يأتى بنتيجة، فنطقت مخاطبة خليفة:

— اعذرها، معلش. أنا نفسي اتخلعت من الميّة اللي اتدلجت ورايا.

لم يكن أعمى حتى لا يرى بعينيه سكوتها المفاجئ وحزنها على الهاتف، فبرّر بتوتر نحو مزيونة:

— أيوه، بس أنا ما كنتش جاصدها يعني! أنا حتى ما خدتش بالي إنكم داخلين...

جاء التساؤل هذه المرة من خلفهم، من حمزة الذي ترجل من سيارته بالقرب منهم، أتى كعادته خلف تلك العنيدة، والتي انتفضت لرؤيته وتولت مهمة الرد عنهما:

— لا حكاية ولا رواية، فضّت على كده وخلصت، تعالي يا حبيبتي يلا نطلع عند ليلى يمكن تعرف فيه.

وسحبتها تهرّول بها سريعًا من أمامه، فتابعهما قليلًا، ثم انتقل ببصره إلى شقيقه الذي قال بحنق:

— أهي نصايب وبتطب علينا من حيث لا ندري. جاعد في حالي وبغسل العربية، أبص ألاقي الميّة غرّقت صاحبتنا دي وتليفونها، وبتقولي فتح يا أعمى! يمين تلاتة، لولا إنها حرمة، ما كنت عتجتها النهاردة.

أومأ حمزة، واضعًا كفه على فمه في استيعاب، ليعقّب بوجل:

— ومالاجتش غير الحزينة دي وتشبط معاها؟ يخرب مطنك!

فُتح باب السجن العمومي، ليخرج منه إلى العالم الواسع الذي حُرم منه لعدة شهور. رفع بصره إلى السماء وصفائها المبهر، ثم أنزل نظراته إلى الأرض التي يخطو عليها بحرية، ذاهبًا نحو ما يشاء، لا يمنعه الآن حارس ولا قضبان.

بلعبة صغيرة فعلها مع ذلك الأحمق، استطاع أن يخفف مدة الحبس لأقل ما يمكن. ضحك بسخرية حين تذكر دعوته له لزيارته...

هل يظنه بالسذاجة التي تجعله يأمن مكره؟

لكن لا بأس، سيجد الطريقة للتعامل معه لاحقًا، أما الآن، فعليه أن يعود لينظّم أوراقه ويستعيد نشاطه...

كان جالسًا على العتبة الرخامية في مدخل منزله، يتلقى خبرًا عبر الهاتف، من أحدهم. عيناه شاردة نحو الحديقة الجانبية الصغيرة، تتأملان الأرض الطينية الجافة التي تأثرت بهجر صاحبتها لها، بعد أن كانت مملوءة بشتى أنواع الخضروات التي يحتاجها البيت.

وهو كالغبي لم يشعر بقيمتها سوي الآن بعد رحيلها.

ألهذه الدرجة كان أعمى عن كل ما هو جميل حوله؟

— ماشي يا عيد، زي ما جولتلك، جيبلي أخباره أول بأول الحزين ده ماشي... تمام، اجفل من عندك.

أنهى المكالمة التي شتتت تركيزه قليلاً، وزفر باختناق.

وعلى ذكر الأخيرة، حضرت زوجته التى بات يراها كالحرباء التي كانت مصدر الخراب لحياته السعيدة، تقترب بوجه متجهم، تضم كوب الشاي الساخن الذي أمر به، دون أن تنطق ببنت شفة، مما استفزه ليمسكها قبل أن تغادر:

— حتى الحاجة الوحيدة اللي قدرت تسيبهالك، ما قدرتيش تحافظي عليها؟ حوضين الخضرة كانوا هيتعبوكي في رشّهم ولا سقيهم؟ لكن أقول إيه... مفيش فايدة من الكلام أصلًا.

تطلعت صفا قاطبة الحاجبين نحو ما يشير لتستدرك مقصده سريعاً، فتشتد خطوط وجهها بغل إكتسحها وردّت عليه:

— دا على أساس إنه كان هامّك انت كمان؟ ولا عمرك حتى بصيت عليهم؟!

يالا بقى بجملة، ما انت محمّلني كل نصايب حياتك، جات على دي؟

بس أنا برضو مش هكِش، ولا هأنكر!

أيوه يا عرفان... كل الخضرة اللي سابتها المحروسة بعد ما هجّت واتطلقت منك، سِيبتها من غير سقي، ولا مراعية، لحد ما ماتت واتكنست بالمجشة كمان!

عشان أنا معمّرش زرعة غيري... خصوصًا زرعتها هي!

تفوهت الأخيرة بفحيح وغلّ أثار اشمئزازه، حتى لم يعد يحتمل رؤيتها، فنهرها بازدراء:

— طب غوري! غوري من وشي! مش طايق أبص في وشك حتى!

حيث كان معاذ منهمكًا بجدية في فحص هاتف الأستاذة اعتماد أثناء تدريسها لزوجته، بينما كانت ترمقه بطرف عينها من وقت لآخر دون أن تعلق بكلمة واحدة.

أما مزيونة، فلا تكف عن السؤال وحثه برجاء رغم يأسها من إصلاحه:

— شوفه زين يا معاذ، أكيد في طريقة لفتحه!

تنهد معاذ بنظرة خاطفة نحو إعتماد ثم عاد ليهمس لها بحذر.

— ما أنا بحاول والله، وعملت كل حاجة ومفيش فايدة... عامل زي الميت، اللي وجع فجأة ومحطش منطج.

همست بها مزيونة أيضًا، بصوت بالكاد يُسمع:

لكن رغم ذلك وصل إلى اعتماد، والتي ردّت وهي منكفئة على الكتاب، دون أن ترفع عينيها:

— لا "بعدين" ولا "جبلين" يا مزيونة... باظ ولا غار في داهية، حتى مش فارقة... وفروا تعبكم لحد كدة!

التوى ثغر مزيونة تتبادل النظرات مع معاذ بحرج، حتي إنتقل إلي ليلى هي الأخري، التي لم تجرؤ على التدخل، كي لا تزيد الطين بلّة.

كان الحزن يكسو وجهها، فهي تشعر بحزن معلمتها القوية التي تكتم عن قصد، لا تريد إظهار ضعفها أمامهم، وتدّعي عدم الاكتراث في شرح لها بعض الفقرات وهي تدعي الفهم.

استمرت محاولات معاذ في إصلاحه حتى يئس تماماً، يعلّل السبب في عدم معرفته بنوع الصناعة، ليتركهن وينزل إلى الأسفل، ليجد شقيقيه في إنتظاره، بحضور والدته وهالة التي استقبلته ساخرة:

— لا تكون كنت بتاخد درس مع مرتك كمان يا معاذ؟

— بس لو تبطّلي خفّة دمك دي شوية عنيّنا يا هالة.

ضحكت دون اكتراث، فيما رمقها زوجها بامتعاض، وتوجه بالسؤال نحو معاذ بنوع من التوتر:

— ما أنت بصراحة اتأخرت صح النهاردة، ودي مش بعادتك يعني.

— ما أنا كنت بحاول في تليفون أبلة اعتماد، عشان يفتح، بس للأسف معرفتش خالص.

— انت اللي معرفتش، ولا هو اللي معجرب؟

صمت معاذ، وردت عنه والدته بحرج:

— يا دي الكسوف! وما يجيش غير في وشنا!

تدخلت هالة، وقد تابعت الحوار بانفعال:

— وتاجي في وشنا ليه إن شاء الله؟! واحدة تليفونها بايظ من الأول، ولا هي تماحيك وخلاص؟ دول ماكانوش نجطتين ميّة!

تحول توتر خليفة إلى حنق شديد نتيجة قولها، فنهض نافضًا جلبابه بضجر وعدم تحمل:

— يا بوووووي على كلامك التجيل إنتي كمان! أنا جايم وماشي!

وغادر الجلسة وسط نظرات الأسف من والدته وإخوته، بينما مصمصت هالة شفتيها في أثره بعدم رضا، مما استفزّ حمزة الذي صرف نفسه عنها بالحديث مع أخيه الأصغر:

— وانت يا أستاذ، مش ناوي ترجع شغلك؟ وشي بجى في الأرض منك!

وكأنها فهمت عليه لتقرر تحديه في التدخل بهذا الأمر أيضاً بسخريتها:

— لا ما هو... هيخاف يمشي ويسيب المدام الحامل لوحدها!

حدجها حمزة بنظرة نارية متجنباً الرد عليها، بينما زفر معاذ، ثم قال مطمئنًا:

— متجلجلش يا حمزة... أنا مظبط أموري مع رئيسي في الشغل، وعلى العموم، خلاص... كلها بكرة ولا بعده وارجع إن شاء الله.

حربٌ باردة... هذا هو الوصف الصحيح لما يدور بين الاثنين.

حمزة الذي واصل الحديث مع شقيقه ووالدته، متعمدًا تجاهلها، وتجاهل نظرتها المصوَّبة نحوه.

لقد أصبحت تحفظه عن ظهر قلب؛ هذا المتيم لا يكتفي بجيرته لتلك المزيونة، حتى يأتي خلفها يوميًّا "كل ما جاءت إلى هنا".

يتلهف لكل لفتة منها، ولا يخجل من النظر إليها أمام الجميع!

من كان يصدق أن تلك الأفعال تصدر من حمزة... إبن عمها، الذي كان يصنع لنفسه هالة من الهيبة، تبعث الرهبة في القلوب بمجرد رؤيته؟

ذلك الذي كانت تراه مغرورًا، أصبح في حضور تلك المزيونة كالطفل الصغير...

وطبعًا، هي لا تُقصّر في مشاغلته، والحُجّة "مساعدة ابنتها"!

حتى منزلهم أصبح مرتعًا لها وللغرباء الذين تأتي بهم، كـتلك المدرسة المجنونة... لكنها لن تسكت لهما أبدًا!

تبسم وجهها فجأة مع القدوم المفاجئ لزوجته الأولى، برفقة ابنه ريان، الذي دلف مهلّلًا إليهم:

— شوفت أمي جابتلي إيه يا بوي؟ البلايستيشن اللي جولتلك عليه قبل كده!

انتشت في داخلها وهي تراقب ردّ فعل حمزة، الذي نهض عن مقعده بشحوب، يستقبل والدة ابنه، ثم علّق قائلًا:

— ومالك فرحان جوي كده؟ هي أول مرة تجيبه البلايستيشن؟ مكنش ليه لزوم التعب يا روان...

مسحت على شعر صغيرها، وهو يحتضن لعبته المغلفة، لتتولى الإجابة عنه وعن نفسها:

— ربنا ما يحرمه منك، أكيد أنت مكفّيه من كله، بس أنا أمّه، وحقي أجيب له كمان... النوع ده مختلف شوية، هو كان كلمني عنه، وحبيت أعملهاله مفاجأة.

ده ابني يا حمزة، وأنا عايزة أعوّضه على قدّ ما أقدر.

مهما كنت أنت حنين، أو أهلك كلهم، محدّش فيهم يقدر يسدّ مكاني.

أومأ لها بصمت دون تعليق، يتركها تلتقي بباقي العائلة، وبداخله تغيّر غير مفهوم...

روان العملية؟ تلك اللغة جديدة عليها.

يتسرّب داخله شيء ما يجعله يشك في قربها المتزايد، وقدومها المتكرر هذه الأيام لأخذ ريان...

كلها أشياء تؤكد له، وبشكل قاطع، صدق الظنون التي تنهش رأسه...

راقبتها من مكانها، وهي مستندة بمرفقيها على السور الرخامي لشرفتها، تتبعها بعينيها وهي تغادر المنزل الكبير أخيرًا، تتحدث مع تلك المدعوة اعتماد، التي تذهب أيضًا معها.

ركّزت بأبصارها جيدًا عليها، جميلة لا تُنكر، لكنها لن تزيد عنها بالتأكيد. بالإضافة إلى أنها امرأة مطلقة، تحوم حولها المشاكل والمصائب أينما حلّت.

أما هي... لقد كانت وما زالت "جميلة العائلة"، ومع ذلك رفضها!

رفضها وفضّل عليها تلك المدعوة روان، لتكون أول طعنة غادرة تتلقاها منه.

منذ أن خُلقت وهي تحفظ اسمه قبل أن تحفظ الكلمات، "هالة لحمزة، وحمزة لهالة".

نشأت وترعرعت على أنه لها، وأنها لن تكون لأحد غيره.

كل الرجال كانوا سواء في نظرها، هم في كفة، وحمزة وحده في كفة.

ومع ذلك، لم يرَ ولم يُقدّر الحب الكبير الذي كانت تحمله له.

تنهدت بحرارة خرجت من صدرها كالصهد، أغمضت عينيها بقوة وقد استعادت تلك الذكرى المُذلّة، حين خرجت عن أدبها المعتاد بعد صدمتها بالخبر الأسود لتُواجهه دون خجل:

صدر صوتها بقوة، أجفلت الحصان الذي كان ينظف حافره، حتى انتفض متراجعًا، فكاد أن يؤذي حمزة لولا حرص الأخير، ليلقي ما بيده أرضًا، ويَلتفت إليها متجهّمًا يُوبخها:

ــ "إنتِ اتجننتي يا بت؟ جاية ورايا هنا عشان تقوليلي الكلام ده؟"

لم تَكترث بغضبه، بل دفعها شعور الإهانة الذي كان يكتنفها إلى أن تتقدّم منه أكثر إلى الداخل، حتى وقفت مقابلةً له، تُواجهه:

ــ "وأجيلك آخر الدنيا كمان عشان أسألك! ليه تخطب واحدة غيري وإنت عارف إني معلجة على اسمك؟ كيف تبص لواحدة تانية وأنا بت عمك، اللي أحق بيك زي ما إنت أحق الناس بيا؟"

توقّفت برهة لتُكمل الباقي وجسدها ينتفض من الانفعال أمامه:

ــ "أنا هالة يا حمزة، أحلى بنات العيلة والبلد كلها. بصلي كويس وانت تعرف إن كنت بكدب ولا صادقة. طول عمري بتكبر على الكل بجمالي وعيلتي وبيك، على أساس إني خطيبتك من غير كلام. دلوك لما الناس تعرف إنك رفضتني وفضلت عليّا واحدة تانية، تبجى فين كرامتي؟"

رغم تفاجئه منها، ومن جرأتها التي تصل إلى حد الوقاحة في فتح أمر كهذا، إلا أنه حاول أن يكون مقدّرًا إلى أقصى درجة معها، علّها تفهم:

ــ "عشان النصيب يا هالة. حكاية إني واد عمك ومكتوبة على اسمي، دي مشهورة في كل العائلات. الوفق والقبول ده من عند ربنا يا بت عمي، محدش فينا له دخل فيه."

اهتزّ رأسها بجنون وكأن حديثه يأتي بنتيجة عكسيّة:

ــ "يعني إيه وِفق ولا قبول؟ هو إنت أول مرة تشوفني؟ دا أنا متربية على يدك، يعني تعرفني أكتر من نفسي!"

ــ "ما هو عشان عارفك أكتر من نفسي أنا بجولك لا يا هالة."

انفعل في الأخيرة، مما زاد من اشتعالها، لتردّد مؤكدة:

ــ "صدّجت في الأخيرة يا حمزة! بكرة تشوف لما جمالي ده يجيب سيد سيدك! أنا هالة، ومش هجبل غير باللي أحسن منك!"

وظلت تُكرّر الكلمات حتى غادرت من أمامه، وهو تجمّد في مكانه يُتابع انهيارها بقسوة وجمود...

تنهدت، عائدة إلى واقعها، وحظها المؤسف في عدم تنفيذ وعدها معه.

كانت تبغي أن تُذلّه بمن هو أوسم، وأغنى، وأكثر هيبة.

لكن حظها التعس جعل نصيبها مع خليفة، شقيقه، بفضل ضغط والديها عليها.

لتعيش كالميتة، محرومة من الحب والسعادة...

ولكنها أيضًا مصممة أن يكون الجميع مثلها.

لقد نجحت قبل ذلك كثيرًا، وما زالت مستمرة في مسعاها للانتقام من حمزة، وكل ما يخصه...

تفاجأت منى بالزيارة المفاجئة لشقيقها، الذي لا يأتي دون استئذان في العادة، ولا في هذا الوقت من المساء كما خالف وفعلها اليوم.

لكنّه كان متغيّرًا، وذلك ما لمسته منذ بداية الترحيب به وحتى جلستها معه، لتترك له المجال الكامل حتى أوضح أخيرًا سبب الزيارة، بعد أن قصّ عليها جميع ما حدث:

نظرت إلى كَمّ النقود التي وضعها في يدها، متسائلة بعدم فهم:

— ليه دول يعني يا خليفة؟ مش فاهمة!

زفر المذكور بخفوت، ثم أجابها بعد لحظات:

— دول ترضية يا منى... بدل التليفون اللي ضاع.

بما إني مش هعرف أكلّمها، ودي واحدة زي الجطر، ما بتديش فرصة للتفاهم.

فأنا شايف إنك أنسب واحدة، بحكم علاقة المودة اللي بينكم.

مش جوزك برضو هو اللي دايمًا متشددّلها؟ وبيقدمها في أي مشوار شغل؟

تمتمت منى، تلوي ثغرها على الجانبين، وقد فهمت ما يقصد، ورددت بطريقتها، مستنكرة:

— يا حزني يا أمه... يعني إنت عايز تضحي بأختك، عشان بس جوزي متشددّلها وبيقدّمها في مشاوير شغل؟

طب افترض جوزي مخّه ضارب، أضيع أنا بسببه؟

— إيه اللي بتهلفطي بيه ده يا منى؟ ما توزّني كلامك!

— يا حبيبي، والله وازنه كلامي... بس أنا بقولك أهو، انسَ حكاية الفلوس والكلام الفاضي ده.

أعفش حاجة في اعتماد هي عزة نفسها وحساسيتها الزيادة عن اللزوم.

خُد يا حبيبي فلوسك دي... أنا مش مستغنية عن عمري.

وختمت الأخيرة كلامها وهي تفتح كفّه، تعيد له النقود التي وضعها بيدها منذ لحظات، فنظر إليها متمتمًا بحيرة:

— طب وبعدين في الموضوع المعجرب ده؟ أحله إزاي بس وأريّح مخي؟

ناديتك يا عنيدة، وما زلتُ صابرًا حتى يلين قلبُ الحجر… قلبك.

لن أكفّ عن المحاولات، ولن أيأس.

فرغم كل شيء… قلبي يخبرني بقرب الوصال.

لقد مرّ اليوم طويلًا، ولم يتحدث معها رغم حرصه وتتبعها إلى منزل العائلة، ولكنها تعمّدت أن تظلّ في طابق ابنتها، ولم تنزل إلى الطابق السفلي أثناء تواجده، والذي لم يستمر طويلًا نظرًا إلى الحضور المفاجئ لزوجته السابقة.

حتي إنه لم يحتمل المكوث أكثر من دقائق معدودة، خاصة بعد متابعته لذلك الودّ المبالغ فيه بينها وبين هالة، ابنة عمّه.

ليستغلّ فشل محاولته للذهاب إلى أعماله المتراكمة، بسبب انشغاله في الأهم وهو "ترويض العنيدة"، كما يحدث الآن.

تجاوز حنقه حدود السماء، وهي لا تخرج حتى لابتياع احتياجاتها المنزلية من خضروات وبقالة، بعد أن تكفّل بها هذا المتحذلق ابن أخيها، حازم.

تنهد بيأس وهو يراقب صغيره الذي يلعب بالكرة أمامه، يذهب بها هنا وهناك، حتى اصطدمت في مرة بإحدى الشجيرات التي زرعها بنفسه.

لينتقل ريان بالنظر إليه مذعورًا ينتظر التوبيخ، وكان على وشك ذلك فعلًا... وقد خطرت بباله فكرة، جعلته يتراجع.

ليطمأنه بنظرة حانية، ثم نهض من على أريكته، وتناول الكرة منه، وقرر مشاركته اللعب، مما جعل الصغير يقفز فرحًا.

لتبدأ لحظات من الركض والمرح وتسديد الأهداف، حتى أتى بأهم هدف في لحظة تركيز، حين أصاب المكان الذي يريده، ليتوقف ريان فجأة قائلًا بوجل ولهاث:

— يا وجعة! الكورة دخلت في بيت خالتي مزيونة... هنعمل إيه دلوك؟

تنفس والده بابتسامة ماكرة، وصحّح له:

— وجعت في الحوش المكشوف من غير قصد، يا ريان... يعني تقدر تندهلها تجيبهالنا.

— لأ يا حبيبي، وتزعج ليه بس؟ إن شاء الله متكونش كسّرتلها حاجة. ولا أقولك؟ انده عليها، وجولها عشان نشوف.

وهكذا أقنعه، ليذهب إلى مدخل منزلها مناديًا من الخارج، بتشجيع من والده:

— يا خالة مزيونة، يا خالة مزيونة! الكورة وجعت عندك في الحوش… هاتيهَا!

وحين جاء ردّها من الداخل، واطمأنّ حمزة لخروجها، وضع بيد ريان بعض الأوراق المالية ليصرفه، ويجعله يذهب إلى أقرب محل بقالة يشتري ما يشاء، ثم انتظر فقط لحظات، حتى خرجت بالكُرة، تبحث عنه:

— الكورة أهي يا عفريت! بس على الله تكررها تاني... لا أشجّهالك بالسكين!

وأكملت بضحكة مرحة حتى وصلت إلى الجزء الخلفي، وهو ما زال في انتظارها، جالسًا على "مصطبتها" الحبيبة.

هو متأكد تمامًا من تلك المعلومة.

حُجج المراهقين وأفعال الصغار في ابتكار طرق اللقاء بالحبيبة… يفعلها الآن في هذا العمر؟!

وبماذا سيفيده العقل إن نام ليلته دون أن يَكحّل عينيه برؤيتها، بعد أن اختفت طوال اليوم؟

فقد خرجت الآن بزيّ مختلف عن كل العباءات العصرية التي ترتديها، ذلك الزيّ القديم لنساء البلدة، رداء يشبه الفستان، يُصنع من قماش منقوش بخامات مختلفة، مجسَّم إلى حدّ ما في الأعلى حتى حردة الخصر، ثم يتّسع كالتنورة في الأسفل.

ازدادت بهاءً وسحرًا في عينيه، وهو أصلاً لا ينقصه!

وكأنها شعرت به، التفتت إليه فجأة، ليكتشف الحردة الأمامية عند الرقبة...

أنزل عينيه سريعًا، يبتلع ريقه الذي جفّ بحضورها.

وانتبهت هي بدورها، لتخفي الجزء المكشوف من جيدها بشالها، وتقول بارتباك:

— أنا كنت طالعة بالكورة لريان... هو فين؟

ارتفعت أبصاره يحدثها بنبرة عادية الآن:

— ريان جري على البقال يشتريلُه حاجة ساجعة… بس أنا أبوه، وأستلم عنه عادي يعني.

قال الأخيرة بنوع من المزاح، تجاهلته، وأنزلت الكرة أرضًا قائلة:

— تمام، على العموم أهي، لما يرجع يبجى ياخدها... أنا كده عملت اللي عليّا.

قالتها وشرعت في الانصراف من أمامه، لكنه أوقفها قبل أن تتحرك خطوتين، معلّقًا على ردائها:

— ده تبع المرحومة أمك صح؟ ولا حد تاني من أهلك؟

ابتلعت رمقها بحرج شديد، وحنق يكتسحها من تعليقه:

— أيوه... بتاع المرحومة أمي، عادي يعني. رتبت حاجتها النهاردة، وخطر لي ألبس حاجة من ريحتها.

طالعته بعدم استيعاب، تكذّب أسماعها، لكنه لم يكترث، وعاد يؤكد بجدية:

— أيوه يا مزيونة... اسمعي الكلام.

أهالينا زمان كانوا غلابة، ومتعودين، عشان الكل كان بيلبس كده...

إنما دلوك، ومع واحدة زيك، اللبس ده جريمة يُعاقب عليها القانون.

— نـعـم؟! قالتها بغضب ليرد عليها:

ما انتي لو وجفتي جدّام مراية كبيرة، هتشوفي بنفسك...

ويمكن تاخدي بالك إن واحدة زيك، حتى العباية البهتانة بتفرّق معاها.

صاحت بالاسم، بعدم تحمّل، لتوقفه عن هذيانه، مرددة:

مش كفاية اسمي اللي بقى لُبانة على لسانك؟!

استقبل ثورتها بهدوء يثير الدهشة:

— أولًا، لازم تاخدي بالك إن انتي كمان بتندهيلي باسمي حاف من غير ألقاب...

ولو على اللبس، أختار لك؟ وماله؟ ليه لأ؟

فغرت فاها، واتسعت عيناها بذهول، لا تصدق الجرأة، بل الوقاحة، التي يتحدث بها...

وظل يتأملها دون خجل، حتى خرج صوتها بصعوبة:

سيجلطها، هي موقنة من ذلك، إن ظلت واقفة تُجادله.

يتحدث بأريحية ولا يشعر بذرة أسف...

ليس أمامها سوى الهروب، كعادتها:

— أنا عارفة إن مفيش فايدة... ماشيه وسيبهالك!

وتحركت تسبق الريح بأقدامها نحو باب منزلها، بغضب، لم يمنعه من وصف ما يشعر به، ويؤلمه الآن، بصوت خفيض... لكنه وصل إليها:

— والله محدّش جالك تبقي حلوة زيادة عن اللزوم... يا المزيونة...

دلفت إلى مأمنها، تصفق الباب بعنف، لتستند عليه من الداخل، وتخرج شهقة من عمق صدرها الآن، واضعة يدها على موضع قلبها، الذي كان يضرب بقوة.

بمشاعر لم تعد تميز إن كانت غضبًا... أو شيء آخر، لكنها ليست طبيعية على الإطلاق.

هذا الرجل مستفز بدرجة تُربكها إلى أقصى الحدود.

وهي قد وضعت النهاية المحسومة برأسها، ولن تتراجع عنها أبدًا… أبدًا!

فقد سقط عائدًا إلى أريكته، بغيظٍ جعله يضرب بكفّه على فخذه، مرددًا بتصميم وإصرار:

اعندي براحتك، واعملي ما بدالك...

وهتبجي حلالي... يعني هتبجي حلالي.

رواية لاجلها الفصل السابع والعشرون

وأنا التي أمسكتُ بالمفتاح ثم نسيته عمداً.

فأنا لا أخافك، بل أخاف منّي حين أطمئنّ إليك…

من ضعفي إن صدّقتك، من دموعي إن جرحتني،

وأنا فقط… أحاول أن أُبقي ما تبقّى منّي واقفًا.

ولا تُعاقبني على حروبي التي لا تراها،

أنا التي تُقاتل نفسها كلّ يوم، كي لا تُحبّك أكثر.

المراجعة والخاطرة العظمة للرائعة/ سنا الفردوس

أغلق الكراسة التي كان يُصحح بها، ليرفع رأسه إلى زوجته متطلعًا إليها بعدم استيعاب، سائلاً عمّا أدلت به منذ لحظات:

— إنتِ بتتكلمي جد؟ لا تكوني بتهزري يا منى؟

تحركت قدماها، تتجه نحو السرير المقابل لمكتبه، تجلس عليه قائلة:

— يا أخوي، وههزر ليه يعني؟ وده موضوع ينفع فيه هزار؟ خليفة غلبان ومفكرها سهلة، ميعرفش طبعًا اعتماد وعفاشتها!

صحّح لها منصور، وبيده يجمع الكراسات في كومة واحدة قبل أن يقوم من مكانه ذاهبًا إليها:

— ما اسمهاش عفاشة، اسمها عزة نفس يا ست منى، ودي واحدة مكافحة يعني يُضرب لها تعظيم سلام.

زامت بمكر، واضعة سبابتها على وجنتها، تنتظره حتى جلس بجوارها لتُعلق:

— كان عنده حق الجَزين لما يقولي جوزك متشدد لها، مع إنه بصراحة غاظني، وحسيت إنه بيستهزأ بيا.

— أيوه، لما يجيب سيرة مرة غيري ويجولي جوزك مش عارف إيه عليها؟ ده كلام برضو؟

سمع منها، لتصدح ضحكته الرنانة، تلك التي لا تصدر إلا بفضلها، ليُشاكِسها قارصًا ذقنها بين إصبعيه السبابة والإبهام:

— يعني يوم ما تغيري، تغيري من اعتماد يا منى؟

— ومغيرش منها ليه إن شاء الله؟ مش معنى إن بوزها شبرين وبتطفّش الرجالة يبجى عفشة ومحدش يبصلها، ولا هتنكر يعني؟

— لا طبعًا، هنكر ليه؟ هو أنا أعمى؟

قالها بعفوية استفزّتها، لتصيح به معترضة:

وكان رده ضحكات أخرى، يميل عليها ويضمها بمرح مداعبًا، في إجابة ضمنية تعرفها جيدًا؛ أنه لم ولن يحدث أبدًا أن ينظر لامرأة غيرها بعين الرجل. كل النساء في عينيه سواء، وهي فقط من استحوذت بتلك الصفة لديه دون غيرها.

حين يغيب الجسد في غفوته، يأخذ العقل الفرصة كاملة في نسج ما يريد، مستغلًا انفصاله عن الواقع في تلك الساعات القليلة أو الكثيرة، يترجم ذلك إما في أحلام سعيدة أو سيئة أو مشاهد غير مفهومة، حتى يغيب هو الآخر ويقتطف راحته مع الجسد المنهك. ثم يعود الاثنان بعد ذلك وقد تجددت الطاقة استعدادًا ليوم آخر بصراعاته ومسؤولياته.

لمسات حانية رقيقة تشعر بها تمر على بشرتها، وبعض الخصلات من شعرها، ثم أنفاس وأصوات، حتى قُبلات رطبة كدغدغات تجعلها بصعوبة تكتم ضحكاتها، مستمتعة باصطناع النوم. واللمسات تحوّلت إلى تحرشات حين حطت الأسنان الحادة على أنفها، لتقفز ناهضة بجذعها، تخطف تلك الشقية الصغيرة، مصدر السعادة الوحيد لها، لتنتقم منها:

— إنتِ بتعملي إيه يا عفريته؟ ده أنا هجطعك بوس النهارده!

وهجمت تُشبِعها بالقُبلات والمداعبات، حتى باتت ضحكات الصغيرة بمرحها تصل إلى خارج الغرفة. تتابعهما شقيقتها، والدة الطفلة، التي كانت جالسة على أرضية الغرفة منكفئة على بعض الأوراق المنتشرة حولها، تقطع وصلة المرح بين الاثنتين:

— أنا جولت محدش هيعرف يصحيكي غير دندن، هي بس اللي بتجدر عليكي وبتعمل ما بدالها معاكي.

وكأنها واحدة أخرى غير تلك المتجهمة الحادة في وجه الجميع، تعيدها تلك الطفلة الصغيرة وحدها إلى طبيعتها الأولى:

— عشان قليلة أدب ومش متربية! في واحدة تعمل كده برضو في خالتها؟ نفسي أعرف جايبة الجرأة دي منين؟ جوليلي يا بت، جايباها منين ها؟

وعادت تنقض عليها وسط صوتها الصخب حتى إذا تعبت الأولى توقفت بلهاث:

— لا، إنتِ لو خدت اليوم كله في اللعب معاكي مش هتشبعي، وخالتك مش كدّك يا حبيبتي، ده أنا...

قطعت عن إكمال جملتها حين انتبهت أخيرًا إلى فعل الأخرى، لتسألها:

— إنتِ بتدوري على إيه عندك يا روضة؟

رفعت المذكورة رأسها، مندمجة في كُتلة من الأوراق التي تمسك بها، لتأخذ برهة من الوقت تستدعي بها التركيز:

— لا يا بت أبوي، خير إن شاء الله، مفيش حاجة، أنا بس بدور على شهادة ميلاد الكمبيوتر بتاعتي والبطاقة، كانت جاعدة هنا مع ورقك وورق رغد أختي، بجالي ساعة بدوّر مش لاجياها.

سريعًا ما تبدل مزاج اعتماد، ليتسرّب داخلها شيء من ريبة في استفسارها:

— وإنتي مالك بشهادة الميلاد ولا البطاقة؟ هتجدمي على وظيفة مثلًا؟

— لا طبعًا، مين هيوظفني بدبلوم الصنايع؟ محمود طالبهم.

انتفضت اعتماد باستدراك، تنهض وتنزل عن سريرها، حاملة الطفلة بيدها، تسأل بخفوت وخطر:

كان الصمت هو ردها، تتحرك مقلتاها بتوتر أدخل الشك في قلب اعتماد، لتردف مخمّنة بحدة:

— جوزك عايزك تضمنيه في قرض الربا اللي جبتي سيرته من كام يوم صح؟

— ما هو... ما هو... أصل هو يعني... عشان يعمل المشروع...

صدحت بها اعتماد، حتى انتفضت الطفلة بيدها، فتداركت سريعًا تُهدّئها، قبل أن تعود لشقيقتها تُحذرها بخفوت:

— باع الدهب على تفاهات وما اتكلمتش عشان حضرتك راضية وما اشتكيتيش، جابله على نفسك وبيأكل بعقلك حلاوة برضه، ميخصنيش. إنما توصلي إنك تضمنيه في قروض الربا اللي ماشية في البلد؟ يبجى أطلّقك منه أحسن.

— بعد الشر يا اعتماد، ليه بتقولي كده؟

ما زالت تحافظ على خفض انفعالها من أجل الطفلة، لكنها مستمرة في الحزم معها:

— أنا جولت كلمتي ومش هتنيها يا روضة. جابلة عيشتك مع جوزك الصايع، إنتِ حرة، إن شاء الله حتى يأكلك عيش حاف. إنما تضمنيه في قروض؟ لا، والف لا. المحروس مصمم على اللي في دماغه، يخلي أي حد من عيلته يضمنه، إنما إنتِ يا روضة؟ لا تبجي أختي ولا أعرفك.

بصمتٍ تام تلقّت روضة التهديد دون إبداء أي رد فعل، سوى أنها لملمت الأوراق، ثم استقامت من جلستها، لتقف وتتناول ابنتها، تُومئ بصوت خفيض:

— ماشي يا خيتي، اللي تشوفيه. تعالي يا دنيا.

وخرجت بطفلتها، تتبعها اعتماد في جمود وحسرة. شقيقتها لا تفرق عنها سوى ثلاث سنوات، ثلاث سنوات فقط فرق بين واحدة تحملت مسؤولية عائلة كاملة عن عمر السادسة عشرة، وأخرى تعيش الحياة بلا عقل ولا تفكير. كل شيء يصل إليها بلا تعب، تسير خلف عاطفتها كالعمياء ويتحمّل غيرها النتائج.

صعدت إلى الطابق الثاني من منزلها، تحمل دلو ماء وإناءً بلاستيكيًّا امتلأ بالحبوب، من أجل إطعام السرب الذي تجمع حولها فور أن أطلت أمامهم، يتدافعون بأجنحتهم في طلب الطعام. تستقبل لهفتهم بابتسامة تطمئنهم:

— كلكم هتاكلوا والله، بس ادّوني فرصة.

وأكملت ضاحكة، بعد أن نثرت أسفلها عددًا من الحفنات الكبيرة على سطح المنزل، تُلهيهم بتناولها، فتمر هي على الأعشاش، تُنظفها وتطمئن على الصغار، تُغيّر الماء القديم بآخر جديد، حتى إذا انتهت، ملأها شعور بالراحة وهي تراقبهم وتراقب حب الأزواج. كل فرد منهم لوليفه، يحمل قصة تعلمها جيدًا. ما أجمل عالمهم! حب الحمام ترعرع داخلها منذ الصغر بفضل تلك الصفة التي تعلمها عنهم؛ لا يمكن لفرد حمام أن يتزوج دون حب حقيقي.

لفت أنظارها أحدهم، وهو يدور حول أنثاه، يفعل كل شيء من أجل لفت انتباهها وإضحاكها. قد يبدو أنها تهذي بتلك الأخيرة، ولكنها ترى بوضوح السعادة التي تتجلى بأفعال الأنثى اندماجًا بذكرها.

— ياريتنا، عالم البشر، نبجى زيكم... ولا نصكم حتى. آآه لو يحصل!

وأطلقت تنهيدة، ويا ليتها ما فعلت، إذ انتبهت أخيرًا أنها مراقبة من ذاك المُتربص، جارها المزعج، مستندًا بمرفقه على نصف الحائط المبني في الطابق الثاني، يقابلها بابتسامة متسعة، متمتمًا بشفتيه كلمات سهلة القراءة:

لم تُجب التحية، واكتفت أن تُحدّجه غاضبة بعينيها الجميلتين اللتين تأسره بالنظر إليهما، غافلة ببراءة تناقض شراستها أنها تزيد من تسليته. ليردف بتحريك الشفاه مرة أخرى:

— مستنيكي النهارده تنوري البيت.

وكأنها عادت طفلة صغيرة لا تدري ببلاهة أفعالها، اهتزّ رأسها بالرفض وتحريك الشفاه:

والتفتت بعنف تذهب من أمامه، فلم ترَ الضحكة الكبيرة التي كتم صوتها بصعوبة، يضرب بكفه على ذلك الجزء الناقص من الحائط، حتى إذا توقف، غمغم بصوت مسموع لنفسه:

— آه يا أنا يا أمه، تلاحق على إيه ولا إيه بس يا حمزة؟ دمها العسل، ولا العيون المسحوبة، ولا... يا غلبك يا حمزة، يا غلبك!

...............................

وقف يتابع خروج الفتيات من مدرستهم، ومرور عدد منهن في ذلك الطريق الجانبي، وليس الرئيسي الذي يمر عليه المعظم. ينظر لساعة يده كل لحظة في انتظار تلك المرأة المعقدة، مخمّنًا بفطرته أن هذا هو الممر الوحيد لمنزلها.

زفر بضيقٍ يكتسحه لثقل تلك المهمة التي تطوق رقبته بعذاب الضمير. ليتها كانت امرأة عادية وتعرف التحدث بالأخذ والرد، ولكن كيف؟ وهي تتخذ معاداة الرجال أسلوب حياة، كما سمع من بعضهم.

انتفض مستقيمًا، بعد أن كان متكئًا على جانب سيارته، يُبصرها قادمة من قريب، متحفزًا لمعركة قد تؤدي لفضائح أو ربما خسائر بشرية، لكنه لن يهتز أو يتراجع عما قرر فعله منذ الأمس. ما زالت تقترب وعدد من الفتيات يرافقنها، يتبادلن الحديث والضحك، يا إلهي! إنها تعرف الضحك مثل باقي البشر!

ـ أستاذة اعتماد! هتف مناديًا باسمها، يجذب انتباهها وانتباه الفتيات اللواتي يحيطن بها من الجانبين، غير مبالٍ بالغضب الذي ارتسم جليًّا على ملامحها، مستنكرة فعله بالتأكيد. ولكن فليكن، لقد شحذ همّته استعدادًا لكل المصائب من طرفها.

تابع تصرف الطالبات وهنّ يواصلن المسير دونها، فاتجهت إليه بخطوات تحفر الأرض بغضبها، حتى إذا توقفت أمامه:

صمت برهة يتأملها، ولأول مرة، تحضره ضحكاتها منذ قليل مع طالباتها. لقد ظن لوهلة أنه أخطأ الشخصية، بالإضافة إلى الاختلاف التام بين تلك التي كانت مع الفتيات، وهذه التي تقف أمامه بوجهها المشتد... ومع ذلك، جميلة!

ـ حضرتك، بسألك بتنادي عليا ليه؟ ممكن أفهم ليه ساكت؟

ما أبشع غضبها وتشنجها في الصياح دون تمييز! زفر يستدعي الحكمة والهدوء في النقاش مع كتلة النار التي تقف أمامه:

ـمعلش يا أبلة اعتماد لو عصبناكي، بس أنا بصراحة كان لازم أشوفك عشان أسألك...

هدأت من وتيرة أنفاسها قليلًا: ـ

ـ أسألك عن التليفون، حضرتك، اللي عطل امبارح... بسبب الميّة...

سليطة اللسان! كم يود أن يهشم رأسها! بارعة جدًا في إخراجه عن طوره الطبيعي الهادئ إلى الانفعال بعصبية.

ـ مالي؟ كيف يعني؟ هو التليفون دا مش باظ بسببي؟ ولا بسبب حد غيري؟ عرفت إنك ودّيتيه لحمادة جينيس بتاع التليفونات في البلد، وجالك إنه ما عرفش يفتحه، ولا بيشتغل فيه أصلًا، عشان حصل له جفلة... يعني ما عادش منه فايدة...

بشرتها الخمرية تحوّلت إلى الأحمر القاني، بامتزاج مع العرق الذي يتصبب على جبهتها وبعض مناطق وجهها بفضل الشمس، والعروق التي انتفخت في جبهتها تُنبيء بوضوح أنها على وشك الانفجار:

ـ يعني حضرتك روحت للراجل الغريب وعن تليفوني سألت واتطجست؟ برضو هجُولهالك تاني: إيه دخلك؟ باظ بسببك ولا بأي سبب تاني برضو ما يخصكش، ولا يخص أي حد!

توقفت تُهدّئ من وتيرة أنفاسها المتسارعة، وصمت هو قليلًا يمتص غضبها، غير متأثر بكل ما تلفظت به، فهذا المتوقع منها أصلًا... ليستدعي الحكمة في مخاطبة القطار المشتعل: ـ ماشي، رغم كل زعيقك وصراخك، أنا برضو هاعمل بتربيتي وأصلي الطيب. جُلتِها قبل كده إنه قفل بسببي، وأنا ما اتعودتش أغلط وماصلحش غلطي. بس يا ريت يبجى فيه تفاهم منك.

لم تفهم الأخيرة، حتى التف بجذعه أمامها، وأدخل يده في السيارة متناولًا منها علبة بيضاء، برقت أبصارها بخطر حين علمت بفحواها، ومع ذلك لم يتراجع أو يهتز، وهو يقدمه لها:

ـ دا واحد بدل اللي ضاع يا أبلة اعتماد، ممكن تعتبريه عوض، وممكن تعتبريه هدية. النبي قبل الهدية...

اهتزت أمامه كالقدر الذي يغلي فوق النيران الموقدة، شرار ناريّتيها يكاد أن يحرقه، بتصاعد ثورات الاعتزاز والكرامة التي تصدح داخلها تنادي بالانتقام لذاتها... كيف يفعلها؟ وكيف يجرؤ؟ وكيف...؟

ـ براحة على نفسك شوية يا أبلة اعتماد، أنا ما بغلطش فيكي ولا بقلل منك، هو بس إحساس بالمسؤولية لخطأ ارتكبته وعايز أصلحه.

هكذا، وبكل سهولة، أردف يخفف وطأة الشعور بالدونية الذي يكتنفها كلما مرّت بموقف مشابه، لتُعبّر عن رفضها وبقوة: ـ وأنا ما بجبلش العوض... ولا الهدية!

عاد فجأة بعلبة الهاتف يُلقيها داخل السيارة، بكل بساطة:

ـ تمام، أنا كده عملت اللي عليّا. ثم امتدت كفّه إلى الباب يفتحه ويستقل مقعده خلف عجلة القيادة، يُردف لها على عجالة وهو يدير المحرّك: ـ كان ودي أتصرف بمروءة وأجولك: اتفضلي أوصلك في طريقي، بس أخاف كمان تفهميني غلط، وده المتوقع. عن إذنك يا أبلة اعتماد.

ظلت على صمتها، تراقبه حتى ابتعد بسيارته، لتُغمغم في أثره بحنق شديد، وقد ضيّع عليها فرصة الانفجار وصبّ جام غضبها عليه: ـ مغرور... وقليل ذوق!

قامت بتسخين المياه على الموقد الطيني في القدر النحاسي الذي ورثته عن والدتها، لتستخدم المياه الدافئة للاستحمام. ثم جلست متربعة القدمين تمشط شعرها الطويل، عائدة لروتين النساء قديمًا، وراحتها التي غابت عنها على مدار سنوات زواجها.

راحتها الحقيقية التي وجدتها هنا، رغم التعب في تحضير كل شيء، حتى في تسخين المياه. مرآة صغيرة كانت ترفعها إليها كل حين وآخر، تتأمل وجهها النضر، والشعر الأسود يحاوطه من الجانبين، العيون التي بدأت تحرص على تكحيلها، لترى جمالهما المميز. أصبحت ترى نفسها، تستشعر الأنوثة التي كانت غائبة عنها، رغم كلمات الإعجاب التي تتلقاها دائمًا، حتى من النساء. ذلك الإحساس الرائع تتمنى من الله ألا تُحرَم منه امرأة.

تنهدت بعمق وقد تذكرت المتسبب الرئيسي في عودة تلك المشاعر إليها، لتزفر بضيق وتنفُض رأسها، لا تريد التفكير به ولا التأثير على قناعتها... لا تريد.

أخرجها من شرودها صوت طرق الباب الخشبي، يليه نداء ابن شقيقها:

ـ افتحي يا عمة مزيونة، أبويا جا معايا! استقامت مبتهجة، تركض إلى الباب، تستقبل شقيقها الغائب دائمًا بفضل عمله خارج المحافظة، وبلهفة لا تقل عنها، قابَلها هو الآخر، يُقبّل وجنتها وجبهتها متغزّلًا، بعد أن تطلع إليها جيدًا:

ـ تبارك الرحمن فيما خلق، ولا أكنك رجعتي لعمر الستاشر، يا بت أبوي! رجعتي مزيونة على حق!

أضاف عليه حازم هو الآخر: ـ أيوه يا بوي والله، أنا بقولها كده دايمًا، وهي ما بتصدجش!

تبسمت بخجل أصابها، ساحبة شقيقها معها إلى الداخل:

ـ بس يا واد، بطل بكش! أخويا شايفني بعين المحب، عمره ما هيشوفني كبرت واصل.

ـ طب ما إنتِ فعلاً ما كبرتيش، يا خيتي، لساكي! برضك مش مصدّجة؟

قالها وصفي ضاحكًا، يضمها من كتفيها إليه، فتتنعم هي بحنانه وتعبر عن امتنانها:

ـ حبيبي يا خوي، ربنا ما يحرمني منك. بس مفاجأة حلوة جيتك النهاردة. هتجعد معانا اليوم كله بجى؟ هنتغدى أنا وإنت والواد حازم، ونتصل بالعيال وأمهم.

واض، يا حازم، اتصل بأمك بسرعة، و...

ـ حيلك حيلك يا بت أبوي! تجيبي المرة والعيال كيف وإحنا أصلًا معزومين عند نسايبك؟

توقفت تستدرك مقصده، فتابع هو باستفساره:

ـ إيه الحكاية يا مزيونة؟ ده أنتي حتى من أول الناس المعزومين! الحجة حسنية، ولا منى، حمزة نفسه ما بلّغكيش؟

ابتلعت بتوتر عند ذكره الأخير، تحاول التوضيح بحرج:

ـ لا طبعًا كلموني، أنا بس بصراحة مش عايزة...

ـ مش عايزة ليه يا مزيونة؟ دي عزومة عادية، الراجل عاملها يبخت بيته الجديد!

بماذا تخبره؟ لا تجد في رأسها الحجة المقنعة، ومع ذلك تُصر على رأيها. هذا الرجل الذي يُحاصرها أينما اتجهت، حتى في أحلامها، ومع ذلك تُصر على موقفها:

ـ هو أنا روحتِ يعني اللي هتزود ولا تنقص! روحوا إنتوا، احضروا العزومة وتعالوا، أنا مستنياكم، نجضي اليوم مع بعض.

مسكينة هي، حين ظنت أنها سوف تنفذ قرارها. وكيف تفعل، وقد لفّ شباكه باحترافية تمنع عنها حتى التفكير؟

فقد اتخذ جلسته خارج منزله، على الأريكة المقابلة لمنزلها، يستقبل الرجال من أبناء عمومته وزوجاتهم، وشقيقاته وأزواجهم. يدخل الرجال إلى دار الضيافة الواسعة، والتي جعلها عن قصد في الخلف، حتى لا يزعج خصوصيته أحد مع المزيونة المتمردة، والتي كانت تُخفي نفسها داخل منزلها منذ الصباح. ومع ذلك، تتورط وعلى غير إرادتها بالمشاركة والترحيب بالحاضرين، بدون أدنى جهد منه.

فجميع نساء العائلة، ممن حضرن مع أزواجهن أو بلا، كانت تذهب أقدامهن إلى منزلها قبل منزله، يلتقين بها ويسألنها، وهي تختلق الحجج، حتى نفدت طاقتها بحضور حسنية نفسها ومنى التي هي هتفت بها فور الولوج إليها:

ـ انتي لسة جاعدة مكانك يا ولية؟ والبيت بيضرب يقلب هناك!

ـ وه يا منى، ادخلي سلمي الأول بي. اتفضلي يا حجة حسنية، اتفضلي...

ـ ندخل فين يا بنيتي ونسيب الناس؟ والبيت المليان هناك؟ إنتي لسة جاعدة مكانك ليه يا مزيونة؟ هو إنتي غريبة يا بنيتي؟

ابتلعت، تبحث عن سبب منطقي يمنعها:

ـ هو إيه بس يا مزيونة؟ يا بتي اتحركي ياللا، حتى على الأقل عشان توَنّسي بنيتك!

ـ أيوه يا ستي، ومعاها معاذ كمان، قبل ما يسافر على شغله بكرة. يعني البيت كله هيحضر، وهما لأ؟

بعد لحظاتٍ ليست بالقليلة، خرجت تُنعش الهواء من حوله بحضورها، ترافق والدته وشقيقته، بخطوات يحفّها الخجل.

هو ليس بالأعمى حتى لا يرى بأمّ عينيه تأثيره عليها، حتى وإن ادّعت العكس، بذلك التجهّم الذي تتصنّعه، وقد خرجت مجبرة، حسب ما فهم من بعض الحجج التي تواترت على مسامعه عن سبب غيابها، وقد أنبأته صباحًا بعبوس الأطفال.

فاردة ظهرها بعزة، تمشي بجوار والدته التي أطلقت زغرودة كبيرة من فمها، قبل أن تلقي بنفسها عليه، تبارك وتهنئ وتقبّل وجنتيه:

ـ تكون عتبة السعد عليك يا نضري، تملاها بالولاد والبنات اللي تخاوي بيهم ولدك.

ضحك بمرح، يُلقي كلمات ذات مغزى، يخطف بنظراته إليها كل لحظة:

ـ آه يا ست الحبايب، بس تيجي صاحبة النصيب الأول، وإحنا نخاوي ريان بالولاد والبنات والأحفاد إن شاء الله فيما بعد.

تمتمت بها والدته بتضرّع، ليتجه ببصره بعد ذلك نحو مزيونة، التي تغيرت لشيء آخر...

قد ذهب عنها خجل المراهقات الذي أصبح يصاحبها في حضرته، ليحضر شيء آخر لم يفهمه، ربما سببه كانت تلك الكلمات الأخيرة التي أردفت بها والدته.

ـ عتبة سعيدة إن شاء الله يا أبو ريان.

ـ تسلمي يا أم ليلى، ربنا يبارك فيكي.

أخيرًا هتخشي البيت مع الجماعة وتشوفي البيت.

قال الأخيرة بمزاح، قابلته بابتسامة باهتة فاقدة الحياة، ثم تحركت تتبع والدته نحو باب منزله، والذي ستدخله لأول مرة.

اقتربت منى تجذبه من ياقته بعنف كي ينتبهه إليها:

ـ ما خلاص، سيبها تدخل، وانت شوف أختك، يا عديم الحساسه!

ألف مبروك يا حبيبي، عتبة السعد والهنا إن شاء الله.

تقبّل العناق ومباركتها بابتهاج لا حدود له، يعبر عنه كالطفل، ناسيًا وضعه كرجل كبير، ربّ عائلة، وناضج:

ـ دخلت بيتي يا منى، ادعيلي يا خيتي تبجى من نصيبي، ادعيلي ربنا يهديها على أخوكي يا بت.

ـ إن شاء الله يا حبيبي، تكون من نصيبك، والله ليحصل بإذن الله.

ظل يتمتم بالدعاء حتى بعد ذهابها، واستقبال فردين من أبناء عمومته من ضمن المدعوين، تغمره حالة من الشرود والتساؤلات التي تدور في عقله، عن ردّ فعلها حين ترى داخل المنزل...

كم ودّ أن يترك مكانه ويُريها كل قطعة فيه، ليعرف رأيها، وإن كانت تُعجبها أم يغيّرها من أجلها.

وفي غمرة تلك التساؤلات، تفاجأ بحضور آخر شخص يتمنى غيابه الآن.

تمتم بعد استيعاب، يراقب ترجّلها من السيارة بصحبة صغيره، الذي يكاد أن يطير من الفرح، يسحبها من يدها وهي تضحك:

ـ براحة يا قلب ماما، أنا مش قدك... ولا أقولك، خلاص وصلنا أهو، إزيك يا حمزة؟ ألف مبروك على البيت.

بوجومٍ واضح، تلقّى تهنئتها، يومئ برأسه، وبصوت بالكاد يُسمع:

ـ أهلًا يا روان، الله يبارك فيكي.

اكتنفها حرج شديد من رد فعله، فسارعت بالتوضيح لتخفف من ثقل الموقف:

ـ ريان هو اللي عزمني على فكرة، مكنتش أعرف إنه مقالكش.

على العموم، لو رافض دخولي البيت أرجع عادي، أنا أصلًا جايّة أبارك وبس، عشان عزومة يعني ولا حاجة.

ألقى بنظرة خاطفة نحو صغيره، قبل أن يعود إليها بحنقٍ في نبرة صوته:

ـ ودي عمايل ولاد أصول برضو؟ عيب يا روان، البيت بيتك.

ترددت عن التحرك من محلها، فتوجّه بالأمر حازمًا نحو صغيره: ـ واض يا ريان، اسحب أمك على البيت جوا عند الحريم... أخلص يا واض!

طافت بها على جميع الغرف، لم تترك موضعًا في المنزل حتى عرّفتها به، فلم يتبقَ سوى غرفة واحدة، كانت الأخيرة. وفور أن دخلتها مزيونة، اكتنفها شيء غير مفهوم، لتسألها:

قطعتْها ناظرة إليها بعتاب، تجاوزته منى وهي تتحدث بمكر:

ـ أيوة يا حبيبتي، دي أوضة حمزة، إيه رأيك فيها بجى؟

ابتلعت رمقها بارتباك شديد، لتجيبها بحدة:

ـ وأنا مالي يا منى؟ أجول رأيي فيها ليه؟ حلوة لصحابها وخلاص، يلا بينا خلينا نرجع.

همّت أن تلتف، ولكن منعتها منى، توضّح ببراءة:

ـ وه يا مزيونة، أنا بسألك عشان أشوف رأيك عادي، حُكم إني مكنتش عجباني جوي، أكمنها عصرية زيادة عن اللزوم، مش زي الأنواع اللي إحنا متعودين عليها. حمزة اشتراها جديدة، زي ما عمل مع كل العفش في البيت الجديد.

هي لم تكذب في الأخيرة، كانت بالفعل مبهرة، عصرية وفاخرة كصاحبها، وصاحبة النصيب أيضًا التي تليق به...

نفضت رأسها فجأة، تطرد الأفكار المزعجة من عقلها:

"ربنا يوفقه ببنت الحلال اللي تنورها إن شاء الله، كفاية بجى... خلينا نطلع."

والتفتت سريعًا ذاهبة، حتى اضطرت منى أن تهرول للحاق بها:

ـ طب استني يا ولية، أنا فيا حيل للجري وراكي!

توقفتا الاثنتان مع الظهور المفاجئ لتلك التي أصبحت عادتها تلك الصفة:

ـ ما شاء الله، طالعين بتفروا ورا بعض! لتكونوا بتلعبوا كمان؟

حلّ الوجوم بمزيونة، لا تجد ردًا على تلك المخلوقة الغريبة، فتكلّفت منى بالرد:

ـ وماله يا هالة لما نِفِرّ ورا بعض؟ الله أكبر عليكي يعني.

ـ يا ستي، هو أنا هحسدك؟ ربنا يزيدكم كمان وكمان.

بس أنتو كنتوا طالعين من أوضة النوم، صح؟ الوحيدة اللي أنا مدخلتهاش يا منى...

قطعتْ الجملة مصوبة نظرة نارية نحو مزيونة، لتردف:

ـ ولا اكني بت عمهم حتى... مش مرة أخوهم اللي معاهم في بيت واحد!

للمرة الثانية، زادت من حنق مزيونة، لتجبرها على الرد هذه المرة:

ـ وأنا إيه اللي عرفني بالكلام ده يا هالة؟ أنتو عيلة في بعض زي ما بتجولوا... عن إذنكم.

أنهت كلماتها وتحركت مبتعدة من أمامها بخطوات سريعة غاضبة، لتعلّق منى إثرها نحو الأخرى:

ـ نفسي أفهم يا هالة، هو انتي شيطانك ده مسلطك علينا ولا على نفسك؟ ربنا يهديكي.

ضحكة ساخرة صدرت من هالة، تتابع ذهاب منى باستخفاف، مغمغمة:

ـ وتتعبي نفسك ليه يا غالية؟ هي سهلة وبسيطة خالص... لكل فعل رد فعل.

حين وصلت مزيونة إلى تجمع السيدات، كانت تهمّ بالاستئذان في الرحيل، ولكن وجدت ما جعلها تتراجع سريعًا؛ صغيرتها التي كانت كالزهرة بين السيدات، بطلتها التي تقترب من المراهقة الصغيرة والعروس المتزوجة حديثًا، تثير فضول الجميع في النظر إليها، والتقرّب منها بروحها النقية دائمًا.

حتى أنها لم تخجل منهنّ، وفور أن التقت عيناها بها، ركضت إليها غير مبالية بشيء:

ـ أمي الغالية، أنا جيالك بنفسي النهارده.

تلقتها مزيونة بالعناق غير مبالية، مصدر السعادة الوحيد إليها صغيرتها؛ فلمَ قد تخجل من لهفتها إليها؟ عانقتها بقوة، حتى أنها لم تعِ على وجود أحدهم سوى بعد لحظات، وقد كان واقفًا بالقرب من الباب، يصوّب أبصاره نحوهما بابتسامة خلابة، أثناء حديثه السريع مع والدته، فقالت ليلى:

ـ عم حمزة هو اللي أصرّ أجي وأحضر معاكم العزومة، أنا ومعاذ اللي جاعد دلوك مع الرجالة. البيت طلع حلو جوي، بصراحة عم حمزة يستاهل كل خير.

سمعت منها، واتجهت أبصارها نحوه على غير إرادتها، تتعانق النظرات بينها وبينه بصورة لفتت زوجًا من النظرات الحاقدة، لتوسوس إحداهما إلى الأخرى:

ـ واخدة بالك؟ عشان تبجي تصدجيني بس

في دار الضيافة التي أُعدت لاستقبال الزوّار من أبناء عمومته وبعض المعارف الأعزاء عليه، لم يُقصّر هو ولا أشقاؤه في العمل على إكمال المأدبة على أكمل وجه؛ من بداية الحفاوة في الاستقبال، مرورًا بالمأدبة الفاخرة، حتى وصلوا الآن إلى الطواف على الحاضرين بكافة المشروبات الساخنة والباردة والحلوى التي أرسل في طلبها من أغلى محلات المحافظة.

كان يغمره ابتهاج غير عادي، متأمّلًا أن تكون المرة القادمة المأدبة الأهم في عمره... مأدبة عرسه.

ــ "الله ينور عليك يا أبو ريان، العزومة النهاردة حاجة فاخر من الآخر يعني! كل دي تكاليف يا راجل على عزومة لعيال عمّك؟! أمال لو فرح، كنت عملت إيه؟!"

تمتم بتلك الكلمات شقيقه الأصغر بعد أن تمكّن أخيرًا من الجلوس بجواره، ليعلّق شقيقه الأوسط، خليفة، قائلًا:

ــ "ما يعمل دلّوك، ويعمل بعدين يا سيدي، مدام في كل الأحوال إحنا اللي بناكل وإحنا المستفيدين! ولا هو أكل وبحلجة؟!"

ــ "أيوه والله، جوله يا خليفة، عايز ياكل ويسأل كمان؟!"

أذعن خليفة بمرح ينفذ الأمر قارصاً بذراعه علي عنق معاذ أصغرهم:

ــ "لا طبعًا مش من حقه! احترم نفسك يا واض، احترم نفسك يا جليل الرباية! يا تاكل يا تسأل!"

ضحك معاذ وهو يقاوم ذراع شقيقه، ليتبادل الثلاثة المزاح والمداعبات، حتى تذكّر حمزة شيئًا ما، فنهض من جوارهم متوجهًا إلى مجموعة من الصغار، جلس بينهم صغيره يلعب معهم. دنا منه وأمسكه من يده:

ــ "واض يا ريان، تعالَ... عايزك."

استجاب ريان لسحبه حتى ابتعد به حمزة إلى ركن ما، بمسافة آمنة تمكنه من الحديث معه بحرية:

ــ "مِنْحرِمْش يا عين أبوك، أنا بس كنت عايز أسألك سؤال كده يعني... راجل لراجل."

ــ "جول يا بوي، أنا راجل وسيّد الرجال!"

حكّ حمزة بأنامله على ذقنه بتفكير ورويّة قبل أن يسأل وينتقده بحرص:

ــ "طبعًا يا حبيبي... بس أنا كنت عايز أسألك، يا سيد الرجال، مش برضك كان لازم تبلغ أبوك؟ ولا تاخد رأيه قبل ما تعزم أمك من نفسك؟ طب كنت جولي، عشان تيجي مني أحسن."

شرد ريان قليلًا حتى تذكّر، ثم أجابه:

ــ "بس أنا ما دعتهاش من نفسي، ولا جولتلها تعالي غير لما هي سألتني."

ــ "يا بوي، هي اللي سألتني في التليفون، وهي بتكلمني عن العزومة اللي انت عاملها... عازم مين ومين؟ ولما جولتلها فلان وفلان، زعلت، وجالتلي: يعني كل الناس معزومة إلا أنا؟!

جولتلها تعالي، في حمايتي، مش أنا ولدك برضو؟"

تصنّع حمزة ابتسامة باهتة ليصرفه، فذهب، وتوقف هو مغمغمًا لنفسه:

ــ "يعني عزمت نفسها... وكانت عارفة بميعاد العزومة... يا ترى إيه وراكي يا روان؟!"

في الردهة الواسعة للمنزل الجديد، حيث المأدبة الفاخرة التي ارتصت عليها أشهى الأطعمة بمختلف أنواعها،

كانت تضم عددًا لا بأس به من النساء المدعوات من العائلة، من أبناء عمومته وشقيقاته وبناتهم، ترأسها الحجة حسنية، التي تطوف على الجميع وتراعي، بمساعدة بناتها أو حفيداتها اللاتي لا يقصرن معها.

تشاركهن مزيونة، التي أذعنت لتلبية الدعوة تحت الإلحاح، لتضطر إلى تناول الطعام معهن.

مع أن وضعها طبيعي جدًا بصفتها والدة ليلى ونسيبتهم كما يقولون، إلا أنها كانت تشعر بالغربة وسطهن،

رغم ترحيب حسنية المبالغ فيه، وبناتها في معاملتهن الخاصة لها ولابنتها.

أو ربما هذا ما كان يزيد الأمر سوءًا عليها، أمام تلك المرأة زوجة حمزة السابقة،

فقد كانت تحدجها بنظرات غير مريحة، لا ترفع بصرها عنها إلا قليلاً، حتى وهي تلوك الطعام الآن.

منذ بداية حضورها وهي تتفحصها من حجاب رأسها في الأعلى حتى خف قدميها.

ليست غبية عن نظرتها الدونية لها، وكأنها تقصد أن تشعرها بالنقص،

بذلك الفرق الشاسع بين واحدة ترتدي ملابس عادية جدًا، عبارة عن عباءة سوداء وحجاب سماوي ترتديه أحيانًا حتى في المنزل،

وبين تلك التي تجلس بعظمة، وهيئة ملوكية رغم بساطة الملابس الغالية أيضًا،

امرأة راقية ومتعلمة وجميلة أيضًا. منطقيًا لا توجد منافسة من الأساس،

إذن، لماذا لا توفر جهدها ولا تزعجها أصلًا؟!

فقد رحمها الله أن عرفت قدر نفسها من البداية حتى لا تعلّقها بالأحلام.

كانت مكشوفة لدرجة لفتت انتباه ابنتها، لتهمس لها بنزق:

ـ هي مالها الست دي بتبصلك كده ليه؟ طالعة معايا أحرجها جدام النسوان وأسألها؟

شهقة أجفال كتمتها مزيونة داخلها، لتوجه الأمر نحو ابنتها التي أصبحت تبادل روان النظر بعدائية:

ـ اجفلي خشمك يا زفتة وشيلك عنها، مش عايزين حد ياخد باله من الحريم ولا البنتة.

ـ مش لما تشيل عينيها هي الأول، وتحط همها في الطبق اللي جدامها؟

هذا أكبر من تحمّلها؛ ابنتها تدفعها عفويتها للتهور الذي قد تُدفع ثمنه بفضائح هي في غنى عنها.

لم يسعفها سوى نظرة حازمة محذّرة، أخرست ليلى وجعلتها تصرف نفسها عن مواجهة تلك المرأة،

لتضع همها مُجبرة في الطعام، غافلتين عن مراقبة ثاقبة من إحداهن، بأعين متوعّدة، مترقّبة!

داخل غرفتها، وكانت منكفئة على مجموعة من الكتب تعمل على تحضير جدول الغد من دروس المواد التي تُدرّسها، لم تنتبه لدخول شقيقتها إلا عندما وضعت أمامها كوبًا كبيرًا من العصير الطازج، فرفعت رأسها إليها بامتنان:

ــ "وه، رغد هانم بحالها عاملة العصير وجايباهولي عندي! دا إيه الهنا دا يا ولاد؟!"

تبسّمت لها المذكورة، تُعقّب بطريقتها الصعبة في النطق بعض الشيء:

ــ "وو... وهو يعني... رغد، عندها أأأغلى ممنك يعني، يا ستّ اعتماد؟"

نفت الأخيرة بهزّ رأسها ونظرة حانية نحو شقيقتها الجميلة الرقيقة، أصغرهم. فقد أُصيبت رغد بمرض ما وهي طفلة، ولم تتمكن من العلاج منه لظروف الفقر الشديد، حتى أثّر على جهاز النطق لديها.

وظلّت لفترة طويلة لا تتحدث إلا بالإشارة، ولكن فور أن تمكنت اعتماد من الحصول على المال، فعلت أقصى جهدها من أجل علاجها، في رحلة طويلة انتهت إلى تلك النتيجة. كانت تريد لها المزيد، لكنها تحمد الله على ما تحقق.

ــ "ولا اعتماد عندها أغلى من رغد! انتي عيني من جوا، يا حبيبتي."

ــ "وو... روووضة، اننتي دايمًا ككنت بتجولي كده."

زفرت اعتماد بيأس، تعلّق على قولها:

ــ "أنا فعلًا طول عمري بقول كده... بس أختك تعبتني جوي، وشكلي مش هتستريح غير لما تجيب أجلي!"

ــ "بببعد الشر عليكي! رووضة طيبة... ببس مشكلتها جوزها عفِش."

ــ "عادي يا حبيبتي... ما كل الرجالة عفِشين! الرك على الحرمة نفسها.

واختك بهبلها هي اللي بتعشّم الصايع جوزها في استغلالها.

والله، لو تملك نص عجلك بس، لكانت ريّحتني."

ضحكت رغد، ليشرق وجهها الجميل بمرح تعشقه شقيقتها الكبرى، بل وتعتبر ابتسامتها وضحكتها بمثابة جائزة لها في عزّ لحظاتها يأسًا. ببراءتها تشعر أن الدنيا ما زالت بخير.

ــ "صحيح... تلييفووونك فييينه؟"

ــ "باظ يا حبيبتي، خد نصيبُه وراح!"

صمتت تتذكر من تسبّب في إعطاله، لتضغط على شفتها بحنقٍ شديد كلما أتى بعقلها عرضه عليها هاتفًا جديدًا من أحدث صيحة، ثم ومن دون كلام، رفعه عنها قبل أن يسمع الرد بصورة أقوى!

مغرور... وجليل ذوق... وشايف نفسه، عشان ما هو حلو حبتين!

انتهى الغداء الكارثي لها، في ظل أجواء من التوتر لم تشهدها من قبل.

كم ودّت أن تترك كل شيء وتهرول على الفور إلى منزلها،

ولكن الحجة حسنية، التي أصرت عليها للمجيء، هي نفسها من أجبرتها بلطفها الشديد على أن تنتظر معهن وتشاهد جلسة المديح من شيخ البلدة،

بعد أن أنهى تلاوة القرآن لتحصين المنزل الجديد وزرع البركة به.

من خلف الباب الداخلي لساحة الضيافة التي أعدها حمزة، جلست النساء،

ووقف بعضهن يتابعن الصوت العذب الذي يشدو بأجمل القصائد، وخلفه يردد الحاضرون من رجال في الخارج ونساء في الداخل،

باندماج يُثير الإعجاب ويريح النفوس الشاردة لأن تفصل عن واقعها هذه اللحظات، حتى تمر دون شعور بالوقت.

حين توقف الرجل عن الإنشاد برهة، انتبهت، تكتفي من الجلسة والمشاركة، وقد فعلت ما عليها،

ـ بت يا ليلى، أنا رايحة بيتي، هتاجي معاي على ما الليلة تخلص وجوزك ياجي ياخدك؟

ـ لا، أنا عايزة أدخل الحمام الأول، بجالي مدة طويلة عايزة أجوم ومكسوفة أستأذن، البيت ما شاء الله كبير وأنا مش عارفة فيه حاجة.

ـ وساكتة ومجولتيش؟! آخدك أنا على بيتي يا موكوسة!

تمتمت بها تُوبّخ ابنتها وهي تهم بالنهوض، مما جعلها تلفت انتباه منى الجالسة بجوارها،

ـ ما تثبتي يا ولية وبطلي فرك، على ما نخلص الليلة مع بعض! هو إحنا كل شوية هنقولك اجعدي؟

ـ يا ستي، انتي بلاش ظلمك ده، بنيتي عايزة تدخل الحمام، هاخدها على بيتي ورجعالكم تاني.

ـ تسحبيها على بيتك عشان تدخل الحمام يا مجنونة؟ وهنا إيه؟ مفيش؟ جومي يا بت تعالي...

قالتها منى لتنهض، تجذب ليلى من يدها، ذاهبة بها، وتبعتهما مزيونة حتى توقفت في منتصف الطريق، تنبّههما:

ـ تمام، استنينا عشان نرجع وناخد جعدتنا مع بعض، بعيد عن الحريم الفقر.

تبسمت مزيونة لمقترحها، لتتوقف، متحولة بنظرة خاطفة داخل أرجاء المنزل الفخم،

بعد أن خلى تقريبًا من الأفراد، لاجتماعهم عند دار الضيافة والاستمتاع بالمديح.

انتبهت إلى قنينة المياه الموضوعة على الطاولة التي تتوسط المساحة الشاسعة،

لتشعر برغبتها في الارتشاف منها، فاقتربت، لتضع منها في كوب وتشرب.

في نفس الوقت، كان شخصٌ آخر قد دلف إلى المنزل، فوقعت أبصاره عليها،

ليتجمد في مكانه، وقد ارتجف قلبه داخل صدره برؤيتها وحدها تحتل المساحة الشاسعة دون مشاركة من أحد،

نعم، فهو منزلها وهي سيدة الدار، حتى وإن كانت تجهل هذه الصفة حتى الآن.

وكأنه عاد إلى أيام الصبا واندفاع المراهقة،

تحركت أقدامه دون تفكير نحوها، يلتقط فرصته في الحديث معها:

شهقة أجفال صدرت منها بصوت عالٍ، حتى سقط منها كوب الماء بما يحتويه على الأرض،

بعد أن فاجأها بحضوره وقوله، لتستدرك سريعًا، متوجهة إليه بنظرة نارية،

ويدها لوّحت إليه باستفهام لاهث، فالتقطها بفطنته، يعلّق بمرح:

ـ سلامتك من الخضة، أنا كان جصدي أسألك بس مش أخلعك.

ألقت نظرة سريعة إلى الخارج بتوتر، ثم عادت إليه موبّخة:

ـ وفرجت إيه؟ انت أصلًا إيه اللي جايبك هنا؟ سايب كل اللمة اللي برا وجاي لي أنا؟!

ردّ يتحفها بابتسامة عابثة غير مكترث:

ـ وأسيب العالم كله كمان وأجيلك! يهمني أعرف رأيك، رأيك أهم عندي من الكل.

تمتمت بها، تُغمض عينيها بتعب، ثم أردفت:

ـ يا سيدي، هو انت طلعتلي منين؟ مالي أنا؟ ولا انت مالك بيا عشان يهمك رأيي؟ دا بيتك وانت حر فيه، عملته قصر ولا عِشّة، أنا إيه دخلي؟

التمعت عينيه ببريق خاطف، تتجلّى فيهما الإجابة بكل وضوح حتى دون أن ينطقها، يراوغها بمكر:

ـ وه، ولما انتي إيه دخلك؟ أمال مين اللي له دخل؟! هو البيت اتبنى هنا ليه أصلاً؟

تلك السهولة التي تحدث بها، وعيناه تنطقان بما لا يدع مجالًا للشك في صدقه،

لتتجمد في مكانها كالتمثال، تُعاد الكلمات بذهنها مرارًا وتكرارًا، والمعنى يتجلّى أمامها بوضوح الشمس،

حتى تمكنت من الرد أخيرًا بتلعثم وهروب:

ـ كنك شارب وجاي تستظرف! سيبهولك خالص البيت اللي انت فرحان بيه ده.

كادت أن تلتف وتذهب، ولكنها وجدته يتصدر أمامها بابتهاج يغمر قلبه،

هروبها المتعمد وارتباكها الملحوظ أمامه الآن، كل تلك المظاهر تؤكد تأثيره الطاغي عليها حتى وإن أنكرت:

ـ انت بتتصدر جدامي زي العيال الصغيرين، زوّدتها جوي، قسماً بالله لو ما اتزحزحت من جدامي، لأفضحك وأجلبها ليلة طين!

ضحك بعدم اكتراث بكل ما أردفت به، مرددًا:

ـ بعد الشر، ما تبجى طين ولا زفت، إن شاء الله هتبجى فل وآخر تمام. البيت كمل واتبنى، ومعدتش فاضل كتير...

ختم بتنهيدة ساخنة قبل أن يتحرك ويتركها:

توقفت في أثره، تتبع خروجه واختفاءه من أمامها،

بدوار بات يطيح برأسها، وأقدام لا تقوى على حملها، وكأن الأرض ذاتها تهتز من تحتها،

وما عادت ثابتة كما عهدتها دائمًا.

ماذا تبقى ليطلبها صريحة؟ وإن فعل... ماذا سيكون ردها؟...

ـ ما شاء الله، دا الحلوة عايشة في الدور على آخره كمان؟

ذلك الصوت الأنثوي الذي أتى من البعيد أعادها إلى عالمها الحقيقي،

فتحت عينيها جيدًا نحو تلك المرأة التي تتربص بها منذ حضورها،

تقف مقابلها تمامًا، تطلق شررًا من ناريّتها قادرًا على حرق من يقف أمامها.

تحدثت مزيونة بتشتت، بالكاد تستوعب ما يحدث:

صدرت منها كردٍ يصعق مزيونة بجرأتها، وقد تحولت إلى امرأة أخرى،

تنزع عنها ثوب الرقي الذي تتحلى به أمام الجميع،

مستغلة غياب المدعوين، يساعدها الصوت العالي للمديح الذي أصبح يصدح بقوة،

مع مشاركة الرجال، لتفرغ بحرية شحنة الغضب المكبوتة في صدرها:

ـ فكراني عامية ولا مغفلة على عمايلك المكشوفة مع أبو ابني؟

تلفّي عليه شباكك! هو انتي ملكيش راجل يلمّك؟ ارجعي لجوزك يا ماما، وبلاها الرخص وقلة القيمة من واحدة زيك!

وكأنها في كابوس حقيقي، تكذّب أذنيها وعينيها ما تسمعه أو تراه،

وعقلها يأمرها بالشجاعة والثبات أمام تلك المخلوقة:

ـ انتي مرة جليلة أدب ومش محترمة، وأنا لولا عاملة احترام للبيت اللي واقفة فيه وناسه، كنت عرّفتك مجامك!

ـ تعرفي مين مقام مين يا حيوانة؟!

تطاولت هذه المرة لتمعن في إهانة مزيونة، تمسكها من طرف جلبابها بازدراء،

ـ بزمتك، انتي مش دريانة بنفسك؟ بترسمي على حمزة خريج الجامعة وابن العيلة المأصلة؟

ده أنا مشغلكيش خدامة عندي بمنظرك ده! أقل واحدة عندي معاها كلية أو معهد على الأقل!

ما تصحي لنفسك يا حلوة، ده انتي شهادة الإعدادية ما خدتهاش!

الصدمة التي تباغت الإدراك وسط سطوة الإهانة على عزة النفس،

فتعقد اللسان وتُحدث في الجسد جمودًا يماثل الشلل،

حتى يستوعب الشخص ما يحدث، ثم يأتي رد فعله...

كانت هذه حال مزيونة، حتى أتت يد تعرفها جيدًا، تبعد تلك المرأة عنها،

ـ بتعملي إيه يا مرة يا مخبولة؟ شيلي يدك عن أمي بدل ما أجطعهالك!

كانت تلك ليلى، التي هالها مشهد والدتها وإهانتها من تلك المرأة،

فأتت راكضة للزود عنها، تدفع روان بقوة حتى كادت أن توقعها،

وكأنها تحولت إلى وحش للدفاع عنها. فتدخلت منى هي الأخرى بعد أن وصلت خلفها، تحدجها المذكورة بنظرة نارية،

ـ أنا آسفة يا منى، بس والله غصب عني،

لو شُفتي بعينك اللي شُفته من الست دي وهي بتحاول تغوي حمزة هنا...

شهقة قوية كانت هي الرد الذي جاء متأخراً من مزيونة، في تناقضٍ واضح مع ابنتها التي كانت واعية تمامًا لأخذ حق والدتها، فارتفعت يدها لتحط على خد الأخرى بـلطمةٍ قوية صرخت على إثرها روان بألم، يتبعها قول ليلى:

ــ "جطع لسان اللي يجيب سيرة مزيونة الحرة بكلمة واحدة."

وعلى الرغم من مباركة منى لفعل ليلى، إلا أن ما حدث بعد ذلك جعلها تعيد التفكير، فقد علا صوت روان قاصدة أن يصل للنساء المتابعات للمديح بالقرب منهن:

ــ "قبل ما تمدي إيدك على أسيادك، لمي والدتك اللي هتبقى جدة بعد كام شهر عن أبو ابني، اللي عايزة تكوش عليه وتحرمه من لم شملنا من تاني!"

ــ "تاني؟ هتجلي أدبك النهاردة والله لأربيكي يا مهزجة، عشان تعرفي مين سيد مين؟"

هتفت بها ليلى، وهمّت بالهجوم عليها بالفعل، ولكن مزيونة كانت الأسرع، فتشبثت بابنتها ومنعتها. أما منى، التي ارتجفت من تطور الموقف، فقد بدأت تدفع روان لإخراجها:

ــ "امشي يا روان، امشي يا روان، إنتي مش كد غضب حمزة لو عرف."

كادت أن تنجح في صرفها، لولا صيحة أتت من الخلف:

ــ "إيه اللي حصل؟ مالها ليلى شابطة ليه في روان وبتتعارك معاها؟"

كان من البديهي تمييز هواية صاحبة الصوت هالة، لتشرع في إسكاتها، لكن ما لم تحسب حسابه هو عدد السيدات اللاتي قدِمن خلفها يتساءلن:

ــ "فيه إيه؟ حصل إيه يا جماعة؟"

استغلت روان هذا الدعم لتنزع نفسها من بين ذراعي منى، تصرخ طالبة النجدة من شريكتها:

ــ "الحقيني يا هالة، منى عايزة تطردني عشان ب..."

قطعت مجبرة حين وضعت منى كفها على فمها تصمتها، طالبة من النساء التراجع:

ــ "لو سمحتوا ارجعوا مكانكم، دا شأن عائلي..."

تدخلت حسنية، وقد أتت بحالة من الفزع، لتوجه سؤالها إلى ابنتها ببساطتها:

ــ "هو إيه شأن عائلي؟ إيه اللي حصل يا بتي؟"

ظلت منى بكفها فوق فم الأخرى، تفكر سريعًا في حل، تنقل نظرة خاطفة نحو مزيونة التي تتمسك بها ابنتها خشية سقوطها، فقد كانت في حالة يُرثى لها. ولكن قبل أن تجيب، سبقتها هالة:

ــ "شكلها عركة كبيرة بين ليلى وروان، عشان حد من العيال دخل عليّا وبلغني وأنا بتفرج معاكم على المديح إن ليلى ضربت روان بالقلم على وشها!"

شهقات وهمهمات صدرت فجأة من النساء، وقد توجهت أبصارهن نحو ليلى، التي لم تستطع ترك والدتها، وقد بدت أمامها كالغريق الباحث عن طوق نجاة، فتحدثت مقلدة نبرة منى في الحكمة:

ــ "زي ما جالتلكم عمتي منى، موضوع شخصي..."

ــ "موضوع شخصي وهي بتلعب معاكي يا بنيتي؟ دي روان بت أصول ومافيش في أدبها!"

صاحت بها إحدى السيدات، مع تناثر بعض التعليقات، حتي عادت هالة للتدخل، مع تراخي الأخرى بدأت تخشى نتائج تهورها:

ــ "ولما هو موضوع شخصي بينك وما بينها، دخله إيه عمك حمزة؟ مع سيرة مزيونة اللي اتنتورت كمان واحنا داخلين عليكم وسمعناكم!"

ارتخت ذراعا منى عن إسكات روان بيأس، وقد دب الحماس بالأخيرة لتُخرج نفسها عنوة، مدفوعة بكلمات هالة التي شجعتها على المواصلة، فتردف بمظلومية:

ــ "أيوه، هو سبب المشكلة يبقى حمزة! أبو ابني اللي بيحلم باليوم اللي نرجع فيه ونعيش سوا، الست دي هي اللي عايزة تضيع الأمل بينا بألاعيبها القذرة!"

ــ "جطع لسانك! إنتي تاني؟ هتجلي أدبك!"

صرخت بها ليلى، تحاول الفتك بها، ولكن هذه المرة منعتها امرأة كانت بالقرب منها، ووالدتها التي تماسكت لتتشبث بها هاتفة:

ــ "سيبك منها وروحي على بيتك، أنا كمان ماشية خالص وسايبة البيت ده!"

عمّ الهرج مع تدخل بعض النساء لفض الاشتباك بين الفريقين: روان التي تبكي بمظلومية، ومزيونة التي تحاول الخروج، والنساء يمنعنها، ويحاولن السيطرة على ليلى التي كانت مصرة على ضرب روان مرة أخرى، حتى صدح الصوت الجهوري بخشونة أوقفت الجميع:

ــ "إيه اللي جرى؟ صوتكم واصل للجسر اللي ورا البيت؟ حتى الشيخ في المندرة بطل مديح من كتر صراخكم اللي غطى عليه! مالكم، اتجنيتوا؟"

خرست الأصوات جميعها، وخيّم الصمت على الرؤوس، روان صارت ترتجف لرؤيته، وذلك الوجه الصارم بحدة، الذي تعرفه جيدًا من عشرتها معه، هيبته التي أرعبت حتى النساء اللاتي لا شأن لهن بالأمر من الأساس. وقد بدا كالحائط بوجهه المشتد بتجهم، يقف بجوار شقيقيه، اللذان لا يقلّان عنه حزمًا.

ــ "خرستوا دلوك بعد ما جيبتولنا الفضيحة جدّام الناس الغريبة؟"

ــ "أيوه والله، دلوك لبّدتوا في بعض زي البسس، بعد ما خدنا الكسفة، ووشنا بجى في الأرض! مش عارفين نلمّها إزاي! دلوك، عايزين نعرف، مين منكم كانت بتتعارك؟"

صدحت قوية من إحدى السيدات، وأكملت عليها:

ــ "كانت بتتعارك مع طليجة أخوك، روان، وضربتها بالقلم على وشها!"

اتجهت أبصار الرجال الثلاثة نحو الاثنتين، ليلى التي انتصب ظهرها، تعترف دون تردد:

ــ "أيوه، ضربتها، ومستعدة أضربها مية مرة تاني، اللي يغلط في أمي أحطه تحت جزمتي!"

استمعوا إليها، لتتجه الأنظار نحو الطرف الآخر، بإستفسار وتحفز، حتي ارتعدت مفاصلها، لا تشعر بدقات قلبها، يكاد أن يتوقف رعباً من نظرة حمزة، الذي احمرت عيناه فجأة، ينقل بصره من مزيونة إليها، يتساءل بخطر:

ــ "الكلام دا حجيجي؟ وانتي فعلاً غلطتي فيها؟"

خرج صوتها على الفور، تبرر بكذبٍ وتلجلج:

ــ "لا لا، أنا مغلطتش فيها... بنتها هي اللي فهمت غلط... أنا... أنا..."

تركها على مضض، موجهًا أنظاره نحو مزيونة:

ــ "أنا اللي غلطانة، مش هي... خلوني أعدي وسبوني أمشي، الله يرضى عنكم، من طلع من داره اتجل مجداره، وأنا عرفت مجداري زين... خلوني أعدي."

هدر بها حمزة قاطعًا، والجنون يتراقص في عينيه، يردف موجهًا نظره نحو الجميع:

ــ "واحدة فيكم ترد بدالهم، يا أولّع فيكم كلكم!"

ردّت منى، وقد تعبت من الجذب بينهن:

ــ "فضّها يا حمزة، وخلينا كلنا نروح علي بيوتنا، وبعدين يبجى لينا كلام تاني..."

وبثقة في حكمة شقيقته، كاد أن يقتنع ويؤجّل التحقيق، رغم الحيرة التي تأكل رأسه، ونيران الحماية تدفعه لحرق الأخضر واليابس دفاعًا عنها، حتى كاد يلين رضوخًا لنظرة استجداء ترمقه بها، ولكن هالة التي قرأت ما ينويه، أبت أن ينتهي الأمر بذلك الهدوء، لتلفت الأنظار نحوها قائلة:

ــ "وحتى لو أجلتوا الكلام لبعدين، احنا يا بوي منعرفش حاجة، الأمر كله في يد التلاتة: روان ومزيونة، بيتعاركوا على حمزة، وليلى طبعًا في صف أمها!"

إلى هنا، وقد فاض الكيل وطفح، صرخت بها مزيونة:

ــ "بتقولي إيه انتي كمان؟! الله يخرب بيت أبوكي! خلوني أمشي... خلوني أمشي!"

ــ "يا بوي وأنا مالي! أنا بقول اللي بعرفه وبس!"

صاح خليفة مقاطعًا لها بحزم وعنف:

ــ "اخرسي يا هالة، ما أسمعش نفسك خالص!"

حدجتها منى بنظرة قاتلة، وقد فقدت الأمل في تهدئة الأمر، مع انتباهها لملامح شقيقها التي تبدلت إلى شر مطلق نحو روان، التي اجفلت من فعل هالة، فباتت تتخبط في حديثها:

ــ "هي مكانتش خناقة... أنا بس كنت بنبّه عليها، دا غير إني شفتكم بعيني من شوية... وانت بتحاول... قصدي..."

صاح بها بقوة ليوقف هذيانها في الحديث، وقبل أن يرمش بعيناه نحو تلك التي طالتها هذه الكلمات، سمع صوت ارتطام قوي يتبعه صرخات ليلى التي سقطت معها على الأرض وهي تحاول نجدتها، تتخبط بجزع، أنساها وضعها كامرأة تحمل طفلًا في بداية شهوره:

ــ "أمي... أمي... أمي هتروح مني!"

التف الجميع حولهما من أجل تهدئتها وإفاقة والدتها، أمام أبصار من كاد أن يلمس السماء عجزًا عن الاقتراب منها، حتى نسي تلك المدعوة روان وثأره معها، وقد هربت المذكورة راكضة نحو الخارج بعد تفاقم الموقف.

معاذ، الذي لف ذراعيه حول زوجته ليرفعها عن الأرض، يحاول تهدئتها كي لا تؤذي نفسها بتلك الأفعال، لكن حالتها لم تكن طبيعية على الإطلاق. ذلك الضغط الجديد جعلها تقاوم بانهيار وصراخ ورفض حتى لسماع الآخرين:

ــ "بعد عني! سيبوني! أنا عايزة أمي! عايزة أمي يا معاذ!"

ــ "اهدي، بجولك يا بت! أمك هتفوق دلوك، إنتي اللي هتضيعي نفسك!"

تدخلت حسنية، التي يكتنفها الرعب عليها، الوجه النصائح لها وابنها:

ــ "يا بتي، أمك هتفوق دلوك وتبجى زي الفل... وانت يا معاذ، براحة عليها يا ولدي، يمكن تهدى!"

ــ "براحة فين يا أمه؟ هو أنا جادر عليها؟ هتأذي نفسها، والعيل... الله يخرب مطنها!"

حتى صراخه، وقوته التي فرضها للسيطرة علي تشنجها وتهدئتها، كل هذا لم يأت بنتيجة.

وفجأة، ارتخت بين يديه، أغمضت عينيها، وتمتمت ببعض الكلمات غير المفهومة، ثم غابت عن الوعي هي الأخرى

................................

داخل المشفى الذي نُقلت إليه الاثنتان، وللمرة الثانية تحتل كل واحدة منهما غرفة منفصلة، كأن بين الأم وابنتها ارتباطًا روحيًا عجيبًا، وكأنما خُلقتا توأمين متطابقين؛ يمرض أحدهما فيتأثر الآخر بمرضه، فيمرض مثله.

جلست حسنية على أحد مقاعد الانتظار، تتمتم بحزن، مرددة:

ـ "عين وصابتهم، عين ورشّجت تعكنن علينا كلنا... منه لله اللي عملها وجلب فرحتنا، منه لله!"

ـ "فعلاً يا مرة عمي، منها لله... ربنا يجازيها بعملها."

فهمت المرأة إلى ما ترنو إليه، تقصد زوجة حمزة السابقة، فحدجتها بنظرة غاضبة أخرستها، وقد كانت في هذه اللحظة لا تطيق النظر إليها، فاكتفت بالصمت مجبرة. لتصطدم عيناها بعيني زوجها الذي همّ بالتوعد، قائلًا:

ـ "حاولي تنجّطينا بسكاتك أحسن، وراعي الظرف، ولينا بيت نتحاسب فيه إن شاء الله."

أما في داخل غرفتها، فقد استفاقت لتعود إلى وعيها، وكان وجهه أول ما وقعت عليه عيناها، فتذكرت على الفور، وصرخت به كأنما رأت عفريتًا أمامها:

ـ "أنا إيه اللي جابني هنا؟! بِتّي فين؟! عايزة أشوف بِتّي... ودّوني عند بِتّي!"

حاول حمزة بيأس أن يُهدّئها أو يجعلها تسمع منه، لكنها كانت كالمجنونة لرؤيته. ومع كل محاولات شقيقاته، لم يفلح أحد في تهدئتها، لتُصر على الذهاب إلى ابنتها، وتخرج برفقتهن، تاركة له الغرفة يغمغم متوعدًا في إثرها:

ـ "والله لأجيبلك حقك، ولو في خشم السبع! مبقاش حمزة القناوي إن ما كنت أجيبه."

رواية لاجلها الفصل الثامن والعشرون

لم أُولد من رحم الراحة، بل من أنين امرأة أجهدها الزمان، كانت تنهض كل صباح وقد تقوّست أحلامها، لكنها ما انحنت يومًا إلا لتحميني.

رأيتها تُخفي دموعها في حنايا المطبخ، تُخبّئ أوجاعها خلف ابتسامةٍ مُتعبة، وتُلقي بحزنها في قدر الطعام كي لا يصل إليّ.

كنت أفهمها دون أن تبوح… وكأن بيننا عهداً غير مكتوب: أن لا أكرّر خيبتها، وأن أكون ما تمنّت أن تكونه ولم تُمهلها الحياة.

لذا أمضي… لا طمعًا في مجد، ولا حبًّا في صدارة، بل لأردّ شيئًا من دينٍ ثقيل في قلبي.

كل إنجاز لي هو قبلة على يدٍ لم تعرف الراحة،

وكل خطوة للأمام، هي خطوة نحو صدرٍ طالما ضمّني حين كانت تتداعى من التعب.

لن أكون نسختكِ، بل امتدادكِ المُشرِق.

الخاطرة والمراجعة من الغالي اللي تعبان معايا وسهران/ سنا الفردوس

ـ فعلتُ كل شيء من أجلها، ضحيتُ وفعلتُ المستحيل حتى لا تتكرر مأساتي معها، وبرغم كل حرصي وتضحياتي، ها أنا أتجرع المرارة مرة أخرى، ولكن هذه المرة أقسى وأبشع. هذه المرة الضحية صغيرتي... ليتني متُّ قبل هذا اليوم! لماذا يا ربّي؟ لماذا لا يكتمل مشواري؟ لماذا بعد تلك المسافة الطويلة التي قطعتها؟ لماذا، والخسائر المضاعفة الآن تتعدى حتى كرامتي؟

حديث النفس ذلك الذي يدور داخلها، في وحدتها داخل منزلها، بعد أن انتهت الليلة الكارثية. انكسار الروح الذي ألمّ بها، والتجنّي عليها، لتختم بما حدث لصغيرتها، حين أفاقت من غيبوبتها لتجري إليها وترى ما بها، فيصدمها الطبيب بما أدلى به بعد ذلك، عن خطورة وضعها في تلك الشهور الأولى، والتعليمات التي أصدرها بضرورة عدم الحركة حتى يثبت الحمل.

في أقصى توقّعاتها المأساوية، لم تتخيّل أن تصل إلى تلك النقطة. هي لا تطلب الكثير، ولا تريد سوى عدم تكرار ما حدث معها لصغيرتها، ولكن القدر دائمًا له رأي آخر معها.

ضغطت على عينيها تمسح الدمعات الكثيفة بنشيج مكتوم، وصل إلى تلك النائمة بجوارها، زوجة أخيها الذي لم يتركها وأسرته منذ الأمس. لم يكتفِ بابنه حازم هذه المرة، بل فضّل أن يبيت هو وزوجته معها لرعايتها في تلك اللحظات القاسية.

وكما كانت تؤازرها بالأمس، نهضت المرأة لتضمها إليها وتهدهدها الآن:

ـ لساكي ما بطلتيش بكا يا جزينة؟ هتموتي نفسك عالفاضي، ليلى وبكرة تبجى عال العال، وهتنجح وتبجى زينة. انتي بس اللي هتخسّري صحتك.

ردّت مزيونة ودموعها تغرق ملابس محروسة:

ـ ببكي عشان أنا خسرت فعلًا، مش لسه هخسر. كرامتي اللي اتدهست، بتي اللي كنت معشّمة نفسي بيها تتعلّم وتبجى حاجة كبيرة، لف الزمن وهتاخد نفس نصيبي...

ـ بلاش كلامك ده يا مزيونة، عشان بتّك عمرها ما هتبجى زيك... أستغفر الله العظيم يا رب.

توقفت المرأة تهدّئ من وتيرة انفعالها حتى لا تزيد على هذه المسكينة، ثم تابعت ملطفة:

ـ هتخليني أخربط دلوك ليه بس؟ يا بت الناس كل واحد بياخد نصيبه أصلًا، واللي بيحصل مع ليلى مجرد حظ، إنما لو على النصيب، بسم الله ما شاء الله، هي مش محتاجة كلام. يكفي عمايل جوزها امبارح اللي كان هيمسك السما بيده عشانها، ولا ناسه اللي شايلينها جوا عيونهم، ولا حمزة...

هتفت بها بحدّة حتى جعلت محروسة ترد بلوم:

ـ طب وهو إيه ذنبه يا حبيبتي؟ الراجل في حاله وحال نفسه، لا شاف المرة العفشة وكلامها السم ليكي، ولا كان السبب في اللي حصل لليلى.

ـ بس هو السبب دلوك في حرماني منها.

قالتها لتعود للبكاء مرة أخرى، تنتحب:

ـ إيه اللي كان جابه هنا أصلًا عشان يبني بيت جاري ويسكن فيه؟ جاب لي الكلام والحديت، ودلوك عجدها معايا في زيارة بتي، أدخل بيتهم إزاي بعد اللي اتقال امبارح؟ أحط عيني في عين نسايبيّ كيف وأنا مخي بيدور في الشك إنهم يصدّجوا، منها لله اللي اتبلت عليا، كسرت نفسي وهزّت كرامتي.

ـ معاش ولا كان اللي يكسر نفسك ويهز كرامتك يا بت.

صدحت قوية من صاحبها الذي توقّف على مدخل الباب، وقد سمع معظم الحديث في متابعته لهما منذ لحظات، ليردف بتحفيز:

ـ النهاردة هاخدك في يدي وهنروحلها، الكل يعرف زين مين هي مزيونة الحرة، وانتي مش محتاجة إثبات.

ـ يا ريتها سهلة كده يا واض أبوي، يا ريتها. لو هما ما شربوهاش، ولا خالت عليهم، غيرهم بلعها وصدّقها. الحريم اللي حضروا العركة امبارح، ولا حتى العيال الصغيرة اللي هينجلوا لأمهاتهم وأهاليهم، هتجفل خشم مين ولا مين؟

ـ عنهم ما جفلوا، إحنا مين هيهمّنا مدام واثقين من نفسنا؟

صاح بها وصفي، لتجادله مرة أخرى بيأس:

ـ بتقول كده عشان راجل، لا عمر الكلمة هتأثر فيك، ولا النظرة تجرحك زيي. المرة في بلادنا هي الحيطة الواطية عشان تشيل كل النصايب. المرة في بلادنا حتى لو انجبرت على الغلط، برضو بتدفع التمن، واللي جبرها محدش بيقربله. قانون الظلم اللي ماشي على الكل هينصف مزيونة؟!

تكلّفت محروسة بالرد عليها هذه المرة:

ـ بس قانون ربنا فوق كل قانون. ربنا منتقم جبار وعدل ومنصف كمان. وانتي يا حبيبتي اتظلمتي كتير واتحملتي، تفتكري يعني بعد ده كله مش هينصرك؟ لو ظنيتي غير كده، يبجى انتي مش واثقة في عدل ربنا.

ـ ونِعم بالله، مين قال اللي كده بس؟

قالتها تمسح دمعاتها، متمالكة لبأسها بعض الشيء.

أضاف وصفي، يضع شيئًا من الأمل داخلها:

ـ خلاص، يبجى ما تقطعيش أملك بربنا، واللي حلها الأول، يحلها في التانية والتالتة. ربك كريم يا خيتي، وانتي متعرفيش بكرة مخبّيلنا إيه؟

...............................

أما عنه، فكان الألم مضاعفًا، خنجر الغدر الذي طاله بالتجنّي على من امتلكت قلبه. كيف تهاون حتى سمح لهم بجرحها أمام الملأ؟ كان يعلم من البداية أن قوتها الزائفة ما هي إلا ستار تحتمي به من أذى ألسنة البشر وأفعالهم. في داخلها امرأة هشّة تجاهد الثبات، ولكنها لم تُشفَ من جروحها بعد، تحتاجه ليرمّم المكسور بها، كي يعيد إليها ذاتها التي غابت عنها. يحتاجها كي يكتمل بها، فهو ناقص بدونها، وكأنها ضلع من جسده غائب عنه. لن يهدأ حتى يأتي بها، فيشفى بها وتشفى به.

ولكن كيف له أن يفعل هذا بعد ما حدث؟

نار تحرق أحشاءه كلما أتى بذهنه نظرتها الكارهة له بالأمس. هو لم يفعل ما يستحق عليه ذلك، لكنه قصّر، وهذا ما لن يسامح عليه نفسه أبدًا.

لابد أن تعرف مقدارها عنده، لابد أن يأخذ حقها ممن تسببوا في جرحها أضعافًا مضاعفة، وأن يتحقّق هذا عاجلًا، لا آجلًا.

انتفض معتدلًا بوقفته خلف ستائر نافذة غرفته، التي ينظر منها اليوم نحو باب منزلها، حتى لا يزعجها بحضوره كما يفعل يوميًّا، فتأخذ حريتها دون قيد، كما يحدث الآن وهي تودّع شقيقها خارج باب منزلها. ليرتشف رؤيتها بعطش السنوات، بعد ليلة كاملة قضاها سهرًا، يموت من القلق عليها. بشرتها شاحبة، وعيناها منتفخة من أثر البكاء. تضمّ شالها حول جسدها وكأنها تحتمي به، تتقبل التهوين من شقيقها الحنون كما يبدو، والذي ضمها كابنته من كتفيها، ليضع قبلة فوق جبهتها، ثم يودّعها ويذهب إلى عمله.

فتوقفت هي تنظر في الأجواء حولها، حتى استقر بصرها نحو الجهة المجاورة و... تبحث عنه. حتى وإن أظهرت الكره إليه بالأمس، فعيناها لا إراديًّا ذهبت نحو الأريكة التي يجلس عليها، المقابلة لمنزلها. انتفض قلبه داخل صدره، ودّ أن يصرخ ويخبرها أنه هنا، ولن يتخلّى عنها أبدًا. أن يقفز من النافذة ليركض إليها، ويبثّها الأمان بحضنه، أن يعتصرها ويزرعها بين أضلعه، و...

توقّف فجأة سيل الأماني، ليحلّ محلّه الإحباط واليأس، حين عادت إلى منزلها تدخله وتتخفّى داخله بعيدًا عن عينيه. ليعود إلى رشده، يسحب شهيقًا كبيرًا من الأكسجين، ليهدأ من وتيرة الحماس الذي اشتعل الآن استعدادًا للذهاب وفعل الشيء الذي كان يؤجّله منذ الأمس.

.................................

توقّف بسيارته أمام منزل والديها، وانتظر لفترة من الوقت كي تترجل، وحين لم يحدث، التفّ يقابل عينيها، ليجدها تنظر إليه باستجداء، الأمر الذي استفزّه.

ليتكلم أخيرًا، بعد فترة طويلة من الصمت...

تحدثت بعصبية، تُلقي عليه باللوم:

ـ مستنية أشوف آخرتها! ما هو أنا مش جادرة بصراحة أعديها، طليجة أخوك الشرشوحة هي اللي خربت الدنيا واتسببت في الفضايح امبارح. أنا بجي إيه ذنبي؟! بتمسكلي في الكلام وتحط عليا إني قولت وعدت، ذنبي إني بتكلم بنيّتي؟ طب افرض إني كنت بخربط عشان مش فاهمة اللي بيحصل؟ بدل ما تفهمني، عايزة تخرب ما بينا يا خليفة؟! طب لو كبرت وأبويا عملها ومرضيش يرجعني تاني، خواتك هينفعوك ساعتها يا خليفة؟

ظل صامتًا يتركها تهذي بكل ما عندها، حتى إذا توقفت أخيرًا، تحدث:

ـ خلصتي كلامك؟ طب يا ستي أجيبلك أنا من الآخر، كل العواطف والدراما اللي عملاها دي ما دخلتش في دماغي بنكلة يا هالة. روان اللي بجت شرشوحة النهاردة، امبارح كانت صاحبتك وحبيبتك، ولا هتنكري إنك إنتي اللي عزمتيها على فرح معاذ، وبعدها خليتي رجلها تروح وتاجي على البيت! من إمتى كنتي بتحبيها يا هالة عشان تعزميها بنفسك على الفرح؟

ضاقت عيناه في كلماته الأخيرة يخترقها بنظرات ثاقبة تكشف أغوارها، حتى أصابها الارتباك قائلة ببراءة تدّعيها:

ـ وافرض يا سيدي حصل وعزمتها، اعتبرها تقدير لعشرتنا مع بعض سنين. يبجى كده أنا اللي مسلطاها؟ دي واحدة النار كلتها لما شافت عمايل أخوك مع المحروسة التانية اللي هتبجى جدة بعد كام شهر، على رأي روان!

يعني هما الاتنين عوجين، أنا إيه دخلي بقى؟!

تجادل باستِماتة، وكأنه لا يفهم ما برأسها، تلك الصفة التي تغفل عنها دائمًا فيه؛ يخدعها بصمته ولا تعلم بأنه يُحلل كل فعل تفعله أو كلمة يتلفّظ بها لسانها، وما تحوي خلفها.

ولأنه الأعلم بغيرتها الواضحة من مزيونة، قرّر هذه المرة أن يوجعها كما فعلت هي، دون أدنى ذرة رحمة بالأمس، تساعد الأخرى بأسلوب غير مباشر لتزيد من بثّ الفتنة:

ـ مش ذنبها إنها اتجوزت صغيرة جوي، وبنتها إتجوزت صغيرة زيها وأزيد بشوية بسيطة، هتبجى جدة، ومع ذلك برضو أصغر منك! ولا إنتي ناسية إنك كد مني، يعني أكبر منها بسنة وزيادة؟

هتفت بها بحدّة حتى بدت كصيحة بوجهه، مرددة:

ـ مكانش في أحنّ منك يا خليفة، اتغيرت يا واض عمي، وجلبت على أقرب واحدة ليك، بت عمك، أم عيالك! ده أنا لو بدبح يا شيخ، من الواجب تعملي خاطر!

تجلّت القسوة في ملامحه، غير متأثر بتلك الخطبة التي أرادت بها استدراج عاطفته، ليرد موجهًا الحديث نحوها بأمر:

ـ لولا إنك بنت عمي، وإني محافظ على صلة القُربة اللي بيني وبين عمي، لكنت نهيت جوازنا من زمان، حتى من جبل ما نخلف عيال لو تفتكري!

بس خدي بالك، أنا صبري مش طويل جوي كده، اللي ما بينا شعرة، بإيدك إنتي بس اللي تجطعيها في أي وقت يا هالة.

ويلا بجى، انزلي يا هالة بدل ما أنزل معاكي أنا وأبلغ أبوكي بكل اللي حصل، وساعتها محدش يلومني في اللي هعمله. أخلصي!

استيقظت أخيرًا من غفوتها الطويلة، لتصطدم أبصارها بوجهه، الذي يُشرف عليها بمسافة قريبة جدًّا، وكأنه على هذا الوضع لفترة طويلة من الوقت، منتظرًا إشراق الضوء بعسليتيها الساحرتين، يتأملهما بانبهار واضح، وحتى ينفي عن نفسه شعورًا آخر بالاختناق يراوده منذ الأمس.

فتبسم، يقبّل جبهتها برقة ونعومة، قائلًا:

أهدته ابتسامة ما أروعها، تبادله التحية:

ـ صباح الجمال على أحلى معاذ. شكلك صاحي من بدري، ولا أنا اللي اتأخرت في النوم؟ ولا إيه بس؟

اتجهت أبصارها نحو الشرفة، لتعرف بتأخر الوقت من اختراق الشمس لأبعاد كبيرة من الغرفة، فأردفت:

ـ يا وعدي، ده أنا فعلًا اتأخرت خالص كمان. أما أقوم...

هتف يوقفها فورًا حين همّت برفع جذعها عن الفراش، لينهيها بحزم لا يخلو من خوف:

ـ ده برضو الكلام اللي اتفقنا عليه امبارح يا ليلى؟ مش قلنا مفيش حركة، زي ما نبه الدكتور؟

تبسمت مستخفّة، في محاولة منها لطمأنته:

ـ يوووه يا معاذ يا حبيبي، مش للدرجة دي يعني؟ هو جال راحة، مش الزق في السرير! لكن الحركة الخفيفة مسموح بيها...

ـ الله يرضى عنك، حتى الخفيفة بلاها، بلاها أي حاجة ممكن تكون سبب في... أحبّ على يدك يا شيخة، أحبّ على يدك...

وسقط برأسه، يدفنها في تجويف عنقها، قاصدًا أن يُخفي جزعه عنها، ولكن الأمر كان أكبر من تحمّله، فصار يتنفس بخشونة لثقل ما يحمله بداخله، حتى غلبته مشاعره، وسقطت دمعات منه تُحرق بشرتها، لتُسارع بلفّ ذراعها حول عنقه، تُربّت وتهوّن عليه:

ـ يا حبيبي، أنا بخير جدامك، مش مستاهلة الرعب ده كله.

رفع رأسه إليها، والدموع عالقة ببشرته، قائلًا بطاقة مستنفَذة:

ـ كل ده ومش مستاهلة؟! كيف يا ليلى؟! وإحنا كل حاجة بنخطّطلها ونعمل حسابها، بتيجي معانا بالعكس!

الحمل جه غصب عننا رغم كل الاحتياطات، وفي أهم وقت إحنا محتاجينه، حتى ما نجحناش نأخّره سنة ولا سنتين في الجامعة، وتختم كمان بالخطورة عليكي وعلى الجنين!

جذبته إليها، تضمه بصورة أقوى من السابق، تهدهده بكفّيها الناعمتين، حتى إذا هدأ قليلًا، خطفت قبلة على جانب وجهه، ليأتي دورها في الحديث:

ـ الانفجار ده كان واجب عليا أنا على فكرة، مش إنت.

أنا اللي حاطة عهدي مع أمي سيف على رقبتي، ومع ذلك أخفقت بدل المرة كذا مرة، رغم حرصي زي ما بتقول...

توقفت، تخرج تنهيدة من عمق ما يموج بصدرها، تردف بغصّة اختنقت في حلقها:

ـ اللي حصل مع أمي امبارح، مكانش ينفع أسكت عليه.

يمكن زوّدتها وضرّيت نفسي وزوّدت الطين بلّة، لكن والله يا معاذ، لا كل كلام الدكتور، ولا كل اللي حصل بعد كده، كنت حاسة بيه ولا فارق معايا.

مكنتش شايفة غير مزيونة، مزيونة اللي مستعدة أعمل عشانها أضعاف، كرامتها أهم عندي من نفسي.

وحلمها فيا، هحجّجه ولو على سريري اللي نايمة عليه.

أنا أمي شافت كتير، وجت على نفسها، وجبلت تسعدني على حساب نفسها.

يبقى أقل ما فيها إني أرفع راسي، حتى لو اتهزمت، وأكمّل المشوار لحد ما أوصل.

لم يُعقّب على ما تفوهت به، وظل يتأملها بإعجاب وانبهار.

لقد اتّضح له أن صغيرته الشرسة، تحمل قوة أكثر منه.

لقد ورثت الصبر والجلد من مزيونة، كما أن ما مرّت به قد ساهم في نضجها سريعًا وقبل الأوان.

إذن، هل يصح له الضعف الآن مع واحدة تملك إرادة مثلها؟

تبسم بمكر ردًا لها، ليرد على القبلة الصغيرة التي أهدته إياها من لحظات، بالعديد والعديد، يطوف على كامل بشرتها وعنقها، حتى دوى صوت هاتفها يقطع لحظته، فخرج صوته بضيق:

ـ ده مين ده اللي بيرن عليكي دلوك؟

تناولت الهاتف من فوق الكمود بجوارها، تجيبه بشر، دي أبله إعتماد بتتصل على ميعاد الدرس

فابتعد عنها على الفور يردّد بتوجّس:

ـ يا ساتر يا رب... ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها!

وكان الرد ضحكة عالية منها، تعود بها إلى شقاوتها وطبيعتها المشاكسة.

ارتجفت، تبتلع ريقها الذي جف سريعًا عقب سماع ما تفوّهت به خادمتها عن وجود الضيف الذي حضر ويريد مقابلتها الآن. تحاول أن تملك بأسها وتُسيطر على خفقان قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها خوفًا.

– ليه مبلغتنيش الأول؟ تديني فكرة قبل ما تقوليله "الهانم موجودة"! هو أي حد يطلب يقابلني تدخّليه كده بالساهل؟!

ردّت العاملة باحترافية، رغم غيظها من تلك الحمقاء:

ابتعلت، تهدّئ قليلًا من توتّرها قبل أن تأمرها:

– روحي حضّريله حاجة يشربها، أنا هخرج حالًا أقابله دلوقتي.

خرجت العاملة، تتركها تتخبّط فزعًا من القادم، لتُغمض عينيها قليلًا تستدعي شجاعتها، وتلتف نحو المرآة خلفها، فيغمرها شيء من الثقة، بهيئتها المتأنقة دون تعب أو جهد، فقد كانت على وشك الخروج إلى شركة أبيها التي تعمل بها كمسؤولة هناك.

حسمت أمرها للمواجهة، واضعة في رأسها أنه لن يؤذيها وهي داخل منزلها؛ فكم كان كريمًا معها منذ الانفصال. قد يكون غاضبًا مما حدث، لكنها والدة ابنه في النهاية.

زفرت تستعد لمقابلته، مغمغمة بغيظ ممن كانت السبب في إشعال النار:

وجدته في انتظارها واقفًا، لم يُكلّف نفسه حتى بالجلوس. لم يأتِ بالجلباب هذه المرة، بل أتى بالهيئة التي تعشقها؛ يرتدي قميصًا رماديًا من تلك الماركة العالمية التي يُفضّلها، وبنطالًا أسود يليق ببشرته البرونزية. وسامة رجولية خشنة لطالما حسدتها عليه النساء.

مطرقًا رأسه بسكون تام، حتى وهي تقترب ويصله صوت حذائها يطرق على الأرض الرخامية. لم يرفع بصره إليها إلا حينما بادرت بالترحيب:

– ده إيه المفاجأة الجميلة دي؟ نورت بيتي يا حمزة.

التقت عيناه بعينيها دون أن يرد بكلمة، ينظر إليها فقط بغموض زاد من توجّسها. فمدّت كفها نحوه تصطنع الابتسام من أجل مصافحته، فنظر إليها بازدراء دون رد، حتى أصابها الحرج، لتردّ بلوم:

– مرسي أوي لذوقك. على العموم، أنا برضو مش هزعل منك. هتقعد كمان، ولا هتفضل واقف؟

ظلّ على جموده، ولم يرحمها سوى بعد لحظات، ليخرج صوته أخيرًا:

– يوم ما انفصلنا أنا وإنتِ، وحلّينا كل المشاكل اللي ما بينا بالتفاهم، أو بالتساهل مني بمعنى أصح، عشان حضرتك تكرّمتي ووافقْتي إن ابني يفضل معايا، فاكرة أنا اتفقت معاكي على إيه يوميها؟

تمتمت بتشتّت وريبة تكتنفها، فالمقدّمة لا تُريحها على الإطلاق:

رد بابتسامة لم تصل إلى عينيه، ملتزم الهدوء:

– أفكّرك أنا. يوميها قولتلك بالحرف الواحد: "جوازنا صفحة وانجفلت، واللي باجي ما بينا كل ود واحترام. وريّان ابننا يعيش في بيئة سوية، سواء إنتي اتجوزتي أو أنا اتجوزت، مفيش تشويه لصورة التاني ولا نزرع الكره في قلبه لحدّ مننا." حصل ولا ما حصلش؟

قال الأخيرة بحدّة جعلتها تردّد دون تفكير:

– ولما حصل، خُنتي العهد وجلّيتي بقيمتك ليه؟

اجفلت بردّه المباغت، لكن سرعان ما استعادت توازنها تحاول امتصاص غضبه:

– أنا برضو قلّيت بقيمتي يا حمزة؟ الله يسامحك. عارفة إنك غضبان وليك حق، بس أنا والله ما كنت أقصد الأمر يكبر كده. هي الست دي وبنتها اللي قصدوا يورّطوني، الله يسامحهم.

عضّ على نواجذه بغضب شديد، يحاول كبح رغبته في الانتقام، لكنها للأسف امرأة وأم ابنه الوحيد.

– الست اللي بتتكلمي عنيها دي، واللي عايرتيها بنقص تعليمها عنك، تفكّري ألف مرة قبل ما تجيبي سيرتها جدامي، أو في أي مكان حتي. لسانك الزفر لو هلفط بكلمة واحدة عنها تاني، هتنالي العقاب اللي تستحقيه. حمزة القناوي جايلك النهاردة يعاملك بتربيته، إنما تكرّريها تاني، هعاملك بتربيتك!

ردّت بعدم فهم لمغزي كلماته الاخيرة:

– بتربيتي! ومالها تربيتي إن شاء الله؟ والله إنت عارف كويس إني متربّية على الأصول زيك بالظبط! إنت ابن ناس مأصلين، وأنا ما أقلش عنك.

– لا، إنتِ شكلك مفهمتيش كويس، بس أنا هفهمك، لو هعاملك بتربيتك، يبجى هعمل زي ما عملتي بالظبط: أطلع كل الدفاتر اللي ماسكها عليكي وعلى السيد الوالد، وأعملكم فضيحة تشهد عليها الجمهورية كلها، وأدخّلكم أنتوا الأتنين السجن!

– إيه اللي بتقوله ده يا حمزة؟ تدخلني أنا السجن؟ وتعمللي فضيحة؟!

– ما أنا بحذّرك اها، عشان ما تضطرّنيش أعملها. نيجي بقى للي هيتنفذ دلوك، "المعاملة بتربيتي"، واخدة بالك؟

– بيتي، ولا بيت أهلي، ولا أي حد من عيلتي... ممنوع تعتبي عتبة منهم تاني. وإن كان على ابنك، ليكي رؤية مرة واحدة في الشهر، هيوصلك لحد عندك، وهيرجع في نفس اليوم. مش هيبات. وده اعتبريه كرم مني!

– يا نهار أبيض! إنت سامع نفسك؟! عايز تحرمني من ابني علشان غلطة بسيطة؟ دي مجرد خناقة مابين ستات! بتحصل في كل الدنيا! ثم تعالى هنا... كرم إيه ده اللي بتتكلم عنه؟! إن جينا الحق الولد مفروض في حضانتي أنا، يعني أقل محامي يخلّصها في جلسة واحدة.

توحّشت ملامحه بخطر ينبأها بطريق اللاعودة معه، قائلاً:

– جرّبي بس يا روان. أنا بتمنّى بس إنك تجربي، وشوفي ساعتها إن كانت عيلتك كلها، ولا اسم أبوكي اللي فرحانة بيه، ولا فلوسه، حدّ فيهم هينفعك ولايسد جدّامي!

بصق كلماته، وشرع في الذهاب غير آبه بانهيارها المذري، وقبل أن يصل إلى باب الخروج، صرخت به:

– كل ده علشانها؟ علشان الست الجاهلة بتاعتك؟!

التفت برأسه نحوها يُجيب بتحذيره الأخير:

– وأعمل أكتر من كده كمان... حظّك بجي إنك حرمة، إنما لو راجل، كنت عرفت أجيب حقها صُح منك! مش بقولك إني كريم؟!

....................................

استغرقتا الاثنتان في الشرح والمراجعة حتى شعرت اعتماد نحوها بالإشفاق، حين رأت الإجهاد الذي خيّم على ملامحها الجميلة، رغم صمتها وعدم الاعتراض أو الشكوى. فتناولت هاتفها لترى الوقت، وهي تحدثها:

– كنت ناوية أقرص عليكي النهارده، بس شكلي هأجل وأخليها المرة الجاية، أنا برضو عندي جلب وشوية إحساس.

– متجوليش كده يا أبلة اعتماد، ده انتي أمّ الإحساس والذوق.

لم تُعلّق اعتماد، وقد تغيّرت ملامحها وتعقّدت بانشغالها في قراءة إحدى الرسائل التي لم تكتشفها إلا الآن، وكانت قد وردت أثناء انغماسها في الحصة. تمتمت شفتيها بسبة، قبل أن تضغط على الأزرار الثقيلة للهاتف القديم، الوحيد الذي تملكه الآن، طالبة رقم صاحبة الرسالة بقلق، الأمر الذي دفع ليلى للتساؤل:

اهتز رأسها بتوتر نافية وهي في انتظار الإجابة من الطرف الآخر:

وانتفضت تنهض من جوارها، تحاول السيطرة بصعوبة على اهتزاز جسدها، الذي اندفعت به سخونة الانفعال والترقّب. وما إن جاءها رد من الجهة الأخرى، حتى هتفت بعصبية:

– أيوه يا زفتة، توك ما رديتي؟............... كنت مشغولة في الحصة وكاتمة التليفون الزفت... معاناتها إيه الرسالة اللي بعتاها دي؟............

وما إن وصلها رد الطرف الآخر، حتى ضربت بكفها على جانب فمها من فرط غضبها، تصيح بها:

– يا نهارك اسود ومهبب بستين نيلة يا روضة! واخدك على الجمعية عشان تعملي الإجراءات؟ وليكي عين تكلّيميني كمان؟..........

غصب عنك؟كيف يعني؟ مشربك حاجة صفرا ولا مفكيش لسان تجولي لأ؟

ضاغط عليكي وإنتي مش جادرة عليه؟.........طب عطّلي نفسك على كد ما تجدري، أنا جيالك دلوك على الجمعية الزفت... اجفلي يا بت، ولا أجولك، خليكي معايا على التليفون لحد ما أوصلك، إياك تجفلي!....

تحركت تلملم أشياءها على عَجَل، وتوجّهت بالخطاب إلى ليلى:

– أنا همشي دلوك، وابجى أتّصل عليكي بعدين وأبلغك بميعاد الدرس التاني... بس إنتي اهتمي باللي خدناه النهاردة.

أومأت لها ليلى، تهز رأسها بطاعة قائلة بقلق انتقل إليها:

– ماشي حاضر... بس إنتي جولي لو محتاجة مساعدة، أبلغ معاذ ياجي معاكي؟

ردّت اعتماد بصوت يتخلله الأسى، وهي تغلق حقيبتها لتهمّ بالذهاب:

– المساعد ربنا... متشغليش نفسك إنتي، ولا تبلغي حد، إن شاء الله محلولة. عن إذنك.

تبعتها أبصار ليلى بحزن، لا تدري لِمَ شعرت بتشابه بين تلك المرأة ووالدتها، رغم الفروق الشاسعة بين الشخصيتين. ربما وجه التشابه كان في الكفاح، وربما في الحظ السيئ الذي يتبعهما كظلّ لا يرحم.

بخطوات تقارب الركض، كانت تهرول هابطة الدرج، تحاول اللحاق ومنع الكارثة قبل حدوثها، واضعة الهاتف على أذنها، لتصلها كل همسة من الجهة الأخرى. قدرها السيئ الذي تمثّل في شقيقة كانت – وستظل – نقطة ضعفها الوحيدة، رغم تحلّيها بالقوة واستغنائها عن الجميع؛ شقيقتها ضعيفة الشخصية، لا تجد لها حلًّا أبدًا.

وفي غمرة انشغالها وركضها، لم تنتبه لذلك الذي كان يصعد الدرج عكس اتجاهها، حتى إذا وصلا إلى نقطة التقاطع بين الطابقين، وقع الاصطدام المتوقع، وكانت الضحية هاتفها القديم. حينها، سقط من يدها على درجتي السلم القاسيتين، متحطّمًا تمامًا، متناثرة أجزاؤه إلى قطع مجهولة الهوية.

نظر إليها خليفة بذهول تام، قبل أن يرفع بصره إليها، فتلتقي عيناه بكتلة من النار التي يتكرر معها نفس الموقف. نظرت بحسرة إلى هاتفها الذي أنقذها رغم قدمه بعد خسارة الآخر، وقد تهشّم بصورة لا تنبئ بإمكانية إصلاحه، ثم نظرت إليه بصدمة امتزجت بمشاعر هوجاء، مقدّمة طبيعية للعواصف والأعاصير القادمة، فهو المتسبّب في خراب الاثنين لها الآن، ليخرج صوتها أخيرًا بتقطّع، بداية لما هو آت:

– أنا إيه يا بنت الناس؟ أنا إيه دخلي بس؟

تمتم مقاطعًا لها، ليضرب كفًّا بالأخرى مردّدًا:

– لا حول ولا قوة إلا بالله... طب أعمل إيه معاكي دلوك؟ جوليلي... المرة اللي فاتت رفضتي العوض بدل اللي راح منك، المرة دي بجى اعتذار في الجريدة الرسمية؟ يمكن تعفي عني؟

لم تكن تملك رفاهية الرد بطبيعتها، فما ينتظرها غير قابل للتهاون أو المغامرة بالصعود إلى ليلى وإضاعة المزيد من الوقت، أو حتى عنجهيتها الزائفة في رفض المساعدة من أحد. فباغتته بقولها:

ارتدّ برأسه إلى الخلف يعقّب بدهشة:

– أمال يعني بعد ساعة؟ بسرعة هاتو يلا.

أخرج خليفة على الفور هاتفه، يعطيها إياه بتوجّس. فاختطفته بسرعة، تتصل على أحد الأرقام، ذاهبة بسرعة مما اضطره لاتباعها:

– استني! يا اسمك إيه إنتِ؟ يا آنسة كانك ولا مدام؟ يا أخت!

كانت قد وصلت إلى خارج المنزل، عيناها تبحث يمينًا ويسارًا بعدم تركيز، فأجابته:

– أنا عايزة حد يجيلي تاكسي بسرعة... متعرفش حد يجيبلي تاكسي؟ عاوزاه مشوار بأقصى سرعة.

– ياسيدي هديهولك بس أوصل مشواري.

رغم فزعه من صرختها، إلا أنه تفهّم، فقد استوعب أن خلف ثورتها أمر جلل، فتحرّك نحو سيارته، يشعلها بالمفتاح:

– تعالي معايا وأنا أوصلك في عربيتي.

طالعته بنظرة حادّة، فهم ليسارع بالتوضيح:

– اطمّني... هوصلك بس، عشان آخد تليفوني. تمام كده؟

كان يجب أن تكون بجوار صغيرتها اليوم، تُلقي بكلام البشر خلف ظهرها، وإن لم تملك الجرأة لتذهب برفقة شقيقها كما قال لها. لكنها لم تستطع؛ فعندما تجد القدرة على الوقوف في وجه الشائعات والمؤامرات، يمكن أن تفعل. ولأنها الآن لا تقوى على شيء، يكفيها أن تراها عبر شاشة الهاتف وتحدّثها باستفاضة.

قضت مع ابنتها "ليلى" قرابة الساعة، ولم يقطع وصلهما سوى دخول مدرستها "إعتماد"، لتُنهي معها المكالمة أخيرًا، وتعود إلى وحدتها، رغم وجود شقيقها وزوجة شقيقها التي لم تتركها حتى الآن.

لكن الوحشة تسكن قلبها، حتى في وجود البشر.

غلبها التعب الجسدي والنفسي، فقررت الهروب منه بالنوم، وكادت أن تنجح، لولا ذلك الطرق القوي على باب منزلها، بصورة أزعجتها حتى نهضت عن فراشها لرؤية هذا الطارق المزعج.

كانت قد سبقتها "محروسة" زوجة شقيقها، ليصل إليها الجدال، فتعرف هوية من يقف خارج المنزل:

– مفيش حد موجود يا أبو ناصر، يعني ما ينفعش ندخلك من أصله.

– وأنا مش عايز أدخل، أنا عايز بس أشوفها... خلّيها تطلعلي.

– تطلعلك فين يا أبو ناصر؟ بجولك الولية تعبانة.

– ليه، وأنا هاخدها مشوار؟ دا هما خطوتين لحد العتبة، ما هتجدرش تعتبهم؟ ليه، اتشلت؟

أوقفتها "مزيونة"، تسحبها للداخل وتحل هي محلها، قبل أن يزيد عليها بفظاظته التي تعرفها جيدًا:

– نعم يا عرفان، أديني بطولي واقفة جدامك، عايز إيه؟

تأملها برهة، يُجفلها بإجابته وقد بدا من هيئته أنه ليس على طبيعته:

– بجولك عايزك، لازم أشرحها بالتفصيل عشان تفهمي؟

إلى هنا وقد فاض بها من وقاحته، لتقرر بحسم إنهاء المقابلة:

– تصدّق إني غلطانة إني عبرتك أصلًا؟ ارجع مطرح ما كنت... بلا جلّة حياء!

كادت أن تُغلق الباب في وجهه، لكنه منعه بكفّه الضخمة، يردّد بفحيح:

– جلّة حياء تبجى لمين؟ للراجل اللي عايز يلم لحمه ويرجعك لزمته ست بيتك؟ ولا للنطع اللي داير يلف حواليكي، وآخِر المتمة خلى سيرتك على كل لسان؟

صاحت به، بعدم إحتمال، وهي تجاهد لإغلاق الباب في وجهه:

– معاش ولا كان اللي يستجرأ يجيب سيرتي! بعد من بيتي، لا أصرخ وأقول "بُوّوو!" ألمّ عليك الناس.

على العموم، أنا برضو أشرفلك من النطع دوكها، على الأقل أنا أبو بِتك.

صرخت به بقهر غلبها، حتى تفاجأت به يُسحب ـ أو يُختطف ـ بمعني أصح من أمامها، وصوت تعرفه جيدًا يهدر:

– هو البعيد ما عندوش كرامة؟ للمرة التانية برضو جاي تتهجم على اتنين نسوان؟!

وفي أقل من ثوانٍ، تفاجأت بالجسد الضخم يسقط كالجثة أمامها، بعد تلقيه عدة ضربات نافذة.

نظرت "مزيونة" إلى ذلك الجسد الذي تكوم أمامها كالخرقة البالية، تردد بعد استيعاب:

– عملتها إزاي؟ كيف قدرت عليه بالسهولة دي؟

تبسّم يجيبها بمرح، يكتنفه امتنان غير عادي نحو "عرفان" الذي أعطاه الفرصة لرؤية وجه القمر... وجهها:

– ما خدش في إيدي غَلْوة... دا شارب أصلًا، غير إني عملتها جبل كده وكان فايق... لو تفتكري يعني؟

أومأت بحرج، وقدماها تعودان إلى الداخل.

أردف يسألها قبل أن تختفي من أمامه، وعيناه تتشرب تفاصيلها:

دلفت تغلق الباب عليها، لكنه لم يتحرك، فصدح صوته من الخارج، يجبرها على الابتسام من خلف الباب:

– طب أتصّل بمين ياجي يشيل الجثة؟

رواية لاجلها الفصل التاسع والعشرون

منذ أن قررتُ أن أحبكِ، وأن تكوني لي، أقسمتُ أن أكون الدرعَ لا السهم،

أن أكون الرجلَ الذي، إن اختلّ بكِ العالم، ظل ثابتًا لا يميل.

أقسمتُ أن تكوني أنتِ وحدكِ… البداية والنهاية.

لن تمسّكِ يدٌ سواي، ولن يطال حزنٌ طرفَ ثوبكِ ما حييت.

سأكون لكِ درعًا إن اشتدّ الزمان، وسندًا إن خذلتكِ الحياة،

وسقفًا فوق قلبكِ إذا ما اهتزّت الأرض تحتكِ.

لكني أقسو اليوم كي لا يقسو عليكِ الدهر غدًا.

أجرحكِ الآن، حتى يكون الغد خاليًا من كل وجع،

أوقظكِ بالألم، لأحميكِ من جرحٍ لا شفاء له… إن تأخرت.

أنا من سيحمل عنكِ أعباءكِ، ويقتسم معكِ مخاوفك،

أنا من سيقف بينكِ وبين كلّ ما يؤلمك.

ستكونين لي كما لم يكن لي أحدٌ قط،

وسأكون لكِ كما لا يليق بكِ سواي.

من الآن، لن تواجهي شيئًا بمفردكِ.

الخاطرة الروعة والمراجعة من الرائعة/سنا الفردوس

توقّف بالسيارة أمام مقر الجمعية التي اشتهرت في البلدة بوظيفتها المعروفة: إقراض الناس مقابل فوائد مضاعفة تُسدَّد أقساطًا على مدار شهور. يلجأ إليها المضطر أو المديون، فهي في ظاهرها جمعية لستر الناس، وفي باطنها خراب بيوت، تمتص دماء الفقراء بمصيدة تُسمّى "قروض التيسير"، وهي في حقيقتها باب من أبواب الربا.

والربا – محرَّم شرعًا، ومن يُقْدِم عليه فلينتظر حربًا من الله ورسوله، كما جاء في قوله تعالى:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ۖ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ"

فما الذي يدفع زوج شقيتها إلي طرق هذا الباب.

تساءل داخله وهو يراها تترجل من أمامه مهرولة إلى مدخل الجمعية، دون سلام أو استئذان، وهاتفه على أذنها تتابع الحديث مع شقيقتها.

تمتم بسخط وهو يترجل خلفها، يغلق سيارته ثم يتبعها إلى داخل ذلك المقر.

أما هي، وحين ولجت إلى الداخل، كانت عيناها تدور باحثة في الأجواء حولها أثناء الحديث عبر الهاتف، حتى اصطدمت أبصارها بصاحب الجسد النحيف، زوج شقيقتها، بهيئته المنزعجة، يتجول بعصبية في الطرقة الفاصلة بين الغرف، وفمه لا يكف عن التدخين بشراهة تجعل السحب الدخانية تلازمه كظله.

تراجعت خطوتين قبل أن ينتبه لها، لتصدر أمرها نحو الطرف الآخر معها في الحديث:

ـ "أنا وصلت أهو ودخلت، اطلعي يلا من الحمام اللي متخبية فيه... اطلعي يا بت وسيبي الباجي عليا، أخلصي."

كادت أن تنهي المكالمة حتى انتبهت إلى المذكور، يقف أمامها متحفزًا:

ـ "مين هي اللي تطلعلك يا غالية؟ وانتي جاية هنا أصلًا ليه؟"

تصنعت الدهشة، وبحركة روتينية اعتادت عليها، وضعت الهاتف في الحقيبة لتعطي انتباهها إليه كاملًا، وهي تستقبله:

ـ "وه، محمود، جوز أختي، إزيك يا راجل؟ مش تسلم الأول؟"

تطلع إليها بملامح كارهة، وقد استنتج سريعًا سبب الاختفاء المريب لزوجته داخل مرحاض الجمعية منذ أكثر من نصف ساعة.

اعتماد تماثله في العمر تمامًا، واحد وثلاثون عامًا، لكنها تملك شخصية قوية تناطح من أمامها بندّية، بل ولا تخشى حتى غرز أظافرها في وجه من يتجرأ عليها بالكلمة، على عكسه هو، الذي يخاف حتى من أخيه الصغير ووالدته، وقد وجد ضالته في امرأة ضعيفة الشخصية يوجهها كيفما يريد ويحصل منها على قدر ما يستطيع، ولكن أحياناً لايقدر بسبب تلك اللعينة التي تقف له دائمًا بالمرصاد.

ـ "هي اللي اتصلت بيكي؟ ولا إنتي اللي اتصلتي بيها وعرفتي منها؟"

سخرت بابتسامة صغيرة بزغت بطرف ثغرها:

ردد بها من خلفها بنبرة غامضة، تبدلت فجأة حين أتت زوجته بعد خروجها من المرحاض، ليباغتها بالقبض على ساعدها بشراسة لا يعرفها إلا معها:

ـ "بقالك ساعة مدسية في الحمام بحجة إن بطنك وجعاكي، واتاريكي عاملاها حيلة عشان تستني المحروسة. طب حركي رجلك يلا، البت الموظفة بقالها ساعة مستنية على إمضتك!"

جذبتها اعتماد منه بحزم، قبل أن يتمكن من سحبها والذهاب، لتتصدر هي أمامه والأخرى خلف ظهرها:

ـ "تمضي على إيه بالظبط؟ أختي مش هتمضي على ضمانات ولا كلام فاضي. عايز تسحب قرض ربا، شوفلك حد غيرها يكون ضامن. دا لو محتاجه فعلًا؟"

صاح معنفًا، حتى كاد أن يتهجم عليها، وقد أصبحت المواجهة بينه وبينها مباشرة:

ـ "وإنتي إيه اللي يخصك؟ واحد ومرته، إيه دخلك؟ بعدي من وشي الله يرضى عنك، مش ناجصة هي وقف حال."

وامتدت ذراعه، ليجذب إليه امرأته المنكمشة بجبن، تحتمي بها:

ـ "تعالي يا بت، إنتي هنا بالذوق أحسنلك."

لم يصدر من روضة أي رد فعل، سوى أنها ازدادت التصاقًا بشقيقتها، باعتراض لا تقوى على التعبير عنه إلا في وجودها.

اهتاج غضبًا أمام صلف الأولى واحتماء الأخرى بها، ونظرات الخلق التي توقفت تتابعهم، ليزيد على اهتزاز شخصيته الضعيفة من الأساس، فارتفعت كفه بصورة توحي بنيته على ضربها:

ـ "طب والله لو ما بعدتي عنها، لأكون ضاربها هنا جدام الناس، وخلي حد يقدر يحوش عنها."

تحفزت اعتماد في استعداد للدفاع عنها، حتى لو اضطرت لفتح رأسه أو الدخول معه في عركة مباشرة، ولكن يدًا من المجهول قبضت على رسغه بقوة، وصاحبها الذي تذكرت أخيرًا قدومه لتوصيلها، ضغط بجسده على محمود ليبعده عن النساء، ثم خرج صوته تهديدًا ووعيدًا:

ـ "جرّب تنزل بيدك على واحدة منهم يا عديم النخوة، وأنا أفرّجك زين جزاة عملك."

كان حادًا بصورة أدخلت الرعب في قلب ذلك الذي بوغت بحضوره، فابتلع يقاوم مبررًا:

ـ "ابعد يا جدع إنت، دا أمر عائلي ملكش دعوة بيه، إنت مين أصلًا؟"

ـ "أنا خليفة ولد حماد القناوي، سمعت عن الاسم ولا أعرّفك أنا؟"

يبدو أن الاسم كان له وقع السحر، شحب وجه محمود حد الاصفرار، لترتخي يداه باستسلام مرددًا بشكوى:

ـ "وأنا مالي بيك يعني؟ البت دي هي السبب. واحد ومرته، هي إيه دخلها؟"

برز صوتها من بين الجمع الذي التف حولهم:

ـ "دخلها إني أخت اللي عايز تستغلها وتورطها ضامن ليك! عيلتك مليانة رجالة وحريم، خد أي واحد فيهم، لكن إنت مصر على أختي ليه؟ مش لاقي حد يوثق فيك؟ ولا عشان عارف إن موضوعك تافه وميجيبش تمنه؟ ولا هو مشروع ولا كلام فاضي."

كاد محمود أن يعود للشجار معها، ولكن منعه صوت إحدى عاملات الجمعية من النساء تصرخ :

ـ "إيه اللمة دي؟ لو سمحتوا، هنا مش محل خناق ولا مشاكل. أرجوكم اخرجوا برا."

ها هو للمرة الثانية يتعرض لنفس الإهانة وأمامها، من ذلك المتعجرف الذي التقط فرصة غياب عقله بفضل الكأسين اللذين شربهما قبل أن يذهب إليها. الملعون يجيد استغلال الأوقات التي يُضرب فيها، ليرفع من أسهمه أمامها على حسابه، فينال هو الخزي أمامها وأمام عائلته والجميع، ثم ينتهي به الأمر أن يصبح ضحية التقريع من مصيبة حياته، زوجته الحالية، وقد أتت فرصتها هي الأخرى:

ـ "يا خيبتك القوية يا صفا، يا سواد وشك جدام ناسك والجيران والعيلة، أوريهم وشي إزاي دلوك بس؟ بعد ما شافوك للمرة التانية داخل مسنود على الدّراعات، ومضروب من نفس الراجل على عتبتها، يا مرك، يا مرك."

صاح ينهرها من مكانه على الأريكة المستلقي عليها داخل شقة مزيونة:

ـ "اتلمي يا بت، بدل ما أجوملك، أنا على آخري أصلًا."

صدر من فمها صوت ساخر، غير آبهة:

ـ "طبعاً يا حبيبي لازم تبجى على آخرك، للمرة التانية بتلبس الخازوق والكسفة من غير مجهود من حد! إنت اللي بتروح برجليك، وإنت اللي بتضرب وتاجي مسنود وواخد الشتيمة من أقل عيل فيكي يا عيلة."

تمتم بها معتدلًا عن رُقاده حتى تألم رأسه، فتأوه بتوجع، يضع كفه عليها، مردفًا بتعب:

ـ "الله يلعنك يا ملعونة، لا عندك إحساس ولا عندك نظر. مش قادرة تستني علي ما أقوم، وساعتها اشمتي براحتك."

ـ "لا، ماعنديش يا عرفان، والبركة فيك! إنت اللي موت قلبي وشلت الإحساس عني بعمايلك. يا أخي، دا أنا لو جبل برضو هتأثر وهضرّ، وممكن أقع من طولي بسببك! ماسك في اللي رمياك ومدياك بالجزمة، وأنا اللي متحملة قرفك وبلاويك الزرقا مش عجباك؟ طب تصدق بالله، أنا نفسي ما بجيتش طايقاك!

هتف بها من خلفها بغيظ يحرقه. هذه الإهانة لا بد لها من رد موجع. لا بد من إنهاء هذا العبث على الفور ودون انتظار.

تحامل على ألمه، لينهض عن أريكته، متخذًا طريقه نحو الجهة المقصودة، وقد حسم أمره.

ـ "أنا جيت يا خالة مزيونة، ممكن أدخل؟"

دلف إليها هذا الصغير بعد أن طرق على الباب طرقتين على الخشب المثقل، يطل عليها بوجهه الوسيم الذي يشبه أباه في مكره، ينتشلها من الشرود الذي يلف عقلها دون هوادة، حتى إنه أذهب عنها التركيز في الكتاب الذي تمسك به منذ ساعة ولا تفهم منه شيئًا.

للمرة الثانية، يستأذنها بابتسامته المتلاعبة التي تدخل البهجة في قلبها دون استئذان، فكيف لها أن ترفض؟

ـ "ادخل يا بطل، بالذمة يعني، إنت محتاج تستأذن؟"

دلف يلقي التحية على زوجة شقيقها التي تطوي كومة الملابس التي جفّت بعد غَسلها، متصنعًا الخجل أمام المرأة حتى أدخل التسلية بقلبها هي الأخرى:

ألقت بنظرة ذات مغزى نحو مزيونة، وهي ترد على تحيته ضاحكة:

ـ "الله يعافيك يا حلو إنت. ادخل يا جميل، هو إنت غريب؟"

لوّح بكفه فوق صدره، يزيد من إبهارها قبل أن يتخذ جلسته جوار مزيونة على الأريكة الخشبية التي تجلس عليها:

ـ "تشكري يا خالتي، ربنا يخليكي."

للمرة الثانية، تطلعت محروسة نحو مزيونة ضاحكة تردد خلف هذا الصغير بمرح، يكتنفها:

ـ "يا حبيبي، دا إنت اللي ربنا يخليك ويبارك فيك لأبوك، يا عسل! صحيح، التعليم الغالي يا ولاد بيعمل فرق."

حدجتها مزيونة بنظرة محذّرة حتى تنتبه ولا تتمادى معه، فهي الأعلم بحجم الذكاء الذي ورثه عن والده... اللعنة، لماذا لا يترك رأسها ولو قليلًا؟

ـ "جولي يا ريان باشا، عامل إيه بجى في مدرستك؟"

وجّهت السؤال إليه حتى تندمج معه هو، لا أحد آخر، ولكن الطفل الداهية أبى أن يعطيها غرضها:

ـ "شاطر جوي، واسألي المدرسين كمان! أبويا وصلني النهاردة واتطمن بنفسه، حضر جلسة الآباء، وميس تولين فضلت تحكيله عن شطارتي ودرجاتي العالية في المادة بتاعتها، وهو فرح وقالي جدامها: أنا فخور بيك يا ريان."

تركت كل الحديث وعلقت على ملحوظة واحدة، عبرت عنها:

ـ "ميس إيه؟ تولين! ودي شكلها حلو زي اسمها كده؟ ولا إيه ظروفها؟"

بحماس أثار انزعاجها، هتف ريان يخبرها:

ـ "باه، ميس تولين دي أحلى واحدة في المدرسة كلها، وأنا أكتر واحد بتحبني من المدرسة كلها."

تمتمت بها لتستدرك سريعًا، تنفض رأسها من تلك الأفكار الحمقاء، لتردف بنزق:

ـ "ريان يا حبيبي، إنت بتحب الحلو اللي بنعلمه صح؟ محروسة، هاتي طبق بلح الشام اللي في التلاجة للباشا."

سمع منها ليهلل فرحًا بعفويته التي تعشقها، حتى أتت له محروسة بالطبق، يتناول منه القطع فيتذوق باستمتاع، حتى فتح شهيتها لمشاركته بتناول الحلو معه، ورغم ذلك، رأسها لا يهدأ عن التساؤل:

...............................

مرتفعات وحجارة تحك في إطار السيارة، فتصدر أصواتًا مزعجة وهي تخترق تلك الطرق التي يسير فيها لأول مرة، رغم أنهم في نفس البلدة.

وذلك كي يُوصل تلك المدعوة اعتماد وشقيقتها بعد شجار حاد بينهما وبين زوج الثانية، انتهى بطردهم جميعًا من الجمعية، حتى كاد الآخر أن يتسبب لهم في فضيحة ثانية على قارعة الطريق، لولا وقوفه هو بوجهه وصرفه، ثم في الأخير اضطر أن يقلّهم معه، بعد أن تركهم وذهب كالجبان.

ـ بَس خلاص، وجف هنا. هتفت بها اعتماد، فالتفت إليها متسائلًا: ـ بيتكم هنا؟ كادت أن تجيبه بنعم كاذبة، ولكن شقيقتها روضة سبقتها: ـ لا، مش هنا، بيتنا تحت شوية في الروض (مصلح يُطلق على الأرض المنخفضة في البلدة). ـ وه. صدرت منه بعفوية لا يقصدها، ندم بعدها حين شعر بحرجهما، فتابع موضحًا: ـ أنا قصدي يعني.... قاطعته اعتماد لتقصّر عليه وترفع عنه الحرج: ـ مش محتاج تبرر، عشان كده أنا بقولك وجف، النزلة بالعربية صعبة. رمقها بنظرة خاطفة عبر المرآة ورد برفض: ـ بسيطة إن شاء الله، بلدنا فيها طرق أوعر من كده، والسواق الصح ما يهمهوش.

قالها متخذًا قراره في القيادة بحرص أثناء النزول في ذلك المنخفض حتى يوصلهما إلى منزلهما، الأمر الذي دفعها ولأول مرة أن تعبّر عن امتنانها إلى رجل، وذلك لصنيعه الكريم معهما: ـ أنا كنت عايزة أشكرك، اللي عملته معانا النهاردة بصراحة الكل يشهد له.

تطلع إليها عبر المرآة بعدم تصديق، حتى أخجلها، فسارعت بالتوضيح: ـ أنا مش جلفة لدرجة إني أهدر حق اللي يتجمّل معايا، أنا برضو واعية وأعرف أميّز. تبسّم يزيد من خجلها الذي غطّت عليه بجمودها المصطنع، ليرد بتسلية تخللت نبرته: ـ مفيش منها شك دي يا أَبلة اعتماد، مربية أجيال زيك هي أمّ الذوق والاحترام.

اكتفت بالغيظ من طريقته، شاعرة بشيء من السخرية لا تقبله، ولكنه لم يخطئ حتى ترد. زفّرت داخليًا بارتياح نسبي مع انتهاء الطريق الصعب بالسيارة، ليظهر أمامها المنزل:

ـ خلاااص، حلوة جوي كده، إحنا وصلنا. أشار بذقنه إلى الأمام نحو أحد البيوت المبنية حديثًا بالطوب الأحمر دون دهان، موجّهًا السؤال: ـ هو ده البيت؟ ردت تلملم أشياءها: ـ أيوة هو ده البيت، تشكر جوي.

سمع منها فتوقف بالسيارة ينتظر ترجلهم، ليفاجأ بدعوتها: ـ اتفضل حضرتك تنزل معانا البيت، إحنا صحيح تلت ولايا، بس ده ما يأثرش طبعًا مع ناس زينا، إحنا ولاد ناس وبنعرف الواجب.

للمرة الثانية يستفزها بابتسامته التي تظهر وبكل وضوح لدهشته بالوجه الثاني لها، في المعاملة الطبيعية مع الأفراد دون مشاكل، حتى ودّت الرجوع عن طلبها والشجار معه كي تستريح، لولا قوله: ـ أكيد طبعًا ولاد أصول، واجبكم وصل يا أَبلة اعتماد، اعتبريني دخلت وشربت الشاي كمان، عن إذنكم بَجى.

وتحرّك بالسيارة ليصعد المنخفض حتى يصل إلى الأرض المستوية كي يعود إلى منزله، ولكن فور أن انتهى من الصعود واطمأن بخروج السيارة بخير دون إصابات تلحق بها، كاد أن يفرح بالإنجاز، حتى تذكّر هاتفه، فضرب بكفّه على عجلة القيادة مرددًا:

ـ بوو يا شجاوتك يا خليفة، هرجع تاني كيف في المرار الطافح ده؟

في منزل والديها، وداخل تلك الغرفة التي تحبس نفسها بها هربًا من والدها وتحقيقاته المستمرة بعدد من الأسئلة التي لا يمل من توجيهها إليها، كانت متربعة الآن على سريرها، تلتزم الصمت المطبق وصوته في خارج الغرفة يصدح حتى يصل إليها، ووالدتها ترواغه وتماطله كي تمتص غضبه:

البت دي ساكتة ما بتتكلمش ليه؟ جاعدة من امبارح وجوزها ما سألش ولا حتى عتب وراها يمسي علينا، أجطع دراعي إن ما كانت عاملة نصيبة، دي لا حسنية ولا أي واحدة من بنتتها سألت؟ البت دي مهببة إيه بالضبط؟

يعني هتكون عاملة إيه بس يا أبو العيال؟ هي هالة صغيرة ولا لسه متجوزة امبارح؟ ده تلاجيهم بس شوية زعل صغيرين بينها وبين جوزها، وفي الآخر برضو هيتصالحوا، ده خليفة مفيش أعقل منه.

ـ أيوة يا أختي مفيش أعقل منه، بس بتّك مفيش أجنّ منها، أنا أبوها وعارفها زين، شوفيها مهببة إيه يا يامنة، يمكن نعرف نلمّ ولا نصلّح، يا إما أسحبها من يدها وأروحها على بيت جوزها تعتذر من غير ما أعرف إيه اللي حصل. ما عنديش بنتة يزمقوا ولا يبيتوا بعيد بيوتهم، فاهمة؟

بقبضتيها الاثنتين صارت تضرب على ركبتيها بحنق شديد وقهر تشعر به بسبب هذا الرجل، والدها. تعرفه جيدًا، لا يرمي كلامًا في الهواء، سوف ينفذ ولن يوقفه أحد. لن يراعي كرامتها أو يستمع إليها ويتفهم إن حدث وتكلّمت. ولكن، إن تحدّثت بالفعل، ماذا ستقول؟

لعنت داخلها خليفة وغدره بها، ذلك البحر الساكن دائمًا، يُغري الفرد بصمته، فلا أحد يعلم متى تفور أمواجه لتقلب كل ما بداخله رأسًا على عقب.

انتفضت تنتبه فجأة على دويّ صوت الهاتف بمكالمة واردة. تطلعت في الشاشة فازداد سخطها، لتغلق على صاحبة الاتصال دون انتظار، متمتمة:

ـ قبر ياخدك يا روان، ما تحلّي بقى عني، ناجصاكي أنا ولا ناجصة مياصتك؟ أوووف.

زفرت تمسح على شعرها ووجهها لتعود لصمتها والترقّب مرة أخرى، حتى يغادر والدها إلى عمله أو الحقل أو حتى النوم، حتي تتنفس بعدها جيدًا، ثم تفكر في حل يساعدها...

لا تغادر سريرها إلا بحرص شديد، تلتزم بتنفيذ التوصيات وتعليمات الطبيب، والخوف مع كل حركة يعصف بها، إضافة إلى قلقها الشديد وامتحان السنة النهائية لم يتبقَ عليه سوى شهور قليلة، لا تعلم إن كانت ستذهب على أقدامها أم تبحث عن طريقة أخرى إن استمرت حالتها والجنين دون استقرار.

تنهدت تريح عقلها قليلًا من الهموم، وعيناها تراقبان الأطفال من شرفة غرفتها، وقد سمح لها معاذ بصعوبة أن تجلس بها ولو لنصف ساعة، حتى يدخل صدرها بعض الهواء الطبيعي، وعقلها يدور ويدور في عدة أشياء أخرى:

ـ يا ما شاء الله، ع القمر اللي نور البلكونة. هتفت بها منى وهي تدلف إليها، لتقابلها ليلى بابتسامة عذبة، تتقبل عناقها اللطيف وقبلاتها على وجنتيها، وكأنها ابنتها وليست شقيقة زوجها:

ـ عاملة إيه يا بت حلوة؟ تبسمت ليلى تعقب على غزلها: ـ بحبك جوي لما تدلعيني، خير والحمد لله. جلست منى تتناول من طبق الفاكهة الذي كان على الطاولة المجاورة: ـ ياختي اتجلعي على كيفك وكلي على كيفك، هو في أحلى من الاتنين؟ الا جوزك فين؟

ـ هيجابل واحد من مسؤولين الشركة، يمكن يقبل يتفاهم معاه على موضوع الإجازات، مع إني والله عايزاه يسافر، أنا زينة وأعرف أراعي نفسي.

ضحكت منى تعقيباً علي كلامها: ـ تراعي فين اتنيلي، خليه يترزع على ما يخلص حملك الجملي ده، وبعدها يشوف حل في شركة الفقر دي، مع إني أشك صراحة.

ختمت تضحك بمرح، فجعلت ليلى تشاركها حتى توقفت فجأة يعلو ملامحها الاضطراب:

ـ مالك يا بت؟ في حاجة مضايجاكي ولا حد مزعلك؟ ردًا على السؤال نفت ليلى بهزة من رأسها: ـ لا، بس حاسة نفسي مش مطمنة، أصلي من شوية كنت بتكلم مع أمي، إن خالي وصفي طالبها تروح على بيته عشان أبويا عامل جلسة وجايب معاه الشيخ خميس والرجالة اللي معاه.

غمغمت منى بقلق انتقل إليها هي الأخرى: ـ عرفان وجلسة! ربنا يستر.

جلسة أخرى وفي نفس المنزل الذي تم فيه عدة قرارات مصيرية أثناء زواجه بها أو بعد، ها هو الآن يتخذ محله بجلسة جوار الشيخ خميس وعدد من الرجال من أصدقاء والدها الذين كانوا حاضرين كل الجلسات السابقة. جلست برفقة شقيقها على مضض، تقديرًا لهم ولمكانتهم عند أبيها الراحل، فتحدثت موجهة السؤال لكبيرهم، بتجاهل تام له، وكأنها لا تراه، رغم غضبها الشديد من أنظاره المنصبة عليها بوقاحة مزعجة:

ـ اتفضل يا شيخنا، أنا جيت وجعدت أهو، إيه المطلوب مني بَجى؟

تحمحم الرجل الوقور يلطف لها، رغم صعوبة الأمر عليه هو أيضًا: ـ هنعوز منك إيه بس يا ست البنتة؟ غير كل خير إن شاء الله، ربنا العالم يا بنيتي، إحنا ما في نيتنا إلا كل خير.

كزّت على أسنانها بضيق متعاظم تردد خلفه باعتراض: ـ صلح إيه تاني يا عم الشيخ؟ هي الغنيوة دي مش فضت برضو وبوخت؟ ولا صاحبكم ده مبلغكمش بالنصيبة اللي عملها تاني ونال جزاته منها قبل ما يجمعكم ويقعد جصادكم بعين قوية؟

على صمته التام وكأن الأمر لا يعنيه، تاركًا الأمر للشيخ الذي كانت تخرج منه الكلمات بضيق هو الآخر: ـ عارفين يا بنيتي، وهو جمعنا إحنا مخصوص عشان كده، قبل كل شيء، هو جاي يعتذرلك.

ـ يعتذرلي! تمتمت موجّهة إليه نظرة نارية تقبلها ببرود تام قائلًا: ـ أيوة يا مزيونة، أنا جاي ومجمع الرجالة عشان أعتذرلك جدامهم، ولو عايزاني أبوس على راسك كمان أجوم وا...

ـ اقعد مكانك، لا عايزين منك بوس راس ولا بوس كفوف، انتي بس تحلّ عنينا وما نشوفش خلقتك، هو ده بس اللي عايزينه.

صاح بها وصفي بغضب عاصف يوقفه عن التحرك، في رد فعل غير متوقع لعرفان، ليتابع وكأنه قد تكفّل اليوم بالرد عنها:

ـ عاملي فيها محترم دلوك وبتوقر الكبير، وانت رايح تتهجم على البت في بيتها وانت سكران، وكأن ما ليها ناس يدافعوا عنها، ده جليل عليك الضرب، انت كان حقك طلجة واحدة بس من الفرد بتاعي، ولا ليك عندي دية عشان راكبك العار، حتى ناسك اتبروا منك.

أجفل وصفي وقد باغته بالكلمات القاسية، متسببًا له في حرج لم يحسب له حساب أمام الرجال الذين بدا عليهم تأييده رغم صمتهم، لينزع عنه لباس الأدب والاحترام، كاشفًا عن وجهه الحقيقي.

ـ باه باه يا وصفي، عينك جويت وجاي تحط عليا، طب أنا يا سيدي غلطان ومش هنكر، روحت على بيتها وأنا شارب ومتعصب بعد الكلام اللي وصلني، جيب أي حد مكاني يسمع الإشاعات اللي دايرة عليها هي والنسيب المحترم حمزة القناوي ويجبلها على كرامته ويجعد ساكت.

صرخت هي به بقهر: ـ جطع لسانك يا عرفان، وأي حد يجيب سيرتي بكلمة بطالة.

توترت الأجواء وحاول الرجال التهدئة بين الطرفين، ولكن الحرب بين وصفي وعرفان من كانت على أشدها:

ـ يعني انت بتأكد للرجالة ديلك النجس؟ مجرد ما سمعت كلام عليها من شوية حريم غيرانة ولا رجالة مفيهاش ريحة النخوة، قومت جريت على بيتها؟ دا بدل ما تتأكد وتجطع لسان اللي يتجرأ على أم بنتك، اللي انضرت أكتر واحدة في الحكيوة دي.

كلمات وصفي التي كانت كالسياط على ظهر عرفان تلسعه، فتساهم في صب الخزي عليه، ليزداد هياجًا وجنونا:

ـ مين اللي أوجفه عند حده يا وصفي؟ إذا كانت هي نفسها بتديله الفرصة عشان يثبت الكلام عليهم؟ ضاجت عليه الدنيا عشان يبني جمبها؟ دا قالك اللي طلّع الكلام دا كله طليقته بعد ما شافت بعينها، يا ترى شافت إيه يا مزيونة؟

صرخت به ظلمًا وقهرًا، وشقيقها يضمها إليه بالضغط على ساعديها، يحاول تهدئتها والسيطرة عليها أيضًا حتى لا تضر نفسها بالهجوم عليه:

ـ حرام عليك يا شيخ، بتردد بالكلام البطال وانت أكتر واحد عارف مين هي مزيونة، مش عايزاك تدافع عني بس أقله متزودش بكلام هتتسأل عليه، دا غير إن عندك ولايا غيري خاف عليهم.

أضاف عليها وصفي مخاطبًا إياه: ـ واللي يسمع كلام الحريم ويردد وراهم يبجى زيهم.

لم يكترث عرفان بل زاد من الضغط عليها: ـ تمام جوي يا وصفي، جدام الرجالة أها، أنا هجفل خشمي خالص ومش هجيب سيرة، بس وريني بقى هتوجف ألسنة الناس إزاي؟ وهو جارها في منطجة مفهاش غير بيته وبيتها؟ ولا بنتها اللي متجوزة أخوه، هتزورها إزاي؟ ولا تخطي بيتهم، والعيون من كل جهة مرقباها؟ يعني الكلام هيزيد هيزيد.

ـ الله يخرب بيتك، يعني نطلّج بتها من جوزها؟ ولا نطفّش الراجل من بيته اللي بناه جديد عشان تستريح؟ ما تحضرونا يا إخوانا؟

خرجت من وصفي كصرخة اعتراض يوجهها نحو الحاضرين، فما يحدث قد تعدى غرض الجلسة من البداية كصلح عادي، فجاء الرد من عرفان يطرق على الحديد وهو ساخن:

ـ لا دي ولا دي يا عم وصفي، قال شيل دا من دا، يرتاح دا عن دا، الحل الوحيد لمنع الرط والكلام والحديت، وعشان تثبت للناس إن الكلام ده كله كدب، هو إنها ترجعلي وأردها على زمتي، وخلي واحد بعد كده يستجرى يجيب سيرتها......... ها إيه رأيكم بجى؟

وهل تبقى لها رأي بعد أن نصب شباكه وحوّل الشجار والخطأ الذي ارتكبه، وما يُخاض في سمعتها من بهتان بريئة منه، لصالحه؟

الشيء الوحيد الذي فعلته هو أنها استندت برأسها على صدر أخيها الذي كان يضمها إليه، تغمض عينيها بتعب، ويا ليت كان الموت يُحضر بالرغبة، لكانت استراحت منذ سنوات طويلة، حتى قبل مولد ابنتها ليلى.

همس وصفي يسحبه إلى داخل غرفة الضيافة بعد أن قدم إليه الآن في تلك الساعة المتأخرة من الليل من أجلها، ومن أجل الاطمئنان عليها، ولكنها ليست في حالة تسمح لها بالحديث أو الأخذ أو الرد:

ـ أنا مصدجت إنها نامت يا حمزة، وطي صوتك، مضمنش إنها تصحى وتسمعنا.

اندفع بغضب يسقط جالسًا على أقرب المقاعد التي وجدها أمامه، هاتفا بصوت خفيض: ـ بس أنا عايز أطمن عليها يا وصفي، دا غير إن عتبي عليك أكبر من عرفان نفسه، ليه محدش فيكم بلغني؟ وأنا كنت جيت وحطيت صوابعي في عنيه، الخسيس أبو عين جوية، دا بدل ما يتكسف على دمه، هو كمان اللي بيبجح وبيشهد الناس علينا بالزور.

زفر وصفي يمسح بكفه على وجهه وشعره بغصة صدئه مررت حلقه:

ـ عرفان بيستغل الفرصة يا حمزة، ما صدق لقى حجة عشان يشبط فيها، عارف إن أختي أهم حاجة عندها سمعتها وبتها، وهو ربط الاتنين في بعض عشان يضغط وما يسبش فرصة للرفض، داهية وعرف يلعبها الله يجازيه بعمله، المسكينة زقت الأرض بدموعها النهاردة بعد ما غار.

صاح حمزة محاولًا كتم صوته عن الصراخ بصعوبة:

وتضعف ليه ولا تديله فرصة أصلاً؟ ما ترفض بقلب جامد واعلى ما في خيله يركبه؟

ـ ويعني هي مكانتش تقدر تنطقها؟ لا والله، تقدر تديله بالبلغة كمان، بس هو كلامه كان واضح، الرفض معناه كلام يزيد ونار تولع كمان، دا غير عمار بتها، اللي مش بعيد يخلي الفتنة تطولها ويطلّجها من جوزها.

تمتم حمزة بسبة وقحة، ليردف وصفي:

ـ ساعة ما اتصلت بيا تسألني، والله ما كنت عارف أرد عليك بإيه، بس في الآخر حسمت إني أرد عليك بصدج. أختي تعبت من كتر المجاوحة، وأنا نفسي تعبت عليها، شكلها ما يطمنش، وأنا احترت أعمل إيه معاها لو... لو وافقت ترجع لعرفان عشان تتقي شره.

ـ والله ما هيحصل، ولو على جطع رجبتي.

هتف بها حمزة، ناهضًا من أمامه بحزم وصرامة، يؤكد عليه قبل أن يغادر:

ـ تاني بقولها لك يا وصفي، والله ما هيحصل، ولو على جطع رجبتي.

مرت عليه الليلة القاسية دون أن يرف له جفن. لا نوم يطوله، ولا راحة تأتي في البعد عنها. ظل على حاله في تفكير مضنٍ حتى أشرق نور الصباح، فعاود الاتصال بوصفي الذي لم يتوقف عن إزعاجه منذ الأمس، يطمئن ويسأل، حتى أخبره الآخر بمغادرتها منزله، في طريقها للعودة إلى منزلها.

فوقف خلف نافذة غرفته يراقب ويراقب، حتى جاءت اللحظة ووصلت، وترجلت من سيارة الأجرة.

حينها لم ينتظر إذنًا. ركض خارجًا من منزله قاصدًا منزلها، ليدلف إليه بعد دفع الباب دون استئذان، بوجه متجهم يثير الارتياب في قلب من يراه، فاجفلت هي، ناظرة إليه لحظات بعدم استيعاب، حتى استعادت بأسها وهتفت به:

ـ فيه إيه؟ ف حد يدخل بيوت الناس كده هجم؟ ولا حد جالك إن البيت ده من ورثة أبوك؟

تقدَّم غير آبه بثورتها، واضعًا بصره نصب عينيها، وقال بنبرة يفوح منها الغضب:

ـ عايز أعرف إيه اللي جرى في جلسة الغبرة مع عرفان الزفت؟ إيه اللي خلاكي تطلعي وتحضري أصلًا؟

وكأنه فقد عقله، زاد من تقدمه نحوها مرددًا:

ـ لا، أنا مالي ونص يا مزيونة! الواطي ده بعد اللي عمله ماكانش له التعبير من أساسه، مش تروحي وتجعدي جباله وتسمعي منه!

صرخ في الأخيرة بأنفاس متصاعدة، ينتفض من فرط غضبه واستنكاره:

ـ مرفضتيش عرضه ليه وخلصتي، يا مزيونة؟ بتديله فرصة عشان يتعشم تاني لييييه، يا مزيونة؟!

يصرخ، وكأن الأمر هين عليها، ولا يدري أن قلبها، الذي ذبل من الحزن، لم تعد به إرادة على المقاومة والرفض بقوة كما تريد، أو السماح للضوء الوليد أن يتسلل إليها كي يعيد فيها الحياة من جديد، فيزهر فيها ما يوشك على الموت...

ـ هرجع وأقولهالك من تاني برضه... ده شيء ما يخصكش. عرفان في الأول وفي الآخر يبقى والد بنتي، ودي جلسة كبار، قدم اعتذاره ليا جدامهم، وبعدها ساب في يدي الأمر، ما عرضش عرض.

تتحدث وهي تتهرب بعينيها عنه، لا تجرؤ حتى على مواجهته. يبدو أن اليأس مما يحدث من مؤامرات حولها قد أضعف عزيمتها هذه المرة، ويوشك على هزيمتها... وهو أبدًا لن يسمح بذلك، حتى لو اضطر لإجبارها...

ـ ماشي يا مزيونة، اللي خلاكي توقّري الكبار وتسمعي للمحروس رغم عيبته... يبجى تسمعيلي أنا كمان وتفهمي كويس اللي هقوله، عشان أنا هجيب الناهية واللي مفيش منها رجوع.

ـ نعم الله عليكي، زي ما سمعتي كده، أنا طالبك تتجوزيني أنا. إيه؟ جولت حاجة عيب مثلًا؟ ولا المحروس اللي طالب يردك عايز يحطك عنده أباجورة تنوري البيت؟

وكأنها لم تعِ مطلبه إلا مؤخرًا، برقت عيناها باتساع، تبصره بتساؤل يعصف بها: هل ما وصل لأسماعها كان حقيقة؟ أم هو سوء فهم حلّ بعقلها المشتت بكثرة المصائب التي تحاوطها من كل جانب؟ لكن الإجابة كانت واضحة، وليس بها أي لبس، بتلك النظرة التي يرمقها بها الآن.

ـ إنت اتجننت؟! عايزني أنا أتجوز؟ ومين؟! أتجوزك إنت؟! كييييف؟!

كانت تلك صرخة الاعتراض التي صدرت منها كردّ على ما تفوه به من "تخريف" كما تصنفه، لتواجه بشرار عينيه التي اشتعلت كجمرة من قعر الجحيم:

ـ ومالك بتجوليها كده واكني بكلمك عن حاجة متصحش ولا غريبة؟ ده شرع ربنا يعني، يا ست مزيونة، لا حاجة عيب ولا حرام!

تمتمت بها، لاطمة بكفيها وجنتيها، تواصل رفضها علّها تردع هذا الرجل عن جنونه:

ـ إنت واعي لنفسك؟ عايزني أتجوزك وأنا بتي حبلى، وعلى مولاد مين يعجلها دي؟! طب عرفان لو ردني، أهو برضه في الآخر يبجى أبو بتي، ومحدش هيجيب عليّا لومة، إنما جواز تاني وراجل تاني... كيف؟!

ضاقت عيناه، وبنظرة فهمت مغزاها جيدًا، تحدث يصعقها بجرأته:

ـ الكلام ده خليه لواحدة غيرك، يا مزيونة. واحدة ما عليهاش طمع، وعيون الرجالة مرجباها منين ما تروح، ولا ألسنة الحريم اللي بتألف عنها قصص وحكايات في أي خطوة تخطيها برّا بيتها. ثم كمان، لا أنا كبرت ولا إنتي. أنا راجل ما جفلتش الأربعين، وإنتي حتى التلاتة وتلاتين ماكمّلتيهاش، يبقى إيه اللي يمنع؟

ـ اللي يمنع أناااا! لا ليا نية في جواز، ولا عندي نفس تتحمّل أي راجل، وحتى لو حصل... مش هيبقى إنت!

صرخت بها هذه المرة لتقطع الطريق نحو أي جدال آخر، لتفاجأ بفعله: ضاربًا بقبضته القفص الخشبي المعلّق بجوارها على الحائط الطيني، فيتحطم أسفله، يجفلها وهو يقول بحزم:

ـ طب اسمعي بقى يا مزيونة... آخر الحديت، ملكيش طريق ولا سكة تانية عشان تدخلي البيت عندنا غير بجوازك مني. يا إما بقى هتتحرمي من شوفة بتك، ولا تنتظري لما تقدر وتجيلك برجليها تزورك في البيت الحلو ده. ودي فيها على الأجل سنة! يعني ما ترجعيش تشتكي بعد كده إننا عطّلناها عن تعليمها ولا مرعيناهاش زين في حملها...

قال الأخيرة، وتحركت أقدامه مغادرًا ببساطة كما دلف ببساطة، لتسقط هي بجسدها على الأرض القاسية، تحدث نفسها بانهيار:

ـ يا مرك يا مزيونة... عالنصيبة اللي وجعتي نفسك فيها إنتي وبتك! هلاجيها منين ولا منين بس يا ربي؟! هلاقيها منين؟

يعني ما خلصتش لسه من عرفان، عشان تطلعلي إنت يا حمزة؟! ليه بس؟ ليه بس...

لم يغادر لأقصي من عتبتها. ظل واقفًا خارج المنزل، يستمع لنحيبها بقلب يتمزق، لكنها لم تترك له فرصة.

عقلها المشتت بما يحدث من مؤامرات حولها، والمنغلق على عقدها القديمة، يمنعها من كل تفكير سليم. فحين يُقدِم الإنسان على الانتحار، إن لم يجد يدًا قوية تمنعه، سوف يفعل، ويلقى موته... ولا عزاء للندم بعد ذلك.

فلتكرهه كما تشاء الآن، لقد حسم أمره.

لن يتركها. ولن يتنازل عنها أبدًا.

ولو اضطر للمواجهة والتحدي مع الجميع... حتى معها هي.

رواية لاجلها الفصل الثلاثون

ضاقت بها الحياة وكل شيء، أنهكها التعب والتفكير، حتى وجدت نفسها، فور أن استيقظت من نومها صباحًا بعد ليلة طويلة من السهر والسهاد، تلمّلم أشيائها وتتخذ طريقها إلى الجهة الوحيدة التي تجد فيها راحتها: أن تتلمّس أثر الأحباب بزيارة قبور من رحلوا وتركوها في منتصف الطريق، قبل أن تشتدّ عظامها وتصبح جاهزة للمقاومة.

هو بالقرب من القبر الذي يجمع والدها ووالدتها، كما عاشا على ظهر الحياة معًا، جمعهما الموت أيضًا.

والدتها، التي فقدتها بعد زواجها من عرفان بأربع سنوات تقريبًا، في عزّ ضعفها ومرضها تركتها تصارع الحياة وحدها، طفلة في السابعة عشرة من عمرها، تحمل على يدها طفلة، ينهكها المرض، وزواج لا تحتمله، وزوج لا تطيقه.

ليتحمّل والدها بعدها الذنب وحده، فجاهد حتى وضعها على أرض مستقرة بعض الشيء، قبل أن يتبع زوجته هو الآخر ويرحل بعدها بثلاث سنوات، فتدير دفة مركبها بابنتها وحدها. متزوجة فقط بالاسم لتحمي نفسها من ألسنة البشر وأفعالهم. تكافح للوصول بها إلى مرسى آمن، ولكن طالت المسافة وطال المشوار، ونال منها الأذى النفسي والجسدي، ونفدت طاقتها، تريد الراحة ولا تجدها، وإن داعبها الأمل بشيء جميل، صدمها الواقع بعدها.

أضاء هاتفها فجأة بنغمة خافتة، لوصول رسالة ما إليه. فتحته لترى من المرسل، لتتفاجأ بهذا المتغطرس يبعث لها النص الآتي:

"لولا عارف إن الواد حازم معاكي، ما كنت هسمح أبدًا إنك تروحي القرافة من غيري."

تمتمت بها، لتترك النظر في شاشة الهاتف وتردف بغيظ شديد:

رفعت مزيونة رأسها نحو ابن شقيقها، الذي كان منشغلًا بسقي النباتات المزروعة حول القبر، فنفت له فورًا:

ـ لاه يا حبيبي، منحرمش يا رب... كمل سقيهم يا حازم، خصوصًا الصبارة، ارويها وراعيها زين، حكم دي بتتحمل كتير... كتير جوي.

اهتزاز مكتوم بالقرب من مسامعها، يستمر ويستمر بصورة مزعجة، حتى امتدت يدها تفعل ما اعتادت عليه، فتمر أسفل الوسادة التي تنام عليها، تتناول الهاتف وتضعه على أذنها لتجيب بصوت ناعس وبدون تركيز:

لم يأتيها الرد على الفور، وقد ألجمت الدهشة الطرف الآخر، مجفِلًا بتلك النبرة الأنثوية الغريبة عنه.

سؤاله البسيط أشعل تحفزها المعروف، لترفع رأسها بوعي بدأت تستعيده:

ـ نعم؟ حضرتك بتتصل على حد مش عارفه؟

نبرتها الحادة فقط هي من جعلته يتحقق من هويتها، بعد أن غلبه الظن بأن ذاك الصوت الناعم الناعس الذي وصله عبر الأثير، لواحدة غيرها، فتبسم بتسلية يجيبها:

ـ لا خلاص يا أبلة اعتماد، عرفتك. سامحيني، شكل السواقة شتّت تركيزي.

حسنًا، لقد استعادت وعيها بالكامل الآن، لتعتدل جالسة بجذعها، وقد علمت بهوية محدثها:

ـ خليفة القناوي! نعم يا فندم، في حاجة؟

لم يصلها منه إلا الصمت، مما جعلها تردف، ملطفة بعض الشيء:

ـ حضرتك، أنا بس مستغربة اتصالك بيا، والوقت بدري جوي كده؟

شعرت بضحكة تخللت نبرته، وكأنها قالت مزحة، رغم تقريعها المباشر له:

ـ للمرة التانية، هتأسفلك يا أبلة، بس أنا فعلًا والله مضطر. حضرتك واخدة تليفوني من امبارح، ودا شغلي وحالي ومالي كله عليه...

برقت فجأة تستدرك حماقتها، حين وعت على الهاتف الغريب عنها حتى في ملمسه، تسبّ نفسها بكل الشتائم.

هذا الهاتف الذي غفلت عنه في حقيبتها اليدوية، حتى لم تكتشف وجوده إلا مساءً، حين بحثت بها ليلًا تخرج منها نوتة التذكير، التي تدون بها كل شئ مهم تود القيام به في اليوم التالي، فور أن تضع رأسها على الوسادة كي تنام، لتتفاجأ به.

كم تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها:

ـ حضرتك، أنا ما خدتش بالي إنه في الشنطة أصلًا، غير على الساعة أتنين بالليل لما فتحتها بالصدفة، ساعتها كنت عايزة أتصل، مقدرتش عشان معرفش الباسورد، دا غير إني ماكنش عندي فرصة أبعت حد يوصلهولك على البيت، والساعة كانت داخلة على اتنين الصبح.

ـ خلاص يا أبلة اعتماد، مفيش داعي للتبرير دا كله، حصل خير.

ـ ماشي، بس إنت برضو كان لازم تتصل، يوم بحاله ماتسألش على تليفونك؟

ـ ما أنا اتصلت والله ياجي سبعين مرة، وإنتي برضو ما رديتيش، حتى بصي كده على سجل الهاتف...

ضربت بكفها على جبهتها بخزي شديد، وهي ترى بالفعل صدقه، من العدد المهول للاتصالات علي الشاشة بأرقام عدة، لتغمغم بالسباب مرة أخرى، حتى وصلت إليه همهمة غير مفهومة، فسارع يخفف عنها:

ـ خلاص يا أبلة اعتماد، حصل خير زي ما بجولك، أنا كمان كان لازم أبعت حد ياخده، بس الحقيقة إني من امبارح برا البلد، كل اللي طالبه منك دلوك تبعتيلي ملف من عندك محتاجه جدًا.

توترها الشديد جعلها ترد بفظاظة وكأنها تهاجمه:

ـ ملف إيه بالظبط؟ ما سمعتش توي بجولك إيه؟ أنا معرفش كلمة السر بتاعة حضرتك عشان أفتحه.

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، يا ستي عارف والله عارف... اكتبي عندك وأنا همليكي.

أغمضت عينيها تجاهد السيطرة على تشنجها وعصبيتها، علّها تحجم قليلًا من كم الغباء الذي يتساقط منها دون حساب، فتتمالك وتردف باستجابة إلى الرجل الذي يخجلها بلطفه وصبره:

حين انتهت أخيرًا من مهمتها بإنهاء المكالمة بعد إرسال الملف الذي عرفها عليه، لم تستطع منع نفسها من المرور سريعًا على صوره الشخصية...

بالجلباب، ومع أطفاله، وبين إخوته، وبملابس عصرية أنيقة لا يرتديها إلا نادرًا.

قد يكون أجمل من شقيقيه الآخرَين، ولكنه بعيد عن الأضواء، لا يظهر في الصورة مثلهم، رغم هدوئه وكرم أخلاقه.

ـ أستغفر الله العظيم يا رب، أنا إيه اللي بعمله ده؟

ألقت الهاتف من يدها بندم، وضعته جانبها على الوسادة، تعيد الاستغفار مرارًا وتكرارًا، مقررة ألا يدفعها الفضول إلى فتحه مرة أخرى.

ولكنها، وما همّت بأن تنهض من فراشها، حتى أضاءت شاشته بدوي اتصال وارد، مما جعلها تتأفف بضجر، تتناوله وتجيب بحدة:

جزعت اعتماد برعب، تبعده عن أذنها بعد أن وصلها الصوت الأنثوي بالسؤال، واضعة كفها الحرة على فمها.

بماذا سترد؟ وهي الأعلم أن الإجابة ستجرّ بعدها مئات الأسئلة، فهذه هالة التي تعلمها جيدًا، وتعرفها بصلافتها وغرورها.

ـ أنا بقول مين معايا؟ ما تردي، يا اللي ماسكة التليفون...

لم تدعها تكمل، وقد أنهت المكالمة بضغطة من إصبعها، لتغلقه نهائيًا بعدها، تاركة تفسير الأمر لزوجها بعد ذلك، فهي رغم حدتها وشجارها مع الجميع، إلا أنها ليست ندًا لهالة ولا لكلماتها الجارحة.

زفرت، تترك الفراش، كي ترى شؤونها، فتذكرت فجأة، أنه في جميع الصور التي مرّت عليها، لم تجد لها على هاتفه ولو صورة واحدة فقط، ولاحتى مع أطفالها أو معه... عجبًا حقًا.

وفي منزلها، كانت تضغط على الهاتف بغلّ حتى تكاد أن تكسره.

أسئلة تدور في عقلها دون هوادة، الصوت الأنثوي الذي سمعته، لا يشبه نبرة أي واحدة من شقيقاته أو بناتهن حتى.

إذًا، من تكون التي تجيب عن هاتف زوجها بتلك الأريحية؟ وهي التي قررت وتنازلت اليوم كي تتصل به وتسوي أمرها معه حتى يأتي ويعيدها إلى منزلها!

لقد وصل بها التواضع أنها كانت مُقدِمة على الصلح معه، لتجد هاتفه الآن مع امرأة غيرها!

أبدًا، لن تسكت على هذا الأمر، ولا بد لها من وقفة كي تفضحه، وربما تأتي بحقها منه حتى تعود إلى المنزل مرفوعة الرأس.

أضاءت الفكرة في عقلها، مقررة الذهاب على الفور، لتنهض مغمغمة بحديث نفسها:

ـ بتلعب بديلك من ورايا يا خليفة؟ استنى عليّا، دا أنا هطين عيشتك!.

توقفت فجأة وقد ارتخت معالمها، بعد أن استقرت على الشخص الذي ستذهب إليه الآن لتُلقي إليه بالشكوى حتى يأتي بحقها. ومن غيره يصلح لتلك المهمة؟

في طريق عودتها من زيارة قبر والديها، افترقت مع ابن شقيقها، فقد ذهب هو للقاء أحد أصدقائه، واتخذت هي طريقها للعودة إلى منزلها، تمرّ بالطريق الزراعي حتى تصل إليه.

كانت منهمكة في أفكارها كالعادة، حتى ظهر لها هذا الفاسد من وسط محصول الذرة وعيدانه الكبيرة، التي تغطي بطولها أي شخص داخله‍ا؛ فتصلح عادة كمخبأ جيد لأمثال من هم على شاكلته.

ــ إزيك يا ست الحريم في الدنيا دي كلها؟

ارتدت قدماها للخلف بخوف غريزي، تطالع هذا الوجه الكريه مغمغمة بعدم استيعاب:

ــ عطوة! إنت اتجننت يا جزين؟ عشان تطب عليا كده وتجطع على طريجي؟

ابتلع رمقه، يطوف عليها بنظرة فاحصة أثارت القشعريرة بجسدها، قبل أن يجيبها:

ــ سامحيني لو خلعتك، أنا بس كنت معدّي بالصدفة عند جماعة معارفي هنا، واتفاجأت لما لقيتك جدامي وأنا طالع من الزرعة.

شعرت بالخوف، نعم، تشعر بالخوف، ولِمَ لا؟ فالمرأة، مهما بلغت قوتها، لا تضمن الغدر الذي قد يأتي فجأة من صنف البشر أمثال هذا الكريه، ممّن لا يعرفون العيب، ولا يراعون الحلال أو الحرام، إلا من رحم ربي.

ومع ذلك، لن تُظهر له أبدًا ما يكتسحها من الداخل:

ــ صدفة ولا مش صدفة، برضك مش حقك تخلعني ولا تكلمني أصلاً بعد عملتك السودة، ولا لحقِت الراحة والنضافة ينسوك عفانة السجن؟

اشتدت ملامحه، واختفى عنها التملق الزائف، ليرد عليها بغضب مكتوم:

ــ أنسى إزاي بجى وأنا اتحبست ظلم؟ وقبلها رجلي كانت هتروح مني بسبب طلقتك، وأنا ربي العالم، إني شلت الذنب مظلوم. هو المحامي مشرحّش جدامك حيثيات حكم المحكمة؟ دا عرفان بنفسه شهد معايا.

استقامت تواجهه بقوة، واضعة عينيها نصب عينيه:

ــ مايهمنيش أعرف إنت أقنعتُه إزاي يشهد معاك في اللعبة الماسخة دي، عن حكاية الحرامي اللي طلع على بيتي، وإنت كنت عايز تمسكه.

جايز يكون عرفان بلع القصة، مع إني أشك، بس أنا عارفة نفسي زين، ومتأكدة من كلامي، لو كل الدنيا اقتنعت ببراءتك، أنا لا يمكن أقتنع يا عطوة، عشان عارفاك زين... زين جوي. وسّع بجى من طريقي، خليني أروح على بيتي.

تركها تذهب بالفعل، لكنه أوقفها بعد خطوتين فقط، بقوله:

ــ مدام عارفاني زين، يبجى واصلك اللي جوايا يا مزيونة. ارحمي حالك، وبلاها الرجوع لعرفان الزفت، أو العشم في واد القناوي. اتجوزيني، وأنا أخليكي برنسيسة، جرّبي تفتحي جلبك وتشوفيني زين. أنا مستعد أعمل المستحيل عشانك، أنا رايدك من زمان جوي. اللي زيك حقها تتستت، مش تدفن مع عرفان الجبلة، ولا واد القناوي اللي عمره ما هيشوفك غير إنك أقل منه.

اكتفت بما سمعته، وبدون أن تلتفت إليه أو ترد، تابعت طريقها بأقدام تكاد لا تستطيع حملها. جسدها ينتفض ذعرًا وانفعالًا، تجتاحها مشاعر الغضب والخوف أيضًا.

هذا الثعبان، بكلماته، أثبت صحة ظنها، لقد فعلها وحاول التهجم على المنزل وابنتها معها. ما الذي يمنعه أن يعيدها الآن، وبحرص أكبر، دون أن يكرر أخطاء المرة الأولى؟ وربما يتمكن من إيذاء ابن شقيقها؟

ما الذي سيمنعه وهو لا يخشى العيب أو الحرام؟

كانت قد وصلت إلى خلف منزلها، تتأمل ذلك الجزء المكشوف الذي تمكن من تسلق جدرانه ليقفز إلى الداخل.

لقد كان الله رحيمًا بها حين أيقظها في تلك اللحظة الحاسمة، لتحمي ابنتها ونفسها قبل أن يتمكن من خرق الباب الفاصل والوصول إلي الجزء الذي كانت تنام فيه هي وإبنتها،

كم تمنت لو أن الرصاصة التي اطلقتها قد أستقرت في قلبه فعلاً، كي تستريح منه البشرية ومن أمثاله.

تطلعت جيدًا في الخلاء الممتد حتى الجسر الخلفي، لا يوجد سوى نباتات برّية نشأت بفعل الأمطار.

اللعنة! كيف لو أتى منه الآن، وفي وضح النهار، وابن شقيقها غير موجود؟ لربما...

شهقت صارخة، تقطع سيل أفكارها السوداوية، خلف الصوت الرجولي الذي أتاها من حيث لا تدري، وقد اختل توازنها حتى كادت أن تقع، لولا ذراعان قويان تلقفاها، لتسقط على صدره، فتثير بقلبه الهلع:

ــ مزيونة، أنا ما عملتش حاجة عشان تتخلعي كده؟

تطلعت إليه من بين أهدابها التي كانت ترتخي، تتمتم باسمه المحبب إليها، وكأنها لا تصدق رؤيته بعد تلك اللحظات القاسية من الضغط والأفكار الوحشية.

لتجد نفسها بين يديه، فتسلّم أمرها بأمان تام، ثم تغيب عن وعيها تمامًا.

ــ أيوه، أنا حمزة... إنتِ مالك يا مزيونة؟ مزيونة...

صار يهزها برعب، وقد ارتخى جسدها تمامًا، لا يدري ماذا يفعل، وكيف يفيقها؟ المنطقة خالية، ولا يوجد بها أحد ليستنجد به.

أيلقيها بجوار الحائط ويذهب إلى الجسر كي يستجلب إحدى النساء من السيارات المارة؟!

لا والله، لن ينتظر مساعدة من أحد.

عزم أمره على عجالة، ليدنو بذراعه إلى أسفل ركبتيها، ويحملها بين يديه، ثم سار بها من الخلف حتى وصل إلى شجرة التين في الجزء المقابل لمنزله.

وضعها على المصطبة الطينية، بجلسة مائلة، وقد أراح رأسها إلى الحائط، وجلس بجوارها يسندها بذراع، والأخرى يحاول بها إفاقتها، يربّت على وجنتها وكفها:

ــ مزيونة، مزيونة، فوجي يا مزيونة...

حين استجابت أخيرًا، ترفرف بأهدابها، شعر بالأكسجين يدخل إلى رئتيه، بعد لحظات من الانقباض والترقّب، حتى ارتفع ستار أجفانها ليكشف عن عينيها الجميلتين التي اصطدمت بوجهه أمامها، وكأنها أصبحت عادة.

تحمحم هو ليُبعد ذراعيه عنها، بعد الارتياح الذي غمره برؤيتها:

عاد إليها الإدراك، تعي جيدًا وضعها وقربه منها، الأمر الذي أطلق شرارات الإنذار برأسها، فتتحامل كي تسيطر على ترنحها قليلًا، مغمغمة:

ــ مفيش حاجة حصلت، أنا بس عايزة أدخل بيتي وأرتاح.

ــ طب أُسندك لحد ما توصلي لباب بيتك؟

اعترضت، تتخذ طريقها إلى منزلها، بخطوات تجعلها متزنة بصعوبة، وظل هو يتابعها بقلب غير مطمئن حتى اختفت من أمامه داخل مخبئها.

شعر بحاجته إلى الاتصال بأحد ما، قبل أن يذهب لمتابعة شؤونه ويغادر:

ــ أيوه يا وصفي، كنت عايز أبلغك بكلمتين.

كان قد وصل إلى سيارته، يدلف داخلها، ويُكمل الحديث أثناء ذهابه، غافلًا عن نفس حاقدة اعتادت أن تحيك الشرّ من وراء ستار، وكان هاتفها سلاحها الأقذر."

كانت مختبئة خلف الأشجار الآن، وقد التقطت بهاتفها ما يجعل منه في نظرها كنزًا.

وقد ساعدها الحظّ والصدفة أن تأتي في هذا الوقت وكأن الشيطان بنفسه ساقها إلى هذا المكان، في تلك اللحظة، لتلتقط بعينيها ما سيتحوّل لاحقًا إلى أداة ابتزاز دنيئة."

، لترى بعينيها المشهد "الحميمي الغرامي"... كما صوّر لها عقلها الخبيث، الذي لا يرى إلا الفضائح حتى في أنقى المواقف."

.................................

أول مرة يزورها بعد تعبها الأخير، وتعليمات الأطباء لها بالالتزام بالفراش حتى يثبت حملها. أول مرة تكون المسافة بينه وبينها بهذا الشكل في شقتها الزوجية، والتي يزورها للمرة الأولى هو أيضًا. جلس بالقرب من سريرها، يتحدث محاولًا إقناعها:

ــ خليكِ ناصحة وافهمي أنا بوعيّك على إيه؟ البنت، مهما كانت غلاوتها عند جوزها برضك، لازم يكون في ضهرها سند تتّكل عليه، ويعمل له هو ألف حساب، عشان ما يفكرش في يوم يتعدّى عليها ولا يبهدلها. الكلام اللي داير في البلد يضرك قبل ما يضرها. أمّك باصة تحت رجليها ومش شايفة، لكن أنا مفتح لجدام، وعايز ألمّ الشمل ما بينّا، عشان محدّش بعد كده يجيب سيرتها. الكلام لو اتوسّع هيجي عليكي وعلى جوازتك... ولا إنتِ مش واخدة بالك؟

تركته يتكلم كما يشاء، ثم صدمته بردها المرتب:

ــ بس أنا أمي مش عليها حاجة... مزيونة الحرة الكل يعرفها، وجوزي وناس جوزي أول ناس يشهدوا على كده. بوز الأخص اللي طلّعت الكلام ده، اديتها على وشّها، ولو زوّدت أكتر، كنت خلّصت عليها كمان.

ــ وكانت النتيجة إيه يا جلوعة؟ أديكي اتسطّحتي على سريرك، لا جادرة تروحي مدرستك ولا تكمّلي تعليمك... عشان تجيبي الشهادة اللي أمك اتطلقت بسببها!

ردّت بضعف وقد ترقْرقت عيناها بالدموع:

ــ كل اللي حصل كان غصب عني... أنا برضك لسه على العهد، ولا عمري هخذلها، ولا أضيّع تعبها معايا على الفاضي.

زفر بخفوت، يزيح بصره عنها قليلًا حتى يستجمع أفكاره مع بنت أمها، والتي قد يأتي منها الفرج؛ فهي مفتاحها في الأول والآخر:

ــ وأنا ما جصديش أعايرك ولا أعايرها... افهمي بجى. أنا عارف إني غلطت كتير في حجكم، بس دلوك عقلت وعايز أصلّح. هعمل لها كل اللي هي عايزاه، حتى لو هتكمل لحد الجامعة زيّك. وانتي كمان، متشيليش هم.

لو – لا قدّر الله – جوزك رجع في كلامه بعد كده، ولا حصل ما بينكم انف...

هتفت بها بحدة تقاطعه قبل أن يكمل، تنفضّ عن رأسها الفكرة من الأساس، فاستغلّ هو يوجه تلك النقطة لصالحه:

ــ جدعة يا قلب أبوكي... المرة الأصلية هي اللي تخاف على عمار بيتها مع جوزها.

بس أنا حابب أنبّهك على حاجة انتي مش واخدة بالك منها، ويمكن فرحانة بيها كمان.

أخو جوزك اللي انتي مسمّياه عمّك "حمزة"، لو حصل وحب يأكد الإشاعات وعرَض إنه يتجوز أمك... اعملي حسابك إن انتي أول واحدة هتتضرّ مع جوزها.

أنا مش بتكلم كلام في الهوا... عشان كده بقولك اقنعيها. نلمّ الشمل، وتعيشي إنتي هنا ما بينهم وراسِك مرفوع.

دخل إليها "معاذ" بعد أن انتهت أخيرًا من تلك الزيارة الثقيلة، بمغادرة ذلك الرجل. وقد تكفّل هو بتوصيله حتى الباب الخارجي.

مهما كانت العداوة والكره المتبادل مع هذا الرجل، إلا أنهم مضطرون للترحيب به من أجلها، كي لا تشعر باليُتم بينهم ووالدها لا يزال على قيد الحياة، حتى وإن كان كريهًا أو بغيضًا.

جلس بجوارها على الفراش، يضمّها مداعبًا بعد أن لاحظ شرودها:

قبّلته على وجنته بابتسامة ضعيفة، ذهب عنها صفاؤها وعفويتها، وهو ما انتبه له سريعًا "معاذ"، فاعتدل بجلسته، يقابل عينيها المتهربتين منه:

ــ الراجل ده بخ في ودنك وقالك إيه بالضبط؟

ارتفع كتفاها وهبطا سريعًا، قائلة:

ــ عادي يعني... حديت زي أي حديت.

لم يكن لديه صبر لمراوغتها، وهي ككتاب مفتوح، يحفظها أكثر من نفسه، ليهتف بها حازمًا:

ــ ليلى، حطّي عينك في عيني وجولي... نفخ في ودنك وجالك إيه بالضبط؟

ــ عايزني أقنع أمي إنها ترجعله، وبيحذرني إن الكلام عن أمّي وعمّ حمزة هيوسع أكتر وأكتر كل ما رجليها عتبت هنا...

زفر "معاذ" بغضب متعاظم... ذلك الرجل المتلوّن، يلوي كل الأحداث لصالحه، حتى لو اضطر لجرح أقرب ما لديه:

إحنا عارفين كل حاجة، وهي مسألة وجت إن شاء الله... وكلّه يتحل.

لم ينتبه لنبرة الارتياب في حديثها، وقد أخذه الحماس في الرد عليها:

ــ بقولك مسألة وجت يا ليلى، حمزة أخويا كلم أمي امبارح، وبلغها إنه اتقدّم لخالك وصفي، وخد موافقته كمان، واللي ناقص دلوك بس... موافقتها. ربنا يهديها بجى وتردّ بسرعة. حُكم إني عارف أخوي زين، مش هيسيبها غير لما تقول "آمين... آمين".

أومأت تُدعي تفهمًا، ولكن عقلها الذي زُرع فيه الشك، بدأ من الآن تعصف به الأفكار والهواجس.

...............................

عاد مساءً إلى منزله، بعد يوم مرهق قضاه في تسوية أعماله والتفكير في المعضلة التي تقسم رأسه، تلك العنيدة التي احتلّت قلبه وعقله، ولا يدري منها نجاة إلا بالزواج. مهما هربت منه وتحدّته، لن تهزمه.

زفر، وهو يُلقي بمفاتيح سيارته على الطاولة الزجاجية التي تتوسط الغرفة، ثم ذهب نحو الشرفة، يخطف نظرة أخيرة نحو منزلها في الخارج على أمل أن يراها ولو صدفة، لكن لم يحدث. هكذا كلما حدثت مواجهة بينهما، تعاقبه بالاختفاء داخل منزلها.

اللعنة... سوف يكسر كل باب يمنعه عنها إن حدث وفعلتها بعد الزواج.

لكن لا بأس الآن، إن كانت هي متخفية عنه حاليًا، فهو أيضًا لا يُغلَب. تحرك خطوتين ليقوم بتشغيل الشاشة المتصلة بالكاميرات التي زرعها في زوايا المنزل الهامة بالخارج، حتى لا يغفل عنه ولو أثر قطة، إن كانت قد مرّت بالقرب من منزله أو منزلها.

سقط بجسده على الأريكة الوَثيرة، يُشغّل التلفاز بالمتحكم، ليعود باللقطات إلى بداية اليوم، منذ خروجها صباحًا بصحبة ابن شقيقها، ثم عودتها والتفافها عند مدخل المنزل لتتسمّر بالنظر نحو الجدار الخلفي... لسبب غير معروف. ثم انتبه هو لطيفها وقت خروجه من منزله، فتحركت قدماه لا إراديًا إليها، وحدث ما حدث حين فقدت الوعي بين يديه.

كان منتبهًا بشدة لكل تفاصيل المشهد الواقعي الذي سجلته الكاميرا أمامه، حتى لم ينتبه إلا مؤخرًا إلى تلك المرأة التي كانت متخفية خلف إحدى الشجيرات، رافعة هاتفها نحوهم... وتُصوّرهم!

انتفض مستقيمًا، يُعيد المشهد من بدايته حتى تبين له، وبكل وضوح، هوية المرأة التي كان قد شَكّ فيها من البداية، لكنه كان يريد التأكد:

وقفت تُقابله بدهشة، بعد مجيئه فجأة في هذا الوقت المتأخر من الليل. استُقبل بترحاب شديد من والديها، وقد أخذهما العشم في مغزى الزيارة المفاجئة، حتى إنه حين طلب الانفراد بالجلسة معها، هرول الاثنان يتركان له المجال كاملًا، من أجل صُلح ابنتهما على زوجها.

طال صمته في التحديق بها، الأمر الذي جعلها تبادره الهجوم:

ــ اتكلم يا واض عمي... جُول اللي إنت جاي تِجُوله. بس خد بالك، عشان أخوك اللي كان عامل نفسه معاه الحق، دلوك أنا اللي مش عايزاه. خليه يلعب ويِمشي مع الحريم على كيفه... شكله كان في جرّة وطلع لبرا!

وكأنه لم يسمع شيئًا، تجاهل كل حديثها، ووجّه إليها الأمر المباشر:

ــ هاتي التليفون بتاعك يا هالة.

ــ تليفون مين؟ تليفوني أنا؟ مالك بتليفوني؟

امتدت كف يده نحوها مفتوحة، يُكرر أمره بحزم:

ــ بجولك هاتي التليفون حالًا، يا إمّا مش هيحصل طيّب، وانتي اللي هتندمي ندم عمرك بعدها.

سمعت الكلمة الأخيرة، لتفور الدماء في رأسها، تاركة العنان للسانها الطويل:

ــ أندم ندم عمري؟ ليه إن شاء الله يا واض عمي؟ راكباني العِيبة ولا بعمل الغلط؟ إنت جاي النهارده على إيه بالضبط؟

زفر وهو يُحاول التحكم في غضبه من تلك المستفزة، ودون أن يتفوه بحرف، رفع شاشة هاتفه أمامها، لتُشاهد تسجيل الكاميرا لها عند منزله.

فابتلعت ريقها بقلق اكتسح ملامحها، لكن سرعان ما استعادت شراستها، ترد بتبجح:

ــ آه... قول كده بجى! جاي تتنفض وعايز تاخد الصور من تليفوني لتوصل لحد غريب وينشرها؟ وتتأكد الفضيحة والكلام اللي عليكم؟ فعلاً... حاجة تِكسِف وتجيب العار. ده قليل إن ما خدتْلها طَلجة تغور فيها!

كم ودّ أن يتناول لسانها ويقطعه، أو أن يُنظفه بماء نار حتى يُطهّره من نجاسة ما تتلفظ به. لكن لا بأس... هو ليس بقليل الحيلة أمام شخصية مثلها، ولا أمام كل نفس خبيثة تتجرأ على ما يخصه.

ــ مش هرد على كل الهَلْفَطة اللي هَلْفَطتي بيها، ولا على الزفارة اللي بتنقط من لسانك... بس هرد بحاجة واحدة:

لو عندك الجُرأة يا هالة إنك تحتفظي بواحدة من الصور دي على تليفونك بعد ما أنا كشفتك... اعمليها.

اللي على تليفونك دلوك دليل إدانة كامل عليكي، بكل النصايب اللي عملتيها... من أول "روان" اللي سَلّطتيها ومليتي دماغها عشان تعمل فضيحة!

تخيلي رد فعل جوزك لما يمسك الدليل ده في يده، بصور الكاميرا ليكي بالكامل... وهو أصلًا على شعرة عشان يطلّقك، بعد ما فاض بيه منك ومن عمايلك. ولا أبوكي يا هالة؟ أكيد إنتي عارفة زين جوي اللي مستنيكي منه لو حصلت واطلقتي بسبب عمايلك اللي تِكسِف!

شحبت ملامحها فجأة، وهي تستوعب مغزى تهديده.

دار رأسها وقد طرق بمطرقته على أكبر مخاوفها... كيف لشيء مخزي كهذا سجلته كاميرا تليفونها أن يُصبح دليلاً ضدها، لا عليه هو وتلك "المزيونة"!

وهي التي كانت تُمنّي نفسها بالحصول على أكبر استفادة، حتى شطح خيالها لابتزاز "مزيونة" وطردها من المنزل!

وكأنه كان يقرأ ما يدور في رأسها، فأردف ليزيد من هزائمها:

ــ عيبك إنك فاكرة الناس مش فاهماكي، مع إنك مكشوفة جدام الكل...

هاتِ التليفون عشان نفسي جفلت منك... هاتي التليفون قبل ما أتهوّر وأنادي على أبوكي وأشهده... أنا مش بعمل حاجة غلط عشان أخاف منها!

وقد استيقظ أبكر من اي يوم مضى، وبنشاط فاق عادته، بعدما اكتفى بسويعات قليلة أراح فيها جسده المنهك، وهدّأ بها رأسه المثقل بالتفكير.

ورغم صعوبة ما مرّ به مساءً، فإن النهاية كانت مُرضية له، ولو قليلًا.

تخفّى خلف ستار النافذة منذ أكثر من ساعة، يرقبها في انتظار أن تطلّ، حتى ظهرت أخيرًا، تحمل أغطية السرير لتقوم بنشرها في الشمس، كعادتها اليومية.

لم ينتظر لحظة أخرى، وهرول سريعًا نحو الخارج، عازمًا على اللحاق بها قبل أن تختفي من أمامه كما تفعل دائمًا.

هذه المرة، أقسم أن يوقع "قتيلًا" إن حدث وفعلتها!

وصل بخطوات متعجلة، ليجدها على وشك الانتهاء من نشر المفرش الأخير.

تقدّم نحوها بخفة، متعمدًا ألّا يلفت انتباهها، حتى إذا التفتت... فوجئت به واقفًا أمامها، يبتسم.

ابتسامة أشرقت على ملامحه الخشنة، بوسامة تميّزه عن الجميع.

ظهرت علي وجهها الجميل مظاهر التعب وقلة النوم بوضوح، وفي ردّها الفاتر، وقبل أن تهمّ بالهروب كعادتها:

تفوهت بها ثم همت بالانصراف من أمامه دون استئذان، فكادت أن تمر، ولكنه اعترض طريقها، يوقفها:

رفعت بصرها إليه بضجر، تجيبه برفض:

ــ وأنا مش عايزة يا حمزة، عشان عارفة اللي هتتكلم فيه. سيبني أروّح أريح جسمي الله يرضى عنك، تعبانة ومفياش حيل للتّ والعجن.

وكأنه لم يسمع شيئًا، ظلّ واقفًا كحائط يمنعها من المرور، يتأملها بصمت، مستمتعًا بمشاكستها.

وحين نفذ صبرها، عزمت على الإفلات منه بأي طريقة،

تحركت قدمها خطوة يمينًا، ولكنها وجدته يقلدها من جهته،

رمقته بغيظٍ كامن لتغير هذه المرة يسارًا، فتبعها أيضًا، مانعًا عنها أي فرصة لتخطيه،

لتزفر وتحدّجه بضجر، تنفخ من فمها كالأطفال، هادرة به:

ــ ابعد من جدامي يا حمزة، وبلاها عمايل العيال دي! لا أنا صغيرة ولا إنت صغير على الكلام ده.

ــ والله عايزة تكبّري نفسك؟ إنتي حرّة، إنما أنا راجل بعقل صغير، وهعيش طول عمري صغير.

ازدادت عيناها اتساعًا، تطالعه بغضب اختلط بدهشتها.

لا تصدق تلك الأفعال الصبيانية التي يقوم بها، هذا الرجل الذي تُرفع له هامات الرجال احترامًا، يشاكسها وكأنه طفل في السابعة!

ــ ممكن أفهم إنت عايز إيه في الآخر؟ جُول كلمتينك وخلّصني!

أومأ بانتصار وقد وصل لمبتغاه، ليخرج من بنطاله الهاتف، يرفعه أمام عينيها، موجّهًا بصرها نحو الشاشة، قائلًا:

ــ من غير رغي ولا رَط كتير، أنا عايزك بس تبصي هنا، عشان تعرفي إن موضوعنا كده خلصان، ومن غير تفكير.

لم تنهِ جملتها بعد، حتى انتفضت بجزع نحو ما تراه أمامها، هاتفه بما يشبه الصرخة:

ــ يا مري... دي صورتي؟ ولا... ولا صورة واحدة غيري إنت شايلها؟

وكأنها كانت تنتظر منه نفيًا، ولو بالكذب، علّه يخفف عنها وطأة ما تشعر به.

ــ إنتي عايزاني أكدب عليكي يا مزيونة؟ دي صورتك طبعًا، وأنا شايلك وإنتي مغميّ عليكي،

ناس وِلاد حلال شافوني وشافوكي، ما رضيوش يعدّوا الأمر كده من غير ما ياخدوا اللقطة،

بس الحمد لله، أنا دريت بسرعة وعرفت أتصرف معاهم وأخرسهم، بعد ما خدت الصور.

هكذا، وبدون أدنى مراعاة لحيائها، أخبرها بما جعل الدماء تفور برأسها.

الوغد يتحدث ببساطة، وكأنه يُدلي بأخبار الطقس، وليس عن أمر جلل كهذا!

لتنفض عنها الذهول، ويحلّ عليها غضب متفاقم، جعلها تدفعه بقبضتها على صدره، صائحة به:

ــ إنت السبب! إنت السبب في كل اللي حاصل! عاجبك كده منظري؟ ولا منظرك جدامهم اللي بتجول عليهم دول؟

كنت بتشيلني ليه؟ بتشيلني ليه بس وتجيبلي الكلام والحديت؟

أجفل من رد فعلها العنيف، والذيذ أيضًا، حتى كاد أن يضحك لشراستها التي يشهدها لأول مرة.

ففاجأها هو بالقبض على رسغها يمنعها من الاستمرار في ضربه، متحدثًا:

ــ عيب عليكي يا مزيونة، أنا راجل كبير ناسي، وعمايلك دي أنا مش صغير عليها.

ده غير إن لما شيلتك كان ليّا سبب قوي، وهو إني أفوّجك بعد ما غِميتي وفقدتي وعيك.

كنتي عايزاني أسيبك لحد ما تروحي عن الدنيا خالص يعني؟ ما تميّزي بجى يا ست إنتي، وقدّري إن نيتي كانت سليمة.

ــ ياريتــك كنت سيبتني! أموت ولا أغور في داهية حتى!

مش أحسن من الكلام والحديت دلوك؟ ولا هي الدنيا صفصفت يعني، ومبقاش فيها غيرك تفوقني؟

ما كنت اتصلت بالدكتور، ولا جيبت أي مرّة معدية من على الجسر اللي ورانا!

لازم تعمل فيها عم الشهم؟... إنت إيه اللي كان سكنك جنبي بس؟ إيه اللي كان سكنك جنبي؟!

تركها تفرغ غضبها في الصياح والصراخ عليه، ليردّد بنبرة ماكرة:

ــ النصيب... النصيب هو اللي سكني جنبك يا مزيونة.

صاحت بها، وقد بلغ منها التعب مبلغه، لتسقط جالسة على المصطبة الطينية من خلفها، مردفة بألم يعتري قلبها:

ــ ليه يا حمزة بتعمل معايا كده؟ ضاقت عليك الدنيا؟ ملجتش غيري؟

لو بِتّ سبعتاشر هترضى بيك، لو ملكة جمال هترضى بيك،

لو حتى دكتورة ف الجامعة برضه هترضى بيك، عشان إنت كامل من كله!

إنما أنا؟ تبصلي ليه؟ لا أنا واخدة التعليم العالي زيك، ولا عندي الأصل والمال اللي يليق بيك...

توقفت برهة، ثم أكملت بما شطر قلبه لنصفين، تشير بسبابتها على وجهها، ودموع القهر تغرق وجنتيها:

ــ لتكون اتغرّيت بشوية الحلاوة اللي شايفهم جدامك؟

أنا صورة بس، لكن من جوا... فاضية!

لا أعرف أسعد راجل، ولا أقدر أخلّف عيل تاني، بعد ليلى، اللي جيبتها بطلوع الروح!

معدتش فيا حيل أعيد سنين المرار من تاني يا حمزة!

ولو ليا خاطر عندك... ابعد عني، وشوف غيري، الله يخليك!

سقط هو على الأرض، جاثيًا على ركبتيه عند قدميها، بقلب تمزق حزنًا عليها، حتى سقطت دمعة من عينيه تضامنًا معها:

ــ إنتي ملكة على كل الحريم، مش على قلب حمزة وبس!

مين اللي حط في مخك النقص وانتي كاملة من كله؟

تلزمني في إيه بِتّ سبعتاشر عشان أفضلها عليكي؟

جيبيلي واحدة في الدنيا... عقلها يساوي عقلك!

ولو ع الجمال... فدي آخر حاجة يختار على أساسها القلب!

أنا قلبي اختارك يا مزيونة، سواء كنتي حلوة أو وحشة... سواء هتخلّفي أو متخلّفيش.

ولو كنتي ناقصة من كله، برضه... راضي بيكي!

من المفترض أن ترطّب كلماته قلبها الملتاع، لكن عقلها ما زال يرفض... أو بالأصح: هو يحتاج مزيدًا من التأكيد.

ـ إنت عبيط يا حمزة؟ بجولك منفعش، منفعش! أجيبها بالمفتشر عشان تفهم؟

لو حصل واتجوزتك، انسَ إنك تتهنّى زي باقي الرجالة.

تنهد بعمق، يؤكد لها بإصرار واستماتة:

ـ رااضي يا مزيونة... اعتبريني عبيط، اعتبريني أي حاجة، برضو راضي.

استغرق لحظة، لحظتين، حتى استوعب... يتساءل بعدم تصديق:

ـ معنى كده إنك وافجتي يا مزيونة؟

صمتت، تطالعه بخجل وتردد، لا تعلم كيف صدرت منها أصلًا...

ليتيقن أكثر من صمتها، فيردف بصوت أكثر لهفة:

ـ مزيونة! ردي عليّا، الله يرضى عنك... انتي وافقتي صح؟ انتي وافقتي؟

لم تصمد أكثر من ذلك، لتدفعه بيدها ناهضة عن جلستها أمامه، قائلة:

ـ واحد غاوي شقى! أعملك إيه؟ اللي بيشيل قربة مخرومة بتخرّ عليه!

جُلتلك إني منفعش! يعني اعتبر نفسك متجوز واحد صاحبك، ولا مش متجوز من أساسه... بلا وجع قلب!

صاحت بحدّة، تناقض تمامًا هيبة الموقف والرومانسية اللي كانت تلوح في الأفق من دقائق:

ـ جَبَلْت، جَبَلْت! واتحمّل بجى، عشان إنت اللي جيبته لنفسك!

تعلّقت أبصاره تتبعها بذهول، وقد انثنت أقدامه أسفله...

يخشى أن يكون حلمًا. يريد أن يرقص، يريد أن يصرخ بها أمام العالم:

نطقتها المجنونة... تضيف عليها لمستها، تقصد تعكّير مزاجه، أو أن تجعله يتراجع،

بعد ما سمع منها الإجابة، أصبح الأمر تأكيد ومؤكّد به... بل وكل التأكيدات!

يحاول السيطرة على رجفة قلبه، يعيد كلماتها بذهنه حتى وصل إلى تلك الجملة الطريفة...

يغمغم معقّبًا عليها بمكر ضاحكا:

ـ وااحد صاحبي يا مزيونة؟ والله إنك غلبانة جو

رواية لاجلها الفصل الواحد والثلاثون

من أحب بصدق، لا يخون... ولا يهمل.

ودعه يتسلل بهدوء إلى شقوق روحك،

يداوي الجراح التي توهمت أنها لا تلتئم.

يرمّمك، ويجبر كسرك دون أن يسأل.

لا تدفن الحب في مقبرة الماضي والحذر،

وليس كل من اقترب... يشبه من رحل.

الخاطرة الروعة والمراجعة من الرائعة الغالية/ سنا الفردوس

تنظر إلى الخارج من خلف الستار الأبيض للغرفة التي أصبحت تسكنها مؤقتًا، وذلك منذ الإعلان عن عقد قرانها.

عشرة أيام مرّت بأحداث مشتعلة لم تهدأ حتى الآن، منذ أن ضعفت وأخبرته بموافقتها بعد إلحاحٍ منه، ليغتنم الفرصة في نفس اليوم، ويُتم الاتفاق مع شقيقها على إتمام الزواج في أقرب وقت.

حاولت الاعتراض أو التراجع، ولكن هيهات، فكأن الجميع قد تآمر عليها، واتسعت دائرة الإلحاح لتشمل كل من له صلة قرابة من جهته أو جهتها، من والدته وشقيقاته، أو شقيقها وزوجته، حتى رضخت في النهاية ووافقت على عقد القران في تكتم تام، فقد كانت تلك التعليمات الأهم بالنسبة إليه.

لكن ما إن أتم مراده، حتى خرج إلى الهواء يطلق عددًا من الأعيرة النارية احتفالًا وإشهارًا، وكأنه أول زواج له!

فنَال بعدها المباركات والتهاني من المعارف والأحباب، غير آبه بخجلها أو خوفها من القادم. ثم حدث ما كانت تخشاه، حين وصل الخبر إلى زوجها السابق "عرفان"، فاشتعلت نيران كانت كفيلة بإشعال فتنة بين العائلتين، قد تخلّف ثأرًا يمتد لعقود بسببها.

فقد أتى في اللحظة نفسها، مسلحًا، متهجمًا وقاصدًا الاعتداء، لولا يقظة "حمزة" الذي كان على استعدادٍ تام لإحباط مخططه، وإحكام السيطرة عليه بواسطة رجال الحراسة العاملين تحت أمرته، بالإضافة إلى شهادة عدد من الأعيان الذين جمعهم ليشهدوا على ما يحدث.

تلك الليلة كانت أبشع الليالي، مليئة بالأحاديث الساخنة والشجارات، انتهت في الأخير بقرار حاسم:

ضرورة نقل مزيونة من منزلها لوأد الفتنة حتى يتم الزفاف.

ودّت في داخلها لو تتبع عرض شقيقها بالذهاب إلى منزله، لكنها خشت عليه وعلى أبنائه من بطش عرفان، الذي بدا كالمجنون، غير آبه بفضائح أو سمعته أمام الرجال.

مما اضطرها في النهاية للانصياع إلى أمر العقلاء، والقدوم إلى هذا المنزل الكبير، حيث تسكن ابنتها في الطابق العلوي، وتسكن هي وحدها في الأسفل داخل شقة اتضح لاحقًا أنها شقته، بل وصُدمت حين اكتشفت أنها تنام داخل غرفته أيضًا.

اللعنة عليه من ماكرٍ يُجيد فرض سطوته بأبسط الأشياء.

وها هي الآن، تطالع من مكانها تجهيزات "الليلة الكبيرة" التي تتم من صباح الغد... ليلة زفافها إلى حمزة.

تنهدت بقنوط، وتراجعت بخطواتها حتى جلست على طرف التخت، تفرك كفيها بتوترٍ شديد.

يمر على قلبها الخوف بوطأة مرعبة، وكأنها بكرٌ في أول زواج لها، لا... بل هي تخشى إعادة التجربة.

التجربة المريرة التي قضت على طفولتها ومراهقتها، وأنوثتها التي سُحقت بالضعف والمرض.

الكلمات الجارحة التي كان يلقيها عليها "عرفان" في كل مرة يقترب منها، وهي ترجوه أن يتركها، وألا يُحمّلها ما لا تطيق، لكنه كان يأبى إلا أن يُنفّذ رغبته بها، دون ذرة شفقة أو رحمة لحالها، وفي النهاية تُعَيَّر بمرضها، وبعجزها عن مجاراته كأي زوجة خُلقت لإسعاد زوجها...

كثيرًا ما تمر عليها لحظات من الندم، لاستسلامها والموافقة على الزواج من حمزة، رغم حنقها الشديد منه لاستخدامه كل الطرق للضغط عليها، إلا أن صوتًا داخلها دائمًا ما يُذكّرها أن سبب موافقتها، في الأول والأخير، كان حاجتها إلى الأمان، بل والأكثر... حاجتها إليه هو.

صوت طرقٍ خافت على باب الغرفة جعلها تنفض عنها الأفكار السيئة، استعدادًا لدخول "حُسنية" كما توقعت، أو إحدى الفتيات الصغيرات من أحفادها.

كادت أن تدعو الطارق للدخول، لكن الكلمة علقت في حلقها حين اجفلت بدفع الباب على عجالة، بدخول أحدهم، مُغلقًا الباب خلفه.

همّت بالصراخ، لكنها توقفت حين عرفت هويته، وقد وقف يلهث أمامها بابتسامة متسعة، يُناظرها ببرودٍ متناهٍ قائلاً:

ذهب عنها الذهول، واعتلت ملامحها شراسة كاملة، وكأنها قطة على وشك الهجوم عليه:

— انت اتجننت يا حمزة؟ داخل كده من غير "أحم ولا دستور"؟ افرض كنت براحتى وانا في الأوضة هنا، كان هيبجى منظري إيه ولا منظرك ساعتها؟

ألقى عليها نظرة فاحصة، من شعر رأسها حتى خف القدم أسفل العباءة التي ترتديها، ثم عقب بحسرة مرددًا:

— لا، مالكيش دعوة بمنظري... المهم إنتِ! ليه يا مزيونة مش جاعدة براحتك؟ وانتي في أوضة ومجفول عليكي بابها؟

فغرت فاهها بدهشة، لكنها سرعان ما فطنت لسر دخوله المفاجئ المريب:

أومأ برأسه تهتز أمامها بوضوح، فبرقت عيناها ذهولًا من صراحته الفجّة، لتصرخ به:

تبسم بخبث، يُشاكسها بكلامه المعسول وأقدامه تتحرك في اتجاهها ببطءٍ مدروس:

— كده على طول؟ طب قدّري إني جايلك "سرقة"، غفلت أمي وأخواتي، وطلعتلك من الباب الخلفي، عملت زي العيال المراهقين عشان أشوفك، مانعينك عني لحد ما يتم المراد، أموت أنا بقى بشوقي على ما يحصل.

كادت أن تتأثر بحديث قلبه الذي يخرج دون حساب، لكنها انتبهت لقربه فجأة، فتراجعت معترضة:

— حوش ملاعيبك دي عني يا حمزة، عشان أنا صاحية لك. ثم تعالى هنا، مين اللي حاشوني عنك؟ ما انت بتيجي كل يوم، وبحضر قعدتك معاهم، مفيش مرة جيت من غير ما تشوفني!

— أيوه، بس وسطيهم يا مزيونة، وأنا عايز أجعد معاكي لوحدينا، نقعد ونتقرب من بعض، تعرفي أنا بفكر إزاي؟ وأنا أعرف مقاس هدومك بدل ما أشتري على عمايا، والصورة الذهنية اللي في خيالي.

سألت ببراءة، قبل أن تقرأ الإجابة في عينيه الماكرتين، فازداد غيظها:

— طب أنا عملت حاجة يا بوي؟ ما أنا جاعد مكاني أها، وكل ما أتعِتع حبة لجدّام، ترجعي انتي لورا أكتر! رغم إنك حلالي، والنهاردة يوم مش عادي... دي دخلتنا كمان و...

صاحت به، تقاطعه بحدة من فرط انفعالها وتوترها الذي يزيد بأفعاله، حتى لم تعد تدري بما تتفوه:

— احترم نفسك يا حمزة، وبطل حديتك البارد. وبعدين ما تنساش أنا نبهت عليك بإيه من الأول، يعني ما تحطّش أمل على اللي في دماغك.

قطّب للحظات ثم استوعب، مرددًا بابتسامة لم تفهمها:

— آه، صح... انتي قلتيلي أعتبر نفسي متجوز واحد صاحبي، أو مش متجوز خالص؟

— أيوه، هو كده بالفعل، وانت جولتت إن مش هامك، خلاص... إنت حر.

ازدادت ابتسامته الغامضة اتساعًا، ليهادنها:

— وقلت كمان إني راضي، راضي بكل حاجة تاجي منك، لو حتى "فتافيت"... أنا شاري، وواقع على بوزى كمان، في حب المزيونة.

يغلبها بذوقه، يغلبها بغزله وبرقة الحديث التي لا تخلو من رسائل مبطنة ومداعبات تصل إليها سريعًا بدون جهد، ولكنها ترفض أن تضعف بين يديه.

لا بد أن يعلم جيدًا بعيوبها حتى لا يُصدم لاحقًا.

طال سكوتها أمام تأمله نظراته الحانية، حتى ضجرت وأمرته:

— خلاص بقى، مش ناوي تطلع؟ اطلع يا حمزة، مش ناجصة حد يدخل يشوفك دلوك، ويسأل بتعمل إيه عندي في الأوضة؟ اطلع يا حمزة.

خرج أخيرًا من غرفتها على غير إرادته، مدفوعًا بيديها، لتغلق الباب خلفه.

فتوقف مستندًا على بابها بحالمية، هامسًا بعدها:

— اعملي على كيفك يا قلب حمزة... في الآخر برضو هيتجفل علينا باب واحد.

تنهد بحرارة، ثم رفع رأسه ليستدير عائدًا، فتصطدم أبصاره بمن كانت واقفة أمامه، عاقدة ذراعيها فوق صدرها، تطالعه بنظرات كاشفة.

حاول التغاضي عنها، يمازحها بعد أن تحمحم يجلي حلقه:

— الست منى هانم، لا تكوني واجفة هنا مستنية الجطر؟!

ضاقت حدقتاها أكثر، تركته يبتسم على مزحته بسخافة مكشوفة، حتى كاد أن يتخطاها، لكنها أمسكته توقفه:

— يا ظريف إنت يا لطيف... داخل عندها ليه دلوك زي الحرامية؟

مش جادر تصبر لما تيجي العشية ويتجفل عليكم باب واحد؟

نزع ذراعه منها مُبدياً اعتراضه مرددًا:

ـ لا، مش جادر يا ست البرنسيسة، عشان بقالي أكتر من أسبوع وانتوا مانعيني أجعد معاها زي الخُطاب، مع إن دا حقها عليّ وحقّي عليها عشان نفهم بعض.

ـ انت عقلك هبّ منك يا حمزة؟ كلام وخُطاب! على أساس إنكم أول مرة تتعرفوا على بعض، ولا دي أول جوازة ليكم؟

ـ بالنسبالي أنا، دي أول جوازة ليا يا منى، واعتبرها الجوازة الوحيدة كمان. ويلا بعدي كده، عشان متأخر أصلاً على الرجالة.

قالها بجدية وهو يهمّ بالذهاب، لكنها أبت أن تتركه، فأمسكت به متأملة ملامحه السعيدة للحظات، ثم ألقت بنفسها عليه، تعانقه وتقبّل كتف ذراعه، معبّرة عن فرحتها:

ـ مبروك يا حبيبي، ربنا يتمملك على خير.

ـ الله يبارك فيكي يا غالية. عقبالك تفرحي بولادك انتي ومنص... إلّا هو فين؟ من الصبح ما شفتوش.

كانت قد ابتعدت عنه قليلًا لتخبره بشيء من الأسى:

ـ منصور جاعد مع أمك، أصلها زعلانة وعايزة حد يقنع خليفة يرد مراته. شايفاها عيبة في حقنا يتم فرحك وبت عمّه زعلانة منه.

زَمَّ حمزة بفمه متفهّمًا ومتأثرًا أيضًا، لكنه لا يملك بيده شيئًا. يعلم أن سر لجوء والدته إلى منصور هو يأسها منه، لا تعرف أنه قد ضاق من هالة ونفسها السوداء منذ طفولتها.

لقد تسببت في أذيته كثيرًا، ولم تترك له بابًا للتسامح، خصوصًا بعد مؤامراتها الأخيرة على مزيونة وتعمدها افتعال الفضائح لها.

ليس ملاكًا هو، حتى يتغاضى عن كل ذلك ويذهب لمصالحتها على أخيه، الذي جنى على نفسه منذ البداية حين رضخ لأمر والده الراحل ووافق عليها.

ـ جاله اتصال مفاجئ وطلع بعدها بعربيته، شكله عنده مشوار مهم هو التاني؟

تساءل بحيرة بعد سماع رد منى على استفساره:

ـ مشوار إيه كمان اللي يطلعلُه فجأة ويسيب العالم والفرشة اللي بتتنصب تحت من غير ما يبلّغني؟!

لأول مرة يجتمع معها في مكان تحفه الأجواء الرومانسية كهذا، هادئ وبعيد عن الضوضاء. وما حاجته للأخيرة وقد كانت هي تقوم بالمهمة كاملة، بالبكاء حدّ الانهيار، والذي يشهده لأول مرة منها، بعد أن اتصلت به تطلبه على عجالة في أمر ضروري، وكأنها على وشك الانتحار من فرط قهرها كما تدّعي.

ـ هموت من القهرة يا خليفة. أخوك ماهموش كلام الناس ولا الفرق اللي بينهم، وكأنه عايز يكسرني أو ياخدها عند، بقى أنااا يفضل عليا واحدة جاهلة وبيئة زي دي؟

هو بيعاقبني ولا بيعاقب نفسه؟ طب افترض بكرة خلفت، أولاد الست البيئة دي يبقوا إخوات ابني؟ هو أنتوا إزاي سكتوله أصلاً ولا وافقتوه؟ إزاي أقنعكم؟

بهدوء شديد، كان يستمع ويستمع، يكبت انفعاله على قدر ما يستطيع، حتى إذا جاءت على ذكر الأخيرة، عقب قائلًا:

ـ أولًا حمزة مش عيّل صغير عشان ياخد رأي حد فينا ولا يهمه إقناعنا،

ثانيًا بجى، وهو الأهم، ياريت تخلي بالك من كلامك عن مزيونة أكتر من كده، بلاش تقللي من واحدة كل ذنبها إن حمزة اختارها. هو في الأول والآخر، دا اختياره على فكرة.

شهقت، تمسح بالمحارم الورقية على أنفها ووجنتيها بعنف، معترضة:

ـ لا يا خليفة، مش اختياره. أنا عارفة من زمان إنه "عندي"، وهو أكيد عمل كده عشان يتحداني أو يكسرني بعد المغرز الأخير اللي وقعت فيه، وكله بسبب مراتك.

هالة هي السبب. فضلت تحرّض فيا لحد ما غلطت ونفذت اللي كانت عايزاه، منها لله. كانت عاملة نفسها حبيبة معايا وخايفة على مصلحتي، وبمجرد ما حصل اللي حصل قطعت معايا، وحتى تليفون ما بتردش عليه. منها لله، منها لله.

ها هو يتأكد من ظنه دون مجهود، وعلى الرغم من الغضب المستعر بداخله، إلا أنه استطاع السيطرة على انفعالاته معها بكل سهولة:

ـ يعني أنتي بتعترفي وبكل بساطة إن هالة هي اللي وزّتك تعملي فضيحة للست الغلبانة؟

وجاية دلوك تصرخي إن حمزة فضّلها عليكي؟

طب هو كتب كتابه خلاص من أيام، والنهاردة دخلته، بعتّالي أنا ليه يا روان؟

بغض النظر عن هالة، عشان دي حسابها عليا، دا غير إني مزمجها أصلًا عند ناسها من يوم اللي حصل.

أظن يعني إن دموعك دي والشحتفة والبُكا كان من الأفضل يبجوا في بيتك وبين أهلك،

معلش يعني، أنا مش هجف معاكي ضد أخويا مهما كانت معزتك عندي.

كان واضحًا، كان حازمًا، حتى أفحمها للحظات، حتى إذا ردّت أخيرًا، أظهرت وجهها الحقيقي:

ـ أنا عارفة إنك مش هتوقف معايا يا خليفة عشان أخوك، أخوك اللي فضّلته على نفسك زمان، وفضلت كاتم اللي في قلبك ناحيتي عشانه.

أنا مش غبية عشان مفهمش ولا أحس بمشاعرك.

ابتلع ريقه بتوجس، يسألها بحذر، يرفض رفضًا تامًا افتضاح أمره بالفعل أمامها، يُنهيها بصرامة أن تواصل:

ـ إيه اللي بتخربطي بيه دا يا روان؟ دا كلام تضيع فيه رقاب. اصحي وفوقي لنفسك يا بت الناس، وأنا هاعتبر نفسي ما سمعتش حاجة، ولا ألمّها وأقوم أحسن.

كاد أن يهمّ بالنهوض وتركها، قبل أن تصعقه بعرضها:

ـ خليفة... أنا بعرض عليك تتجوزني.

توقف لحظات متطلّعًا إليها بصمت، حتى صدر استفساره أخيرًا بعد استيعاب متأخر، بعد تجاوزه الصدمة:

إنتي ناسية إنك كنتي مرّة أخويا؟

عايزاني أعدي ده وكمان على مراتي؟

إنتي عايزة تكيدي مين فيهم بالظبط؟

كادت بالفعل أن تنطقها، ولكن يكفي عليها أن يفهمها وحده، فردّت بضعف ونعومة تلمس عاطفته نحوها:

أنا بس رجعت لعقلي دلوقتي وببص لمصلحتي زيهم.

إشمعنا هما يعيشوا حياتهم، وإحنا الاتنين نفضل في العذاب طول عمرنا؟

بُصّلي كويس يا خليفة، وبُصّ لنفسك.

الحرام هو إنك تعيش مع واحدة زي هالة لا عمرها شافتك ولا هتحس بيك،

يرضيك يا خليفة إن إحنا الاتنين نندفن بالحياة؟ دا يرضيك؟

قالها في رد سريع، ثم أخرج من صدره تنهيدة مثقلة، ليردف ببعض الارتياح، وكأنه قد وجد نفسه أخيرًا:

ـ عارفة يا روان، إن أنا مفروض أشكرك دلوك، بجد والله من غير هزار.

بجالي سنين في توهة وأفكار غبية عن وهم صنعته في عقلي،

فاكر نفسي إني بحب من طرف واحد وكاتم على اللي بحسّه جوايا.

عمال ألوم نفسي، مرة في السكوت لحد ما سيبتك تضيعي مني وتروحي لأقرب ماليًا،

ومرة تانية إني مش قادر أطلع حبك من قلبي وأنا عارف إنه ما ينفعش.

ـ بقالك سنين، عارفة بكل ده، وحاسة بيه،

ويمكن كمان مستمتعة بالاحتياط اللي مستني رضا منك،

ولما ييجي وقت عوزته، هيركض ركض عليكي لما بس ما تشاوري...

لكن لا يا روان، مش أنا اللي أقبل.

روحي دوري على حد تاني بعيد عنّينا.

عيلة القناوي كلها رجال، مفيهمش واحد واطي ولا خسيس يناسبلك.

ونهض بعنف عن مقعده، هاتفًا بصوته الجهوري على النادل دون مراعاة لهيبة المكان أو وضعهما، وألقى عددًا من الأوراق النقدية على الطاولة:

ـ جرسون! تعال خد حسابك، والباقي خدّه بجشيش حلال ليك.

ورمقها بنظرة أخيرة بازدراء، عرفت منها مقدارها الحقيقي الآن بالنسبة إليه، قبل أن يذهب ويتركها في صدمتها.

مازالت الاستعدادات مستمرة، وقد حان الآن وقتها،

ولكنها رفضت أن تفعل أي شيء قبل أن تصعد إلى ابنتها وتطمئن عليها.

ولجت إلى داخل الغرفة التي كانت غارقة في الظلام، فخطت بأقدامها، شدّت ستار الشرفة، ثم فتحت شراعيها ليغمر ضوء الشمس نصف الغرفة، الأمر الذي جعل ابنتها تستيقظ من غفوتها على الفور وتغلق بكفيها على عينيها بعدم تحمل:

ـ باه عليك يا معاذ، أنا جيلالك، عايزة أنام يا شيخ، حرام عليك.

تفوهت بها مزيونة لتحط جالسة بجوارها على الفراش، ثم دنت تقبّل وجنتها وجبهتها، فقابلتها ليلى بوجوم قائلة:

ـ هو إنتي مش دخلتك النهاردة برضو؟

اجفلت مزيونة حتى تجلّى الارتباك في ردها:

ـ وه، مش تقولي صباح الخير الأول يا ليلى، صاحية على الأسئلة كده دوغري!

تمتمت ليلى تعيد لها القبلة على وجنتها:

ـ صباح الفل والورد ياما، معلش صاحية مش مركزة.

تمتمت بها مزيونة في داخلها بتساؤل أصبح يراودها، عن الموقف الحقيقي لابنتها من زواجها. لقد أبدت من البداية موافقتها، بل والعكس لطالما كانت تلمح عن حمزة وعن رجولته وعن وعن، لكن ما إن تمت الخطبة القصيرة والمفاجأة حتى تغيرت معها بشكل غير مفهوم، المعاملة بينهما أصبحت فاترة بدون سبب. كم من مرة صارحتها تسألها عن موقفها من الخطبة لتعرف رأيها، ولكنها دائمًا ما تجيب بنفس الإجابة، ولا تريحها.

ـ ليلى يا حبيبتي هسألك تاني وللمرة السبعين حتى:

ـ موافقة على جوازة أمك اللي لا كانت على البال ولا على الخاطر؟ ولا لاه؟ جولي يا بتي، لو ملكيش غاية بلاش أوجف ومكملش.

استنكرت ليلى وهي تعتدل بجزعها حتى تجلس بجوارها:

ـ إيه هو اللي متكمليش ياما؟ إنتي جاية النهاردة وفي الليلة الكبيرة والناس والمعازيم مليّين الدنيا وهتجولي لا؟ هو لعب عيال؟ عمي حمزة كاتب كتابه عليكي يعني مرته شرعًا إنتي ناسية؟

ـ لا يا حبيبتي مش ناسية، بس خايفة أكمل وإنتي مش راضية؟ هيفيدني ساعتها سي حمزة؟

أشفقت ليلى حتى ألقت بثقلها عليها، تكرر لها وللمرة الألف:

ـ والله موافقة يا أمه، والله موافقة، أجولها كام مرة عشان تصدّقي؟ بلاش تزعليني من نفسي الله يخليكِ.

ضمتها مزيونة إليها أكثر، تقبّل أعلى رأسها:

ـ وأنا عمري ما أزعل منك يا جلب مزيونة، ولا عمر راجل هياخدني منك، لا تفتكري كمان إني هشوف نفسي وأنشغل عنك.

ـ وماله ياما لما تنشغلي بنفسك؟ أنا كبرت على فكرة، ولما اتجوزت فهمت أكتر، إنتي اتظلمتي جوي يا أمه، وحقك تشوفيلك يومين. عمي حمزة حنين وأنا واثقة إنه هيعوضك.

اكتنفها الخجل تأثرًا بكلمات ابنتها، حتى حاولت التشويش بالمزاح:

ـ يا أختي، لا عايزة عوض ولا زفت، أنا كده زينة وفل الفل، المهم خلينا فيكي، أنا عايزاكي دايمًا مبسوطة يا نور عيني.

وكان الرد من ليلى ابتسامة صافية، بصدق موقفها المؤيد، ولكن داخلها حرب شعواء، والسبب والدها الذي لا يكف عن الاتصال بها والشكوى مما حدث إليه من غدر، من قبل حمزة.

أما عن عرفان الذي كان يغلي كفوهة بركان، يتحين الفرصة فقط من أجل الانفجار لتأكل نيرانه الأخضر واليابس، ذلك المتحذلق الذي علم عليه في كل المعارك التي خاضها معه، دائمًا ما يباغته، دائمًا ما يختار الوقت المناسب كي يضرب ضربته، وما أقسى تلك الضربة الأخيرة، لقد أخذها منه، أخذها منه بعد أن استفاق هو وعاد إلى وعيه وعشقه القديم لها.

ضرب بكف يده الغليظة على خشب الخزانة التي تحتوي على ملابسه حتى انشطر بشكل طولي من قوة الدفعة، يريد أن يفرغ غليله بأي فرد الآن، وكأنه محبوس داخل قفص حديدي مقيد بعد أن سُحبت منه كل الحيل. فكلما تهور هزمه الملعون بأقل الوسائل وأشهد عليه خلق الله، لا أحد يقف معه حتى عائلته، وقد نالهم الخزي من أفعاله كما يتحججون دائمًا. نيران تأكله من الداخل، كلما أتى بذهنه أن أحدًا غيره سيلمسها، يريد إطفاء حريق صدره بأي طريقة، حتى لو اضطر لافتعال جريمة.

ـ الغداء يا غالي، مش هتاجي تدب يدك في وكله زينة، بدل ما أنت بتاكل في نفسك.

تمتمت الأخيرة بصوت كالهمس، لكنها وصلت إليه مع تلك النبرة الشامتة التي أصبح يستشعرها منها طوال الأيام الفائتة، وكم من مرة فشّ غليله بضربها، ومع ذلك لا ترتدع أو تتراجع:

ـ إيه يا صفا، شكل جتك خدت على الضرب يا جزينة ولا هو بجى معاكِ إدمان؟ تحبي أريحك خالص المرة دي بطلوع روحك، النهاردة بالذات معنديش غير كده عشان تبجي عارفة يعني.

نثرت مجموعة من أوراق الجرجير التي كانت تتسلى بهم من فوق صينية الطعام، لتسخر بهدوء وعدم اكتراث، تزيد عليه:

ـ اشمعنا النهاردة بالذات يعني؟ لا تكون خسرت في شغلك كمان، اهو دا اللي ناقص، هتبقي خسارة وجلة قيمة كمان اهو دا اللي ناقص....

وكأنه كان في انتظارها، اندفع بدون انتظار ليهجم عليها ويضع كفيه الكبيرتين على عنقها عازمًا على خنقها والتخلص منها:

ـ أنا هخليها جلة قيمة وجلة عقل كمان بالمرة وأطلع روحك المرة دي في يدي.

بعنفه وقوته المفرطة كاد يكسر رقبتها بين يديه بالفعل، حتى لم يشعر بنفسه إلا بعد صراخ صغاره وابنه ناصر أكبر أطفاله منها، وهو يضرب بكلتا يديه على كل منطقة يطالها من جسده؛

ـ بعد يدك عنها، والله لو موتها لموتك أنا كمان، بعد.

دفعها بقوة حتى أوقعها على الأرض، فجثا الفتى بجوارها يربت عليها ويتبادل نظرات التحدي مع والده الذي تجمد في مكانه، يلهث بصدمة، لقد كبر الفتى وشب رغم صغر سنوات عمره، لتطول يداه على والده. يبدو أن صورته اهتزت ولم تعد له قيمة بالفعل حتى في بيته.

زفر ليسحب نفسه فجأة مغادرًا من أمامه وشياطينه معه.

كلما مرّ الوقت، كلما اشتعلت مظاهر الفرح أكثر فأكثر،

رغم أنها كانت قد شددت عليه ألّا يُفرط في الاحتفال كما كان ينوي وأن يجعلها ليلة تشهد عليها البلدة بأكملها.

تذكّرت أنه في هذا اليوم، قد صرخت به أمامهم جميعًا حتى لا يفعلها،

فهادنها، وادّعى طاعتها، باختصارها على ليلة للذكر الحكيم،

مع دعوة الأقرباء إلى مأدبة طعام… فصدّقته.

ثم جاء اليوم، وشهدت بأم عينيها نصبة الفَرَاشة التي شملت حيًّا كاملًا،

وعدد الذبائح التي تكفي بلدةً كاملة،

ثم المزمار البلدي اشتعل منذ أذان العصر،

ووصلت منه أصوات التهليل من الرجال، والرقص على الأحصنة،

زادها ذلك حرجًا وهي في مراحلها الأخيرة

تحت يد الفتاة التي تقوم بتزيينها،

رغم أنها لم تكن تريدها من الأساس،

لكنها اضطرت إليها بعدما أصر برأسه أن يأخذها

إلى أكبر مركز تجميل في المحافظة.

تتمنى فقط أن يمر كل شيء في هدوء،

فهي تكره هذه الجلبة التي لا داعي لها.

ــ بسم الله ما شاء الله، لا قوة إلا بالله،

هتفت بها "منى" من خلفها فجأة، حتى انتفضت على أثرها،

دول شوية مكياچ وبودرة في الأول وفي الآخر يعني.

ــ مكياچ مين يا مجنونة اللي هيخلي الواحدة بالحلاوة دي؟

صاحت بها "محروسة"، زوجة شقيقها، متدخلة في الحديث

علّها تخفف عنها قليلًا من توترها،

فهي الشاهدة على مأساتها منذ بداية اليوم،

ــ بصّي في مرايتك زين يا مزيونة،

وشوفي الحلاوة الربّاني لما ينضاف عليها

والله ما كدبت لما قالت "قمر يا حبيبتي، وبدر منور"!

ختمت عبارتها بقبلة حانية على وجنتها،

فصرخت "منى"، التي كانت تتابع بتأثر:

هي حبيبتك آه، بس من بعيد لبعيد الله يخليكي،

لو شاف حد بيلمس ممتلكاته، هيعملها جناية!

ضحكت "محروسة" مع الفتاة التي كانت تلملم أدواتها،

على عكس "مزيونة" التي تطلعت إلى "منى" بخجل متضاعف، تنهاها بحذر:

ولا السبع اللي برا ده هيسمح أصلًا؟

قالتها "منى"، ثم اقتربت تعانقها من الخلف،

تقبّلها على رأسها، تخفف من جرعة الضغط عليها بالمزاح:

وشّي بجى في الأرض من البِت الكوافيرة

التفّ رأس "مزيونة" فجأة بالفعل نحو الفتاة،

ــ يا بت بهزر معاكي، ما تفضحِناش!

تعالي بقى، الحريم والكل مستنيكي برا.

لكن "مزيونة" تشبّثت قدميها بالأرض، تعترض:

ده "حمزة" كان عايز يعمل كوشة ومسرح وحكاية!

ــ أيوه، عشان كنت سيبتها له خالص!

ضحكت "منى" لتسحبها من يدها ساخرة:

تعالي يا خيتي، وبلاها أحلامك دي!

التي كانت تتخفّى فيها منذ الصباح بحجة الاستعداد لليلتها،

لتنزل بها الآن، وهي تتشبث بها كعروس بكر،

ليس خجلًا، بقدر ما هو قلق شديد طُبِع في الذاكرة

وما إن أطلت بها من أعلى الدرج، حتى صدحت أصوات الزغاريد تُجلجل المكان،

وتفاجأت "مزيونة" بالعدد المهول من النساء اللاتي لا تعلم بصفة معظمهن،

تلقّفتها "حُسنية" تُقبّلها وتضمّها إليها بأمومة ليست غريبة عنها،

ودارت بها على النساء الكبيرات من عائلتها،

حتى استقرّت "مزيونة" في النهاية بجوار ابنتها،

التي جلست في مكانٍ مبتعدٍ إلى حدٍّ ما عن الضجيج،

حرصًا على سلامتها وسلامة جنينها،

اندَمَجت قليلًا حتى كادت أن ترتخي،

لولا صوته الذي صدح فجأة يجذب أنظار الجميع نحوه:

ــ "وه! عروستي جاعدة هنا يا غجر،

وأنا جاعد برّا بسلم على الخناشير!"

أثار بمزحته ضحكات النساء وتعليقات شقيقاته،

الأمر الذي انعكس عليها بالمزيد من الحرج،

ــ أحبّ على يدك، قولي لأخوك يلمّها!

مش كفاية المقلب اللي شربته، وقال لي بأن الليلة على الضيق؟

أمال لو على الواسع كان عمل إيه؟

رغم ابتهاجها الشديد لفرحة شقيقها،

الذي عاد بأفعاله لعريس صغير في العشرين من عمره.

تبادل هو المزاح مع النساء من أقاربه، ثم تقدّم نحوهن،

فقبّل رأس "ليلى"، التي ناظرته بامتنان شديد،

رغم الحيرة التي كانت تعصف برأسها.

تركها لـ"معاذ"، الذي أنهضها بحرص شديد،

ليصعد بها، مكتفيًا بذلك الجزء القصير من الوقت

واتّخذ "حمزة" محلّها بجوار عروسه، لكن من الجهة الأخرى،

وعيناها الجميلة المرسومة تطالعه بشرر الغيظ

عشان أنا بقيت حاسة نفسي مسخرة وسط الحريم

لكنّه ألقى بنظرة مُقيّمة عليها،

من تلك الطرحة التي أُلقِيَت على الشعر المصفف بعناية،

بقصة لا تناسب إلا ملكات الجمال،

حيث الشعر المدرج الطويل على جانبي الوجه،

نزلت عيناه على الفستان الواسع بلونه السماوي،

الذي أحدث داخله مشاعر لا يصحّ لها الظهور الآن على الإطلاق...

إنها تقلب عينيها فيكي وتغير كمان منك.

تصدجي بجي أنا أقتنعت دلوك بس بوجهة نظرك،

لما رفضتي نعمل كوشة ولا ليلة كبيرة ومسرح!

للمرة المئة، يُربكها بجرأته في الحديث،

والنظرات التي ليست غبية عن الانتباه لما خلفها،

الأمر الذي جعلها تميل عليه وتذكّره:

عشان بس ما تعشّمش وترجع تتصدم...

بلاش اللهفة الزيادة، وانت عارف اللي فيها.

كاد أن يستفسر عن مغزى ما تقصده،

لتصدح ضحكته العالية حتى لفتت أنظار النساء إليهما،

ــ عَدّيها على خير الليلة دي يا رب...

ـ مشيوا خلاص يا معاذ؟بادرته ليلة بسؤالها فور أن دلف إليها إلى داخل الغرفة التي صعدت إليها بعد نصف ساعة فقط من حضور الحفل المتواضع لزواج والدتها، ليجيبها معاذ الآن بفرح أشرق بوجهه:ـ مشيوا أخيرًا يا قلبي! يا سلام، يا أما أنا فرحان جوي يا ناس، كده مبقاش زيتنا في دقيقنا وبس، دي بقت رابطة جوية مننهاش منفذ.أومأت باستجابة إليه بابتسامة ضعيفة، فجلس هو على طرف الفراش يخلع الحذاء من قدميه، ثم خلع سترته العلوية وهمّ بخلع البقية، لكنه انتبه فجأة لشرودها فتوقف سائلاً:ـ مالك يا ليلى؟ في حاجة شغلاكي؟تطلعت إليه بعجز وصل إليه، وكأنها تخشى البوح، الأمر الذي أثار قلقه، فسقط جالسًا مقابلها يحثها برجاء:ـ لا يكون في حاجة تعباكي؟ ردي يا ليلى الله يرضى عنك، أنا على شعرة والله!سارعت بالنفي تطمئنه:ـ مفيش يا معاذ، أنا بخير وعال العال جدامك، أهو.ـ أمال إيه بس؟عادت للصمت مرة أخرى، حتى فاض به فصاح بها:ـ ما هو سكوتك ده بيخليني أتأكد أكتر إن في حاجة، اتكلمي بجى وريحي قلبي!وكأنها كانت في انتظار انفجاره، لتنطلق في نوبة مفاجئة من بكاء حارق، ضاعف من جزعه:ـ هي وصلت كمان للبكا! يا مرك يا معاذ، العيل اتضرّ صح؟ردت بانفعال صارخة به:ـ جولتلك لاه، جولتلك لاه! أنا بس...ـ انتي إيه؟... معقول تكوني زعلانة عشان أمك اتجوزت؟صدر ترجيحه الأخير بتخمين ضعيف، لكنه سرعان ما تأكد من ظنه حين وجدها صمتت فجأة تطأطئ رأسها، حتى استجمعت شجاعتها لتتكلم أخيرًا:ـ مش غيرة والله يا معاذ، ولا أنانية، بس...لم يقاطعها، بل فضّل الانتظار لتُخرج كل ما يؤرقها:ـ أمي اتظلمت كتير، كتير جوي. أنا أصلًا من يوم درِيت بنفسي والدنيا، وأنا شايفاها لابسة أسود. الأول كان حزن على سِتي، وبعدها حزن على سيدي، لكن تلبس ملوّن ولا تتنزّه زي باقي الستات؟ لأ. ياما الزفتة صفا كانت تكيدها بكل شغل الستات المعروف، وهي كانت تبلع وهي ساكتة. أبوي تاركها زي البيت المهجور تحت عينه، وبرضه ساكتة. ودلوك بعد السنين دي كلها، إن ربنا يعوضها بعمي حمزةعشان يفكرها بعمرها، ويرجعها لسنين صباها اللي انسرقت منها، دي حاجة فوق الخيال بالنسبالي، بس... معرفش ليه حاسة بحاجة وجعاني مش قادرة أحدد هي إيه.تبسم معاذ بحنو، ليميل على رأسها يقبّلها، يربّت على خدها بكفه:ـ طب بس بس، هوني على نفسك، يا شيخة خلعتيني. الحيرة واللخبطة دي أكيد يعني شعور طبيعي عشان الوضع الجديد. فوقي فوقي، دا أكيد بس عشان سيبتك لوحدك الشوية دول، اصحي كده واستعيذى من الشيطان.تنهد مستقيمًا في وقفته:ـ هغير هدومي واروح أصلي ركعتين، أخلصهم، وأجي أقرالك شوية قرآن، أكيد دي عين، على رأي أمي.تركته يذهب ليدور ذهنها مرة أخرى في تلك الحيرة. فسبب الوجع الذي أخبرته عنه تعلمه جيدًا، ولا تستطيع النطق به، فوالدها الذي تذكّر فقط الآن أن له ابنة، لا يرحمها باتصالاته ورسائله........................شجار آخر يصلها من خارج الغرفة التي تلتزم بها. والدها، الذي لو يطال أن يخنقها بين يديه أو يطردها لسوف يفعل، لكن يمنعه العار كما يقول دائمًا في التخلي عنها، رغم أنها لا تستحق. كم من مرة توقعت أن يسحبها من يدها ويلقيها تحت أقدام حسنية، كما كان يهددها سابقًا. لكن يبدو أن الرسائل القادمة من الجهة الأخرى تخبره ألا يفعلها، حتى لا يقلّ بقيمته إن رفضها ابن شقيقه خليفة.خمد الصوت فجأة بخروج والدها كما خمّنت، ليأتي دور والدتها الآن في لومها. وكما توقعت، لم تنتظر المرأة لتلج إليها موبخة:ـ طبعًا جاعدة هنا ورا الشباك وبتتفرجي على زينة الفرح وأنتي ولا هامك! طب يهمك كيف وانتي مدسية هنا واحنا اللي الناس واكلين وشّنا؟ كل اللي رايح واللي جاي يسألنا أنا وأبوكي: كيف هالة مجعداش في الفرح؟ كيف جوزها سيبها لحد دلوك؟ خليتي اللي رايح واللي جاي بيجيب في سيرتنا! هموت وأعرف، هببتي إيه يخليهم يرموكي كده؟ دي خالتك احرجت نفسها وراحت لحسنية وكلمتها، وكان رد الست السكوت وبس!عند الأخيرة، لم تتحمّل أن تصمت، لتعقب ردًا:ـ أحسن! تستاهل، كان حد طلب منها تتقدم؟ ما تخليها في نفسها وبناتها! ده إيه الهم ده!شهقت المرأة ضاربة بكفها على صدرها:ـ يعني دي جزاتها يا هالة؟ الولية اللي باصة على عمارك تفرحي فيها كده؟ تصدقي بالله، انتي ما حد جايبهالك غير طولة لسانك دي! خلي جلة أدبك دي تنفعك لما تخسري من كله.وخرجت سريعًا تصفق الباب بحدّة، تتركها في غيظها تحدث نفسها بتوعّد:ـ ماشي يا خليفة، خليت اللي يسوى واللي ما يسواش يفرح فيّا عشان أخوك والمحروسة! طب أهو الكلام ثبت والناس كلها اتأكدت، بس هقول إيه فيك يا حمزة، فاجر وما حد يقدر يدوسلك على طرف، حتى وكل الناس عارفة اللي فيها ومحدش برضه يقدر يتكلم! فوضت أمري لربنا فيك يا حمزة، فوضت أمري لربنا..........................لقد كان حلمًا، والآن صار حقيقة.ذلك المنزل الذي أُسِّس من أجلها، وتمّ بناؤه بالصبر والأمل، ليكون سكنًا له ولها، يجمعهما سقفٌ واحد بداخله.لقد كان حلمًا، والآن صار حقيقة.أمام مدخله الآن، كانت تتلقى الدعم والتهنئة والمباركة من شقيقها، الذي لم يتخلَّ عنها يومًا، على قدر ما يستطيع، ورغم قلة إمكانياته.ضمّها إليه بفرحة الوصول بها أخيرًا إلى بر الأمان، ومحل الثقة، بعد سنوات من العذاب والألم الذي كانت تكابده.بماذا يُعبّر؟ لا تُسعفه الكلمات حقًا.تركها باطمئنانٍ تام، أنها الآن في حوزة حمزة؛سوف يعوّضها عمّا فات، ويعيد إليها ذاتها التي طُمست في سنوات الجهد والعذاب، في زيجتها البائسة الأولى.كان عمره حينها أصغر من أن يعي خطورة الوضع ليملك حق تقرير مصيرها برفض عرفان، حتى كبر ورأى وفهم، فخُلِقت في قلبه غصّة، لم يشعر بزوالها سوى اليوم.وبعد ذهاب الجميع وعودتهم إلى منازلهم، لم يتبقَّ سواه معها.أغلق الباب عليهما سويًّا، لتبدأ معه حياة جديدة، لم تكن في خطتها من الأساس.بصمت وتفهُّم، جعلها تسبقه في الدخول، وهو بخطواته المتمهّلة يتبعها، حتى توقفت في وسط الرُّدهة والتفتت إليه بحدّة، قائلة:ـ هنام فين بَجى؟تابع تقدمه نحوها، ملوّحًا بكفّيه أمامها:ـ ودي عايزة كلام؟ أكيد في أوضتنا أنا وانتي، اللي على الناحية الشمال جدّامك.اتجهت أبصارها نحو الجهة التي أشار إليها، فتذكّرت تلك الغرفة التي استفاقت داخلها يوم أن فقدت وعيها، وما سبقها من أحداث مؤسفة تودّ طمسها من عقلها، ولكنها كانت سببًا فيما تمّ.لم تعِ بوقفتها وحيرتها تلك أنه قد اقترب، حتى شعرت بذراعه التي التفّت حول خصرها تسحبها إليه وتصطدم بصدره، فخرجت منها شهقة إجفال، نابعة من خوفها، لتصله رجفتها بين يديه، حتى سارع بطمأنتها:ـ هششش، اهدَي... اهدَي يا مزيونة.بتروٍ شديد، صارت يده تمسح على ظهرها، يضمّها بلطف لا يخلو من حزم، كي لا يترك لها فرصة للهروب منه، موجّهًا كلماته إليها بصوتٍ عميق... عميق جدًا، وقد تخلّى عن عبثه، واضعًا تهدئتها نُصب عينيه... وأن يرتخي تشنجها أولًا، ثم يأتي كل شيء بعد ذلك.ـ مالك بتترعشي ليه؟ارفعي عينِك الحلوة دي وحطيها في عيني، ليه تتوتّري أصلاً؟أنا حمزة... حمزة اللي جابل منك حتى الفُتات، زي ما قولتلك قبل سابق، يبجى متبخليش عليّا حتى بالنظرة.تغلغلت كلماته الرقيقة إلى مسامعها، لترفع رأسها إليه، وتلتقي عينيه بخاصّتيها الحائرتين، التائهتين، وكأن داخلها غريقٌ يبحث عن طوق نجاة.فتحدثت أخيرًا:ـ أنا عارفة إنك حمزة... عارفة إنك غير اللي فات، غير كل الرجالة كمان، بس...وقطعت كلامها، تخفض أبصارها مرةً أخرى، ولكنه أبى أن يتركها تتوقف، فرفع ذقنها بطرفي إصبعيه مشددًا:ـ كمّلي... متوَجفيش.ابتلعت رمقها لتجسر على المواصلة، وتتحلى ببعض الجرأة في مصارحته:ـ أنا عايزاك تقدّر خوفي يا حمزة.ـ مقدّر.ـ الكلام غير الفعل، وانت بتتكلم بثقة عشان لِسّاك على البر، مجرّبتش...أنا قعدت في ذمّة عرفان أكتر من عشر سنين من غير ما يجرّبلي، وعِشرتي قبلها معاه كانت كلها مشاكل بسبب الموضوع دِه...يعني لما جُلتلك إني منفعش، كان بسبب كده.تعقّد حاجباه فجأة، يُعقّب بتفكه على تصريحها:ـ آه! وانتي فاكراني كده هزعل يعني؟ولا حاطّة في بالك إنك بتدّيني حذري عشان ما انصدمش لما يحصل المُراد؟ده برضو كلام يا صاحبي؟قصد بالأخيرة التخفيف عنها، فبزغت ابتسامة رقيقة بزاوية ثغرها، وشفاها المطلية بالأحمر القاني.نظرة واحدة منها كادت أن تُطيح بثباته، وهو في أمسّ الحاجة للصبر والتمهُّل معها.صدرَت منه حمحمة خشنة، وصوت بالكاد يستجمعه:ـ بَجولك إيه... ما تسيبك من كل الأفكار والهواجس اللي في مخّك دلوك، ونشوف الأهم.ـ هو إيه الأهم؟وما كادت أن تنهي سؤالها، حتى وجدته يرفعها بغتة بين يديه ويحملها قائلًا:ـ هنروح نصلّي الأول.هتفت بتوتّر:ـ طب وشايلني ليه مدام هنصلّي؟رد وخطواته السريعة تعرف طريق وجهتها:ـ عشان أنا حالف إنك ما تدخلي الأوضة الليلة دي غير وأنا شايلك.احمدي ربنا ما عملتها على عتبة البيت جدام أخوكي وعياله!ـ وه...ـ واهين! حتى عندِك اعتراض................................دخلت منى خلف زوجها إلى داخل منزلهما بشعور من الارتياح يغمرها، وابتسامة لا تفارق محياها، عائدَين من حفل الزفاف الذي تم كالسحر اليوم.ـ حمزة الفرحة مش سايْعاه يا منص، وكأنه مش مصدق إنه أخيرًا حقق حلمه بجوازه منها!عقّب منصور وهو ينزل ابنته التي كانت نائمة على كتف ذراعه، ليضعها على الأريكة التي تتوسط المدخل:ـ عشان حبها بجد. أخوكي على قد ماهو ناصح ولف ودار، لكنه ما طالش الإحساس الحلو ده غير معاها. واخدة بالك يا حب عمري إنتِ؟جلس أخيرًا ليسحبها من يدها كي تجلس هي أيضًا، ثم التفت بذراعه حولها يضمها إليه، يقبّل رأسها مردفًا:ـ اللي جرب بس هو اللي يعرفه، كد حلاوته، كد عذابه برضه، لكنه الحياة نفسها. ربنا ما يحرم حد من حبيبه.مالت هي برأسها على صدره تريحه، كي تتمتع بلطف مودته وعشقه:ـ آمين يارب، أنا بجى جربته وعرفته على يدك. كتير جوي أسمع عن فلان بيحب فلانة وفلانة عادي، لكن إن يخليها برضه تبادله نفس الشعور، ده التحدي نفسه، وانت فوزت ونجحت وخلتني أحبك أكتر كمان.شدّد منصور من ضمّته، يريح ذقنه أعلى رأسها، يتنهّد براحة قائلًا:ـ متهيألك يا منى، أنا حبي زي المرض! الناس اللي في حالاتي عقلهم بيطير منهم لو ما طالش الوصال مع محبوبه. الحمد لله أنا كنت دايمًا ماشي بدعواتي إن ربنا يوضَع اللي في قلبي في قلبك، وربنا كان رحيم بيا وحقق لي أمنيتي.ـ ونعم بالله.تمتمت بها ثم استدركت تسأله بتذكّر:ـ إلا صحيح يا منصور، ما قولتيش عملت إيه مع خليفة؟ وافق بقى يرجّع هالة؟زفر الأخير وارتخت ذراعه عنها، ليجيبها بقنوط:ـ للأسف يا مني، شكل الموضوع كبير جوي مع أخوكي. أنا ما رضيتش أرد عليكي ساعة ما سألتيني جدّام أمك عشان مزيدش عليها، بس خليفة زعلان جوي، وساكت، مابيطلّعش اللي في قلبه حتى عشان الواحد ياخد ويعطي معاه في الحديت.عقّبت على الأخيرة تؤيده:ـ دي حقيقة فعلًا، خليفة كتوم طول عمره، لا هو بجرأة حمزة ولا بجنان الصغير. يعني هالة دي أصلًا ولا كانت على باله ولا من نصيبه، ومع ذلك لما عرض أبوي عليه جوازها بعد عملة حمزة، برفض إنه يتجدملها وافق عشان يرضيه، رغم علمه بعيوبها اللي كنا كلنا نعرفها من واحنا عيال صغيرين. الله يهديها، البت دي تعبتنا كلنا معاها....بعد أن انتهيا من الصلاة سويًا، وقرأ على رأسها دعاء الليلة حتى يُحفّ زواجهما بالبركة والمودّة، نهض عن سجادته بظنٍّ منه أنها ستقوم معه، لكنها تحججت برغبتها في ركعتين إضافيتين.فتركها لرغبتها، لكنها طالت وأطالت، وهو في انتظارها قرابة النصف ساعة الآن، حتى تربع بقدميه بصبر يتعلمه على يديها.وظل على سكونه، حتى إذا انتهت أخيرًا، والتفتت برأسها إليه، وجدته جالسًا على الفراش بابتسامة ارتياح يطالعها.التفتت مرة أخرى إلى الأمام، لتظلّ في مكانها، وكأنها التصقت بسجادتها.وبدون انتظارٍ آخر، قفز سريعًا ليلحق بها قبل أن تعود للصلاة مرة أخرى.فجذبها من يدها على حين غرّة، كي تقوم معه من مكانها.استجابت، تتركه يسحبها، ويسير بها حتى جلس، وأجلسها مقابله على طرف الفراش، يخلع الطرحة من رأسها، لينثر الشعر الحريري حول وجهها، ويتأملها بعدما مسحت عن وجهها كل المساحيق.وعلى الرغم من جمالها بتلك الزينة، إلا أن بهذه النضارة وملامح الوجه التي وضع الخالق بصمته عليها، تجعل الطبيعي أجمل بألف مرة.حتى والحيرة ترتسم على ملامحها بوضوح، فوجد صوته أخيرًا يمازحها:ـ مش هناخد اليوم كله في الصلاة... ولا إيه يا صاحبي؟أهدته ابتسامة ضعيفة أخرى، فيما يجتاحها من الداخل مشاعر متصارعة، جعلتها تفقد تلك الميزة في تحدّيه...طريقه طويل، وعليه أن يبدأ الآن.تناول كفها بين يديه، يرفعه إليه، معلّقًا:ـ ـ تصدّجي إن دي أول مرة أمسك فيها يدك؟ده أنتي حتى الدهب ما خلتينيش ألبسهولِك، ولا حتى أشوفه عليها...بس بيقولوا: "إن اللي يدها حلوة، هي كمان حلوة."أرفق الأخيرة بنظرة إليها ذات مغزى زادت من توتّرها، ليفاجئها بسؤاله:ـ ليه مارسَمتيهاش بالحنّة يا مزيونة؟ردّت بحرج، وهي تجاهد أن تنزع يدها منه:ـ عادي... ما بحبهاش، وحسّيتها مش لازمة يعني بصراحة.تلقّت ردّه بابتسامة، وهو يمسح بإبهامه على ظهر كفها:ـ شوفي... رغم إني بحبها، بس بصراحة كده أحسن.عشان اليد الحلوة دي أشوفها وهي على طبيعتها أحلي...ناعمة جوي، ولا كأنها حتة مارشميلو!أمال دي لو لقت الراحة والدلع، هتبقى كيف؟وهنا، وقد بدأت تستشعر الخطر، حاولت بقوة أن تُفلت يدها منه، لكنه شدّ عليها، بل زاد أكثر هذه المرّة، بأن رفعها إلى فمه، يُقبّل كل إصبع وحده.فسرَت داخلها قشعريرة، وعاد الخوف يزحف إليها، لتطالبه دون انتظار:ـ حمزة... أنا عايزة أنام وحدي، تطلع انت من الأوضة؟ ولا أطلع أنا؟توقّف لحظات يطالعها بجمود، وهي تبادله بانفعال جعل صدرها يصعد ويهبط بتسارع.وبدون أن يتفوّه بكلمة، حسم وجذَبها من ظهرها إليه، يضمّها بين ذراعيه، ويُجفلها للمرة الثانية، قائلًا:ـ عايزة تبعدي؟ وأنا ما صدّجت أقرّب!أي نوم ده اللي هييجيلي لو نمتي بعيد عني؟ ومن غير ما آخدك في حضني؟حُطيها في علمك من دلوك، من النهاردة حضني بجى بيتك...ومافيش مرة تبعد عن بيتها، حتى لو حصل خلاف بينها وبين راجلها.هل أصابها الخرس؟أم أن كلماته أصابت شيئًا ما داخلها أفقدها النطق وعزيمة الرفض؟حتى باغتها، مستغلًّا لحظة التشتّت، ليهبط برأسه نحو ثغرها الشهي، يُشبِعها ويُشبِع شوقه منها، لم يترك لها فرصة للاعتراض أو الصد، فكانت كلما تحاول — حتى مجرد محاولة — يُحبطها بطريقته. فقد نفد صبره منها تمامًا، ويجب عليها الآن أن تدرك الفرق جيدًا... بين الرجال وأشباه الرجال،وأن تعي أنها امرأة كاملة الأنوثة، لا ينقصها شيء... سوى رجل يُدرك قيمتها الحقيقية.فتنوّعت لمساته بين حزمٍ ولطف، ومداعباتٍ وتدليل، ومهادنة، وكأنها بِكر في أول زواج لها،حتى يصل بها إلى النقطة التي تجد بها ذاتها؛تلك المرأة التي وهبها الخالق أنوثةً مهلكة، لكنها لا تراها، ولم تكن تشعر بها.أنانيٌّ هو، إن اكتفي بما يريده منها، دون أن ينظر لما تحتاجه.ففي تلك اللحظات، لا يصحّ الأخذ فقط دون العطاء… والعطاء ببذخ، كما يفعل هو الآن.وبعد وقتٍ طويل، حين سمح لها أن تلتقط أنفاسها أخيرًا، نظر إليها بابتسامة متخمة بالسعادة، يمطر جبهتها بعدة قبلات، قائلًا:ـ ده انت طلعت جامد جوي يا صاحبي!...........................في بقعةٍ قريبة من النيل الذي يجري على حدّ بلدتهم،ألقى من يده السجادة التي أتى بها من حقيبة السيارة، فرشها على الأرض، ثم وضع عليها الوسادة واستلقى، واضعًا ذراعه تحت رأسه، وعيناه نحو السماء ونجومها التي تتلألأ أمامه.لقد حان وقت الخلوة مع نفسه، حيث السكون والهدوء بعد انتهاء "الليلة الكبيرة" التي أدّى فيها واجبه على أكمل وجه كعادته، دون أن يتحدث أو يفضي لأحد بما يعتمل في قلبه من حزن وقهر.رغم كل المحاولات التي قام بها زوج شقيقته، وشقيقه معاذ، وحتى حمزة، الذي لا يليق به الانشغال بغير نفسه في هذا اليوم، إلا أنه جاهد لاستدراجه ولو بكلمة، لكنه أفلت منه كما أفلت من البقية.هذه طبيعته؛ لا يجد راحته إلا في العزلة، ولن يُشفى إلا بذاته، مهما بلغ عمق الجرح. حتى وإن كان هذه المرة يمس كرامته: بين امرأة تعلّق قلبه بها واكتوى بنيران قربها بزواجها من شقيقه، لتأتي الآن وتظهر وجهها الحقيقي الذي خُدع فيه،وأخرى، ابنة عمه، التي تزوّجها وعاشت في كنفه عددًا لا بأس به من السنوات، حتى أنجب منها طفلين، يفترض أن يقويا رابطة الزواج، لكنها أبدًا لم تعتدل أو تتغيّر.يعلم الله أنه حاول كثيرًا، أن يجعلها تكتفي به ويكتفي بها، قدّم لها الحب والمودة، لكن عقلها اليابس وقلبها الأسود لم يتأثرا أبدًا بتلك المحاولات.حظّه البائس أوقعه بين زوجين من النساء، ما أبشعهما:إحداهن تدفعها الكراهية لأذية الجميع دون استثناء،والأخرى ناعمة بنعومة الأفاعي، جميلة من الخارج، وبشعة من الداخل.مرّ بذهنه فجأة وجه مختلف... ليست واحدة من الاثنتين.ذات لسان طويل وطبع حاد، تتشاجر حتى مع الذباب إن أزعجها، والجميع تقريبًا يخشاها لشراستها.لكن لا أحد يعلم أن خلف تلك الشراسة امرأة عادية... لمس ضعفها بنفسه في لحظات نادرة......................الاسم "مقهى شعبي"، ولكنه في الحقيقة شيء آخر، لا يفرّق عن المصرف سوى أمتار قليلة.مساحته مفتوحة لكل روّاده من السكارى ومتجرّعي المواد المخدّرة، غافلين عن أن الله حرّم كل ما يذهب العقل، والخمر على رأسها، فقال: 'إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.'"وقد اتخذ هو طاولة له وحده، بعيدة عن المتسوّلين والمدمنين، يتجرّع زجاجة تلو الأخرى من الخمر،وكلما فرغت واحدة، ألقاها نحو مياه المصرف فتبتلعها.ومع ذلك... لا شيء حتى الآن أذهب بعقله.ـ عرفان يا صاحبي.دوى الصوت المألوف في أذنيه، فالتفت إليه يطالعه بصمت. لم يأبه به الآخر، بل تقدّم ساحبًا أحد المقاعد البلاستيكية القريبة، وجلس عليه مقابله:ـ بسلم، ما بتردّش ليه يا عم؟ كنت بايت في حضنك أنا؟ طب حتى باركلي، طلعت من السجن.ناظره عرفان بنظرة يعرفها جيدًا... ما زال يشكّ به.وما يمنعه عن الفتك به، أنه لا يملك دليلًا.خرج صوته أخيرًا بعد فترة من الصمت:ـ مبروك يا سيدي. بس انت جاي هنا؟ مش خايف لولاد الحرام اللي كانوا عايزين يخلّصوا عليك قبل سابق يظهروا من تاني؟ المرة دي هيرموك في المصرف على طول.نظر عطوة نحو ما أشار إليه... وتلك المياه السوداء في الظلام.انقبض صدره خوفًا، لكنه لم يُظهره أمامه:ـ لا، ما أنا سَوّيت أموري معاهم.عقّب عرفان بتشكيك:ـ يعني وصلتلهم وجعدت معاهم كمان؟! غريبة يا أخي،مع إن أنا دورت عليهم وسألت الدنيا كلها، وما عترتش عليهم.برر عطوة على الفور:ـ لا، ما هما سابوا البلد واصل،ولما ياجو هعرفك مكانهم...المهم، جولّي: كيف سمحت لواض الفرطوس ده يعملها؟ ويضحك الناس عليك؟!الحكاوي مالية البلد، وأنا زعلت جوي لما عرفت باللي حصل.حدجه عرفان بناريّته، ودخان حريقه الداخلي يخرج من فتحتي أنفه وفمه في هذا الظلام.ألقى الزجاجة الفارغة نحو المصرف، يردّ عليه بكلمات مقصودة:ـ كل كلب هياخد حسابه... كامل ومكمّل، خليك فاكرها دي.عرفان ما يسيبش حقه... ولا يخلي حد يعلّم عليه واصل.................ما هذا الخمول والثقل الذي تشعر به يحيط بجسدها وكأنها مقيدة؟ما هذا التعب الجسدي الذي...توقفت فجأة عن التساؤلات التي كانت تدور في رأسها، وهي تستعيد وعيها بعد فترة طويلة من النوم، لتفتح أجفانها إلى النور أخيرًا، فتعِي على وضعها الجديد.نائمة في غرفة ليست غرفتها، وعلى سريرٍ ناعم بشدة، وغطاء كأنّه من حرير، وو...يا إلهي... لقد تذكرت الآن! وعاد إليها وعيها بالكامل.تُطالع الوجه القريب منها، وتلك الذراع التي تُقيدها وتمنعها من النهوض إلا بإيقاظه – كما يبدو لها.إذاً، ماذا تفعل؟ وهذه أول مرة تتأخر إلى هذا الوقت، كما ترى الآن على ساعة الحائط المعلقة أمام عينيها، تشير إلى تجاوز الحادية عشرة صباحًا...تنهدت، تترك حيرتها الآن لتُركّز بصرها عليه، وتتذكر ليلتها معه.اكتنفها شيء من الخجل، وذهنها يعيد صورًا كثيرة لا تستوعب حتى الآن كيف حدثت؟وهي التي هيأت نفسها لسيناريو مأساوي كما حدث معها في زواجها الأول، أو أقل قليلًا...لقد اختبرت بين يديه مشاهد لم تكن تعي بوجودها أصلًا.من يراها في بداية الليلة، وهي في حالة يُرثى لها، لا يُصدّق أنها ذات المرأة التي تحوّلت بعد ذلك معه.تذكُر جيدًا أنها حاولت صده ومقاومته، ولكنه استطاع أن يجعلها تستجيب له...إلا أن عقلها اليقِظ بعُقد الماضي توقف بها عند مرحلة ما، لتدفعه عنها وتبكي... يا لها من بائسة!ومع ذلك، لم ينهَرها، لم يصرخ في وجهها، ولم... يصمّ أذنيه ويكمل دون اكتراث، كما كان يحدث قديمًا.هادنها كطفلة، راعى أمرها وكأنها عذراء في مرتها الأولى...هل يُعقل بعد كل ذلك أن يُعاملها بهذه الطريقة؟تمتنّ له بشدة... كما أنها لا تُنكر إعجابها به.هل ابتسم لها الحظ أخيرًا، حتى تستيقظ بهذه الراحة، وبرؤية صاحب الوجه الوسيم بهذا القرب؟توقفت فجأة عن شرودها حين انتبهت إلى تحرّك عضلة في وجهه، تبِعتها أخرى في أماكن مختلفة، علامة على قرب استيقاظه.فسقطت بجسدها تحت الغطاء، تدّعي النوم، تُغمض عينيها لحظة... لحظتين...لا يصلها أي صوت أو حركة... هل تظن أنه لم يستيقظ بعد؟همّت أن تستكشف الأمر، وما إن همّت بفتح عينيها ورفع الغطاء، حتى خرجت منها صرخة خافتة، قُطعت فورًا كردّ فعل طبيعي حين تفاجأت به، فجلجل ضاحكًا حتى أغاظها فعله، لتلكزه بقبضتها:ـ عجبتك جوي يعني؟ ولا هي تضحك للدرجادي؟!قبض على يدها يمنعها مشاكساً:ـ وه يا مزيونة، دا انتي خدتي عليا جوي، كده في يوم صباحيتنا بتضربيني!هتفت بغيظ، وهي تحاول تحرير يدها من قبضته:ـ ما أنت السبب بعمايل الصغار بتاعتك، خضيتني يا حمزة... باه عليك!زاد في تسليته، مرددًا بتحدٍّ:ـ باهين تلاتة أربعة حتى... جولتلك قبل سابق، أنا راجل عقلي صغير، وهفضل طول عمري صغير!هاوديني بجى مدامتي الكبيرة العاقلة!اللعنة... إنها لا تعرف حتى كيف تُجاري خفة دمه، فتتوقف لحظات مدهوشة بأفعاله، قبل أن يخرج منها:ـ طب بعد عني يا حمزة، وخليني أَجُوم. جايم رايق وأنا لسه بستوعب إني صحيت أصلاً... بعد يا حمزة، وزنك تقيل!ضحك معقّبًا على "دبش" كلماتها، حتى وصل به المرح لأن يُكبّل ذراعيها:ـ تقيل؟ تقيل برضو؟ دي كلمة تتقال من عروسة لعريسها يوم صباحيته؟ثم تعالي هنا، هتنبري عليا عشان جايم مبسوط؟ ما هو ده الطبيعي يا ست يا نكدية!ارتخت يداها عن مقاومته فجأة، لتتساءل بأعين لاح فيها الاستجداء، وكأنها لا تُصدق بعد:ـ يعني انت فعلاً جايم مبسوط يا حمزة؟ ولا بتحاول تبسط نفسك جدامي... زي ما كنت كده بتعمل ليلة امبارح؟اللعنة... بماذا تهذي هذه المرأة؟انتفض فجأة ليعتدل جالسًا، ثم سحبها لتجلس مقابله، يحدثها بجدية، مستفهمًا:ـ ليه بتجولي كده؟...توقف، لا يعرف بما يواصل... وكأن جهاز النطق أصابه العجز والشلل.ألهذه الدرجة مدمّرة داخليًا؟ حتى ذلك الشيء الجميل الذي تمّ بينه وبينها لا تُصدّقه؟وتحسب سعادته معها تصنّعًا؟...لعنة الله عليك يا عرفان.ضمّها إلى صدره فجأة بقوة، يحثها:ـ اسمعي لما أقولك...إياكي تكرريها تاني، ولا تسألي.انتي تدوري على نفسك الأول.لو مش مبسوطة، تقوليها... ومتخافيش.متدوريش على سعادتي أنا على حسابك إنتي.إياكي تعمليها، ولا تيجي على نفسك عشاني.قسماً بالله... ما هسامحك.رفع رأسها إليه مشددًا:ـ سمعاني؟أومأت، تهزّ رأسها بطاعة ووداعة...جعلته يفقد السيطرة على ما تبقى من ثباته، يباغتها على حين غرة، يُجفِلها بهجومه عليها، يُطفئ نار غضبه، ويُسكتها عن الجدال والتفكير الأحمق.يبدو أن مشواره معها طويل... وهو مرحّب جدًا بخوضه.............................مساءامن خارج الغرفة كان يغمغم ساخطًا:ـ راجل بارد، ما عندوش دم ولا بيشم ريحته حتى! أبو شكله... أنا كان لازم ما أطلّعلهوش أصلاً.التفتت إليه من أمام المرآة، حيث كانت تمشط شعرها، وسألته:ـ مين اللي بارد وما عندوش دم؟توقف يطالعها بتقييم، وقد بدّلت ملابسها وتحمّمت بعد خروجه. شعرها الندي يعزف سيمفونية مع تفاح وجنتيها، والكحل المسحوب على رسم عينيها الساحرتين. كانت ترتدي عباءة! بالوانٍ زاهية أَضفت مزيدًا على حسنها، ولكنها عباءة، تُغطيها من أعلى رقبتها حتى أقدامها في الأسفل.ارتفعت أبصاره نحوها فجأة، بعينين متسعتين، وكأنه رأى شيئًا يخالف الطبيعة:ـ لابسة عباية يا مزيونة؟! عباية في ليلة صباحيتنا؟!فغرت فمها لحظة، نزلت بعينيها نحو ما ترتديه، وردّت باستغراب:ـ ومالها العباية؟ وإيه دخل الصباحية أصلاً بعباية لبستها عشان بلاقي راحتي فيها؟ضاقت حدقتاه، وعلت ملامحه جدّية واضحة، خطا بقدميه حتى وصل إليها:ـ "راحتك" يا مزيونة! أنا عمال أسب وألعن في العمدة بوز الأخص اللي عامل فيها صاحب واجب وجاي يبارك لي النهارده من دون باقي الأيام... عشان أخش دلوك ألاقيكي صدماني ولابسة عباية؟! عباية يا مزيونة؟!أردف كلماته الأخيرة بأداء درامي جعلها، دون أن تشعر، تقلّده:ـ سلاااامتك من الصدمة! بس برضو فيها إيه؟ هي العباية بقت "كُخ" وعيب مثلًا؟ـ حبيبتي... يا عسل.قالها ضاحكًا، وقد أثارت عفويتها تسليته، ليضيف:ـ بتعيبي عليا يا مزيونة؟ ماشي... أوضحلك عملي، مدام مش فاهمة يا غالية، عشان تفهمي أكتر.تحرك خطوتين بجانبها نحو خزانة الملابس، فتح ضرفتيها، ولوّح أمامها بيده نحو عدد من قطع الملابس... بألوان وقصات مختلفة، وأشياء أخرى تخجل حتى من النظر إليها.كانت تعرف بوجودها من البداية، لكنها أغلقتها ولم تجرؤ على ارتداء شيء منها.ـ اتفضلي يا ست مزيونة، ده كله مش عاجبك؟! ده أنا طلع عيني وخصصت يوم كامل عشان أنقيهم.ـ يوم كامل عشان تنقيهم فيه؟! وليه التعب والمصاريف؟ الحاجات دي غالية، أنا تقريبا عارفة تمن كتير منهم لأني جهّزت ليلى. بس مالي بيهم؟ دي... دي حاجات... تتلبس إزاي أصلًا؟!نفسي أفهم... انت اتعاملت إزاي وانت بتشتريهم؟تبسم بمكر وقد فهم مقصدها:ـ تقصدي البنات اللي كنت بشتري منهم؟ وّه دا، كلّهم كانوا فرحانين جوي، وبيتسابقوا مع بعض، وهما بيختارولي... بعد ما وصفتلهم شكل العود الفرنساوي اللي يهبّل...ـ بس يا حمزة!صاحت بها تقاطعه قبل أن يتمادى بوقاحته التي شهدت عليها منذ الأمس، ليؤكدها الآن، مخرجًا واحدة من تلك القطع، التي لا تعرف حتى من أي اتجاه يتم إرتدائها.ـ إيه ده؟سألت إستفسار طبيعى بالنسبة إليه، وهي تنظر إلى القطعة التي رفعها أمام عينيها، فطالعها بانبهار قائلاً:ـ شوفي... هو أنا مش فاكر اسمه إيه بالظبط، بس بصراحة عاجبني. لونه كده نبيتي وناري، دا غير إنه يشبه المايوه...قال الأخيرة بمرح ضاعف من استفزازها، لتنتفض فجأة عن كرسي المرآة صائحة:ـ والنعمة ما هيحصل! بقى أنا ألبس ده؟ ليه؟ اتجننت؟!مطّ شفتيه بثقة وهو يخبرها:ـ والله، ولو حلفتي بأيمان المسلمين كلها، برضه هتلبسيه.ده إحنا لسه معانا سنة كاملة في الحاجات اللي مالية الدولاب دي... لازم نبتدي فيها من النهاردة!ـ وأنا بقولك: "لاه" يعني لاه يا حمزة!هتفت بإصرار وتصميم، فواصل هو من جهته تحدّيها:ـ وأنا بقولك: هتلبسيه يعني هتلبسيه، يا مزيونة!وهي كلمة... ومش هتتنيها!تجمّدت في مكانها بعدم استيعاب. لا تصدّق مدى الجدية التي يتحدث بها، وتلك الابتسامة المرتسمة على شفتيه تزيد من غيظها وقهرها أيضًا.دبّت الأرض بقدمها مغمغمة:ـ وه...علّق بمكر وخبث:ـ واهين تلاتة أربعة!هطلع برا الأوضة دلوك عشان تعمليهولي مفاجأة...

بادرته ليلة بسؤالها فور أن دلف إليها إلى داخل الغرفة التي صعدت إليها بعد نصف ساعة فقط من حضور الحفل المتواضع لزواج والدتها، ليجيبها معاذ الآن بفرح أشرق بوجهه:

ـ مشيوا أخيرًا يا قلبي! يا سلام، يا أما أنا فرحان جوي يا ناس، كده مبقاش زيتنا في دقيقنا وبس، دي بقت رابطة جوية مننهاش منفذ.

أومأت باستجابة إليه بابتسامة ضعيفة، فجلس هو على طرف الفراش يخلع الحذاء من قدميه، ثم خلع سترته العلوية وهمّ بخلع البقية، لكنه انتبه فجأة لشرودها فتوقف سائلاً:

ـ مالك يا ليلى؟ في حاجة شغلاكي؟

تطلعت إليه بعجز وصل إليه، وكأنها تخشى البوح، الأمر الذي أثار قلقه، فسقط جالسًا مقابلها يحثها برجاء:

ـ لا يكون في حاجة تعباكي؟ ردي يا ليلى الله يرضى عنك، أنا على شعرة والله!

ـ مفيش يا معاذ، أنا بخير وعال العال جدامك، أهو.

عادت للصمت مرة أخرى، حتى فاض به فصاح بها:

ـ ما هو سكوتك ده بيخليني أتأكد أكتر إن في حاجة، اتكلمي بجى وريحي قلبي!

وكأنها كانت في انتظار انفجاره، لتنطلق في نوبة مفاجئة من بكاء حارق، ضاعف من جزعه:

ـ هي وصلت كمان للبكا! يا مرك يا معاذ، العيل اتضرّ صح؟

ـ جولتلك لاه، جولتلك لاه! أنا بس...

ـ انتي إيه؟... معقول تكوني زعلانة عشان أمك اتجوزت؟

صدر ترجيحه الأخير بتخمين ضعيف، لكنه سرعان ما تأكد من ظنه حين وجدها صمتت فجأة تطأطئ رأسها، حتى استجمعت شجاعتها لتتكلم أخيرًا:

ـ مش غيرة والله يا معاذ، ولا أنانية، بس...

لم يقاطعها، بل فضّل الانتظار لتُخرج كل ما يؤرقها:

ـ أمي اتظلمت كتير، كتير جوي. أنا أصلًا من يوم درِيت بنفسي والدنيا، وأنا شايفاها لابسة أسود. الأول كان حزن على سِتي، وبعدها حزن على سيدي، لكن تلبس ملوّن ولا تتنزّه زي باقي الستات؟ لأ. ياما الزفتة صفا كانت تكيدها بكل شغل الستات المعروف، وهي كانت تبلع وهي ساكتة. أبوي تاركها زي البيت المهجور تحت عينه، وبرضه ساكتة. ودلوك بعد السنين دي كلها، إن ربنا يعوضها بعمي حمزةعشان يفكرها بعمرها، ويرجعها لسنين صباها اللي انسرقت منها، دي حاجة فوق الخيال بالنسبالي، بس... معرفش ليه حاسة بحاجة وجعاني مش قادرة أحدد هي إيه.

تبسم معاذ بحنو، ليميل على رأسها يقبّلها، يربّت على خدها بكفه:

ـ طب بس بس، هوني على نفسك، يا شيخة خلعتيني. الحيرة واللخبطة دي أكيد يعني شعور طبيعي عشان الوضع الجديد. فوقي فوقي، دا أكيد بس عشان سيبتك لوحدك الشوية دول، اصحي كده واستعيذى من الشيطان.

ـ هغير هدومي واروح أصلي ركعتين، أخلصهم، وأجي أقرالك شوية قرآن، أكيد دي عين، على رأي أمي.

تركته يذهب ليدور ذهنها مرة أخرى في تلك الحيرة. فسبب الوجع الذي أخبرته عنه تعلمه جيدًا، ولا تستطيع النطق به، فوالدها الذي تذكّر فقط الآن أن له ابنة، لا يرحمها باتصالاته ورسائله.

شجار آخر يصلها من خارج الغرفة التي تلتزم بها. والدها، الذي لو يطال أن يخنقها بين يديه أو يطردها لسوف يفعل، لكن يمنعه العار كما يقول دائمًا في التخلي عنها، رغم أنها لا تستحق. كم من مرة توقعت أن يسحبها من يدها ويلقيها تحت أقدام حسنية، كما كان يهددها سابقًا. لكن يبدو أن الرسائل القادمة من الجهة الأخرى تخبره ألا يفعلها، حتى لا يقلّ بقيمته إن رفضها ابن شقيقه خليفة.

خمد الصوت فجأة بخروج والدها كما خمّنت، ليأتي دور والدتها الآن في لومها. وكما توقعت، لم تنتظر المرأة لتلج إليها موبخة:

ـ طبعًا جاعدة هنا ورا الشباك وبتتفرجي على زينة الفرح وأنتي ولا هامك! طب يهمك كيف وانتي مدسية هنا واحنا اللي الناس واكلين وشّنا؟ كل اللي رايح واللي جاي يسألنا أنا وأبوكي: كيف هالة مجعداش في الفرح؟ كيف جوزها سيبها لحد دلوك؟ خليتي اللي رايح واللي جاي بيجيب في سيرتنا! هموت وأعرف، هببتي إيه يخليهم يرموكي كده؟ دي خالتك احرجت نفسها وراحت لحسنية وكلمتها، وكان رد الست السكوت وبس!

عند الأخيرة، لم تتحمّل أن تصمت، لتعقب ردًا:

ـ أحسن! تستاهل، كان حد طلب منها تتقدم؟ ما تخليها في نفسها وبناتها! ده إيه الهم ده!

شهقت المرأة ضاربة بكفها على صدرها:

ـ يعني دي جزاتها يا هالة؟ الولية اللي باصة على عمارك تفرحي فيها كده؟ تصدقي بالله، انتي ما حد جايبهالك غير طولة لسانك دي! خلي جلة أدبك دي تنفعك لما تخسري من كله.

وخرجت سريعًا تصفق الباب بحدّة، تتركها في غيظها تحدث نفسها بتوعّد:

ـ ماشي يا خليفة، خليت اللي يسوى واللي ما يسواش يفرح فيّا عشان أخوك والمحروسة! طب أهو الكلام ثبت والناس كلها اتأكدت، بس هقول إيه فيك يا حمزة، فاجر وما حد يقدر يدوسلك على طرف، حتى وكل الناس عارفة اللي فيها ومحدش برضه يقدر يتكلم! فوضت أمري لربنا فيك يا حمزة، فوضت أمري لربنا...

لقد كان حلمًا، والآن صار حقيقة.

ذلك المنزل الذي أُسِّس من أجلها، وتمّ بناؤه بالصبر والأمل، ليكون سكنًا له ولها، يجمعهما سقفٌ واحد بداخله.

أمام مدخله الآن، كانت تتلقى الدعم والتهنئة والمباركة من شقيقها، الذي لم يتخلَّ عنها يومًا، على قدر ما يستطيع، ورغم قلة إمكانياته.

ضمّها إليه بفرحة الوصول بها أخيرًا إلى بر الأمان، ومحل الثقة، بعد سنوات من العذاب والألم الذي كانت تكابده.

بماذا يُعبّر؟ لا تُسعفه الكلمات حقًا.

تركها باطمئنانٍ تام، أنها الآن في حوزة حمزة؛

سوف يعوّضها عمّا فات، ويعيد إليها ذاتها التي طُمست في سنوات الجهد والعذاب، في زيجتها البائسة الأولى.

كان عمره حينها أصغر من أن يعي خطورة الوضع ليملك حق تقرير مصيرها برفض عرفان، حتى كبر ورأى وفهم، فخُلِقت في قلبه غصّة، لم يشعر بزوالها سوى اليوم.

وبعد ذهاب الجميع وعودتهم إلى منازلهم، لم يتبقَّ سواه معها.

أغلق الباب عليهما سويًّا، لتبدأ معه حياة جديدة، لم تكن في خطتها من الأساس.

بصمت وتفهُّم، جعلها تسبقه في الدخول، وهو بخطواته المتمهّلة يتبعها، حتى توقفت في وسط الرُّدهة والتفتت إليه بحدّة، قائلة:

تابع تقدمه نحوها، ملوّحًا بكفّيه أمامها:

ـ ودي عايزة كلام؟ أكيد في أوضتنا أنا وانتي، اللي على الناحية الشمال جدّامك.

اتجهت أبصارها نحو الجهة التي أشار إليها، فتذكّرت تلك الغرفة التي استفاقت داخلها يوم أن فقدت وعيها، وما سبقها من أحداث مؤسفة تودّ طمسها من عقلها، ولكنها كانت سببًا فيما تمّ.

لم تعِ بوقفتها وحيرتها تلك أنه قد اقترب، حتى شعرت بذراعه التي التفّت حول خصرها تسحبها إليه وتصطدم بصدره، فخرجت منها شهقة إجفال، نابعة من خوفها، لتصله رجفتها بين يديه، حتى سارع بطمأنتها:

ـ هششش، اهدَي... اهدَي يا مزيونة.

بتروٍ شديد، صارت يده تمسح على ظهرها، يضمّها بلطف لا يخلو من حزم، كي لا يترك لها فرصة للهروب منه، موجّهًا كلماته إليها بصوتٍ عميق... عميق جدًا، وقد تخلّى عن عبثه، واضعًا تهدئتها نُصب عينيه... وأن يرتخي تشنجها أولًا، ثم يأتي كل شيء بعد ذلك.

ارفعي عينِك الحلوة دي وحطيها في عيني، ليه تتوتّري أصلاً؟

أنا حمزة... حمزة اللي جابل منك حتى الفُتات، زي ما قولتلك قبل سابق، يبجى متبخليش عليّا حتى بالنظرة.

تغلغلت كلماته الرقيقة إلى مسامعها، لترفع رأسها إليه، وتلتقي عينيه بخاصّتيها الحائرتين، التائهتين، وكأن داخلها غريقٌ يبحث عن طوق نجاة.

ـ أنا عارفة إنك حمزة... عارفة إنك غير اللي فات، غير كل الرجالة كمان، بس...

وقطعت كلامها، تخفض أبصارها مرةً أخرى، ولكنه أبى أن يتركها تتوقف، فرفع ذقنها بطرفي إصبعيه مشددًا:

ابتلعت رمقها لتجسر على المواصلة، وتتحلى ببعض الجرأة في مصارحته:

ـ أنا عايزاك تقدّر خوفي يا حمزة.

ـ الكلام غير الفعل، وانت بتتكلم بثقة عشان لِسّاك على البر، مجرّبتش...

أنا قعدت في ذمّة عرفان أكتر من عشر سنين من غير ما يجرّبلي، وعِشرتي قبلها معاه كانت كلها مشاكل بسبب الموضوع دِه...

يعني لما جُلتلك إني منفعش، كان بسبب كده.

تعقّد حاجباه فجأة، يُعقّب بتفكه على تصريحها:

ـ آه! وانتي فاكراني كده هزعل يعني؟

ولا حاطّة في بالك إنك بتدّيني حذري عشان ما انصدمش لما يحصل المُراد؟

قصد بالأخيرة التخفيف عنها، فبزغت ابتسامة رقيقة بزاوية ثغرها، وشفاها المطلية بالأحمر القاني.

نظرة واحدة منها كادت أن تُطيح بثباته، وهو في أمسّ الحاجة للصبر والتمهُّل معها.

صدرَت منه حمحمة خشنة، وصوت بالكاد يستجمعه:

ـ بَجولك إيه... ما تسيبك من كل الأفكار والهواجس اللي في مخّك دلوك، ونشوف الأهم.

وما كادت أن تنهي سؤالها، حتى وجدته يرفعها بغتة بين يديه ويحملها قائلًا:

رد وخطواته السريعة تعرف طريق وجهتها:

ـ عشان أنا حالف إنك ما تدخلي الأوضة الليلة دي غير وأنا شايلك.

احمدي ربنا ما عملتها على عتبة البيت جدام أخوكي وعياله!

................................

دخلت منى خلف زوجها إلى داخل منزلهما بشعور من الارتياح يغمرها، وابتسامة لا تفارق محياها، عائدَين من حفل الزفاف الذي تم كالسحر اليوم.

ـ حمزة الفرحة مش سايْعاه يا منص، وكأنه مش مصدق إنه أخيرًا حقق حلمه بجوازه منها!

عقّب منصور وهو ينزل ابنته التي كانت نائمة على كتف ذراعه، ليضعها على الأريكة التي تتوسط المدخل:

ـ عشان حبها بجد. أخوكي على قد ماهو ناصح ولف ودار، لكنه ما طالش الإحساس الحلو ده غير معاها. واخدة بالك يا حب عمري إنتِ؟

جلس أخيرًا ليسحبها من يدها كي تجلس هي أيضًا، ثم التفت بذراعه حولها يضمها إليه، يقبّل رأسها مردفًا:

ـ اللي جرب بس هو اللي يعرفه، كد حلاوته، كد عذابه برضه، لكنه الحياة نفسها. ربنا ما يحرم حد من حبيبه.

مالت هي برأسها على صدره تريحه، كي تتمتع بلطف مودته وعشقه:

ـ آمين يارب، أنا بجى جربته وعرفته على يدك. كتير جوي أسمع عن فلان بيحب فلانة وفلانة عادي، لكن إن يخليها برضه تبادله نفس الشعور، ده التحدي نفسه، وانت فوزت ونجحت وخلتني أحبك أكتر كمان.

شدّد منصور من ضمّته، يريح ذقنه أعلى رأسها، يتنهّد براحة قائلًا:

ـ متهيألك يا منى، أنا حبي زي المرض! الناس اللي في حالاتي عقلهم بيطير منهم لو ما طالش الوصال مع محبوبه. الحمد لله أنا كنت دايمًا ماشي بدعواتي إن ربنا يوضَع اللي في قلبي في قلبك، وربنا كان رحيم بيا وحقق لي أمنيتي.

تمتمت بها ثم استدركت تسأله بتذكّر:

ـ إلا صحيح يا منصور، ما قولتيش عملت إيه مع خليفة؟ وافق بقى يرجّع هالة؟

زفر الأخير وارتخت ذراعه عنها، ليجيبها بقنوط:

ـ للأسف يا مني، شكل الموضوع كبير جوي مع أخوكي. أنا ما رضيتش أرد عليكي ساعة ما سألتيني جدّام أمك عشان مزيدش عليها، بس خليفة زعلان جوي، وساكت، مابيطلّعش اللي في قلبه حتى عشان الواحد ياخد ويعطي معاه في الحديت.

ـ دي حقيقة فعلًا، خليفة كتوم طول عمره، لا هو بجرأة حمزة ولا بجنان الصغير. يعني هالة دي أصلًا ولا كانت على باله ولا من نصيبه، ومع ذلك لما عرض أبوي عليه جوازها بعد عملة حمزة، برفض إنه يتجدملها وافق عشان يرضيه، رغم علمه بعيوبها اللي كنا كلنا نعرفها من واحنا عيال صغيرين. الله يهديها، البت دي تعبتنا كلنا معاها.

بعد أن انتهيا من الصلاة سويًا، وقرأ على رأسها دعاء الليلة حتى يُحفّ زواجهما بالبركة والمودّة، نهض عن سجادته بظنٍّ منه أنها ستقوم معه، لكنها تحججت برغبتها في ركعتين إضافيتين.

فتركها لرغبتها، لكنها طالت وأطالت، وهو في انتظارها قرابة النصف ساعة الآن، حتى تربع بقدميه بصبر يتعلمه على يديها.

وظل على سكونه، حتى إذا انتهت أخيرًا، والتفتت برأسها إليه، وجدته جالسًا على الفراش بابتسامة ارتياح يطالعها.

التفتت مرة أخرى إلى الأمام، لتظلّ في مكانها، وكأنها التصقت بسجادتها.

وبدون انتظارٍ آخر، قفز سريعًا ليلحق بها قبل أن تعود للصلاة مرة أخرى.

فجذبها من يدها على حين غرّة، كي تقوم معه من مكانها.

استجابت، تتركه يسحبها، ويسير بها حتى جلس، وأجلسها مقابله على طرف الفراش، يخلع الطرحة من رأسها، لينثر الشعر الحريري حول وجهها، ويتأملها بعدما مسحت عن وجهها كل المساحيق.

وعلى الرغم من جمالها بتلك الزينة، إلا أن بهذه النضارة وملامح الوجه التي وضع الخالق بصمته عليها، تجعل الطبيعي أجمل بألف مرة.

حتى والحيرة ترتسم على ملامحها بوضوح، فوجد صوته أخيرًا يمازحها:

ـ مش هناخد اليوم كله في الصلاة... ولا إيه يا صاحبي؟

أهدته ابتسامة ضعيفة أخرى، فيما يجتاحها من الداخل مشاعر متصارعة، جعلتها تفقد تلك الميزة في تحدّيه...

طريقه طويل، وعليه أن يبدأ الآن.

تناول كفها بين يديه، يرفعه إليه، معلّقًا:

ـ ـ تصدّجي إن دي أول مرة أمسك فيها يدك؟

ده أنتي حتى الدهب ما خلتينيش ألبسهولِك، ولا حتى أشوفه عليها...

بس بيقولوا: "إن اللي يدها حلوة، هي كمان حلوة."

أرفق الأخيرة بنظرة إليها ذات مغزى زادت من توتّرها، ليفاجئها بسؤاله:

ـ ليه مارسَمتيهاش بالحنّة يا مزيونة؟

ردّت بحرج، وهي تجاهد أن تنزع يدها منه:

ـ عادي... ما بحبهاش، وحسّيتها مش لازمة يعني بصراحة.

تلقّت ردّه بابتسامة، وهو يمسح بإبهامه على ظهر كفها:

ـ شوفي... رغم إني بحبها، بس بصراحة كده أحسن.

عشان اليد الحلوة دي أشوفها وهي على طبيعتها أحلي...

ناعمة جوي، ولا كأنها حتة مارشميلو!

أمال دي لو لقت الراحة والدلع، هتبقى كيف؟

وهنا، وقد بدأت تستشعر الخطر، حاولت بقوة أن تُفلت يدها منه، لكنه شدّ عليها، بل زاد أكثر هذه المرّة، بأن رفعها إلى فمه، يُقبّل كل إصبع وحده.

فسرَت داخلها قشعريرة، وعاد الخوف يزحف إليها، لتطالبه دون انتظار:

ـ حمزة... أنا عايزة أنام وحدي، تطلع انت من الأوضة؟ ولا أطلع أنا؟

توقّف لحظات يطالعها بجمود، وهي تبادله بانفعال جعل صدرها يصعد ويهبط بتسارع.

وبدون أن يتفوّه بكلمة، حسم وجذَبها من ظهرها إليه، يضمّها بين ذراعيه، ويُجفلها للمرة الثانية، قائلًا:

ـ عايزة تبعدي؟ وأنا ما صدّجت أقرّب!

أي نوم ده اللي هييجيلي لو نمتي بعيد عني؟ ومن غير ما آخدك في حضني؟

حُطيها في علمك من دلوك، من النهاردة حضني بجى بيتك...

ومافيش مرة تبعد عن بيتها، حتى لو حصل خلاف بينها وبين راجلها.

أم أن كلماته أصابت شيئًا ما داخلها أفقدها النطق وعزيمة الرفض؟

حتى باغتها، مستغلًّا لحظة التشتّت، ليهبط برأسه نحو ثغرها الشهي، يُشبِعها ويُشبِع شوقه منها، لم يترك لها فرصة للاعتراض أو الصد، فكانت كلما تحاول — حتى مجرد محاولة — يُحبطها بطريقته. فقد نفد صبره منها تمامًا، ويجب عليها الآن أن تدرك الفرق جيدًا... بين الرجال وأشباه الرجال،

وأن تعي أنها امرأة كاملة الأنوثة، لا ينقصها شيء... سوى رجل يُدرك قيمتها الحقيقية.

فتنوّعت لمساته بين حزمٍ ولطف، ومداعباتٍ وتدليل، ومهادنة، وكأنها بِكر في أول زواج لها،

حتى يصل بها إلى النقطة التي تجد بها ذاتها؛

تلك المرأة التي وهبها الخالق أنوثةً مهلكة، لكنها لا تراها، ولم تكن تشعر بها.

أنانيٌّ هو، إن اكتفي بما يريده منها، دون أن ينظر لما تحتاجه.

ففي تلك اللحظات، لا يصحّ الأخذ فقط دون العطاء… والعطاء ببذخ، كما يفعل هو الآن.

وبعد وقتٍ طويل، حين سمح لها أن تلتقط أنفاسها أخيرًا، نظر إليها بابتسامة متخمة بالسعادة، يمطر جبهتها بعدة قبلات، قائلًا:

ـ ده انت طلعت جامد جوي يا صاحبي!

في بقعةٍ قريبة من النيل الذي يجري على حدّ بلدتهم،

ألقى من يده السجادة التي أتى بها من حقيبة السيارة، فرشها على الأرض، ثم وضع عليها الوسادة واستلقى، واضعًا ذراعه تحت رأسه، وعيناه نحو السماء ونجومها التي تتلألأ أمامه.

لقد حان وقت الخلوة مع نفسه، حيث السكون والهدوء بعد انتهاء "الليلة الكبيرة" التي أدّى فيها واجبه على أكمل وجه كعادته، دون أن يتحدث أو يفضي لأحد بما يعتمل في قلبه من حزن وقهر.

رغم كل المحاولات التي قام بها زوج شقيقته، وشقيقه معاذ، وحتى حمزة، الذي لا يليق به الانشغال بغير نفسه في هذا اليوم، إلا أنه جاهد لاستدراجه ولو بكلمة، لكنه أفلت منه كما أفلت من البقية.

هذه طبيعته؛ لا يجد راحته إلا في العزلة، ولن يُشفى إلا بذاته، مهما بلغ عمق الجرح. حتى وإن كان هذه المرة يمس كرامته: بين امرأة تعلّق قلبه بها واكتوى بنيران قربها بزواجها من شقيقه، لتأتي الآن وتظهر وجهها الحقيقي الذي خُدع فيه،

وأخرى، ابنة عمه، التي تزوّجها وعاشت في كنفه عددًا لا بأس به من السنوات، حتى أنجب منها طفلين، يفترض أن يقويا رابطة الزواج، لكنها أبدًا لم تعتدل أو تتغيّر.

يعلم الله أنه حاول كثيرًا، أن يجعلها تكتفي به ويكتفي بها، قدّم لها الحب والمودة، لكن عقلها اليابس وقلبها الأسود لم يتأثرا أبدًا بتلك المحاولات.

حظّه البائس أوقعه بين زوجين من النساء، ما أبشعهما:

إحداهن تدفعها الكراهية لأذية الجميع دون استثناء،

والأخرى ناعمة بنعومة الأفاعي، جميلة من الخارج، وبشعة من الداخل.

مرّ بذهنه فجأة وجه مختلف... ليست واحدة من الاثنتين.

ذات لسان طويل وطبع حاد، تتشاجر حتى مع الذباب إن أزعجها، والجميع تقريبًا يخشاها لشراستها.

لكن لا أحد يعلم أن خلف تلك الشراسة امرأة عادية... لمس ضعفها بنفسه في لحظات نادرة.

الاسم "مقهى شعبي"، ولكنه في الحقيقة شيء آخر، لا يفرّق عن المصرف سوى أمتار قليلة.

مساحته مفتوحة لكل روّاده من السكارى ومتجرّعي المواد المخدّرة، غافلين عن أن الله حرّم كل ما يذهب العقل، والخمر على رأسها، فقال: 'إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.'"

وقد اتخذ هو طاولة له وحده، بعيدة عن المتسوّلين والمدمنين، يتجرّع زجاجة تلو الأخرى من الخمر،

وكلما فرغت واحدة، ألقاها نحو مياه المصرف فتبتلعها.

ومع ذلك... لا شيء حتى الآن أذهب بعقله.

دوى الصوت المألوف في أذنيه، فالتفت إليه يطالعه بصمت. لم يأبه به الآخر، بل تقدّم ساحبًا أحد المقاعد البلاستيكية القريبة، وجلس عليه مقابله:

ـ بسلم، ما بتردّش ليه يا عم؟ كنت بايت في حضنك أنا؟ طب حتى باركلي، طلعت من السجن.

ناظره عرفان بنظرة يعرفها جيدًا... ما زال يشكّ به.

وما يمنعه عن الفتك به، أنه لا يملك دليلًا.

خرج صوته أخيرًا بعد فترة من الصمت:

ـ مبروك يا سيدي. بس انت جاي هنا؟ مش خايف لولاد الحرام اللي كانوا عايزين يخلّصوا عليك قبل سابق يظهروا من تاني؟ المرة دي هيرموك في المصرف على طول.

نظر عطوة نحو ما أشار إليه... وتلك المياه السوداء في الظلام.

انقبض صدره خوفًا، لكنه لم يُظهره أمامه:

ـ لا، ما أنا سَوّيت أموري معاهم.

ـ يعني وصلتلهم وجعدت معاهم كمان؟! غريبة يا أخي،

مع إن أنا دورت عليهم وسألت الدنيا كلها، وما عترتش عليهم.

المهم، جولّي: كيف سمحت لواض الفرطوس ده يعملها؟ ويضحك الناس عليك؟!

الحكاوي مالية البلد، وأنا زعلت جوي لما عرفت باللي حصل.

حدجه عرفان بناريّته، ودخان حريقه الداخلي يخرج من فتحتي أنفه وفمه في هذا الظلام.

ألقى الزجاجة الفارغة نحو المصرف، يردّ عليه بكلمات مقصودة:

ـ كل كلب هياخد حسابه... كامل ومكمّل، خليك فاكرها دي.

عرفان ما يسيبش حقه... ولا يخلي حد يعلّم عليه واصل.

ما هذا الخمول والثقل الذي تشعر به يحيط بجسدها وكأنها مقيدة؟

توقفت فجأة عن التساؤلات التي كانت تدور في رأسها، وهي تستعيد وعيها بعد فترة طويلة من النوم، لتفتح أجفانها إلى النور أخيرًا، فتعِي على وضعها الجديد.

نائمة في غرفة ليست غرفتها، وعلى سريرٍ ناعم بشدة، وغطاء كأنّه من حرير، وو...

يا إلهي... لقد تذكرت الآن! وعاد إليها وعيها بالكامل.

تُطالع الوجه القريب منها، وتلك الذراع التي تُقيدها وتمنعها من النهوض إلا بإيقاظه – كما يبدو لها.

إذاً، ماذا تفعل؟ وهذه أول مرة تتأخر إلى هذا الوقت، كما ترى الآن على ساعة الحائط المعلقة أمام عينيها، تشير إلى تجاوز الحادية عشرة صباحًا...

تنهدت، تترك حيرتها الآن لتُركّز بصرها عليه، وتتذكر ليلتها معه.

اكتنفها شيء من الخجل، وذهنها يعيد صورًا كثيرة لا تستوعب حتى الآن كيف حدثت؟

وهي التي هيأت نفسها لسيناريو مأساوي كما حدث معها في زواجها الأول، أو أقل قليلًا...

لقد اختبرت بين يديه مشاهد لم تكن تعي بوجودها أصلًا.

من يراها في بداية الليلة، وهي في حالة يُرثى لها، لا يُصدّق أنها ذات المرأة التي تحوّلت بعد ذلك معه.

تذكُر جيدًا أنها حاولت صده ومقاومته، ولكنه استطاع أن يجعلها تستجيب له...

إلا أن عقلها اليقِظ بعُقد الماضي توقف بها عند مرحلة ما، لتدفعه عنها وتبكي... يا لها من بائسة!

ومع ذلك، لم ينهَرها، لم يصرخ في وجهها، ولم... يصمّ أذنيه ويكمل دون اكتراث، كما كان يحدث قديمًا.

هادنها كطفلة، راعى أمرها وكأنها عذراء في مرتها الأولى...

هل يُعقل بعد كل ذلك أن يُعاملها بهذه الطريقة؟

تمتنّ له بشدة... كما أنها لا تُنكر إعجابها به.

هل ابتسم لها الحظ أخيرًا، حتى تستيقظ بهذه الراحة، وبرؤية صاحب الوجه الوسيم بهذا القرب؟

توقفت فجأة عن شرودها حين انتبهت إلى تحرّك عضلة في وجهه، تبِعتها أخرى في أماكن مختلفة، علامة على قرب استيقاظه.

فسقطت بجسدها تحت الغطاء، تدّعي النوم، تُغمض عينيها لحظة... لحظتين...

لا يصلها أي صوت أو حركة... هل تظن أنه لم يستيقظ بعد؟

همّت أن تستكشف الأمر، وما إن همّت بفتح عينيها ورفع الغطاء، حتى خرجت منها صرخة خافتة، قُطعت فورًا كردّ فعل طبيعي حين تفاجأت به، فجلجل ضاحكًا حتى أغاظها فعله، لتلكزه بقبضتها:

ـ عجبتك جوي يعني؟ ولا هي تضحك للدرجادي؟!

ـ وه يا مزيونة، دا انتي خدتي عليا جوي، كده في يوم صباحيتنا بتضربيني!

هتفت بغيظ، وهي تحاول تحرير يدها من قبضته:

ـ ما أنت السبب بعمايل الصغار بتاعتك، خضيتني يا حمزة... باه عليك!

ـ باهين تلاتة أربعة حتى... جولتلك قبل سابق، أنا راجل عقلي صغير، وهفضل طول عمري صغير!

هاوديني بجى مدامتي الكبيرة العاقلة!

اللعنة... إنها لا تعرف حتى كيف تُجاري خفة دمه، فتتوقف لحظات مدهوشة بأفعاله، قبل أن يخرج منها:

ـ طب بعد عني يا حمزة، وخليني أَجُوم. جايم رايق وأنا لسه بستوعب إني صحيت أصلاً... بعد يا حمزة، وزنك تقيل!

ضحك معقّبًا على "دبش" كلماتها، حتى وصل به المرح لأن يُكبّل ذراعيها:

ـ تقيل؟ تقيل برضو؟ دي كلمة تتقال من عروسة لعريسها يوم صباحيته؟

ثم تعالي هنا، هتنبري عليا عشان جايم مبسوط؟ ما هو ده الطبيعي يا ست يا نكدية!

ارتخت يداها عن مقاومته فجأة، لتتساءل بأعين لاح فيها الاستجداء، وكأنها لا تُصدق بعد:

ـ يعني انت فعلاً جايم مبسوط يا حمزة؟ ولا بتحاول تبسط نفسك جدامي... زي ما كنت كده بتعمل ليلة امبارح؟

اللعنة... بماذا تهذي هذه المرأة؟

انتفض فجأة ليعتدل جالسًا، ثم سحبها لتجلس مقابله، يحدثها بجدية، مستفهمًا:

توقف، لا يعرف بما يواصل... وكأن جهاز النطق أصابه العجز والشلل.

ألهذه الدرجة مدمّرة داخليًا؟ حتى ذلك الشيء الجميل الذي تمّ بينه وبينها لا تُصدّقه؟

ضمّها إلى صدره فجأة بقوة، يحثها:

لو مش مبسوطة، تقوليها... ومتخافيش.

متدوريش على سعادتي أنا على حسابك إنتي.

إياكي تعمليها، ولا تيجي على نفسك عشاني.

أومأت، تهزّ رأسها بطاعة ووداعة...

جعلته يفقد السيطرة على ما تبقى من ثباته، يباغتها على حين غرة، يُجفِلها بهجومه عليها، يُطفئ نار غضبه، ويُسكتها عن الجدال والتفكير الأحمق.

يبدو أن مشواره معها طويل... وهو مرحّب جدًا بخوضه.

من خارج الغرفة كان يغمغم ساخطًا:

ـ راجل بارد، ما عندوش دم ولا بيشم ريحته حتى! أبو شكله... أنا كان لازم ما أطلّعلهوش أصلاً.

التفتت إليه من أمام المرآة، حيث كانت تمشط شعرها، وسألته:

توقف يطالعها بتقييم، وقد بدّلت ملابسها وتحمّمت بعد خروجه. شعرها الندي يعزف سيمفونية مع تفاح وجنتيها، والكحل المسحوب على رسم عينيها الساحرتين. كانت ترتدي عباءة! بالوانٍ زاهية أَضفت مزيدًا على حسنها، ولكنها عباءة، تُغطيها من أعلى رقبتها حتى أقدامها في الأسفل.

ارتفعت أبصاره نحوها فجأة، بعينين متسعتين، وكأنه رأى شيئًا يخالف الطبيعة:

ـ لابسة عباية يا مزيونة؟! عباية في ليلة صباحيتنا؟!

فغرت فمها لحظة، نزلت بعينيها نحو ما ترتديه، وردّت باستغراب:

ـ ومالها العباية؟ وإيه دخل الصباحية أصلاً بعباية لبستها عشان بلاقي راحتي فيها؟

ضاقت حدقتاه، وعلت ملامحه جدّية واضحة، خطا بقدميه حتى وصل إليها:

ـ "راحتك" يا مزيونة! أنا عمال أسب وألعن في العمدة بوز الأخص اللي عامل فيها صاحب واجب وجاي يبارك لي النهارده من دون باقي الأيام... عشان أخش دلوك ألاقيكي صدماني ولابسة عباية؟! عباية يا مزيونة؟!

أردف كلماته الأخيرة بأداء درامي جعلها، دون أن تشعر، تقلّده:

ـ سلاااامتك من الصدمة! بس برضو فيها إيه؟ هي العباية بقت "كُخ" وعيب مثلًا؟

قالها ضاحكًا، وقد أثارت عفويتها تسليته، ليضيف:

ـ بتعيبي عليا يا مزيونة؟ ماشي... أوضحلك عملي، مدام مش فاهمة يا غالية، عشان تفهمي أكتر.

تحرك خطوتين بجانبها نحو خزانة الملابس، فتح ضرفتيها، ولوّح أمامها بيده نحو عدد من قطع الملابس... بألوان وقصات مختلفة، وأشياء أخرى تخجل حتى من النظر إليها.

كانت تعرف بوجودها من البداية، لكنها أغلقتها ولم تجرؤ على ارتداء شيء منها.

ـ اتفضلي يا ست مزيونة، ده كله مش عاجبك؟! ده أنا طلع عيني وخصصت يوم كامل عشان أنقيهم.

ـ يوم كامل عشان تنقيهم فيه؟! وليه التعب والمصاريف؟ الحاجات دي غالية، أنا تقريبا عارفة تمن كتير منهم لأني جهّزت ليلى. بس مالي بيهم؟ دي... دي حاجات... تتلبس إزاي أصلًا؟!

نفسي أفهم... انت اتعاملت إزاي وانت بتشتريهم؟

ـ تقصدي البنات اللي كنت بشتري منهم؟ وّه دا، كلّهم كانوا فرحانين جوي، وبيتسابقوا مع بعض، وهما بيختارولي... بعد ما وصفتلهم شكل العود الفرنساوي اللي يهبّل...

صاحت بها تقاطعه قبل أن يتمادى بوقاحته التي شهدت عليها منذ الأمس، ليؤكدها الآن، مخرجًا واحدة من تلك القطع، التي لا تعرف حتى من أي اتجاه يتم إرتدائها.

سألت إستفسار طبيعى بالنسبة إليه، وهي تنظر إلى القطعة التي رفعها أمام عينيها، فطالعها بانبهار قائلاً:

ـ شوفي... هو أنا مش فاكر اسمه إيه بالظبط، بس بصراحة عاجبني. لونه كده نبيتي وناري، دا غير إنه يشبه المايوه...

قال الأخيرة بمرح ضاعف من استفزازها، لتنتفض فجأة عن كرسي المرآة صائحة:

ـ والنعمة ما هيحصل! بقى أنا ألبس ده؟ ليه؟ اتجننت؟!

ـ والله، ولو حلفتي بأيمان المسلمين كلها، برضه هتلبسيه.

ده إحنا لسه معانا سنة كاملة في الحاجات اللي مالية الدولاب دي... لازم نبتدي فيها من النهاردة!

ـ وأنا بقولك: "لاه" يعني لاه يا حمزة!

هتفت بإصرار وتصميم، فواصل هو من جهته تحدّيها:

ـ وأنا بقولك: هتلبسيه يعني هتلبسيه، يا مزيونة!

تجمّدت في مكانها بعدم استيعاب. لا تصدّق مدى الجدية التي يتحدث بها، وتلك الابتسامة المرتسمة على شفتيه تزيد من غيظها وقهرها أيضًا.

هطلع برا الأوضة دلوك عشان تعمليهولي مفاجأة...

رواية لاجلها الفصل الثاني والثلاثون

كانت تظن أنها انتهت... أن ما بها ما هو إلا فتات امرأة أنهكها الألم والخذلان. لكنها لم تكن ميتة، بل كانت راقدة تحت الرماد، تنتظر شرارة تُعيد إشعال الحياة فيها.

لم تكن تدري أن بداخلها أنثى لم تولد بعد، أنثى خُلقت لتُحَب، لتُدلل، لتُحتَضن ككنز نادر لا يقدَّر.

كانت تنتظر من يراها رغم الغبار، من ينتشلها بلطف لا بعطف، من يُعيد تشكيلها لا بتغييبها، بل بإحياء ما خمد فيها من شعور.

كل لمسة صادقة، كل نظرة تُشعرها بأنها مرغوبة، أعادت ترميم كيانها... رويدًا رويدًا، تحوّلت من ظل باهت إلى نور دافئ.

لم تكن تبحث عن فارس، بل عن من يُشعل أنوثتها بكلمة، ويجعلها ترى انعكاسها بعينيه، لا بمرآة اعتادت كسرها.

ها هي الآن... تنبت من بين أنقاضها، امرأة كاملة... لم تُخلق من أجل البقاء، بل من أجل الحياة.

المراجعة والخاطرة الروعة من الرائعة/سنا الفردوس

بعد مدة طويلة من الانتظار، فُتح باب الغرفة أخيرًا، فنهض عن جلسته أمام الشاشة التي كان يُسلِّي وقته بمشاهدتها، متحفزًا بحماس لما هو قادم. لكنه تفاجأ حين وجدها أمامه بهيئة مختلفة تمامًا عمّا كان يتوقعه؛ فقد كانت ترتدي مئزرًا محتشمًا بصورة مستفزة، يُغطيها بالكامل من العنق حتى القدم.

عقد حاجبيه بتساؤل واستغراب، لكنه سرعان ما فهم من نظرتها، وذلك الارتباك الذي كان يلفها، وهي تشدّ على فتحتي المئزر من الأعلى.

تبسَّم داخله بمكر، متظاهرًا بعدم الفهم، واقترب منها بخطوات بطيئة يخاطبها بعتب ودهشة:

ـ طب جاية على نفسك ليه ولابسة روب ستان؟ كنتِ اكتفيتِ بالعباية اللي كنتِ لابساها، ولا نقيتِ عباية تانية أكتر حشمة منها؟

كان قد اقترب ليقف قبالتها، فأخفضت عينيها وهي تهرب منه، وقالت بصوت أظهر مدى ارتباكها:

ـ والله ده اللي عندي، أعملك إيه عاد؟

كانت ترتجف حرفيًا، ويدها لا تزال تشدّ على تلك الفتحة في المئزر الذي شدّت حزامه عليها، مما زاد من صدق تخمينه، ولم يتبقّ له سوى التأكيد. فباغتها على حين غرّة وقبض على يديها، الأمر الذي زاد من توترها، فحاولت دفعه عنها، لكنه أبى أن يتركها تبعده:

ـ بتعملي إيه يا مزيونة؟ عيب عليكِ، أنا جوزك لو تفتكري، مش حد غريب يعني.

وبحركة سريعة، كلمح البصر، نزعه عنها فجأة، ليُصدم مذهولًا أمام ما يراه من فتنة خالصة تجسدت أمامه، الأمر الذي أخجلها بشدة، فحاولت إبعاده عنها حتى كادت أن تبكي، وهي تحاول أن ترفع المئزر مرة أخرى لتُغطي نفسها، لكنه رفض أن يعطي لها الفرصة بعد أن حصل عليه. ألقى به بطول ذراعه على كنبة الصالون التي كان جالسًا عليها منذ قليل، ثم سحبها من يدها ليعود بها إلى غرفة النوم مرة أخرى، لتدب الأرض بقدمها رافضة، قائلة:

ـ سيب يدي يا حمزة! وانت خليتني زي المسخرة كده... عايزة أستر نفسي، بلا قلة قيمة. أنا الغلطانة اللي لبسته أصلًا.

كتم انفعاله داخله حتى لا يغضب عليها ويُفسد اللحظة الساحرة، فقد وعد نفسه أن يتحلى بالصبر معها، وهذا أقل شيء يُقدّمه لها. فتابع يجبرها على السير معه، غير آبه باعتراضها حتى وصل بها إلى المرآة.

أوقفها أمامها، ووقف هو خلفها، يُوجهها بحديثه:

ـ بصّي، بصّي زين، وشوفي مين المرة الحلوة اللي واقفة قدامك؟بصي على هيئتها وجمالها هل دي ينفع يتقال عليها مسخرة؟

نثر شعرها الأسود حول وجهها، وأردف بالمزيد علّها تسمع أو تقتنع:

ـ سبحان من جعلك آيه فى الجمال أنا محظوظ بيكِ يا مزيونة.

لا تُنكر تأثرها بمعسول غزله، الذي يُرضي أنوثتها التي بدأت تكتشفها على يديه، لكنها... لكنها ليست معتادة على ذلك. منذ زمن طويل وهي ملتفّة بالسواد، منذ زمن لم ترتدِ من تلك الأشياء. مرّ عليها من المآسي ما جعلها تنسى حتى هويتها كامرأة، لقد طالت أعوام الحزن التي عاشتها حتى ظنتها دُهورًا، واقتنعت أن عمرها الحقيقي خمسون، لا ثلاثون كما هو مدوّن في بطاقتها.

أردف حمزة، وقد أسند ذقنه على كتفها، يقرأ ما تفكر به من تلك النظرة الضائعة التي يراها جليّة في انعكاسها عبر المرآة:

ـ بدل السرحان والتوهان، انزلي بعينِك تحت شوية، وشوفي النبيتي اللي هياكل منك حيّة! اتأمّلي كده، وقولي إحساسك إيه؟ وانتي شايفة ست بمعنى الكلمة، أجمل حتى من اللي بيطلعوا في التلفزيون.

سمعت كلامه، فأنزلت عينيها نحو ما يُشير، لتُدرك صدق قوله، فارتجف قلبها داخلها وكأنها ترى امرأة أخرى غيرها. ودون أن تشعر، وجدت نفسها تلتفت للخلف، ليصطدم رأسها بصدره، قائلة بضعف:

ـ حمزة، حنّ عليك. أنا مش متعودة على الحاجات دي، أو يمكن نسيتها. مش كله مرة واحدة، الله يرضى عنك.

ضمّها إليه، منتشيًا بشعور ما أعظمه، وهي تهرب من عقدها وخوفها إلى حضنه، مصدر أمانها واطمئنانها، يُقبّل رأسها قائلًا بابتسامة واسعة، لا تخلو من عبث:

ـ خلاص يا قلبي، ولا يهمك. خلّيكِ في حضن حبيبك حمزة على ما تتعودي... ولا أقولك...

توقف، ثم استدار بها بعيدًا عن المرآة قليلًا، وأردف:

ـ طيب، سيبك من كل مرايات الدنيا يا ستي، بس حُطّي عيونك الحلوة دي في عيوني، وانتي تشوفي نفسك زين قوي. بصي فيهم كده وجولي شايفة إيه؟

أسرها داخل عينيه كما هي أسيرة بين يديه، ترى حديثًا كثيرًا لا تفهم منه إلا القليل، لكن يصلها منه شعور جميل، يُرضيها ويُرضي ذاتها جدًا. تلك النظرة التي تتلقاها منه الآن قادرة على إسعاد جميع النساء، ليست هي وحدها فقط.

ـ فسّري اللي شايفاه في عيوني يا مزيونة؟ وانتي تعرفي قيمة نفسك صح.

بماذا ستُخبره؟ هي ليست قادرة على مجاراته من الأساس، تخشى أن تتحدث فيخونها التعبير. أمام حنكته ولباقته، تجد نفسها على طرف الطريق، رغم رغبتها الحثيثة في أن تسايره.

أخفضت بصرها بعجز، كتلميذة تخجل حتى من إجابة أستاذها، ليحسم هو الأمر سريعًا، ويرفع وجهها إليه من أسفل ذقنها بأطراف أصابعه، قائلًا بعجالة:

خطفها سريعًا بقبلة قوية، ثم رفعها من أسفل ركبتيها، يحملها بين يديه، مردفًا:

ـ هو العملي... أسهل طريق يوصل المعلومة أصلًا.

أمام مرآته كان يُمشّط شعره استعدادًا للخروج إلى عمله، وعيناه تذهب كل دقيقة إلى الكمود المجاور له، بسبب الهاتف الذي لا يكفّ عن الضجيج. ضجيج يُؤذي سمعه، ويضغط على الجزء الساكن بداخله بصعوبة. تجدد محاولاتها اليوم بشكل هستيري.

لقد نزلت الملكة "هالة" من عليائها للوصول إليه. ويومًا بعد يوم، أصبحت محاولاتها تزداد جدية، لكن ما تفعله هذه المرة هو الجنون بعينه. هاتفه لا يتوقف عن الرنين باتصالاتها المستمرة. لم تفعلها من قبل، ولا يدري ما الذي استجدّ، لكنه يعلم تمام العلم أن التجاهل التام منه هو السبب.

استجاب أخيرًا، فرفع الهاتف إلى أذنه ليردّ عليها، نتيجة لإلحاحها المستمر، فقط لينتهي منها:

جاء ردّها من الناحية الأخرى بسخرية مشحونة بغضبها:

ـ نعمين يا أستاذ خليفة؟ أخيرًا اتنازلت وردّيت؟ كتر خيرك يا واد عمي، كتر خيرك يا أبو عيالي.

تتحدث بعشم وحماقة، غافلة بعقلها الصغير عمّا جدّ وجعله يكره حتى سماع اسمها، فما باله بتلك النبرة المستهترة التي تتحدث بها الآن؟ فجاء ردّه بشدة وحزم:

ـ اسمعي أما أقولك... أنا مفياش دماغ ليكي أصلًا. عندك حاجة مهمة تخبريني بيها بخصوص العيال، تمام. ما فيش؟ يبقى تقفلي أحسن، لأن غير كده... حتى وقت ما عنديش ليكي.

وصلته شهقة خافتة منها، تدل على صدمتها، قبل أن تتراجع عن حدّتها وتتخذ طريقًا آخر في إلقاء اللوم عليه:

ـ وه يا واد عمي... للدرجة دي مش قادر حتى تسمع صوتي؟ للدرجة دي كرهتني يا خليفة؟ طب أنا غلطت في إيه بس؟ عشان تعمل فيا ده كله؟ يعني مش مكفّيك، كسفتني قدام أمة لا إله إلا الله يوم فرح أخوك؟ لما الكل اتعزم وأنا لأ؟

ـ يعني هو ده اللي هامّك؟ إن الكل اتعزم وانتي لاه؟ بتنقح عليكي كرامتك قدام الناس، ومش بينقح عليكي ضميرك؟ ثم إنتِ مالك أصلًا بالفرح؟ إيه اللي يخصك بفرح واحدة دبرتي وخططتي عشان تعمليلها فضيحة؟ وفي الآخر، السحر اتقلب على الساحر، وشلتي إنتِ الليلة بضميرك السو، وبشريكتك اللي فتّنت عليكي.

ـ شريكة مين؟ إنت بتخرف؟ بتقول إيه يا خليفة أصلًا؟ يتخيل جيدًا صورتها الآن، بتلك النبرة الجزعة التي تتحدث بها، بالطبع لم تكن تتوقع أصلًا أن يحدثها في الأمر، وهو لم يكن يسعى لإخبارها، ولكنها هي من تضطره لذلك، أن يكون صريحًا معها، ويكشف كل أوراقه. لقد ضج منها ولم تعد به طاقة.

ـ حبيبتك روان يا هالة، لتكوني نسيتيها بعد ما أخدتِ غرضك منها، ونفذتِ اللي إنتِ عايزاه، هي بقى ما نسيتش، واتصلت بيا، واشتكت، وبكت، وكانت عايزاني أتجوزها يا هالة، عشان أرد فيها المقلب اللي عملتيه، بعد ما خليتيها تخسر حمزة.

ـ وجع في عينها الكذابة قليلة الأصل، قليلة التربية، تربية الشوارع أناااا؟ تقول عليا كده؟ أوعاك تكون صدقتها يا خليفة؟... يا مِرِّي لا تكون كمان هتتجوزها عليا، صح؟ وديني أروح فيها في داهية لو حصل، لا أعمل لكم كمان فضيحة لو هاودتها يا خليفة... خليفة... خليفة.

كان قد أغلق المكالمة عليها، ولم يكترث بصراخها ولا بما قد تفعله الآن، حتى وإن أحرقت البلدة بأكملها بنيران قلبها التي لا تهدأ أبدًا... لأنها وبكل بساطة أصبحت لا تعنيه.

في طريق خروجه من المنزل، تصادف بتلك الفتاة، أو المرأة كما تصنفها العادات بحكم زواجها، الذي لم يستمر سوى شهور قليلة كما علم مؤخرًا، ولكنها اليوم غريبة، وكأن ما بها من شراسة قد اختفى. يراها اليوم وديعة على غير طبيعتها، ليس معتادًا هو على ذلك، وكان قد اقترب منها وهي قادمة نحوه، فتوقف يلقي عليها التحية، لتضطر من جهتها أيضًا أن تتوقف:

ـ صباح الخير، عاملة إيه يا أبلة اعتماد النهاردة؟ أجابته بنبرة زادت من شكه أن بها شيئًا ما: ـ بخير، والحمد لله... وتشكر على السؤال.

"تشكر على السؤال!" ترددت العبارة داخله بتعجب، لتزيد من ظنونه، فتابع بطريقة غير مباشرة يستحثها:

ـ إنتِ فيكي حاجة النهاردة؟ تعب يعني؟ ولا مشكلة حصلت معاكي؟ تهيأ له في الوهلة الأولى أنها كادت أن تتحدث بالفعل، لكنها تراجعت سريعًا، تنفي:

ـ لااا... لا، ما فيش حاجة، تشكر على السؤال.

"تاني تشكر على السؤال! هي مالها دي؟"

للمرة الثانية لا يستوعب الجملة التي تعيدها بدون سبب وجيه، فواصل مرة أخرى بما يشبه الإلحاح:

ـ أبلة اعتماد، عايز أفكرك إن ليكي عليا بدل الجميل جميلين، بدل التليفون تليفونين عطّلوا بسببي وما قبلتيش العوض فيهم، يعني يا ريت لو عندك مشكلة تقصديني، ومتتردديش، حتى أسد جزء من اللي عليا.

كان لطيفًا للغاية معها، حتى أوشكت أن تخبره بالفعل، ولكن جزءًا من كرامتها منعها أن تفعلها وتستجير برجل، حتى لو كان هو هذا الرجل، وهي حقًا في أمسّ الحاجة إليه.

لتنفي سريعًا وقدماها تخطوان لتتخطاه:

ـ من غير جميل ولا كلام فاضي، أكيد لو احتجت مساعدة... مش هلاقي أحسن منك... متشكرين مرة تانية.

وتحركت ذاهبة، يتابعها هو بعينيه، حتى صعدت السلم الرخامي لمدخل المنزل في الخارج، ثم اضطر أن يستدير ويتابع طريقه، فجاء دورها هي بعد ذلك، في الأعلى عند باب المنزل، وقبل أن تدخله تطلّعت في ظهره وهو يغادر فى طريقه، إلى وجهته، بحيرة داخلها إن كان عليها أن تخبره وتحمل عليه كما حدث في المرة السابقة، ودافع عنها هي وشقيقتها، يحميهما من شرّ ذلك الجبان الذي لا يشعر بقوته سوى بالتجبر على النساء الضعيفات، من صنف شقيقتها التي تزيد على همومها ما يثقل على طاقتها أضعافًا، بشخصيتها المهزوزة تلك.

ولكن، لما عليها أن تشركه في ذلك الأمر؟ هل كان من بقية أهلها كي يتحمل همّها هي وشقيقاتها أيضًا؟

في الموقع الذي كانت تُشرف عليه، وأثناء حديثها مع رئيس العمال، تلقي عليه بعض التعليمات وتتشاور معه، أتاها أحدهم يخاطبها:

ـ يا بشمهندسة، يا بشمهندسة، في واحدة طالبة تشوفك. طالعته بتساؤل:

ـ مين دي اللي جاية تشوفني هنا وأنا بشتغل؟

أشار بيده إلى خارج المشروع الذي يتم العمل به، لتتبين فعلًا وجود امرأة تعطيها ظهرها من خلف السيارة التي تصدرت أمام عينيها، فاضطرت لترك العمل، كي ترى تلك المرأة التي لم تعرفها حتى الآن.

جاء تساؤلها بعفوية، قبل أن تلتف الأخرى وتُعرّف بهويتها:

ـ أيوه يا أختي، هالة، هالة اللي افتكرتك بنت ناس وهتصوني السر، طلعتِ قليلة الأصل وما لكيش سعر.

أجفلت روان، لا تصدق ما وصل إلى مسامعها من تلك المجنونة حسب ما رأتها في هذه اللحظة، لتردد خلفها بعد الاستيعاب:

ـ هي مين اللي ما لهاش سعر ولا أصل؟ إنتِ بتوجهيلي أنا الكلام ده يا هالة؟

ـ أمال لأمي؟ لا، استهبلي يا بت واعملي نفسك مش واخدة بالك، إطلعي من دول، ده أنا الوحيدة اللي فهمتك من أول ما دخلتي البيت.

صاحت بها هالة بصوت عالٍ أرعب الأخرى، تلتفت برأسها يمينًا ويسارًا خوفًا من تسبب تلك المجنونة بفضيحة لها، لتعود إليها بالتحذير:

ـ وطي صوتك وانتِ بتكلميني، واحترمي نفسك، جيالي على مكان شغلي وعايزة تعمليلي فضيحة؟ ده أنا ممكن أدفنك هنا!

تلقت هالة التحذير بأثر عكسي، فرفعت صوتها أكثر وكأنها قاصدة بالفعل أن تفضحها:

ـ فضيحة واحدة؟ قولي يا أختي فضايح، مش إنتِ يا عديمة الكرامة رايحة لجوزي تطلبي إيده عشان يتجوزك؟ بقصد تجهريني؟ ده أنا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي النهاردة، وخلي حد يحوشني عنك! غلّب الأيام اللي فاتت كلها هيتحط عليكي، وخلي حد يقدر يخلصك مني، تعالي هنا!

فما كادت أن تنهي كلماتها، حتى هجمت عليها على حين غرة، وقبل حتى أن تعطيها فرصة للصدمة أو تستأذنها، هجمت تمسكها من شعرها المصفف الجميل لتُسقطها أرضًا وتجثو فوقها، حتى تربيها وتشفي غليلها منها، ولكن الأخرى لم تكن ضعيفة حتى تعطيها غرضها دون أن تقاوم أو ترد القلم بقلمين، وخصلة الشعر المقتلعة في الكف، قُبالها خصلات، فصارت معركة حامية بخسائر فادحة، نتيجة الأرض الصخرية القاسية أسفلهما، وحرارة الشمس العالية، بالإضافة إلى خلو المكان إلا من عمال البناء في المشروع، الذين لم ينتبه أحد منهم، إلا بعد مضي وقت، بسبب السيارة التي حجبت خلفها الشجار وكانت حاجزًا عن الأعين. ......

:في طريق عودتها بعد انتهاء دوامها الدراسي، تتجه مباشرةً من ذلك الطريق المختصر الذي يؤدي إلى منزلها في تلك المنطقة المنخفضة عن باقي البلدة.

مجهدة متعبة، ويزيد على ذلك حظها البائس اليوم أن تتقابل مع ذلك السمج، زوج شقيقتها، الذي بادرها بتهكمه:

ــ يا ما شاء الله، أبلة اعتماد! ده إيه الحظ الحلو ده اللي خلاني وقعت في طريقك؟

ــ أكيد الصدفة العجيبة الغريبة، ولا أنت ماشي في طريق ومش عارف آخره فين؟

برقت عيناها فجأة باستدراك، هاتفه:

ــ أكيد انت راجع من بيتنا يا محمود؟ أنا مش جايلالك ميت مرة، البيت ده ما تخطهوش طول ما أنا مش موجودة فيه!

ــ حيلك حيلك! على أساس إنك راجل البيت مثلاً يا ست الأبلة، ولا كنت أنا واحد غريب؟ أنا رحت لمرتي!

مرتي اللي إنتِ حايشاها عني ومش راضية تريديهالي! أنا أقدر أطلبها في بيت الطاعة لو حبيت، عشان تبجي عارفة!

سخرت منه بضحكة خالية من أيّ مرح، معقبة على ما يهذي به:

ــ بيت الطاعة؟! هو انت فاكرها سهلة قوي عند الحكومة؟ إياك! ده مش بعيد يحبّسوك لمجرد بس ما تُطّل بوشك!

اسمع أما أقولك، ميت مرة نبهت عليك وقلتها: عايز أختي؟ تجيب حد كبير، حد كبير يكون شاهد عشان ما تكرّرهاش.

أضمن منين أنا؟ تاخد البِت وتمضيهالي على أي قرض ولا نصيبة من نصايبك!

اسودّ وجه محمود من الغضب، وشيطان نفسه يوسوس له بكل شر نحوها...

دائمًا كانت – وما تزال – حجر عثرة في طريقه، تمنع عنه كل خير.

كرهُه لها تعدّى كل مراحله، ولا طريق أمامه سوى التخلّص منها!

ــ والله ما في حد نصيبة غيرك! بت انتِ! اتقي شري أحسن لك، أنا واصله معايا لآخرها منك،

تلاتة بالله العظيم، لو ما حلّيتي عني أنا ومراتي، ما تلومّي غير نفسك بعد كده!

في نظرها، فاشل، وسيظل إلى آخر عمره كذلك.

قابلت اعتماد تهديده باستخفاف ولم تأبه. غلبها طبعها، ولم تعِ الحقد الذي يملأ قلب رجل جاحد حاقد مثله، جبان لا يستقوي إلا على من هو أضعف منه.

فلم تتوقّع أن يستغل لحظة السكون في ذلك الطريق الهادئ،

ليدفعها بطول ذراعه من فوق الجسر الذي كانت تمر عليه، إلى خلف شجرة الكافور التي كانت تقف تحتها، لتنزل متدحرجة على الحجارة، وذلك المنخفض حيث الأرض الزراعية في الأسفل.

ولم تدرِ بالصوت الرجولي الذي أتى على حين غرّة، بهذا الأحمق:

ــ بترميها من فوق الجسر؟! عايز تموتها يا عِرّة الرجالة؟!

انتفض محمود نحو مصدر الصوت، ناظرًا إليه بهلع، متخذًا قراره بالهروب فورًا قبل أن يمسكه ويفتك به.

وعى أخيرًا إلى حجم الجريمة التي ارتكبها... وبوجود شاهد!

داخل سيارته التي كان يقودها عائدًا من عمله، متخذًا طريقًا غير الذي يسير فيه عادة.

لا يعلم ما الذي دفعه اليوم ليأتي في تلك الساعة في هذا الطريق تحديدًا؟

ربما لانشغال عقله منذ الصباح بتلك المرأة، والتفكير المرهق عما بها؟

هل ينوي أن يوقفها مثلًا كي يطمئن عليها؟ يستبعد بالطبع ذلك الاحتمال، فهي رفضت حتى أن تجيبه حين سألها.

انتبه فجأة، يراها على جانب الطريق، أسفل شجرة الكافور العالية، تقف مع أحدهم وكأنها تتشاجر معه.

تعرف عليه من ظهره، ليتأكّد له الآن أن حدسه كان أصدق من منطقه.

فتوقّف بالسيارة ليضع له حدًا ويردّه عنها، لكن، وقبل أن ينزل بقدميه جيدًا على الأرض، فوجئ بفعل هذا الأحمق وهو يدفعها، والنية واضحة: أن يتخلّص منها.

ركض إليها خليفة كي يستكشف ما بها، عقب هروب الآخر كالفأر من أمامه وصراخه متوعدًا.

نزل خلفها بحرص شديد، حتى لا يقع هو الآخر.

وصل إليها، ليجدها متكوّرة على الأرض بصورة لم يفهمها، ليضطر إلى رفعها من كتفيها ويعدّل رأسها.

فكانت المفاجأة حين انتبه للجرح الكبير في جبهتها، والدماء تسيل على وجهها الذي غطّاه التراب، وهي فاقدة الوعي تمامًا.

ــ حد ينجدنا يا ناس! حد يجيب لنا عربية إسعاف بسرعة!

ها هي الآن أمام المرآة، تجرب نوعية جديدة من الملابس لترتديها، كما أنها أصبحت تستيقظ في وقت متأخر...

لقد تبدلت حياتها بالكامل، من حزن وشقاء، وهمّ مسؤولية، إلى دلال وغنج... وعشق.

تلك الكلمات التي لم تكن تقتنع أنها موجودة من الأساس.

نعم، أو ربما موجودة ولكنها لم تُخلق لها...

لكن ما عند الخالق من مفاجآت، لا أحد يعلمها أبدًا.

تنهدت برضا، تفيق من شرودها، لتعدّل البلوزة البيتية الضيّقة التي ترتديها على البنطال القصير فوق الركبة، بصورة محكمة على جسدها، الأمر الذي أثار سخريتها.

ــ بيجامة ضيقة وبنطلون برمودا؟! يا وعدك يا مزيونة... كانك فشّلتِ يا جزينة! هطلع إزاي بيها دلوك؟

قالت الأخيرة والتفتت برأسها إلى المرآة لتلقي نظرة أخيرة على نفسها، وشعرها الذي لفته في الخلف كذيل حصان، ليجعلها تبدو كفتاة في السابعة عشرة، بالأمس امرأة مكتملة الأنوثة، وبالنهار فتاة في طور المراهقة.

ــ هصغر لحد فين تاني؟ الله يجازيك يا حمزة!

خرجت بعد لحظات، لتجده على طاولة السفرة، يتناول بعض الشطائر التي صنعها لنفسه.

لم تكن تدري أنه كان في خضمّ مكالمة فيديو، والهاتف مثبت أمامه، وحين لمح خروجها، تركت من كان يتحدث معه، وأطلق صفيرًا من بين شفتيه، معبرًا عن انبهاره بالغزل الصريح كعادته.

ــ أوعى الوحش! أموت أنا في البرمودا والقصير... إيه الحلاوة دي؟

ضحكت بحلاوة، لتقترب متغنّجة بخطواتها نحوه، وثقة بالنفس بدأت تنمو على يديه.

لكن، وما إن انتبهت إلى الشاشة المفتوحة وأحدهم يتابع ما يحدث، صرخت مرتدة إلى الخلف:

ــ يا مُرّي! انت فاتح وبتتكلّم فيديو وسايبني على عمايا يا حمزة؟!

ــ ما فيش حد غريب يا مجنونة، تعالي... دي ليلى!

رددت الاسم من خلفه، لاطمة بيدها على وجنتها بحرج شديد، حتى جعلته يضحك مائلًا برأسه إلى الخلف.

وجاء صوت ليلى بتساؤل وعدم تصديق، تدعوها لتقترب مرة أخرى من الشاشة:

ــ أمي! دي معقولة؟! مزيونة؟! تعالي هنا يا مزيونة، خليني أشوفك!

بخجل شديد، استجابت، تتحرك خطوتين، مع حثّ الآخر لها أن تتقدم، حتى إذا اقتربت، جذبها لتجلس على إحدى قدميه، ليضاعف من توترها، حتى تململت تريد أن تنهض، لكنه أجهض محاولاتها بحزم:

ــ بس بقى، بطّلي فرك! أنا مجعدك عشان تبقي في وشّ الشاشة قبال ليلى!

حدجته بغيظ شديد، قبل أن تعود لابنتها التي كانت تتأملها بانبهار عبّرت عنه:

ــ الله! شكل البيجامة يجنّن عليكِ يا أمي! جبتيها إمتى؟ دي أول مرة أشوفها عليكِ!

ــ ما هو مش أنا اللي جيبتها يا حبيبتي!

قالتها مزيونة، ثم التفتت إليه ناظرة بلوم أثار تسليته، ليضيف عليها:

ــ أنا اللي اشتريتها يا ليلى، ومعاها مجموعة تجنن! عايزك لما تيجي، خلي أمك تفرّجك عليها.

هذه المرة تخلّت عن اللوم والاستسلام، لتلكزه بمرفقها على بطنه من خلفها، فارتفعت ضحكاته بصخب، حتى جعل ليلى تشاركه المرح وتبادل المزاح في مشاكسة والدتها التي كانت محرجة مما كانت ترتديه.

بعد انتهاء المكالمة، ابتعدت عنه تخاطبه بلوم:

ــ الله يجازيك يا حمزة، إنت السبب! كل هدومي خفيتها، عشان تجبرني ألبس هدوم العيال دي، ويبقى شكلي مسخرة دلوك قدام ليلى!

ضحك، ثم جلس محشورًا بجوارها على الأريكة، قائلًا: ــ وايه اللي هيخليها مسخرة يا ست أنتِ بس؛ هي مش بردك متجوّزة وعارفة؟

ــ وه، بردك في الآخر اسمى أمها!

ــ واهِين تلاتة! إذا كانت هي نفسها مش مقتنعة، وشايفاكي أختها الكبيرة، مش أمها وبس! فكّي كده وروّقي، بنتك مخها مفتّح وفاهمة وعارفة. حتى لو استغربت النهارده، بكرة تتعود... لما يبقى ده أسلوب حياة معاكِ.

ــ أسلوب حياة؟! هتفت بها باستهجان، ليضمّها من خصرها إليه مشددًا: ــ أيوه، أسلوب حياة! ولا انتي فاكرة إن إحنا لسه عملنا حاجة؟! مضايقة عشان ليلى شافتك بالبرمودا؟! أمال بكرة لما تلبسي البوركيني هتعملي إيه؟

ــ وإيه البوركيني ده كمان؟! تساءلت بعدم فهم، فالتصق بها ليجيبها بسهولة:

ــ ده لبس السباحة اللي هتلبسيه بكرة لما تنزلي معايا البحر. صاحبي عنده قرية سياحية هناك. خلاص، حجز وروّق الدنيا، ومن بكرة إن شاء الله هنطلع على الغردقة... نقضي شهر عسلنا!

قفزت ناهضة من جواره، تجادله: ــ يا حمزة، إنت بتتكلم بعقلك؟ غردقة إيه ولا بوركيني وكلام فاضي! أنا مالي بالحاجات دي يا بوي! طول عمري ماشية بالحشمة، هشلّح دلوك على كِبَر؟!

نهض هو الآخر، يواجهها، وقد بدا عليه الغضب:

ــ مين اللي جاب سيرة الشلح؟! انتي عارفاني راجل، لمؤاخذة، عشان أقبل بالكلام ده؟! ماتنقّي كلامك يا مزيونة، ولو مش عايزة تروحي، خلاص!

صاح بها وابتعد داخل غرفته، مما جعلها تشعر بالذنب، فتبعته حتى جلست خلفه على الفراش، تحاول أن تصالحه:

ــ حمزة، حقك عليّا. أنا بخربط، بس والله ما أقصد أي كلمة عفشة تزعلّك. عارفة نفسي مدب، بس إنت أكيد اتعودت يعني، ولا إيه؟ ولو على السفر ورحلة الغردقة، أروحها مادام معاك، بس وغلاتي عندك، ما تخلينيش ألبس حاجة عريانة!

عند الأخيرة، التفت برأسه نحوها بعدم استيعاب، وذلك لإصرارها على شيء لا تعي أبعاده:

ــ وه؟! ــ واهين تلاتة أربعة! تمتمت بها تقلّده ضاحكة، حتى أمسك نفسه بصعوبة كي لا يشاركها الضحك، قبل أن يصل لغرضه منها.

ــ ماشي يا ست مزيونة، اضحكي براحتك، بس أنا برضه زعلان إنك غلطتي فيا.

رحّبت بعتابه، فعرضت عليه ليعطيها فرصة للتصالح:

ــ طب شوف يا حمزة، أعمل لك إيه عشان ترضى؟ لو عايزني أعتذرلك، أعتذر تاني وتالت كمان!

ــ عايز منك حاجتين عشان أرضى وأسامح.

ــ ماشي يا حمزة، قول وأنا أعمل اللي إنت عايزه.

وصل إلى ما يبتغيه، لينتشي داخليًا، ويلتفت إليها بجذعه قائلًا:

ــ أولًا، لما تناديني ما تقوليش "يا حمزة"... الاسم من دلوك يبقي "حمّوزي".

ــ نعم الله عليكي! خلاص، لو مش عايزة، بلاش.

كاد أن يلتفّ عنها مرة أخرى، لكنها أوقفته تراضيه:

ــ خلاص يا سيدي، حمّوزي حمّوزي! راضي كده؟

تبسم بابتسامة منتشية متغاظمة، يقطف قبلة قوية من وجنتها، كأنه طفل صغير يفرح بدلال والدته، حتى تسربت إليه طالبة:

ــ خلاص، وانت كمان دلّعني! بس شوف اسم حلو، ما تقولش حاجة تزعلني.

ــ لا يا مزيونة، لا عفش ولا زين... انتي ما ليكيش غير "المزيونة". المزيونة بس اللي يليق عليكي، عشان هو الوحيد اللي يديكي حقك... زينة البنات، زينة الستات، وعلى قلب حمزة... انتي الملكة عليهم كلهم!

كم تعجبها مفاجآته، ولو حتى بكلمة أو تعبير لا تتوقعه، يزيد من ثقتها بنفسها، ويضاعف من تعلّقها به. فتجرأت هذه المرة وبادرت باحتضانه، ليباغتها بقوله:

أشار بيده نحو خزانة الملابس: ــ اللي ننقيه النهاردة، مهما كان شكله... عرياني ولا حشمة، هتلبسيه من غير جدال!

ردّت بسخرية وقلة حيلة: ــ حشمة؟! انت برضه تنقّي حشمة؟! ماشي يا حمزة، موافقة... في حاجة تانية كمان؟

ــ لا. قالها بانتصار، ثم نهض ورفعها معه، مردفًا: ــ تعالي بقى، أنجيلِك اللي عايزه!

استجابت، لسحبه لها بتوجّس وريبة:

ــ يا ترى هتلبّسني إيه المرة دي يا حمزة؟! استر يا رب!

رواية لاجلها الفصل الثالث والثلاثون

هذه المرة… لا خاطرة تُفتَتح بها السطور، بل وجعٌ يتسلّل ويصرخ قبل الحكاية؛

وجع يشبه رائحة التراب بعد المطر حين يختلط بالدّم،

عن غـ.ـزّة التي تُحاصر وتُجَوَّع وتُقصف،

عن أ.ـنس الشريف، ومـ.ـحمد قريقـ.ـع، وأصدقائهم، وعن كل من ارتقى،

عن الزهور التي قُطفت قبل أن تتفتح، وعن الأطفال الذين تيتموا،

وعن الأمهات الثكالى والأرامل، وعن خذلاننا وصمتنا وتقاعسنا.

هناك… حيث لكل شهيد حكاية تُروى على أكتاف الريح،

ولكل ناجٍ حكاية محفورة في جدران البيوت المهدّمة،

ولكل مُهجَّر حكاية تحملها الطرقات البعيدة في صمتٍ مرير.

نبكيهم… لكننا في الحقيقة نبكي أنفسنا،

نحن الذين اكتفينا بالمشاهدة، بينما البطولة تُكتب هناك بدمائهم.

رحم الله شهداء غـ.ـزّة، وأسكنهم الفردوس الأعلى،

وجعل دماءهم وعدًا في أعناقنا بأن فـ.ـلـ.ـسطين ستنهض من بين الركام،

ومهما طال الليل… سيشرق الفجر من جديد.

المراجعة وكلمة الافتتاحيه/ سنا الفردوس

خلف باب الغرفة التي كانت قابعة داخلها، وبعد أن مرّت تلك الفترة العصيبة في إنقاذها من قبل الأطباء، الذين خشوا أن يتطور الأمر لأكثر من مجرد جرح سطحي ظاهر في الرأس، وعلى الرغم من أنه كان غائرًا، إلا أنه تم اكتشاف إصابات متفرقة على أنحاء الجسد عن طريق الفحص. لكن أكبرها كان الكسر المضاعف في الذراع الأيمن، وقد أُجريت له عملية فورية، فضلًا عن كدمات وسحجات نتيجة الاحتكاك المباشر بالحجارة القاسية.

جلس أخيرًا يلتقط أنفاسه، فهو الوحيد الذي ظل معها من البداية إلى النهاية، ولم يرسل إلى شقيقاتها إلا مؤخرًا بعد خروجها من العملية. كان معه بعض أفراد البلدة، لكن مع مرور الوقت انصرفوا واحدًا تلو الآخر، حتى وصل إلى مرحلة لم يجد فيها أحدًا معه إلا رجلين عجوزين، وما إن اطمأنا عليها بعد العملية حتى غادرا ليستريحا بعد إجهادٍ استمر لساعات طويلة.

ظل هو وحده الآن، جالسًا على أحد مقاعد الانتظار، يقيّده شعور بالعجز؛ لا هو قادر على أن يتركها ليبحث عن ذلك الأخرق كي يلقنه درسًا لا يُنسى، ولا هو قادر على الدخول إليها ليطمئن عليها في غرفتها.

ذلك لأنها في غرفة وحدها، وذراعها الذي أُجريت له العملية مكشوف طوال الوقت، إذ كانت نائمة منذ خروجها من غرفة العمليات، وغالبًا ما تنكشف الملاءة الطبية عنه، فكثر تنبيهه للممرضات كي يعيدن تغطيته مرة أخرى، حتى ملّ، ولم يتبقَّ له سوى أن ينتظر إحدى النساء من عائلتها لترافقها.

زفر ومسح بكفه بتعب شديد، كلما تذكر حالتها، وتذكر الدفعة التي دفعها بها ذلك الأخرق للتخلص منها، فار الدم في رأسه. اعتماد هي مثالًا حيًّا على أن المرأة القوية مكروهة من الرجال والنساء بلا سبب، ودون أن يسأل أحد أو يستفسر عن الذي أوصلها إلى تلك الحالة. ولا أحد يعلم أيضًا أن الجزء الهش بداخلها بحاجة شديدة إلى الرفق، حتى تستعيد آدميتها التي سُلبت منها قهرًا.

انتبه فجأة إلى تلك المرأة التي تحمل طفلًا على يديها، وهي شقيقتها زوجة ذلك الأحمق، أي أنها المتسببة الرئيسية في كل ما يحدث لاعتماد، بسبب ضعفها واهتزاز شخصيتها. كانت تجر معها فتاة أخرى تبكي بحرارة، ربما كانت شقيقتهما الثالثة.

ـ أستاذ خليفة، أختي عاملة إيه؟ طمّني عليها، الله يرضى عنك.

ـ هي بخير دلوك والحمد لله، ما تقلقوش.

هنا تحدثت الفتاة الأخرى بكلمات متقطعة بالكاد يُفهم منها:

ـ كـ… كيف… يعني، ددول بيقولوا، عملت… حادثة؟

نظر إليها خليفة بإشفاق وتساؤل، لا يدري إن كانت كلماتها تخرج بصعوبة لفرط صدمتها وبكائها، أم أن تلك حالتها الأساسية، فقال يخفف عنها:

ـ أيوه يا آنسة زينة والحمد لله، حتى ادخلوا واطمّنوا عليها، بس ياريت تراعوا حالتها، عشان هي طالعة من العمليات.

هتفت بها روضة بصوت باكٍ، لكنه لم يهتم، إذ كان تركيزه على الفتاة الصغيرة، فهي من تستحق اهتمامه، لا تلك التي يتسبب ضعفها في إيذاء شقيقتها.

نهض يتقدمهن، وفتح لهما باب الغرفة، فدخلتا نحو شقيقتهما التي كانت شبه واعية، بعينيها نصف المفتوحتين، ثم فتحتا عن آخرهما وهي تتقبل عناقهما ونحيبهما، لتستقر في الأخير عليه، بنظرة طويلة تحمل امتنـانًا لا حدود له.

ترى… هل كانت على وعي بكل المراحل التي مرا بها طوال الساعات المريرة الفائتة؟!

...............................

تم الصلح بصعوبة بين الخصمين، بعد ساعات من الشجار والتناحر، والفضائح أيضًا. خرجت هالة من غرفة معاون المباحث الذي تولى أمر القضية، التي كادت أن تكبر وتصبح جناية لولا تدخل المحامي المخضرم، الذي استطاع بحنكته أن يجبر الطرف الآخر على التنازل، خوفًا على السمعة وما قد يضر بالشركة إن زُجّ باسمها في تلك المهاترات.

قضى ساعات يقنع والد روان بالتنازل، وقد كان الرجل مصرًّا على أخذ حق ابنته التي هُدرت كرامتها أمام العمال الذين يعملون تحت يديها، وفي منطقة عملها، فضلًا عن الإصابات التي لحقت بها: سحجات وكدمات على كامل الجسد، والجزء الأكبر كان بالوجه، من انتفاخات وخدوش وأظافر حفرت بالبشرة بخطوط طولية وعميقة، حتى أخفت ملامحها الحقيقية.

هالة لم تكن أقل ضررًا، بل زادت عليها بإصابة في قدمها اليسرى، فلم تكن قادرة على الضغط عليها، فسارت بعرج مستندة على ذراع معاذ، الذي كان ينفخ بغضب مكتوم؛ فما تعرض له اليوم كفيل بأن يجعله يكرهها هي وعائلتها بأكملها.

ـ آه، بالراحة يا معاذ، بتّ المنتول شكلها كسرت لي رجلي.

ـ هي برضو اللي بتّ منتول؟ طب احمدي ربنا إنها جات لحد كده. أنا مش عايز أقول لك إحنا عملنا إيه عشان نقنع أبوها يتنازل. خليني مكتوم أحسن عشان ما أنفجرش.

تركت يده فجأة في منتصف الممر، قائلة بعتاب كأنها صاحبة حق:

ـ لا، انفجر يا معاذ وطلّع اللي في قلبك. ما أنا عارفاك إنت كمان حاطط عليّ زي أخوك وباقي العيلة، اللي محدش فيكم عارف أنا إيه اللي خلاني أروح عند البنت دي لحد شغلها عشان أربيها.

المحروسة، اللي عاملة فيها هانم وبنت ناس، كانت بتلعب على أخوك جوزي، وطلبت منه صراحة إنه يتجوزها! بذمتك أسمع كده وأسكت ليه؟

خاينة العيش والملح، ما قدرتش إنها أكلت معايا في طبق واحد، وكانت متجوزة أخوه، وولدها في البيت إحنا اللي بنربيه! بذمتك دي تستاهل حد يشفق عليها؟

كمية ما رآه وسمعه اليوم من أخلاق متدنية للأثنان أمام الضابط جعلته يشعر بالخزي منهما، فواحدة كانت زوجة شقيقه الأكبر وأم ابنه الذي يتربى بينهم، والأخرى ابنة عمه وزوجة شقيقه الثاني، وما زالت على ذمته حتى الآن. ما هذه الكوميديا السوداء التي يعيشها؟ كيف يتجاوز وكيف يتصرف الصحيح، والارتباط بهما يشمل الدم وصلة الرحم؟! يا له من بلاء شديد… الله وحده المعين عليه.

أردفت هالة بتساؤل حين طال صمته أمامها:

ـ كل الاتصالات دي وأخوك ما جاش؟ للدرجادي هو رامي طوبتي ومش فارقة معاه؟ طب كان عمل حساب إني أم عياله، حتى مش بت عمه ولا مرته…

ـ كنتِ عملتي إنتِ الأول يا هالة؟

عقّب معاذ باستياء، ثم تابع منتقدًا، لعلها تفهم أو تسمع:

ـ مهما كان غلطها أو عيبها، مش هييجي نص عيبك إنك تروحي لها في نص شغلها، وفي منطقة صحراوية قدام العمال، وتمسحي بكرامتك وكرامتها الأرض. إنتِ هِنتي نفسك زي ما هِنتيها. دي مش أخلاق بناتنا يا هالة. إنتِ أكبر مني وفاهمة. بس اللي عايز أعرفه… عقلك كان فين لما عملتيها؟ على العموم، أنا عملت اللي عليّ يا بنت الناس بعد ما خلصتك من قضية كبيرة كانت كفيلة تدمر سمعتك وسمعة العيلة كلها… إنما اللي جاي الله أعلم.

ـ قصدك إيه باللي جاي؟ إن خليفة ممكن يطلقني يعني؟ بسببها؟! بسبب الحرباية دي ممكن يطلقني أنا بنت عمه وأم عياله؟!

تجمد معاذ بدهشة من منطقها الغريب في تفسير الأمور. حقًا، لا توجد كلمات تصف حالته الآن.فإبنة عمه مصيبتها عقلها… لا تسمع إلا نفسها، ولا فائدة مرجوة منها أبدًا.

ـ هالة، ممكن تقدّمي عشان نخلص؟ وأوصلك على بيتك. خدي بالك…احنا دلوك بقينا في نص الليل. ولا إنتِ حابة تبيتي ليلتك هنا؟

سمعت منه، ثم عادت تستند بيدها على ذراعه لتواصل طريقها معه، وهي تنوي أن تتابع الحديث:

ـ هوصي دكتور الصحة يجي لك على البيت بكرة، يشوفك ويشوف الإصابات والكدمات اللي فى باقي جسمك. أما رجلك، فدي آخرها جزع أو حاجة شبه ذلك، لأن لو كسر ما كنتيش قدرتي توقفي عليها أصلًا.

ـ وأخوك يا معاذ، هيفضل كده سايبني زي البيت الوقف؟ أمه لا إله إلا الله جابت سيرتي، ولو هنتكلم عن مشكلة النهاردة، هيبقى هو السبب الرئيسي فيها.

طالعها بصمت، فاقد الأمل في تغيرها، فقال ساخرًا:

ـ عندك حق يا هالة… هو السبب في كل مصيبة حاصلة في الكون، وإنتِ الأميرة الملاك المظلومة ما بينا يا هالة.

ـ شكلك بتتريق يا معاذ… لكن الله يسامحك برضه.

ـ يا ستي الله يسامحني ويسامح الجميع… خلّصينا. بقول لك… داخلين على نص الليل، يعني الساعة أوشكت تبقى 12:00… خدتي بالك منها دي؟

شعرت أخيرًا بحجم مصيبتها، حين نظرت إلى شاشة الهاتف وتبيّن لها صدق قوله. زاد شعورها بالثقل حين خرجت من باب القسم لتجد الاثنين في انتظارها: خليفة ووالدها، الذي كان ينفث نيرانًا مكتومة لكنه مضطر للصمت أمام الزحام من حوله. أما خليفة، فقد كان واقفًا جامدًا على وضعه بشكل يثير الدهشة، صامتًا، يطالعها بنظرات فاحصة، متأملًا الإصابات التي لحقت بها في كل مكان حتى وجهها وقدميها.

وحين اقتربت منه برفقة شقيقه، خاطبها بهدوء أمام والدها:

ـ حمد الله على السلامة يا بت عمي.

تمتمت بها برد مرتاب، وعيناها تتنقلان بينه وبين والدها الذي كانت رائحة الخطر تفوح منه بقوة. أردفت بما يشبه العتب أو التبرير:

ـ اتصلت عليك كتير يا خليفة، لكن ولا مرة رديت عليّ. أنا كنت رايحة أعاتبها في أمان الله، ما كنتش عايزة الموضوع يكبر، لكن روان عملتها هي وأبوها، وكانوا عايزين يحبسوني! بلغوا عني البوليس، رغم إنها كان ممكن تتلم لو ما اتدخلش فيها رجالة… كانت مشكلة حريم في حريم.

ـ أممم… فعلاً، الحق عليهم صح! مشكلة حريم في حريم، واحدة رايحه تتخانق مع بنته في منطقة عملها، وتمسح بيها تراب الأرض… يبلغ عنها البوليس! دا بدل ما يشربوها شاي ويضايفوها!

قطع فجأة، تاركًا سخريته تتدلى في الهواء، ووجّه كلامه نحو عمه:

ـ طب عشان ما أضغطش على نفسي أكتر من كده يا عمي… اهي بنتك خدها معاك. وإن كان يرضيك اللي حصل ده، يبقى العيب عندي… أنا لحد كده جبت آخري. عن إذنكم بجي.

أنهى كلماته وتحرك سريعًا، مغادرًا من أمامهما، غير عابئ بنظرة الاستجداء التي رمته بها. كانت تود أن توقفه، لكنها لم تملك الجرأة بعد ما حدث. يبدو أنها أخطأت هذه المرة وتعجلت… كان لابد أن تتريث.

وإلى حمزة، الذي كان يتلقى تقريرًا مفصّلًا بكل ما حدث في الساعات الماضية عبر الهاتف من معاذ، الذي فضل ألا يفوت الليلة دون أن يخبره، بعد أن انتابه القلق على شقيقهما الثالث.

ـ اممم، لا ما تقلقش عليه، خليفة راجل وسكوته ذهب، ما يغركش هدوءه ولا تخاف عليه، هو بيعرف يسحب اللي قدامه على الهادي ويوجعه في شر أعماله، بدليل اللي حصل مع روان وهالة، ضربهم في بعض وهو رافع إيده، دا معلم يا باشا...... اطمن بقول لك ومتشلش هم أي حد تاني. هالة يختص بيها أبوها خليها عنده لحد ما تعرف أن الله حق، أو يحلها الحلال... تمام يا حبيبي، ومتنساش تخلي بالك من الواض ريان، هي السفرية دي بس، وبعدها هيفضل طول الوقت معانا...

أنهى المكالمة، ليغلق الهاتف بأكمله حتى يتجنب الإزعاج، ليعود من الشرفة التي كان يتحدث بها إلى داخل الغرفة، حيث الجميلة التي كانت تتسطح على الفراش أمامه، نائمة على وجهها وشعرها الكثيف يغطي الوسادة وجزءًا من ظهرها الذي كان ظاهرًا من الغطاء.

رؤيتها فقط بتلك الهيئة كانت كافية لبث البهجة داخله دون جهد، وعقله يعيد اللحظات الماضية التي سبقت نومهما، حين التقط لها من الخزانة قطعة أكثر عُريًا مما سبق، شفافة بشدة وبها أشياء تلمع كأزاياء الراقصات، حين طلب منها أن ترتديها حتى يرضى عنها ويقبل بالتصالح.

بالطبع رفضت بشكل قاطع وتذمرت، ولكنه أصر وزاد في تدلله عليها وكأنه طفل صغير يتشبث بلعبة، حتى وصل به الأمر إلى التهديد بترك الغرفة والنوم في غرفة أخرى إن لم تستجب، لتضطر في الأخير أن تنصاع إلى رغبته، وتحارب خجلها وعقدها من أجله...

ما أجملها: نقية وشهية وطيبة، رغم كل ما مرّت به من مآسي، كانت قادرة على محو كل ما هو جميل داخلها. لقد وقع صريعًا بها، مزيونة، الفاتنة من الداخل ومن الخارج.

سقط بجانبها على الفراش، يطبع قبلة رقيقة على كتف ذراعها، بامتنان شديد على السعادة التي دخلت قلبه أخيرًا على يديها. يحاول بهدوء أن يوقظها:

ـ مزيونة... مزيونة يا قلب حمزة، اصحي...

حين استجابت أخيرًا لمحاولاته، فتحت أجفانها للنور بنعاس، تحاول الاعتدال في نومها حتى أصبحت مقابلة له، وبنصف وعي:

ـ عايز إيه يا حمزة؟ وبتصحيني ليه دلوك؟

حانت منه نظرة وقحة نحو الجزء المكشوف من الغطاء، جعلتها تنتبه لتجذب الملاءة عليها بغيظ، الأمر الذي جعله يصخك بملء فمه ساخراً بمظلومية:

ـ طب أنا نفسي أفهم، إيه الفايدة اللي بتعود عليكي لما تداري عني نعم ربنا، اللي من حقي على فكرة.

زفرت بحنق، واستعادت وعيها جيدًا، لتشدد الغطاء عليها جيدًا حتى جلست، تعقب وعينيها نحو الشرفة:

ـ أنا شايفه النور لسه ما حطش على الأرض، وانت شكلك رايق، ومصحيني من النوم مخصوص عشان تغلس عليا.

تنهد بصوت عالي، يعتدل بجلسته، ليصبح بجوارها قائلاً بمرح، وقد التف ذراعه حول كتفيها:

ـ لا والله يا حبي، أنا كان نفسي فعلاً أغلس وأناكفك دلوك، بس الحقيقة هي أن الوقت ما يسمحش، والنور فعلاً لسه ما حطش لأن الساعة مدخلتش على تلاتة أصلاً.

ـ ما دخلتش على تلاتة ومصحيني ليه يا حمزة؟

جاء رده على استفسارها هذه المرة بنبرة عشق خالصة خالية من عبثه المعتاد:

ـ عشان يا دوب على ما جهزنا نفسنا وحضرنا الشنط، نصلي بس الفجر ونتوكل على الله ونسافر على الغردقة ونقضي شهر العسل يا مزيونة قلبي. دا أنا عامل زي العيل الصغير، ما غفلتش غير ساعة واحدة بس جنبك، وبعدها قومت وعملت اتصالاتي عشان أروق بالي من كل حاجة. عايز كل دقيقة أقضيها معاكي تكون محورها أنت وبس، دنيتي كلها أنت، والعالم كله أنت برضو.

تطلعت إليه بتأثر، يصلها كل همسة وكل كلمة بصدق إحساسه، ولكن كان هناك بعينيها أسئلة، عرفها دون أن تنطق بها، ليردف مجيبًا عليها:

ـ عارف كل اللي بيدور في رأسك، إن كان عن ليلى أو ريان، مش ناسيهم والله. يمكن تعتبريها أنانية مني رغم أني مش مقصر برضو، لكني كمان عايز انفرد بيكي. أنتِ تبجي العالم بتاعي، وأنا أبجي العالم بتاعك... وبعدها نرجع للواقع عادي، يعني إحنا هنروح منه فين؟

تبسمت بحب، وكان ردها العملي أن التفت بذراعيها حوله لتعانقه، فقابل هو مباردتها بلهفة، عائدًا لعبثه:

ـ الله أكبر... واتخليتي كمان على الملاية...

لكزته بقبضتها حتى يتوقف عن إخجالها:

داخل طرقات المستشفى كان يسير خليفة محددًا اتجاهه، حتى توقف على غير إرادته حين اعترضت طريقه تلك التي لم يكن يتوقع حضورها الآن على الإطلاق.

همهم بالاسم، كأنه يتأكد من هويتها. لقد بدت بهيئة غريبة، مختفية الملامح تقريبًا، بهذه الانتفاخات والبقع الزرقاء والبنفسجية حول عينيها، وبعض مناطق البشرة التي انتشرت بها اللاصقات الطبية وبقع مختلفة صغيرة لجروح متفرقة، ألهذه الدرجة تمكنت منها هالة؟

ردت عليه بنبرة عاتبة لائمة، قاصدة تحميله الذنب:

ـ أيوه روان يا خليفة، اللي سلمتها تسليم أهالي لمراتك المتوحشة. شوفت عملت في وشي إيه؟ بص كويس، أنا محتاجة شهور عشان يرجع لطبيعته، ده لو محتاجتش عملية تجميل لا قدر الله، ولا إيدي اللي كانت عايزة تكسرها بس ربنا ستر. شعري اللي كانت بتقطع فيه بغل، جسمي كله ما فيهوش حتة سليمة من غير جرح أو كدمات، شوفت بقى عملت فيا إيه؟ أنت كنت السبب في كل اللي حصل يا خليفة...

وختمت بدموع تذرفها من عينيها، بقصد استدراج عاطفته، ولكن لم يحدث. وقد كان واعيًا لكل أفعالها، وبعد صمت دام لحظات، تاركًا لها المجال، جاء رده أخيرًا:

ـ طبعًا، أنا ميعجبنيش اللي حصل، وهالة راكبها الغلط من ساسها لراسها، بس الأكيد أنها هتاخد عقابها أضعاف، بسبب اللي عملته فيكي وفي نفسها وفي سمعة العيلة اللي كانت مهددة بسببها.

شهقت تتوقف عن البكاء، تعقب باستخفاف على قوله:

ـ يعني هتعملوا معاها إيه؟ هتطلقوها مثلاً؟ دا أقل جزاء لفعلها على فكرة، اللي زيها تستاهل الحبس سنين وانا كنت عايزة كدة امبارح، بس بابي هو اللي غصب عليّ وأجبرني أتنازل، خاف على سمعتكم وسمعتي وسمعة الشركة بتاعتنا...

زام بفمه، ليرد بهدوء متناهي، وقد انتهى وقت المفاجآت منها، بعد أن كشفها على حقيقتها:

ـ ماشي يا ستي، كتر خيره وخيرك على المعروف اللي عملتوه فينا، وجزاكم الله كل خير. ممكن بقى تسيبيني أفوت عشان أشوف المريض اللي جاي له مخصوص... ممكن... عن إذنك.

كان في النهاية قد تخطاها بالفعل، يسير بخطوات مستقيمة ثابتة، غير مكترث بحالتها، وقد توقفت محلها تطالع أثره بصدمة وعدم استيعاب. هذا ليس خليفة الذي كان يتلهف إلى نظرة منها، والذي كانت معجبة به في البداية قبل أن تلتقي بحمزة، ويأسرها بشخصيته القيادية الجريئة والقوية. لقد خسرت الإثنان الآن بسبب هالة: زوجها القوي الجريء وخليفة الصديق الطيب.

لا يوجد سقف لجنونه معها، لم يكتفِ بسفرهما بعد الفجر باكرًا، حتى إذا وصلا إلى هنا داخل الشاليه المنزوي في جهة وحده بعيدًا عن الزحام والبشر، جزء كامل منه على البحر لهما وحدهما.

تماما كما طلبه حمزة من صديقه ... لم يمهلها إلا ساعتين فقط للراحة، ليسحبها من يدها ويخرج بها من أجل السباحة.

أجبرها هذه المرة كما فعل سابقًا، وجعلها ترتدي ملابس لم تكن لتجرؤ على ارتدائها أبدًا، ليأتي الآن ويجعلها ترتدي هذا الشيء الجديد عليها، يُدعى "بوركيني"، يغطيها بالكامل ولكن جزءًا منه ملتصق بها، والجزء الأعلى فوقه خفيف ومختلف في قماشته. ومع أنه كان يبدو جميلًا عليها، إلا أنها ما زالت تتذمر وهو يسحبها نحو مياه البحر:

ـ يا باي عليك يا حمزة وعلى غلاستك، يا عم سيبني أكمل القعدة على الشط وعوم أنت لوحدك، أنت عارفني هعرف أعوم يعني؟!

ـ مش مهم تعرفي يا ست مزيونة، المهم أنا أعرف، وأعلمك تعومي معايا. أنا مش جايبك تتفرجي عليا، لازم نعيش التجارب كلها سوا ونستمتع مع بعض.

تابعت تزوم برفض، وقدماها تخطوان داخل المياه من خلفه، رويدًا رويدًا تتقدم في العمق:

ـ كفاية يا حمزة، الميا قربت توصل لرقبتي، سيبني أشوح بيدي ولا أبلبط في الجزء ده وأنا واقفة وانت قدم للغويط براحتك.

ـ ما فيش عوم في الغويط من غيرك يا مزيونة، اشبطي فيا كده وما تخافيش.

قالتها برعب حين حملها فجأة بين ذراعيه، يسبح بها وهي ما زالت تتشبث به برعب، تصلها أصواته بصعوبة وهو ينصحها أن تسترخي، أن تترك خوفها وجزعها من المياه والغرق، حتى تمكنت في الأخير أن تثبت محلها، وهو في المياه يعوم حولها ويشاكسها، ثم يغطس ويصعد، يغطس ويصعد، مأخوذًا بمتعة السباحة في المياه الباردة، ورؤيتها هي عابسة غاضبة خوفًا عليه. كم من مرة نصحته ألا يزيد بالتخفي داخل المياه وكتم أنفاسه، ولكنه يقابل نصيحتها بالعند، حتى إنه في المرة الأخيرة زاد من المدة، حتى صعد بعد عدد غير قليل من الثواني، اختبر فيها عزيمته، ليصعد بعدها شاهقًا بعنف وابتسامة واثقة، يريد معرفة رد فعلها على الإنجاز الذي قام به، ولكنه لم يجدها...

جالت أبصاره في كل الاتجاهات من حوله، ليدور بجسده يمينًا ويسارًا، يكاد عقله أن يجن، أين ذهبت؟

هو لم يغِب عنها سوى لحظات قليلة قضاها داخل الماء كاتمًا أنفاسه، بقصد التسلية وتخويفها أيضًا، ليصعد الآن ويجدها اختفت.

لا يوجد في البحر غيرهما والمساحة شاسعة، وهي لا تعرف العوم!

كان نداؤه صرخات، يريد العثور عليها سريعًا بأي طريقة. لقد شل الخوف عقله، لا يعلم كيف يفكر وأين سيبحث.

جاءت صرخته الأخيرة أعلى من كل ما سبق، ليباغت وعلى حين غرة، فتظهر له فجأة من المياه كالجنية، بمسافة قريبة إلى حد ما، تلتقط أنفاسها، لترد له المقلب كما يبدو، لكنها لا تعرف العوم، كيف تفعلها وتغطس؟!

ـ كده برضو تخلعيني عليكي يا مزيونة، كيف عملتيها وكتمتي نفسك؟ ما خوفتيش لا تموتي فيها؟

تبسمت بثقة تخبره، وهي تستمتع بالمياه حولها، وقد ارتخت أعصابها أخيرًا.

ـ لأ، مخوفتش يا حموزي، عشان بسببك اكتشفت إني بعرف أعوم وأغطس أحسن منك كمان، أنا بس اللي كنت ناسية.

ردد بها غيظًا من خلفها، ليغطس فجأة، يقطع المسافة الفاصلة بينهما سابحًا، وفي لمح البصر وصل إليها، ليقبض على ساعدها:

ـ أنا عايز أعرف دلوك اتعلمت السباحة فين؟ وامتى؟ وكيف جالك قلب تعملي المقلب الماسخ ده فيا؟

ضحكت، تغطس منه مثل سمكة، وهذا موطنها، ترد الصاع صاعين:

ـ الكلام ده تقوله لنفسك يا حموزي. دلوك سميته "مقلب ماسخ" لما رديته ليك، لكن أنت لما توجف قلبي، عادي.

تمتم حمزة بتشتت، وهي لا تعطيه فرصة للتفكير بالدوران من حوله:

ـ يا بت، اهمدي، خيالتيني، أنا يا ستي راكبني الغلط واستاهل اللي يجرالي. المهم، إنتي اتعلمتي السباحة فين؟ دا إنتي ولا أكانك سمكة بلطي، ولا مولودة في الميا؟

ـ ما أنا فعلا، تقدر تعتبرني مولودة في الميا؟

صاح بها ساخرا بتعصب من أفعالها الاحترافية من حوله، لتجيبه ضاحكة هذه المرة وهي تعوم بظهرها:

ـ الحكاية سهلة والله يا حموزي، أنا كنت جلوعة أبويا لو تفتكر، يعني كل أفعال الولاد كنت أعملها مع أخويا، حتى العوم في الترعة...

أومأ حمزة بمرح، وقد جاءت فرصته:

ـ أيوة، وعوم في البحر كمان، لما كنت أقعد بالشهر عند خالتي في سفاجا، يعني نفس البحر اللي هنا.

تعيرت ملامحه فجأة باستدراك، يجذبها من يدها بعصبية:

قالتها لتزيد من انفعاله، ثم ابتعدت تتلاعب به:

ـ ولدها حسان، كان زي أخويا يا حمزة، وعمره مقارب من عمري، ما يفرقش عني غير سنتين، أنا وأخواته البنات كنا نُسابقه ويسابقنا...

لم يعلق، ولكنها رأت الشرار يتراقص في عينيه، وبدا وكأنه على وشك الفتك بها إن لم تلحق نفسها:

ـ بس ده كان زمان يا حبيبي، قبل ما أدخل الإعدادية، يعني أنا كنت صغيرة وهو صغير، بس دلوك هو كبر وأنا كبرت، وجوزت بنتي على يدك وما شاء الله كلها كام شهر وابقى جده...

قالت الأخيرة ضاحكة أيضًا، ولكنه لم يتأثر، بل عاد إلى الموضوع الأساسي الذي يشغله، قائلًا:

ـ المهم، حسان ده اتجوز ولا ما اتجوزش؟

ـ لاه تعرفي، بتقولي أكبر منك بسنتين، يعني ما كملش خمسة وتلاتين، واحتمال كبير ما اتجوزش.

ـ وه يا حمزة، وأنا هشغل نفسي بيه ليه؟ ولا باخباره يعني؟

قالتها بارتباك، ليؤكد عليها هو:

ـ لا، مش هتشغلي نفسك بيه يا ست مزيونة، بس هو اسمه ابن خالتك، يعني طبيعي جدًا إنك تعرفي معلومة كده ولا كده عنه.

ضيق الخناق عليها ليجبرها أن تخبره:

ـ وه عليك يا حمزة، وعلى زنك، عيال خالتي علاقتي مقطوعة بيهم من زمان، من ساعة ما اتجوزت عرفان.

الحاجة الوحيدة اللي عرفتها عنه لما قابلت أخته من سنتين، فاتو بالصدفة في بلدنا، قالت أنه: شغال في السياحة لما كنت بسألها عن أخبار خالتي وولادها، بس كده، ولا أعرف أي حاجة تاني...

ظنت أنها قد استراحت من الحاحه حين أخبرته بكل ما تعرفه، ولكنه عاد يدخل إليها بطريقة أخرى:

ـ أمم، يعني عرفان كان قاطع علاقتك بيهم، أنا ليه حاسس إن حسان هو السبب؟

ـ أنت كمان حفظت اسمه؟ طيب، مع نفسك بقى فكر وعيد وزيد، أنا بصراحة ما صدجت لقيت الميا... عن إذنك يا حموزي.

قالت الأخيرة تتخذ طريقها في السباحة وتبتعد عنه، حتى استفزته ليصيح بها بغيظ، وهو يهم ليتبعها:

ـ الله عليك يا ستي السباحة، يعني أنت تلفي راسي بكلمتينك، وبعدها تعيشي حياتك في الميا... وديني ما أنا سايبك!

ولج إليها داخل الغرفة، بعد أن استأذن وسمح له بالدخول، ليجدها الآن جالسة بنصف نومة، تتناول الطعام من يد شقيقتها الصغرى التي كانت جالسة بجوارها تطعمها الأرز بالملعقة.

فقابلته بابتسامة رائقة، تناقضت تمامًا مع الشخصية التي يعرفها، حتى جعلته يبادلها الابتسامة في إلقاء التحية:

ـ صباح الخير، يا رب تكوني زينة النهاردة.

ـ صباح النور، أنا بخير والحمد لله.

يبدو أن الفتاة الصغيرة هي الأخرى قد انتبهت للتغير الذي أصاب شقيقتها، وهي ترد على أحد الرجال بلطف غريب عنها، فتبسمت بحالمية تتابع الحديث بين الاثنين:

ـ أسحب لك الكرسي من الجنب وأقعد يا خليفة، ولا أنت هتفضل واقف؟

ـ لا يا ستي، وأفضل واقف ليه؟ نسحب الكرسي.

سحب أحد المقاعد، ثم اقترب واتخذ جلسته بالقرب منهما، يخاطب الصغيرة:

ـ أخبارك إنتي إيه حلوة؟ هديتي دلوك بعد ما اطمنتي على اختك؟

أطرقت رغد بخجل لتتكفل شقيقتها بالرد عنها:

ـ حلوة إيه بس يا خليفة؟ أنت فاكرها عيلة صغيرة دي في الجامعة، هي بس اللي شكلها منمنم شوية...

تمتم بها شاعراً بالحرج، وسارع للتوضيح:

ـ والله افتكرت إنها في إعدادية، بس حتى لو كان، ما هي زي أختي الصغيرة أو بنتي في كل الأحوال، مفرجتش يعني، وهرجع أقولها تاني: أخبارك إيه يا حلوة!

ضحكتا الاثنتان معه هذه المرة، رغد التي شعرت بنوع من الألفة معه، واعتماد التي لأول مرة تسمح لأحد أن يغازل شقيقتها المدللة أمامها، لثقتها التي نمت مع الأيام والظروف القاسية والتحديات التي مروا بها، لشخصيته الناضجة المتزنة التي تجعلها لا تشك لحظة في نيته نحو تلك الصغيرة، التي كانت ولا تزال العقدة الأساسية لها.

ـ ممتشكرين... يا عم خليفة على زوقك... أختي اعتماد، مش بس اختي، لأ دي أمي وأهلي كلهم...

نظر إليها خليفة بتأثر، وقد تأكد له الآن أن تلك هي حالتها الطبيعية في التلعثم، فتاة في الجامعة وتتلعثم! ماذا تبقى من المآسي لك يا اعتماد؟

وكأنها لم تلاحظ، هتفت اعتماد لتصرف انتباهه عن شيء آخر:

ـ الرائد اللي جه حقق معايا من شوية، بلغني إنك شهدت على محمود بأنه زقني وكان متعمد يقتلني.

ـ وانت كان ردك إيه؟ أوعي تجولي إنك أنكرتِ.

ـ لا طبعا ما نفيتش، لأني حتى لو ناوية اتنازل بالفعل عشان إنه جوز أختي وأبو بنتها، رغم أنه يستاهل، بس برضو مش هيحصل غير بعد ما أضمن حقي وحقها.

تفوه بها خليفة بإعجاب شديد، لرجاحة عقلها، ولأنها تزن الأمور بحكمة مهما كانت صعوبتها.

داخل الشاليه الذي يجمعه بها، توقف مذهولًا ينظر إليها بعد أن ارتدت فستان السهرة الذي أتى به مخصوصًا لهذه الليلة.

بلونه الأسود اللامع الجميل، انتشرت عليه بعض الورود الملونة لتزيد من بهائه، يغطيها من الرقبة حتى حذاء القدمين بالأسفل منسدل على الجسد برقة، لا هو بالضيق ولا بالوسع، وحجاب في الأعلى، لفته بطريقة عصرية تغطي شعرها بالكامل، أما عن زينة الوجه فكانت خفيفة جدًا، يميزها الكحل الأسود في رسم العينين، ليضعها في مكانها الصحيح... فاتنة.

بالفعل كان مذهلًا ولائقًا بها، حتى جعله يشعر بالفخر مهللًا:

ـ أيوه كده، هو ده يا واد يا حمزة، عشان تعرفي إنّي بقيت حافظ كل حاجة فيكي، وعارف اللي يليق عليكي بالتمام.

عبست قليلاً مستهجنة طريقته الفجة:

ـ حافظ كل حاجة فيكي! ما تنقي ألفاظك يا حمزة، أنا أصلاً لابساه غصب عني، وممكن أقلعه حالًا على فكرة.

تخصر أمامها واقفًا بالحلة التي كان يرتديها، يخطف الأنفاس بطلته وأناقة هو الآخر، يسخر مشاكسًا لها:

ـ ولما تقلعي الفستان، هتروحي معايا العزومة إن شاء الله في المطعم بإيه؟ بقميص النوم مثلاً؟ ولا بالبيجاما البرمودا؟

ضربت بقدميها على الأرض لتنهره حتى يكف عن وقاحته:

ـ احترم نفسك يا حمزة، وبطل قلة أدب.

ـ مبقاش حمزة لو بقيت مؤدب! يلا يا ماما، إيدك في إيدي، خلينا نروح المشوار، هي نص ساعة على عزومة صاحبي ده اللي أصر عليها، وبعدها نرجع على عشنا السعيد يا روحي.

بعد قليل، وصلا الاثنان إلى داخل المطعم الراقي الذي يُقام فيه عشاء على شرفه هو وعروسه، نظمها صديقه صاحب القرية السياحية بأكملها.

المكان سياحي من الدرجة الأولى، ولكن يوجد به عدد من المصريين، استقبله صديقه، يرحب بهم بحرارة، كان الرجل قاهري ويفهم طبيعة حمزة الغيور، فلم يرفع عينيه بها أبدًا احترامًا وتقديرًا لصديقه، وهذا ما كان السبب الرئيسي لموافقة حمزة.

ولكن الذي استوقفها كان شيء آخر مختلف، وهو أحد الأشخاص الذي اختلط عليها شبهه، كان جالسًا بركن وحده مع امرأة أجنبية، وكأنه هو الآخر وصله نفس الإحساس. فانتفض واقفًا يعترض طريقهما، مخاطبًا لها أمام حمزة:

أجفلها بالسؤال حتى ارتبكت، لترد بسؤال هي الأخرى غافلة عن المفاجأة التي كانت واقفة بجوارها:

ـ أيوة كده فعلاً، أنا حسان ابن خالتك مرزوقة يا مزيونة.

رواية لاجلها الفصل الرابع والثلاثون

كأنني كنتُ غريبًا عن نفسي حتى رأيتها...

فانكشفت ستائر الروح، وأدركت أنني ما خُلقتُ إلا لأكون عندها.

هي سكني وسكينتي، مرساي الذي ألقى فيه أثقال العمر فلا أغرق.

أغار عليها من الضوء إن لامس وجنتيها، ومن النسيم إن داعب خطاها.

أريدها أن تكون لي كما أنا لها، احتكارًا لا يعرف أنانية، بل حبًا يخشى أن يتسع الكون على سرٍّ أودعني الله إياه.

هي استثنائي الذي لا يتكرر، ومعجزتي التي ردّت الروح لصدري...

هي البداية التي لا نهاية بعدها.

المراجعة والخاطرة الروعة من الرائعة/ سنا الفردوس ( بطوط)

فالمصائب أيضًا تُرتكب في لحظات... نعم،

بل وفي أقل من اللحظات، وذلك حين يجبرك أحدهم بغباء فعله على التعامل معه بما قد يودي بحياته... على يديك.

مثل ذلك الأحمق الذي استوقف زوجته أمام عينيه، يتصدر ويعترض طريقها بعشم ليس في محله، ليُهلّل برؤيتها وكأنه كان يبحث عنها منذ زمان. وعلى الرغم من أنه قد علم منها عن هوية هذا الشخص قبل ذلك، أصرّ أن يدّعي عدم الفهم حتى يتسنى له الانتقام بحرية وبدون أدنى ذرة تردّد.

ـ أنا حسان ابن خالتك مرزوقة يا مزيونة.

انتي كمان عرفتيني زي ما أنا عرفتك؟ سبحان من يجمع القلوب... عرفنا بعض أنا وإنت من نظرة واحدة، رغم الفراق اللي عدى عليه سنين طويلة.

أجفله بها حمزة، دافعًا إياه على صدره بقبضتيه القويتين حتى أجبره على الارتداد للخلف خطوات. لينظر إليه بانشداه سائلاً:

ـ انت مين يا حضرت؟ وبتضربني كده بصفة إيه؟

صاح بها حمزة بعدائية واضحة، ليجبرها على التعامل معه، وهي تحاول أن تكون حاجزًا:

ـ اهدي يا حمزة، ده بيقولك إنه حسان ابن خالتي... يعني مش غريب عني و...

قاطعها صارخًا، فأجبرها على الصمت. فجاء تعقيب الآخر بما ضاعف من اشتعال حدة الموقف:

ـ جوزها إزاي يعني؟ أنا أعرف عرفان الحيوان كويس أوي، لا يمكن أنسى إنه طردني من بيته من أكتر من عشر سنين، وقطع علاقتنا ببنت خالتي الوحيدة... مزيونة.

ـ إنت كمان هتنده باسمها؟ والله شكلك عايز تتربى...

أوشك بالفعل على التهجم عليه وتهشيم وجهه بقبضتيه، لولا تصدّر صديقه صاحب القرية، فاحتضنه ليقيّده، مبتغيًا تهدئة الأجواء:

ـ صلِّ على النبي يا حمزة... الراجل مقالش حاجة عيب، هو بس أكيد خانه التعبير. راعي خوف زوجتك ورعب السياح حوالينا... وخد بالك دا راجل محترم معانا والله، ومسؤول مهم في الشركة اللي بتجيب لنا Guest (النزلاء) للقرية.

ـ حسان، أرجوك تنتبه... ومعلش تعذره، دا حمزة القناوي، واللي بتتكلم عليها دي تبقى زوجته. بغض النظر إن كانت هي بنت خالتك بالفعل أو سوء فهم.

زفر حمزة بحنق شديد، محاولًا امتصاص غضبه مراعاة لحديث صديقه عن رواد المطعم وفزع زوجته. وما إن التفت إليها وجدها بحالة يُرثى لها، فأشفق عليها من نفسه. لكن سرعان ما أعادته إلى نقطة الصفر حين تفوّهت بعفويتها:

ـ اسمع منه يا حمزة... دا حسان، واد خالتي. بلسانه الفالت... دي طبيعته، والله ما بيعرف يمسك خشمه. لكن كل اللي قاله صح.

ياليتها لم تتحدث من الأساس، فقد استوحشت ملامح حمزة بغضب متعاظم عند ذكرها اسم ذلك الأحمق، والذي أبى بدوره أن يعطي فرصة للتفاهم دون أن يزيد على قولها، متأثرًا:

ـ انتي كمان فاكرة لساني الفالت يا مزيونة؟ يا سبحان الله... رغم مرور السنين دي كلها والقطيعة اللي حصلت ما بينا بعد جوازك من عرفان الزفت، أنا كمان عرفتك من أول ما وقعت عيني عليكي. رغم إني سايبك بملامح طفلة مش ست كاملة زي دلوقتي... بس العيون الحلوة دي مفيش زيها أبدًا. انتي مفيش منك اتنين أصلاً. لكن... امتى بقى اتطلقتي واتجوزتي واحد تاني؟ أنا كان لازم أعرف... ليه محدش قالي خالص عن الموضوع ده؟

ـ حسنًا، لا تراجع عن قتله الآن.

غمغم بها حمزة في داخله وقد اتخذ القرار بعد استماعه لوصلة الغزل المقيتة عن زوجته من ذلك المأسوف على أمره، وحديثه المستفز عن طلاقها وزواجها بآخر دون علمه، والغرض واضح بالطبع.

ليُبعد عنه بهدوء غريب ذراعي صديقه الذي انصدم هو الآخر، مستشعرًا قرب حدوث الكارثة، رغم تأكيد حمزة:

ـ سيبني... أنا بس هتفاهم معاه، مش أكتر.

أما مزيونة، والتي علمت بما يفكر فيه زوجها، فقد قبضت بكفيها على ذراعيه تنهاه برجاء:

ـ حمزة، أنا قلتلك من الأول إن لسانه فالت. بدليل إن سبب جطيعتي مع خالتي وولاد خالتي هو خربطته في الكلام مع عرفان... اللي فهمه غلط هو التاني.

ردّ عليها همسًا كازًّا على أسنانه بتحذير شديد:

ـ يعني عرفان مخبّل وفهمه غلط، وأنا بجى اللي أفهمه صح بعد كلامه عنك قدّامي دلوك؟ شيلي يدك عني، شيلي يدك لا خلّصك عليه بالفرد اللي في جيبي في ظرف ثانية. والله ما هتأخر دقيقة يا مزيونة...

على غير رغبتها، أجبرت على نزع كفيها من فوق ذراعه، خوفًا من تهديده. فهي الأعلم بتحوله من الرجل الأنيق أمامها، إلى بريٍّ متوحش حين تشتعل غيرته عليها. وقد رأت بأم عينيها ما فعله بعرفان، طليقها ضخم الجسد، في موقفين سابقين. فما بالها بابن خالتها الأحمق...

ـ وغلاوة أمك وريّان يا شيخ... لا تراعي إنه وحيد أمه على خمس بنات. والله خمسة...

تفوهت بها إليه تلتمس عاطفته. فجاء رده بتجبر، رافعًا حاجبه بشرّ مطلق:

ـ نحطها في اعتبارنا دي... أهي حاجة تخفف عنه وخلاص.

وتحرك من أمامها يتركها تتضرع بالأدعية، متقدمًا نحو الآخر، والذي لو يدري بما ينتظره ما تفوّه بنصف كلمة.

تحدث حسان فور أن وجده واقفًا أمامه يحاول التبرير:

ـ لا مؤاخذة يا حضرت لو أزعجتك بلهفتي ولا كلامي. بما إنك صعيدي ودماغك مقفلة وكده... أنا مقدّر. بس لازم تفهم إن مزيونة مش بنت خالتي وبس... ياما كانت تقعد عندنا في البيت بالشهور. أنا تقريبًا ربيتها على إيدي، قبل ما غراب البين... عرفان، يخطفها.

تبسم حمزة يخبره بما يسبق العاصفة:

ـ وأهو جالك الغراب التاني عشان يكمل رسالة الأول.

ما كاد ينهيها حمزة، حتى ختم القول بالفعل، بجبهته الحديدية لتصطدم بقوة برأس الآخر، فسقط على الأرض كجثة هامدة، ورأسه عرفت مكانها فوق حذاء أحد المتفرجين.

صدر منه أمر حازم يصمتها، ليعلّق صديقه المنحوس، صاحب المطعم والقرية بأكملها، وهو يتأمل حسان على الأرض:

ـ هو دا التفاهم بتاعك يا حمزة؟ يا نهار اسود... دا باينه محطش منطق خالص. حد يتصل لنا على دكتور يا إخونا... حد هنا دكتور طيب؟

نطق بها ذلك الذي حشرت أقدامه أسفل رأس ذلك المسكين، حتي جعل الثلاثة ينتبهون إليه. كان بهيئة غريبة: يرتدي فانلة صيفية دون أكمام تكشف عن ذراعين نحيفين، وشورت في الأسفل لا يغطي الركبة بعظمتها الكبيرة البارزة، وعلى قدميه خف بلاستيكي، أحدهما تحت رأس حسان.

هادئ لدرجة أنه لم يتأثر أو يترك حتى زجاجة العصير التي كان يرتشف منها عبر أنبوب رفيع.

تفوه بها صديق حمزة نحوه بارتياب. فرد الآخر بسخرية:

ـ يا بني، شايفني عيل صغير حضرتك؟ أنا دكتور محترم وليّا وضعي، على فكرة.

ـ طيب يا دكتور يا للي ليك وضعك، شوف المزفت ده من غير رِط؟

توجّه بها حمزة نحوه، ليرمقه الاخر بنظرة إمتعاض وكأنه لم يسمع، فهدر الرجل صاحب المطعم والقرية:

ـ يا عم الدكتور! بنقولك شوف الراجل.

ـ مين فيهم بالظبط؟ المجني عليه اللي ادشدشت راسه على رجلي... ولا الجاني، اللي واقف قدامي دون أدنى ذرة إحساس؟ دا اللي محتاج كورس علاج ودورة أدب وتأهيل في معاملة البشر والإحساس بيهم.

صاح في الأخيرة، مثيرًا غضب حمزة واندهاشه:

ـ إنت بتقول إيه يا مخبّل انت؟ تحب أكوّمك زيه عشان يبقى الكورس كامل؟

ـ يا مرااااري! هو إنتوا بتتخانقوا على إيه بالظبط؟ ما حد يشوف المسكين ده... عايش ولا روحه طلعت لخالقها؟

ـ يا سيادة الدكتور، هو إنت مش حاسس بالتقل اللي على رجلك؟

أضافها صديق حمزة هو الآخر، مخاطبًا ذلك المجنون، الذي كاد يُجلط الثلاثة ببروده.

ـ أكيد طبعًا حاسس بالتقل، وتقريبًا رجلي نَمِلت عشان راسه تقيلة. هنزل أشوفه دلوقتي... لكن قبل ما يحصل، حابب أقول لجنابك إنت...

توجّه بآخر جملة نحو حمزة مرددًا:

ـ ربنا موجود لأمثالك من الظلمة. نفسي أدعي عليك من قلبي... بس للأسف مش قادر.

ـ يا جزين! هو أنا بيني وما بينك معرفة سابقة ولا تار قديم، لامؤاخذة، وأنا مش واخد بالي؟

كان الطبيب قد نزل في هذه اللحظة ليفحص حسان، فرفع رأسه يجيبه:

ـ لأ... بس بتفكرني بواحد أعرفه.

ـ بقى كل العمايل دي عشان بفكرك بواحد تعرفه؟ طب اسم المحروس إيه بقى؟

سمع منه ليعدّل نظارته على عينيه، ويجيب عن سؤاله باعتزاز:

ـ أنا الدكتور هشام، تخصص أمراض عصبية ونفسية.

ـ آه... قول كده عشان الواحد يفهم وما يستغربش.

ـ قصدك إيه؟ بتلمّح إني أنا مجنون؟

تمتم بها هشام، وهو يلقي برأس حسان بعصبية بعدما فهم تلميحه.

ـ بُووه عليا! أنا اللي مجنونة... وبت ستين مجانين! بس خلّصنا الله يرضى عنك... وشوف المسكين ده.

عاندها حمزة مستهجنًا، وكأنه قد تحول في هذه اللحظة:

ـ ما تقوليش علي نفسك مجنونة... ولا تشفقي عليه. يا أخلّصلك عليه خالص!

ضربت بكفها على فمها تهادنه بغيظ، وقد بدا أمامها كالذي فقد عقله. فعقّب هشام المراقب من الأسفل:

ـ حقيقي... مسكينة. بتفكريني بواحدة أعرفها.

مُسطحًا على وجهه، يتأوه كلما مرت يدها الناعمة على جزء مُجهَد من جسده، تُدلّكه وتُخفف عنه بخبرتها القليلة، وقد نال منه التعب والإرهاق في تحمّل مسؤوليات مُثقَلة نيابةً عن شقيقيه، المنشغلَين في أمور خاصة بهما، فيأخذ دوره في أن يحل محلّهما الآن.

ـ آااه... آااه يا ليلى، اضغطي على الحِتّة دي من الكتف... متسبيهاش... كمان... كمان.

عقبت ليلى بإشفاق، ويدها ما زالت تعمل لرفع الوجع عنه:

ـ دي الليلة التانية يا معاذ وانت تترمي كده من التعب! طب يا حبيبي ليه تاجي نفسك كده؟ ما تخلي أي حد من ولاد إخواتك يساعدك. زرع وبهايم وشغل الصوامع... يا حبيبي إنت مش متعود على كده.

ردّ بصوت مكتوم، نتيجة لدفن وجهه بين وسادتين:

ـ حتى لو مش متعود، برضك لازم أبجى كد المسؤولية. مينفعش أعتمد على ولاد إخواتي. في أمور لا يصلح حد يسدّ فيها غيري أنا وإخواتي. زي وُجفتي في الواجب النهارده لعمي مرزوق، واد عم أبوي. ولا شندلة امبارح في القسم مع هالة، اللي كانت هتُشبكنا في مصيبة وحديت يمسّ العيلة كلها لو كان الخبر اتنشر عن خناقتها هي وروان. نفسي أفهم البِت دي إمتى هتحكّم عقلها بس؟ ماشية وفاتحة صدرها للعراك والمشاكل، ومش مُقدّرة وضعها كزوجة لخليفة، ولا حتى مراعية عيالها. ربنا يهديها.

تحدّثت ليلى بتساؤل عن هالة التي تقرّبت منها في وقت ما حتى ظنتها أختًا، من فرط اللطف الذي كانت تُعاملها به، قبل أن تنقلب وتُظهر شخصيتها الحقيقية:

ـ ربنا يهديها... بس هي فعلًا غريبة ومش مفهومة. ليه مُصرّة تتعب نفسها واللي حواليها؟ مع إن عمي خليفة ده زي البلسَم في هدوءه. يمكن لو عمي حمزة، أنا ممكن أديها عذرها عشان عصبي شوية وهي زيه. لا يمكن يكون في توافق ما بينهم.

تنفس معاذ بقوة، يفكر في تحليل ليلى لشخصية ابنة عمه المتهوّرة، وتساؤلها عن السبب خلف أفعالها تلك. يعلم الإجابة جيدًا، فهو ليس صغيرًا حتى لا يفهم نظرة المرأة لرجل غير زوجها. ومع ذلك لا يستطيع البوح بما يجول بخاطره، حتى أمام نفسه.

ـ سيبك منها يا ليلى ومتفكريش فيها، عشان هتتعبي. المهم خلينا في اللي إحنا فيه... اضغطي يا جَلبي شوية على العَضم التعبان... يدك خفت.

كانت قد توقفت بالفعل، وعقلها سرَح بشيء ما، لم تنتبه إليه إلا الآن. لا تدري كيف غفلت عنه.

ـ هه؟ لا خلاص أها... هو أنا عملت إيه عشان أتعب يعني؟

تفوهت بها لتُنفض عنها الشرود، وتعود مرة أخرى لتدليك ظهره، تاركة أمر التفكير لوقت آخر.

وعند المنطقة المحظورة، أعلى المصرف القديم، حيث ذلك المقهى المشبوه...

كان عرفان واقفًا يتأفف بضجر وهو يُراقب ذلك الأحمق الذي يستفرغ ما بجوفه لفترة من الوقت، حتى رفع رأسه أخيرًا، يمسح بالمحارم الورقية على جانبي فمه، مرددًا باعتذار:

ـ لا مؤاخذة يا عرفان يا خوي، شكلي خدت هوا في معدتي... يا ستير يا رب. ده العيّا ماسِخ سم.

ـ ما هو ده الطبيعي... إنه يبقى ماسخ وزفت وجطران كمان. أمال سموه عيّا كيف؟ روح إنت عدي على الصيدلية، يدوك حاجة للعلاج. وبعدها روح على بيتك... اشرب حاجة سخنة وادفى ونام.

ـ ومين يعني اللي عيعمللي الحاجة السخنة؟ ما إنت عارف إني أنا وحيد... إن ما كنتش أعمل حاجتي بنفسي، ولا أعمل وُكلتي بيدي، أُجعد بالجوع. إنت على الأقل الله يباركلك، لو ما عملتش مرتك، هتلاجي عيّل من العيال يعملك. كل واحد بياخد حظه عاد...

ـ بقولك... إيه اللي مانعك تتجوز؟

أعاد عليه السؤال مرة أخرى بحدة، في تساؤل طرأ عليه فجأة، شاعرًا بشيء غير مفهوم في مَن كان يظنه صديقًا يومًا ما. فجاء رد عطوة بتلعثم ضاعف من شكوكه:

ـ يعني يا عرفان... ما صادفتش بت الحلال اللي تقدر تصوني. نصيب بقى.

ـ ملقتش كيف يعني؟! دي الحريم والبنتة على قفا مَن يشيل. إنت مش واقع ولا فقري. يمكن صايع وملكش شُغلانة... بس معاك فلوس ورِث أبوك اللي كان سايبك وسايب أمك. لكنه نفعك في ورثه لما غار ومات. ليه بقى ما تكلمش أي واحدة من قرايبك تشوفلك عروسة؟ لو ليك غاية... في يوم وليلة هتتجوز.

قالها عطوة بمزاح، ليأخذها عرفان بظن سيّئ، مرددًا:

ـ لو ليك؟ خبر إيه ياض؟ أنا لولا إني شايفك بعيني مع الحريم إياهم، كنت قولت إنك... لا مؤاخذة. مع إن برضك مش مضمون.

انتفض عطوة بعدم تقبّل، شاعرًا بالإهانة:

ـ هو إيه اللي مش مضمون ولا مؤاخذة؟ ما تنقي كلامك يا عرفان! أنا راجل جوي، ولو طَقّت في دماغي، أتجوزهم أربعة من عشية... ويحبلوا الأربعة في نفس الليلة!

ضحك عرفان، وقد أثار سخريته هذه المرة بحق:

ـ أربعة مرة واحدة ويحبلوا كمان؟! طب قول واحدة يمكن الواحد يقدر يبلعها. قال أربعة قال!

وتابع ضاحكًا ليزيد من استفزاز الآخر، حتى نهض عطوة عن جلسته، يدفع الكرسي الخشبي للخلف بعنف، مغمغمًا:

ـ ووه يا عرفان! ده إنت ماسِخ سم. سيبها لك وماشي... اشبع بيها لوحدك.

ظل عرفان مستمرًا في ضحكاته دون اكتراث، حتى إذا ابتعد عنه الآخر بمسافة آمنة، قال محدّثًا نفسه:

ـ والله شكلك وراك سر كبير... كيف كنت غافل عنك السنين دي كلها، مش عارف.

مرت ليلة ما أصعبها... فسد كل ما كان مُخططًا له تمامًا من عشاء رومانسي ولحظات جميلة يقضيها في صحبتها، ثم ينتهي به الوقت السعيد في حضنها غافيًا نائمًا براحة...

لكن ما حدث صار على عكس ذلك تمامًا: شجار مع ذلك السمج الذي ظهر له من العدم فعكّر صفو الليلة، ثم هلع وبحث عمن ينقذه، ثم قضاء نصف الليلة في المشفى التي تولوا بها إنقاذه، بعد تلك البطحة التي تلقاها رأسه. إنّه حتى لم يُعطه فرصة كي يُشفى غليله ويبرحه ضربًا، سقط من ضربة روسية واحدة وتسبب له بأزمة معها! أولم يكفه الطبيب الأحمق وقد أوشك على قتله هو الآخر في تلك الليلة الغبراء؟

لتعود معه بعد ذلك إلى المنزل، رافضة حتى النظر إليه، ولأول مرة منذ زواجهما يبيتان معًا على سرير واحد، كلٌّ منهما يُدير ظهره للآخر.

كم كان يحترق، وعلى فراش الجمر يتلوى، وهي بجواره ولا يستطيع ضمها إليه. نفسه العزيزة تمنعه من التنازل ومصالحتها على شيء لو تكرر ألف مرة لن يتصرف إلا كما فعل. وفي الوقت نفسه، من العدل أن يُقدّر حزنها منه بعد تصرفه بذلك الغباء.

انتفض بجذعه جالسًا، يوزع أبصاره في الزوايا من حوله، يبحث عنها بعينيه بعدما استيقظ ليجد الفراش خاليًا منها. نهض تاركًا الغرفة بأكملها ليُكمل بحثه عنها في باقي أرجاء المنزل.

ـ مزيونة... مزيونة... إنتِ فين يا مزيونة؟

وكأن الأرض انشقت وابتلعتها... شعر بالهلع وهو يُضاعف بحثه عنها بعصبية:

ـ روّحتي فين يا مزيونة واختفيتي؟ نصيبه تكوني روحتي البلد وسبتيني لوحدي... إنتِ فييييين؟

بصيحته الأخيرة كان قد وصل إلى باب المنزل الصيفي (الشاليه)، وامتدت أبصاره نحو البحر أمامه، ليتفاجأ بها داخل المياه تسبح بالبوركيني الذي جاء به إليها. فجاء تعقيبه السريع:

ـ صلاة النبي أحسن... أيوة يا ست السباحة، علّمناهم الشحاتة سبقونا على الأبواب!

اندفع داخل المياه بخطوات سريعة بملابس النوم، يهتف مناديًا حتى تنتبه إليه:

ـ مزيونة يا بنت أبو هيف! بتنزلي البحر من غيري وأنا نايم يا ست العرايس؟ طب حتى بلّغيني من باب العلم بالشيء!

ـ من غير مقلتة ولا تريجة! إنت كنت نايم وأنا دماغي كانت هتنفجر من كتر التفكير. قولت أخفف وأرفه عن نفسي شوية وأنزل البحر، مادام المنطجة معزولة. وعلى العموم يا سيدي، أهاه، بلاها عوم من أساسه.

تطلع إليها مصدومًا وهو يراها تتوقف عن السباحة وتخرج من البحر غاضبة، متخطية إياه. ليضرب بقدمه الماء أسفله ثم سارع يتبعها:

ـ على فكرة ده مش كلام ده! أنا مش قصدي أقلل منك... بس كمان قدّري وضعي. راجل يصحى من نومه ما يلاقيش مرته جمبه، وفي الآخر يلاقيها بتعوم من غيره! ولا إنتِ عشان شايلة مني ما صدقتي؟

توقفت تلتفت إليه، تواجهه مُقِرّة:

ـ أيوة يا حمزة، أنا بتلكّك. وكل زعلي بسبب غل الليلة اللي فاتت. وأوعى تفتكر إني هنسى أو أعدّيها بسهولة. حسان ابن خالتي، وفي بيتهم أنا ياما كلت عيش وملح... أبقى قليلة أصل لو عديت واتقبلت عشان بس إن جوزي بيغير عليّا. الرجالة ياما بتشوف وتعدي عليها مواقف زي دي... لو كل واحد عمل زيّك كده محدش هيجعد عليها.

زفر متقبّلًا نقدها، واقترب حتى وصل إليها، قائلًا بنبرة آسفة:

ـ أنا عارف إني غلطت، ومش طالب منك طبعًا تتبعيني على غلطي... بس رايد منك تتفهمي شوية طبيعتي.

جذبها من خصرها، يقربها إليه مردفًا بصدق:

ـ طب تعرفي إني عمري ما كنت كده في جوازتي الأولى؟ مكنتش بارد، لكن غيرتي معاها كانت عادية لأي راجل صعيدي ما يقبلش مراته تتحدّت بتساهل مع غيره أو تلبس لبس ملفت للنظر. لكن معاكي إنتِ الأمر مختلف... عايزك تلبسي وتطلعي للعالم والدنيا، لكن في نفس الوقت محدش يرفع عينه فيكي. محدش يبص لملك حمزة، لا بعشم ولا من غيره. حطي نفسك مكاني... وعيدي الكلام اللي خربط بيه الواد ده... وانتِ تعرفي إن معايا حق.

لكنها، على عكس ما توقع، جادلته برفض:

ـ وهو قال إيه يا حمزة يستاهل الضربة الواعرة دي؟ يمكن خربط لما اتكلم عني، لكن أكيد ما يقصدش... ونيته كانت...

ـ وأنا بقى هكشف على نيته إن كانت خير ولا شينة؟ ما تعقلي يا مزيونة!

ـ طب سيبك مني خالص، وخلينا في القطيعة اللي حصلت بينكم من سنين. ممكن أعرف عمل إيه مع عرفان عشان يطرده ويحلف عليكي ما تكلمي حتى خالتك بسببه؟

ـ ما عملش... ده كان مجرد كلام حتى مش فاكراه.

ـ لا، فاكراه يا مزيونة وبلاش لف ودوران. قولي عمل إيه؟

مرة أخرى حشرها في الزاوية بإصراره، فانفعلت قائلة:

ـ سمعه هو وبيقول عليه إنه كيف ضرفة الدولاب! وإني لما كنت على الكوشة جنبه كان منظرنا زي "الجميلة والوحش".

ـ والله ما كدب في حكاية الوحش دي على عرفان... بس قال.... عليكي جميلة!

كزّ على أسنانه في الأخيرة بغيظ شديد:

ـ شوفي بقى... أها أنا كده كل ما أسمع منك نار تقيد أكتر، ووخزة الضمير دي تروح خالص مني.

ضجرت من إصراره، تضرب الأرض بقدمها:

التفتت عازمة العودة إلى الشاليه وتركه، لكنه أبى أن يُعطيها غرضها، فجذبها بحزم لتقع بين ذراعيه، يهادنها برجاء لا يخلو من مكر:

ـ خلاص بقى، ما تبجيش صعبة جوي باه... ليكي عليا أحكّم عقلي شوية بعد كده. لو شوفته في مكان مش هضربه تاني!

عقبت ساخرة بانشداه من كرمه المبالغ فيه:

ـ يا سلااام! وجاي على نفسك جوي كده ليه بس؟ انت موته أحسن!

تغيرت نبرته فجأة من العبث إلى شيء آخر أعمق وأكثر صدقًا:

ـ يا ستي لا أمُوته ولا يموتني... أنا كنت بناغشك بس. الليلة اللي فاتت مرت كيف الموت في بُعدك يا مزيونة. جنبي على فرشة واحدة ومش قادر ألمسك ولا أحدتك... كنت أقدر أفرض نفسي عليكي وإنتِ مولّية مني، بس أنا ما قبلتش. سيبتك تاخدي غرضك وتعذبيني، عشان عارف إن ده أقل عقاب منك بعد اللي عملته. بس وحياة أغلى ما عندك... ليلى... يا شيخة، ما تكرريها تاني.

في تلك اللحظات، لم تكن هي الأخرى أقل صدقًا منه، معبّرة عمّا اعتراها بالأمس من وحشة رغم قربه منها ونومهما علي تخت واحد:

ـ ما إنت كمان أعز ما عندي... مش ليلى بس. ولا فاكر الليلة الصعبة دي مرت عليك إنت وحدك؟ لاه يا حمزة... مزيونة هي كمان كانت بتتعذب جنبك على الفرشة. لو كنت شايفها عقاب، فأنا كنت بعاقب نفسي زيك. ليلة بطولها مرت عليا من غير ما يغمضلي جفن. إنت بقيت في حياتي حاجة كبيرة جوي يا حمزة... فوق ما تتخيل كمان.

ابتهج بما سمع، يردّ وقد أسعدته كلماتها، ليزيد من ضمها وتقريبها إليه:

ـ ووه يا قلب حمزة! كان فين الكلام الحلو ده بس؟ أيوة كده، بلّي ريقي وقولي واشجيني...

فجاء ردها بمكر أنثوي بدأت تتقنه لتسحب من زوجها ماتريده في الوقت المناسب:

ـ واهين يا قلب مزيونة! شوفت؟ أها بقيت بعرف أجاريك... وشوية شوية هتلاقيني بقول كتير. بس عشان خاطري... ما تعملش زي عرفان وتحرمني من خالتي. بغض النظر عن اللي عملوا حسان... وهو مش هيكرر غلطه معاك بعد اللي حصل. ممكن يا حمزة؟

زفر بحنق شديد، وقد فهم مقصدها بعدما حشرته في زاوية لا مفر منها:

ـ ماشي يا مزيونة... هاخدك ونروح نزورها كمان. عندك طلب تاني؟

هللت بفرحة لم تستطع إخفاءها، لتحتضنه صارخة:

ـ يا حبيبي يا حمزة! ربنا يخليك ليا وما يحرمني منك أبدًا أبدًا يااارب.

رفعها من خصرها حتى لم تعد قدماها تلمسان الأرض الرملية أسفلهما، قائلًا بغيظ ممتزج برغبة في الانتقام:

ـ ماشي يا بت الأحرار! والله واتعلمتي اللؤم وعرفتي تغلبيني. لكن مبقاش حمزة إن ما خدت حقي منك تالت ومتلت!

تحرك بها عائدًا إلى البحر، فهتفت مستفسرة:

دفعها بذراعه فسقطت في المياه، وخلع قميصه ليلحق بها، قائلًا:

ـ زي ما عومتي لوحدك... تعومي معايا دلوك. لحد ما نتعب، وبعدها نرجع على الشاليه. اليوم كله النهارده مفيش طلوع. والله لاخد حقي منك تالت ومتلت.

رددت بها بنبرة مُستهجنة بدلال محبب، ليزمجر مجاوبًا وهو يسبح ليحاصرها حتي لا تبتعد بحرفيتها التي اكتشفها حديثًا:

ـ واهين يا بت... أنا حمزة القناوي على سن ورمح!

سيطر على حركتها، ليحملها بين ذراعيه ويُسقطها في المياه بمرح. فصرخت مستمتعة، تُجاري جنونه. قضيا قرابة الساعة في اللعب والسباق داخل المياه، قبل أن يعودا إلى عُشهما... يُعوّضان عذاب الليلة الماضية بساعات من القرب والوصال، لا يكتفي منها ولا تكتفي منه أبدًا.

...............................

أتى اليوم أيضًا إليها، ولكن هذه المرة مع شقيقته وزوجها الأستاذ منصور، في زيارة لها، وقد كان هذا اليوم الثاني بعد تلك العملية التي أُجريت لها في ذراعها.

كانوا في طريقهم إليها، حين تفاجؤوا بحشدٍ من الرجال يخرجون من عندها، بصورة أثارت الانتباه، حتى جاء استفساره بفضول وهو يراهم متخذين الطريق نحو المصعد في الجهة الأخرى:

ـ مين دول يا منصور؟ ناس من عيلة الأبلة ولا إيه ظروفهم؟

بتركيز شديد منه نحو الرجال، أجابه منصور:

ـ ولا واحد فيهم أعرفه، دول شكلهم وجاهة ومنزهين. إنما عيلة اعتماد كلهم غلابة.

تساءل بريبة، لتعقب عليه شقيقته:

ـ يا سيدي يا خبر النهارده بفلوس، بعد كام خطوة بس هيبقى ببلاش. أنا عارفة إنتوا مستعجلين على إيه؟

ـ آه والله، أهي جالتلك المدام. خدو الحكمة من فاه الست منى.

أضاف بها منصور، لتجاريه زوجته ضاحكة:

ـ تشكر يا زوجي العزيز. أهي دي ميزة اللي تتجوزلها مدرس عربي، يضرب الجملة بكذا معنى. بس أنا بعديله، أصل ما بعدش كتير...

طالعهم خليفة بغيظ رغم ابتسامته لرواق مزاجهم واندماجهم الغير طبيعي معًا:

ـ يا بوي عليكم انتو الجوز، صحيح ما جمع إلا ما وفق.

وشاركهم الضحك أيضًا وتبادل المزاح، حتى وصلوا إلى الغرفة المقصودة.

ـ صباااح الخير، ممكن ندخل يا حلوين؟

ـ اتفضلي إنتِ واللي معاكي، ودي محتاجة استئذان يا ست منى؟

سمعت منها لتدلف وخلفها خليفة ثم منصور، الذي شاكسها بمرح:

ـ يا ما شاء الله عليكي، أنا برضو قولت إن الأبلة اعتماد ما يتخافش عليها، زي القطط بسبع أرواح... نمسك الخشب.

استجابت بابتسامة لمزاحه ومزاح زوجته، حتى قطع عليهم خليفة المتعجل بفضوله:

ـ احنا شفنا واحنا جايين... جماعة بعمم طالعة من عندك. دول عندينا من البلد؟ أصل ما عرفتهمش صراحة.

لم تجبه على الفور، بل اعتلت ملامحها شيء من التردد أدخل في قلبه الشك، فتكفلت هذه المرة شقيقتها الصغرى بالرد، تصارحهم بما لا تقوى عليه اعتماد، وبطريقتها المتلعثمة في الحديث:

ـ دول... جماعة كبااار من عيلة مـ... مممحمود جوز روضة. كانوا جايين يطمممنوا على اعتماد ويعتذروا منها...

ـ يعني إيه يعتذروا منها؟ هيجيبولها حقها يعني ولا إيه؟ أنا مش فاهم.

تساءل بها بحدة، وقد تسرب إليه شيء من الريبة لم يريحه، ليأتي الرد هذه المرة من اعتماد:

ـ كده ببلاش؟ إيه المقابل طيب؟ ولا هي بجاحة وخلاص؟

كان منفعلًا بدرجة جعلت شقيقته تتدخل من أجل احتواء الموقف:

ـ هو قصده يعني يبقى فيه تعويض وحق يتاخد من الواد الصايع ده عشان ما يكررهاش تاني ويعرف إن الله حق.

أضاف منصور هو الآخر على قول زوجته:

ـ أيوه أمال إيه؟ مع إني كنت أفضل إنه يتحبس أحسن، عشان ده في القانون اسمه شروع في القتل. دي جريمة مش حاجة هينة.

صمتت اعتماد، مخفضة عينيها بألم زاد من ثقل ما يكتنف هذه اللحظة، لترد عنها رغد وللمرة الثانية:

ـ ولا فييي أي حاجة ممن الكلام ده. ده هما اللي على لسانهم إنهاا ككانت لحظة غضب، وجالوا: عفا الله عما سلف، وإن البِت الصغيرة لازم تعيش بين أمها وأبوها...

للمرة الثانية يخرج عن هدوئه المعتاد وقد استفزه ما سمع:

ـ يعني كمان عايزين يكافؤه ويردوله مرته وبته؟ ده إيه البجاحة دي؟ جايين بربطة المعلم يهزوا طولهم؟ الناس اللي ما عندها ريحة الدم! ده بدل ما يربوا ولدهم عشان يحرم ما يستقوي على الولايا مرة تاني. تلاتة بالله العظيم لو حضرت الجعدة دي، لكنت مسحت بكرامتهم الارض واحد واحد. اللي يفوت للخسيس وعايز الناس تعديله غلطه... يبقى ندل وقليل أصل زيه.

حسنًا، لقد بالغ في ثورته، ولكن لا أحد ينكر صدق كل كلمة خرجت منه، رجل بحق.

هذا ما دار بخلدها تتابع بصمت ردود منى وزوجها اللذين استفزّ حماسهما أيضًا، فأيّداه وثمّنا موقفه، حتى فاجأها بقراره:

ـ إنتي خليكي برا الموضوع ده خالص يا اعتماد. أنا إن ما كنت أعرف أمسح بكرامة الناس دي الأرض، وأعرفهم قيمتهم وسط الرجالة الصح... شنبي ده ما يبقي على راجل.

ضحكت منى وقد غمرها الزهو بحمائية شقيقها الهادئ بطبعه، وتلك النظرة في أعين اعتماد التي تلاحظ تغيرها لأول مرة، وكأنه يعيد صياغة تفكيرها وعُقدها دون أن يدري.

ـ طب والرجالة إيه ذنبهم بس يا واد أبوي؟

ـ ذنبهم إنهم بيدافعوا ويبرروا غلطه، وده في شرعي ذنبه أكبر من الجاني نفسه.

أيّده منصور بشدة، ليكونا سندًا لتلك المسكينة وشقيقاتها:

ـ برافو عليك يا خليفة، وأنا معاك عليهم الناس دي.

وبعد أن طلب منها أن ترتدي فستانًا جديدًا من تلك المجموعة التي قد أتى بها لها، ورغم تذمرها واعتراضها إلا أنها استجابت كي تُرضيه. ففاجأها بغلق باب الغرفة، بحجة أن يتركها تُفاجئه بهيئتها الجديدة.

فاستغلت الأمر كي تستغرق وقتها جيدًا في التجهيز، وما إن انتهت وبعثت إليه بالرسالة، حتى وجدته يفتح لها الباب، يصدر صوت صفير تعبيرًا عن إعجابه وانبهاره.

فقد كان الفستان هذه المرة بلونٍ زنجاري، ينساب على جسدها بنعومة، وكالعادة يغطي حتى أسفل قدميها. شعرها المنسدل وضعت عليه وشاحًا من نفس اللون، وقد أصبحت امرأة جديدة تعرف ما يليق بها، والفضل بالطبع يعود إليه.

ـ هااا بقى... بعد ما خليتني لبست واتأنتكت، هنقضي السهرة هنا جوه البيت؟ ولا هتسحبني على مكان تاني ونعمل خناقة جديدة، وإنت لابس البدلة الحلوة دي؟

ضحك حتى مالت رأسه للخلف، ثم نفى برأسه وهو يسحبها للخارج دون صوت. فتذمّرت باعتراض:

ـ ساحبني وطالع بيا على طول؟ طب سيبني ألف الطرحة!

لم يُرِحها بكلمة، حتى إذا فتح الباب الخارجي، وجدت الإجابة بأبهى صورها.

فقد أعدّ طاولة شاعرية رومانسية، ارتصّ عليها عدد من الأطعمة الجاهزة، والإنارة التي نُظمت كدائرة حولها، تعطي المشهد بريقًا خاطفًا.

لتردد بتأثرٍ وانبهار فاق حدود عقلها الصغير:

ـ ايوه أنا اللي عملته بنفسي. إينعم مش بروعة اللي بيعملوه ناس متخصصين، بس أظن يعني إنه يكفي الغرض... لأنه شاعري وعلى البحر وكده.... إيه رأيك؟

تطلعت إليه مبتسمة لطريقته العفوية في الشرح، مرددة:

ـ رأيي فيه إيه بالظبط؟ يعني إنت تعمل كل ده عشاني، وفي الآخر جاي تسألني عن رأيي؟ هو إنت طلعتلي منين ولا كنت متخبي فين بس؟

جذبها إليه يطبع قبلة رقيقة على جبهتها، هامسًا بصوتٍ متحشرج:

ـ مفيش فين ولا منين. أنا لقيتك بعد صبر، وعارف قيمتك زين. وده حق المزيونة عليا. يعني كل اللي شايفاه ده... قليل جوي عليكي كمان، يا أميرة قلب حمزة.

لم تعد هناك كلمات تكفي، ليتبقى لها الفعل فقط. فألقت بنفسها عليه تحتضنه بامتنان شديد:

ـ مفيش أميرة من غير أمير، وإنت سيد الأمرا كمان. والله بحبك يا حمزة.

تبسّم براحة يشدد عليها بذراعيه بعد أن رطّبت قلبه بأعظم جملة يشتاق إلى سماعها منذ أن عرفها ودق قلبه بالحب لها، ليبادلها بقوله:

رواية لاجلها الفصل الخامس والثلاثون

وخوفٍ يتربّص بكل خطوة نحو الغد.

صلبة، لكن في أعماقها وهنٌ لا يراه أحد،

وجراحٌ تختبئ خلف ابتسامةٍ رقيقة.

أن تجد في حضن الأيام ما يضمد وجعها،

وتهاب أن يخذلها الطريق مرة أخرى.

وتؤمن أن الغد يحمل لها عزاءً جميلاً،

المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة القمر/ بطوط او سنا الفردوس

رائحة المرأة التي تسللت بين ثنايا أنفاسها، كأن عطر الخزامى قد أحيى روحها بذكريات أيام سعيدة مضت، محفورة في الذاكرة. لكن في داخلها، وفي جزء بعيد وعميق، حزن تجذَّر مع كثرة الأحداث البائسة التي مرت بها حتى أنستها كل ما هو جميل، ليتجدد الآن مع شعور الدفء والحنو في غمرة المرأة ذات القوام الصغير، والتي طبع العمر أثره عليها حتى بدت سمينة بعض الشيء. تجاعيد وجهها قد اتخذت مكانها حتى كادت معالم صورتها القديمة تختفي، لكنها ما زالت تحتفظ بقدر كبير من الشبه مع والدتها الراحلة. ما أجمل العثور على شيء يربطنا بالماضي الجميل.

ـ وحشتيني يا خالتي، وحشتيني قوي قوي.

ـ توّك ما افتكري يا مزيونة؟! هانت عليكي خالتك يا بت؟ هانت عليكي ريحة أمك يا بت؟ تسمعي كلام الواطي... وتقاطعي خالتك بالسنين كده من غير سبب يا بت؟

كانت المرأة تردد وقبضتها على ظهر مزيونة، تلكزها لكزات خفيفة نابعة من عتابها ووجعها على ما فات من سنوات الفرقة بينهما بلا مبرر. أما الأخرى فكانت مقدِّرة، تتقبل منها بصدر رحب.

نزعت نفسها من حضن خالتها الحنون، لتقابل عينيها بعيني المرأة، ووجهها الذي أغرقته الدموع، تخاطبها بحزن شق قلب من كان واقفًا يتابع من خلفهما بصمت:

ـ والله لو عليا، ما كنت جاطعتك يوم واحد. بس أنا كنت تحت حكم القوي، اللي كان مانعني من الهوا حتى ما أتنفسه. يأمر ويتأمَّر على كيفه، وأنا ما ليش غير الطاعة، عشان أربي بتي اللي طلعت بيها من الدنيا يا خالتي.

ـ الله يجازيه بعمله، الله يجازيه... بس إحنا ما حدش فينا عرف إمتى اتطلقتي ولا إمتى اتجوّزتي ال...

وتوقفت المرأة، توجه أبصارها نحو حمزة، ثم أردفت بامتنان:

ـ بس شكلك المرة دي نجيتي صح يا بت، هو ده... هو ده اللي يليق لك يا مزيونة.

تبسمت لإطرائها، تتابع اقتراب زوجها من المرأة كي يتحدث معها بلباقته المعهودة:

ـ والله إنتِ اللي زينة، وكلامك حلو يا خالتي. يا ريتني عرفتك من زمان. سبحان الله، هو النصيب اللي جابني لمزيونة عشان أتعرف بيكي يا بنت الأصول.

انشرحت أسارير المرأة، حتى احتلت محياها ابتسامة ما أروعها. راحت تقارن برأسها الفرق الشاسع بين ذاك القديم المتجهم الجاهل، وهذا الوسيم اللبق الذي يليق بابنة أختها الجميلة الرقيقة، الوردة التي اقتُطفت قبل أوانها، حتى ذبلت وكادت تنتهي، لولا عناية الله الذي قدّر لها الحياة لتربي ابنتها، ثم يأتيها العوض الجميل في الأخير.

وبرد فعل عفوي منها، فتحت له ذراعيها تدعوه:

ـ طب تعالى... تعالى اما أبوسك في خدك. إنت زيك زي ولدي كده. ولا هتستكبر وتقول دي مرة كبيرة وعتخرف؟

ضحك بصخب أثار دهشة زوجته، فاقترب بجرأة نحو المرأة، يميل برأسه حتى يمكّنها من وضع قبلة على وجنته، مرددًا:

ـ والله وإنتِ زيك زي أمي فعلًا.

فضحكت المرأة هي الأخرى بصخب، توجه الحديث لابنة شقيقتها:

ـ والله وطمّنتي قلبي عليكي يا بنت أختي. خلاص... بعد ما شوفت عوض ربنا ليكي، إن شاء الله يتمّمها كمان بالذرية الصالحة.

تجمّدت مزيونة عند الأخيرة، تطالع فرحة زوجها وتضرعه رافعًا يده إلى السماء:

ـ إن شاء الله يا حجة مرزوقة، ادعيلنا من قلبك يقرب البعيد. ده أنا هموت عليها دي والله.

ـ يا حبيبي بعد الشر عليك. ما انتو لسه صغيرين، والعمر قدامكم تخلفوا بالدستة كمان.

ـ ووه دستة مرة واحدة؟! طب قولي تلاتة ولا أربعة. والله ساعتها نبوس إيدينا وش وضهر، وربنا يعينّا على تربيتهم. لا هي بالكترة أياك!

أردف الكلمات بعفويته، فلم ينتبه إلى زوجته إلا مؤخرًا، وقد اعتلت تعابيرها غلالة حزن تكتمه داخلها. فرغم الشوط الكبير الذي قطعه معها طوال الأيام ليستعيد ثقتها بنفسها، إلا أن هناك عقدًا متجذّرة لا يظن حلها إلا بصعوبة شديدة...

وفجأة، دوى صوت فتح الباب ثم دخول أحدهم إلى الشقة، فكان ذلك المصاب برأسه التي ما زالت ملتفة بالرباطات الطبية: حسّان.

والذي وما إن شرعت والدته في مخاطبته للترحيب بالزائرين، حتى فاجأها مناديًا باسم ابنة خالته، فور أن التقطتها أبصاره:

ـ إيه ده؟! مزيونة؟ وعندنا في بيتنا كمان؟

صاح به حمزة من البداية، ينبهه حتى لا يكررها فيضطر لضربه، ويضع نفسه ويضعه في موقف لا يُحسدان عليه:

ـ وجوزها معاها! وزّع بصرك كويس. إحنا جايين ضيوف للحجة النهارده في بيتها يا مستر حسّان.

سمع منه الآخر، ليرمقه بامتعاض وقد تذكّر ضربة الرأس التي ما زالت تؤلمه حتى الآن، فردّ بحنق:

ـ يا أهلا بيكم... أنا ما كنتش واخد بالي صراحة. أصلي افتكرت إن بنت خالتي جاية عندنا لوحدها.

توجّه في الأخيرة نحو مزيونة، فجعل الدماء تسري في عروق الآخر، يضغط على قبضته بصعوبة حتى لا يضربه مرة أخرى. لكنه كان يعلم أنه عليه أن ينسحب بها من هذا المنزل الآن على الفور. فإن تأخر دقيقتين لا يضمن نفسه أمام هذا الاستفزاز المتعمد...

ـ نستأذنِك بقى يا حجة... عشان نمشي. أصل ورانا سفر، ويدوب نلحق طريقنا.

اجتمع جميع أفراد الأسرة على طاولة الطعام لتناول وجبة الغداء، تترأسهم حسنية التي وزّعت اهتمامها كعادتها على باقي الأفراد، بالإضافة إلى مشاركتها في الأحاديث الدائرة بين معاذ وشقيقه خليفة في هذا الوقت:

ـ عيال اعمامك من امبارح مصدعيني، لحد دلوك محدش فيهم مصدق اللي عملتوا في عيلة الواد الواطي اللي اسمه محمود في القعدة امبارح... إيه الإبداع ده يا باشا! ده إنت غسلتهم غسل...

ـ مش للدرجة دي كيف بس يا خليفة؟ إنت خليت الرجالة يكلموا نفسهم بعد ما سوّدت وشوشهم قدام كبارات البلد، وبعدها غصب عنهم قبلوا بالتعويض اللي إنت فرضته عليهم!

ـ يستاهلوا... عشان رجالة على قلة رجالة، رجالة بالأسم بس. عايزين يتشطروا على البِت الغلبانة وأخواتها، وياكلوا حقهم وكمان يصالحوهم على قليل الأصل! ده بدل ما يقدّروا إنهم ولايا ومالهمش سند. يعني الأولى إنهم يجيبوا لهم حقهم وينصروهم على الغلطان.

ـ الكلام ده للي يفهم بس ياما. الدنيا دلوك ماشية بالعكس: معاك عيلة وفلوس، يبقى اعمل ما بدالك... مدام هتلاقي اللي يلمّ وراك.

عقّب خليفة على قول والدته، فأضافت بحنكتها:

ـ لكن طول ما فيها اللي زيك وزي إخواتك، يبقى ما تشيلش هم... الدنيا بخير.

قابل خليفة إطراءها بامتنان شديد، يطبع قبلة على كفها المجعد:

ـ عشان تربية رجالة... وأم كمان بمية راجل يا ست الكل.

تبسمت له برضا تام، ثم سرعان ما تذكرت ما تود الحديث عنه:

ـ صحيح يا ولدي، بقالي كام يوم عايزة أسألك وملاقياش فرصة... مش ناوي بقى ترد بِت عمك؟ أنا شايفة إنها طوّلت في بيت أبوها، رغم إن الغلط راكبها من ساسها لراسها.

تبدل مزاجه فجأة، حتى ترك اللقمة التي كاد ان يضعها في فمه، ورد باهتمام:

لم تُنكر حسنية وهي توجه أبصارها نحو معاذ وزوجته اللذين التزما الصمت وكأن الأمر لا يعنيهما، تبتغي منهما المساعدة والدعم في إقناعه:

ـ مش عيب يا ولدي لما حد يكلمني؟ الناس باصة على العمار.

هتف بها، يزيح الكرسي الذي كان جالسًا عليه إلى الخلف بعنف، ليندفع واقفًا متابعًا بثورة:

ـ كان من الواجب تفكّر هي الأول في ده. مش أنا اللي أفضل طول الوقت عاصر على نفسي لمونة ومتحمل لاجل العيال، وهي ولا على بالها! تغلط وأنا أمسح وأعدي! ليه؟ مش أنا بني آدم؟ هييجي عليا وقت وأنفجر! كتر التساهل معاها خلاها تزيد... لحد ما بجتش شايفاني راجل أصلًا جدامها!

وتحرك تاركًا المنزل بأكمله، لتنظر في أثره حسنية بذهول عاصف، حتى التفتت نحو ابنها الأصغر وزوجته الصامتة منذ بداية الحديث عن رجوع هالة:

ـ هو ماله خليفة؟ دي أول مرة يقلب القلبة السودة دي! ولدي ما كانش كده واصل!

عقّب معاذ بلهجة حادة لأول مرة تسمعها:

ـ أديك قلتيها بنفسك... إن ولدك ما كانش كده. ده لو جبل ما كانش اتحمل عمايلها. الله يجازيها بقي... هي السبب.

قال الأخيرة وقد التفت نحو زوجته، التي بدا عليها التأييد الكامل لما تفوه به، وكأن بينهما حديثًا مفهومًا لا تعرفه حسنية.

كانت هالة قد اتخذت الطابق الثاني مسكنًا لها، بأمر من والدها الذي زهد منها وملّ، ولم يعد له طاقة على الجدال معها أو حتى رؤيتها وهي تحرق دمه كل مرة يتحدث إليها. فمهما حاول أن يذكرها أو ينصحها لتتعظ مما حدث، يجدها تدافع عن نفسها وكأنها المظلومة التي يتجنى عليها الجميع، ولا أحد يشعر بها.

في هذا الوقت، كانت تتحدث مع إحدى نساء البلدة عبر الهاتف، ويدها الأخرى تمشّط شعر ابنتها الصغيرة التي كانت محجوزة بين قدميها:

ـ اتعدلي يا بِت بدل ما أعدلك! خليني أسرحلك شعرك الزفت ده. والله لو ما اتعدلتي لأطلّع غلبي كله فيكي!

صرختها القوية أزعجت محادثتها عبر الهاتف، حتى عبّرت لها المرأة، لتصيح هالة بها هي الأخرى:

ـ يا سِتي وإنتِ مالك؟ أصرخ ولا ألمّ الدنيا كلها عليّا حتى؟ كملي... قوليلي حصل إيه تاني في الجلسة الزفت دي اللي بتحكي عنها؟ ... إيه؟! وكمان حكموا بتعويض 250 ألف جنيه يعني ربع مليون؟! بقى عرف يمشي كلامه على الرجالة ويجبرهم يدفعوا لها! ليه؟ هو كاسر دراع البرنسيسة؟! ... خلاص يا أم حميد، فهمت، فهمت... اقفلي السكة الله يرضى عنك، أنا على آخري.

وما إن أنهت المكالمة حتى ألقت بالهاتف على الفراش، ثم رفعت ابنتها من على حجرها، تنهض عن التخت الذي كانت جالسة متربعة عليه. أخذت تهتز حول نفسها بحركة عصبية، وكأنها تبحث عن شيء تطوله كي تفرغ فيه غضبها، وهي تغمغم بغيظ:

ـ وه يا خليفة! كل ده يطلع منك؟ بتجمع كبارات البلد وتعمل جلسة عرفية تعادي بيها عيلة بحالها لاجل عيون الست اعتماد؟! أمال لو ناعمة أو فيها ريحة الأنوثة زي باقي الحريم... كنت عملت إيه؟!

ماشي يا خليفة... إنت والست اعتماد... شكلي كنت غفلانة عنكم، لكن أنا دلوك صحيت وفتحت عيوني كويس!

ـ شعري يا ماما، مش هتلفّيلي التوكة الأخيرة؟

جاء صوت صغيرتها لينتشلها من غمرة أفكارها السوداء، فرمتها بنظرة ملتهبة بشرار عينيها، تفزَعها بصيحتها:

ـ ماشي يا ختي، ماشي يا محروسة! ما أنا جاعدة لكم خدامة! وأبوكم الباشا قاعد يتسرمح مع الحريم! يعني أحوش عنه روان عشان تطلعلي المقندلة دي؟ والله عال... فاضياله أنا... فاضياله!

كانت اعتماد في هذا الوقت ترتدي إحدى الكنزات بمساعدة شقيقتها الصغرى رغد، بعد أن تحمّمت بحرص حتى لا تؤذي ذراعها الذي ما زال لم يشفَ بعد من الكسور التي ألمّت به.

ـ بس يا ست رغد، كفاية خلاص، لحد كده تعبتك من الصبح معايا.

ردّت عليها رغد وهي تحاول في الكُم الأخير:

ـ تتعبك راحة يا أحلى اعتماد في الدنيا. هو أنا أطول أساعد الباشا وهو بيلبس هدومه؟ دي حتى من أسهل المهمات... يا ريت كل التعب زي كده.

فعقّبت إعتماد علي قولها مبتسمة:

ـ بقيتي بلوة مسيحة يا ست رغد، وأنا اللي كنت فاكرّاكي قطة مغمضة.

ـ ما هي القطة كممان بتفتح يااا أختي... ولا إيه؟ يا أبيض... يا حلو إنت.

قالت الأخيرة بمغزى واضح، عن الفرق الشاسع بين وجه اعتماد الخمري المائل للسمار نتيجة التعرض المباشر للشمس وقلة الإهتمام، وبين ما ظهر من الجزء الأعلى في جسد شقيقتها، حيث برزت بشرتها البيضاء في ذراعيها وكتفيها، حتى جعلت اعتماد تنفجر ضاحكة من قلبها، وترد على جرأتها، فتتبادلان المزاح والمرح... إلى أن توقّف كل ذلك مع دخول شقيقتهن الثالثة روضة بوجه عابس غاضب، والسبب طبعًا معروف.

ـ ممالك يا روضة؟ داخلة علينا زي اللي اددلق منها طبيخها...

وجّهت رغد السؤال بطريقتها المتلعثمة، فجاء رد الأخرى بجفاء، وكأنها تبحث عمّن تصب غضبها به:

ـ نعم يا ست رغد؟ اتريقي عليّا إنت كمان؟ ما هو ده اللي ناقص!

ارتبكت رغد من فظاظتها، تكاد الكلمات تُحبس في حلقها، فتولت اعتماد الرد بدلًا عنها:

ـ في إيه يا بِت؟ هي أختك جالت إيه عشان تهبي فيها كده؟ الهزار العادي بقى في نظرك مقلته؟ ما تجيبي من الآخر وقولي السبب الحقيقي ورا قلبتك العفشة دي علينا.

ليست غبية حتى لا تفهمها. وتفهم السبب الحقيقي خلف هذا العبوس الواضح... لقد عاد هذا الملعون ليلعب برأسها مرة أخرى. وهذا ستتأكد منه بنفسها حين تقرّ بلسانها...

البداية المعروفة طبعًا: مسكنة واضحة لاستجلاب العاطفة.

ـ إنتِ كمان يا خيتي بتيجي عليّا؟ مش حملالي كلمة؟ أنا عارفة من الأول إني ماليش داخله وسطيكم. إنتوا الاتنين إيد واحدة، وأنا الغريبة بينكم، حتى وإن كنت أختكم من دم واحد...

قالت عبارتها بنبرة باكية، محاولة الهروب برد الفعل المعتاد لتثير فيهن شعور الذنب. لكن اعتماد كانت لها بالمرصاد، لتوقفها قبل أن تترك الغرفة، صارخة بها:

ـ اقفي عندك يا بِت! ارجعي هنا! حطي عينك في عيني! إحنا مش هُبَل ولا دقة عصافير عشان ما نفهمش غرضك من التمثيلية الهبلة دي إيه.

التفتت إليهما بوجه محتقن، صدرها يعلو ويهبط بغِلّ لا يخفى على شقيقتها التي تعرفها أكثر من نفسها. هيئتها تلك توحي أن هذه المرة قد شُحنت ضد شقيقاتها بالكامل.

ـ نعم يا خيتي... يا حبيبتي... بتندهيني ليه؟

ضاقت حدقتا اعتماد وهي تتمعن النظر فيها، تستشف الغِلّ الواضح بطريقة ردها، لتثور قائلة:

ـ ما تجيبي من الآخر يا ست البرنسيسة! وقولي إن ريما رجعت لعادتها القديمة... فتحتي التلفون للمحروس ورخيتي ودنك له من تاني! قلبك على إخواتك بإيه المرة دي؟ قالك إن أختك المفترية صلّطت خليفة ولد القناوي، يعمل قعدة عليه وعلى أهله ويفرض عليهم أكتر من ربع مليون جنيه من غير وجه حق؟

قالك إن ذنبه الوحيد إنه عايز يرجّعك إنت وبتك؟ وإن كل اللي حصل ده ظلم؟ وإنك أنتِ أول واحدة جايه عليه بسكوتك على اللي بيتعمل فيه؟

صمتها المخزي كان أكبر دليل على صحة ما تنبأت به اعتماد، لتجأر بها:

ـ ما تنطجي! خرصتي ليه؟ القطة كلت لسانك؟ ولا مكسوفة تقري إن ده فعلًا اللي قاله؟ ما عرفتيش تردي عليه وتوجفيه عند حده؟ تقولي له إنه شرّع في قتل أختك! ولولا عناية ربنا، لكنت من الأموات دلوك!

ـ بس... هو ما كانش قصده! زقّك بس... إنتِ اللي فلّتي من يده، واتكحرتي على النزلة اللي تحت الجسر...

صاحت بها روضة باندفاع، دون أن تقصد، تثبت عليها البيّنة. الأمر الذي جعل الاثنتين تناظرانها بصمت أبلغ من الكلمات. لكن روح العناد داخلها دفعتها إلى محاولة إثبات صحة موقفها:

ـ مالكم بتبصولي كده كأني عملت مصيبة؟ أنا بس سمعت منه وفهمت... يعني مش حاجة عيب ولا حرام! ده لساته جوزي وأنا على ذمته.

تدخلت رغد، وقد استفزها دفاع روضة المستميت عن المخطئ في حق شقيقتها:

ـ حتى لو ككان مش قصده فعلاً ياروضة، برضه لازم يتعاقب! عشان يعرف إن الله حق وما يكرّرهاش تاني. ططب لو ـ لا قدر الله ـ أختك كانت راحت فيها؟ كان هيقول برضه "مش قصدي"؟ ولا إنتِ كنتي هتقبليها؟

رغم تلعثمها في الحديث، إلا أن كلماتها أصابت هدفها بدقة، لتشعر روضة بالحرج الشديد... فصاحت بها معنّفة:

حد طلب منك إنتِ كمان تدخلي؟ هي شايلة ومعبّية عشان اللي حصل لها، إنما إنتِ إيه يخصّك؟ بتحشري نفسك في اللي ما لكِش فيه ليه؟

لم تنتظر رغد منها كلمة أخرى حتى لا تزيد في تجريحها بالحديث، فطريقتها المتلعثمة لن تمكّنها من الرد جيدًا، وربما تتسبب في السخرية منها كما يحدث دائمًا معها في المواقف اليومية.

سحبت قدميها وغادرت الغرفة على الفور، فاشتعل غضب اعتماد لتتصدى لتلك المشحونة على أخواتها:

ـ عاجبك اللي عملتيه ده يا زفت الطين؟ بتيجي على أختك الغلبانة، اللي بتجمع الكلمتين بالعافية! قصدك تقللي منها عشان عارفاها مش هترد عليكي؟ كل ده عشان مين؟ عشان المحروس اللي بيبيع ويشتري فيكي، وعمره ما نصَفِك مرة واحدة حتى!

ـ لكنه برضه في الآخر اسمه جوزي وأبو بتي، واللي مسيري هرجع له... بعد ما يسدّدلك الربع مليون اللي أخدتيهم عليه شرط هو وناسه، أنتِ والمحروس اللي اسمه خليفة. ولا همّك ظروفه، ولا همّ كانوا هيتصرّفوا إزاي فيهم؟ لكن ربنا موجود.

ردّت اعتماد من خلفها بخيبة أمل متوقعة منها، ويأس من إصلاحها. تناولت حقيبتها بيدها السليمة ورفعتها على كتفها، ثم تحرّكت لتغادر هي أيضًا، لكن روضة لم تدعها تمضي دون أن تذكرها بما تحاول دائمًا نسيانه:

ـ الغلبانة اللي إنتِ بتقولي عليها دي... مسيرها تتجوز. رغم العيب اللي فيها لكنها مرغوبة، زي ما إنتِ شايفة من العرسان اللي رايحة جاية تطلبها. بكرة بقى لما تلاقيها عايشة ومتهننة... ساعتها بس هتفتكري إنها كانت السبب في طلاقك.

تجمّدت اعتماد في مكانها، أغمضت عينيها بألم شديد، بعدما غرست بحماقتها السكين في قلب جرحها. وما أصعب أن يأتيك الجرح من أقرب ما لك! لكنها سرعان ما تمالكت بأسها، ثم واجهتها بقوة:

ـ عمري... عمري يا روضة ما هندم إني اتخلّيت عن حياتي عشان أحمي أختي، حتى لو هي اتجوزت وعاشت حياتها واتهنّت وشافت الحلو كله اللي أنا ما شفتوش. يكفيني إني أوصلها للمرحلة دي، وما آخدش حسرتها لو كان حصل لها حاجة لا قدّر الله.

توقفت برهة تلتقط أنفاسها، ثم واصلت بنبرة موبّخة:

ـ برضه على الأقل هي ملهاش ذنب في كل اللي جرى معايا. إنما إنتِ... زقّيتيني المر من كيعاني، مع إنك كبيرة وعاقلة وفاهمة. يبجى مين الأحق إني أشيل همّه؟ هي ولا إنتِ؟

عاد عرفان من الخارج، ليجد باب شقّة مزيونة سابقاً مَفتوحًا على مِصراعيه، والتي يتخذها حاليًا مسكنًا له. كان أولاده يمرحون داخلها، وصوت جلبة يأتي من الداخل أنبأه بوجود زوجته أيضًا.

خطا بأقدامه حتى وصل إلى غرفة النوم، فوجدها تضع اللمسات الأخيرة، ترش المعطّر بعد أن انتهت من تنظيفها وتلميعها جيدًا.

ـ إنت جيت يا عرفان؟ حمد الله على سلامتك. بص بقى يا سيدي، زي ما إنت شايف أنا خلصت كل حاجة: غسلت الهدوم وكويتها وعطّرتها زي ما عطّرت الشقّة اللي نضفتها ولمّعتها. حتي طُلّ بعينك على باقي الأوض، وانت تعرف بنفسك.

جلس على طرف الفراش، يعقّب ساخرًا:

ـ مصدّقك... مش محتاج أطل ولا أتعب نفسي، أنا أصلًا جاي مهدود حيلي. على العموم، تشكري يا ستي.

تمتمت بها، ثم اقتربت تجلس بجواره على الفراش، مرقّقة من لهجتها وكأنها تنتهج نهجًا جديدًا في التعامل معه بعد تلك الفترة العصيبة الماضية:

ـ أنا مش بقولك كده عشان تشكرني أو تقدرني، أنا بقول لك إني بعمل كده عشان أرضيك. رغم إن ربنا العالم إن الشقّة دي تقيلة على قلبي زي الحجر، وأنا شامّة ريحتها في كل ركن فيها. لكن كله علشانك يهون، ويكفي إنها غارت عشان نبص لنفسنا بقى.

فهم مغزى ما تقصده، فتبسّم بخبث معلّقًا:

ـ قصدك يعني بجوازها من واحد تاني غيري إن الحكاية خلصت، ومدام مفيش أمل في رجوعها ليا تاني، يبقى أبص للي في يدي، ونرجع أنا وإنتِ سمنة على عسل من تاني.

أومأت تهز رأسها بلهفة وحماس اعتلى ملامحها، تنتظر استجابة منه ما دامت قد قدّمت له بالسبت وطلبتها صراحة، رغم كل ما حدث وفعله بها من تجنٍّ وإهانات وضرب مبرّح على أبسط الأسباب.

أما هو فقد زمّ شفتيه، وضاقت عيناه، وبأطراف أصابعه أخذ يشدّ شعيرات شاربه الكثيفة، متصنّعًا تفكيرًا متعمّقًا وهو ينظر إليها بصمت زاد من حيرتها. فلِمَ هذا التفكير أصلًا؟

ـ بصراحة... كلامك معقول. ومدام خلاص الموضوع خلص، يبقى زي ما هي شافت نفسها أنا كمان أشوف نفسي. ومنها كمان أردّ كرامتي.

التقطت الكلمة لتشدّد عليها بلهفة:

ـ أيوه يا عرفان، أيوه! عشان تثبت لها وتثبت للناس كلها إنها غارت في داهية وما عادش تهمك، وإنك خلاص اكتفيت باللي معاك: مرتك الأصيلة وعيالك اللي يشرحوا القلب.

هزّ رأسه بنفي غير مفهوم يعارضها:

ـ لا يا صفا... مش هو ده اللي هيرد كرامتي. اللي يرد كرامتي لازم يبقى حاجة كبيرة والناس كلها تشهد عليها. إنما جوازي منك مين شايفه أصلًا؟

سألته بعدم تصديق، فجاءها الرد على الفور:

ـ قصدي أتجوز تاني... واحدة أصغر وأحلى منها ومنك. بنت بنوت، ويا ريت كمان لو تبقى في عمر ليلى بتي. يا سلام! أهي دي تبقى الضربة الصح.

شهقة عالية خرجت من حلقها، ضربت بكف يدها على صدرها، تصيح به:

ـ يا مُري! إيه اللي إنت بتقوله ده يا عرفان؟ أنت واعي لكلامك ده، ولا عامل نفسك بتهزر؟

ردّدها ساخرًا، ثم تابع بما زاد قهرها:

ـ لا يا ستي، ما بهزرش. من النهارده هدور على بنت البنوت اللي تليق بواحد زيي. معايا فلوس تسد عين الشمس، والصحة اللهم بارك مش محتاجة أقولك عليها أصلاً.

صرخت ردًّا على ما تعتبره هذيانًا:

ـ والله ما يحصل، ولو على موتي! ليه هي سايبة؟ ده أنا ما قبلتش بيها وهي الضرّة اللي سبقاني، هرضي إنك تجيبها عليّا؟! ده أنا كنت...

ـ هتعملي عمل المرّة دي وتوقفي حالي بالربط؟ ولا تجيبيلها مرض بالشلل؟

قاطعها بحدّة، وقد احمرّت عيناه متوعّدًا:

ـ يعني مش بعيد أسيّح دمك زي الدبيحة تحت رجل الدجّال اللي هتروحي له. بعد طبعًا ما أرمي اليمين عليكي. أنا مش هسيبك تغوري وإنتِ على ذمتي...

توقفت أمامه بعجز، لا هي قادرة على صدّه ولا ردعه بما يستحق. بعد أن بالغ في إذلالها وإهانتها، ها هو الآن ينزع عنها جميع أسلحتها، يتمادى في ظلمه وتهديده بالزواج من أخرى.

فلم تشعر بالكلمات وهي تنساب من بين شفتيها حتى تسببت في ضحكه دون أن تدري:

ـ ربنا هيحاسبك على ظلمك... خليك فاكر، الظلم ظلمات في الآخرة.

قهقه ضاحكًا وهو يضرب كفًّا بكف، مردّدًا خلفها:

ـ دلوك بقى ظلم لما جه عليكي؟ إنما الأول لما كان على كيفك كان آخر حلاوة! أما عجايب دي يا ولاد....

وصلت إلى الصيدلية الأقرب إليها في وسط البلدة التي تعج بالحياة والصخب من البشر والمراكز الحيوية كالمنشآت الحكومية أو المحلات بمختلف أنواعها، لتلبية احتياجات أهل البلدة.

دفعت الباب الزجاجي الثقيل لتلج إلى داخلها، موجِّهة أبصارها نحو الفتاة التي كانت منكفئة على جهاز الحاسوب أمامها، تلقي إليها التحيّة كي تلفت انتباهها:

رفعت الفتاة أبصارها إليها تضحك وهي تبادلها التحية بمصافحة:

ـ ما حدش بيناديني بأسم الدلع ده غيرك، دكتور وشيمو مع بعض... بحب الميكس بتاعك.

تبسمت إليها اعتماد، تبادلها المزاح:

ـ ما أنا خايفة أندهلك باسمك حاف، أبخس حقك بعد سنين التعب اللي تعبتيها على ما وصلتي للقب العزيز. وفي نفس الوقت مش مقتنعة... يعني واحدة بحجمك الصغنن ده ما يتقلهاش غير شيمو.

قهقهت الفتاة بصوتها الرفيع الذي يثير تسلية اعتماد في كل مرة تأتي إليها وتتحدث معها، ومع ذلك فالفتاة أبدًا لا ترفع التكليف:

ـ الألقاب مع كل الناس يا أبلة اعتماد... إلا إنتِ. وحدك بس اللي يحقلك تقولي "شيمو مشمش" اللي أنتِ تحبيه. تأمري أمر.

ردت اعتماد بامتنان شديد للفتاة المتواضعة:

ـ حبيبتي، الأمر لله. كنت عايزة بس أعيد العلاج ده... أصله ناقص مني زي ما إنتِ عارفة، ولسه المدة مطوّلة على ما أفك التجبيرة.

رحبت الفتاة وهي تتناول منها الورقة المدون بها أسماء العلاج، تخاطبها بدعم:

ـ ألف سلامة على الجميل المكسر، إن شاء الله يا رب يكون قريب. الكسر يلم وتخفي. أنا هشوف المتوفر دلوقتي، واللي مش موجود هقول لك عليه.

ابتعدت عنها تدور على أرفف الأدوية كي تجد ما تحتاجه. فوقعت أبصار اعتماد دون أن تدري على يدها التي كانت تتلاعب بها على اللوح الزجاجي أثناء انتظار الطبيبة، فتذكرت ما نوهت عنه شقيقتها الصغرى وهي تبدل لها ملابسها. ولأول مرة منذ فترة طويلة شردت بذاك الجزء الأنثوي... الاهتمام بمظهرها وبشرتها. ألهذه الدرجة بات الفرق واضحًا؟

وضعت فجأة عبوات الأدوية التي جاءت لطلبها على اللوح الزجاجي أمامها لتنتبه إلى الطبيبة وهي تحدّثها عن المواعيد وأسعارها، فتجاهلت كل ما كانت تهذي به الطبيبة لتسألها باهتمام، رافعة ظهر كفها أمام وجهها:

ـ شايفة قدامك الفرق بين الاتنين؟ الفرق ما بينهم واضح قوي ولا عادي وطبيعي؟

تبسمت الفتاة التي تركت أمر الأدوية لتجيبها بوضوح:

ـ بصراحة الفرق واضح جدًا، البشرة اسمرت يجي أربع أو خمس درجات عن الإيد، وده أكيد بفعل الشمس.

رددت اعتماد بما يشبه الصدمة، تدافع مبررة:

ـ وافرَضي سبع درجات حتى، ماله يعني؟ أنا نفسي بحب السمار، هو السمار عيب؟

ـ لا يا حبيبتي طبعًا، ده السمار عليكي أحلى من البياض. بس إحنا بنتكلم عن الاهتمام. البشرة لازم لها حماية من أضرار الشمس المؤذية، واللي منها مثلًا إنها ممكن تعجز بدري وتظهر عليها التجاعيد. طب ليه وإحنا في إيدنا نحميها بحاجات زي الكريمات؟ حتى لو في أنواع غالية منها، برضه الغالي تمنه فيه.

عبست اعتماد عند الأخيرة، تردد برفض:

ـ وأنا مالي يا أختي بالغالي؟ هي خلاص المسؤوليات اللي عليا خلصت؟ عشان أخصص فلوسي للكريمات والدلع الفاضي ده؟ ده شغل شركات التجميل الفاضية، عايزة تكسب فلوس على قفا الستات الهايفة وخلاص.

دب الحماس في قلب فتاة الصيدلة، فهتفت بدفاعية:

ـ ما شاء الله يا أبلة اعتماد! إحنا هايفين؟ بس المنتجات الهايفة دي اللي بتخلي الستات منوّرة زي البدر. أنا هجيب لك الكريم بتاعي تجربيه كام يوم، وإنتِ تشوفي الفرق بنفسك. ثواني... الشنطة قاعدة في المخزن جوه، هروح أجيبه وارجع لك هوا...

زفرت اعتماد في إثرها بضيق وحرج، لكن سرعان ما انشغلت مرة أخرى في تلك المعضلة التي ظهرت فجأة لها اليوم.

وبدون تفكير، وجدت نفسها تسند الهاتف على مجموعة الأدوية، لتفتح الكاميرا أمامها، ثم رفعت كفها السليمة بجوار وجهها مرة أخرى لترى فرق الدرجات الذي نوهت عنه الطبيبة وشقيقتها قبلها. تحدث نفسها غير منتبهة لمن دلف خلفها من الباب الزجاجي وتوقف يشاهد الوجه الجديد لأبلة اعتماد الطفلة:

ـ يا لهوي عليا... دول فعلًا مكدبوش. طول الفترة دي وأنا ببص في المراية وبظبط التحجيبة من غير ما أخد بالي بالتغييرات اللي حصلت على بشرتي دي؟ يا ترى فيه تجاعيد كمان ولا لأ؟

أثناء تأملها الشديد، انتبهت لظل رجل من الخلف، فالتفتت إليه بإجفال. فكانت الصدمة حين وجدته أمامها يتبسم بملء فمه:

أطرقت بخجل شديد، تلعن حظها الذي جعلها تتغافل في تلك الساعة لتتصرف بتلك الحماقة أمامه. فخرج صوتها بصعوبة وبدون تركيز:

ـ لا... ما تشغلش نفسك يعني... آآآ... أنا بس كنت بدوّر على حباية في وشي وبصراحة مش عارفة مكانها فين؟

ردد خلفها، يكتم الضحكة بصعوبة حتى لا يزيد من حرجها. فتغاضى، على غير إرادته، بترك هذا الحديث المسلي معها والتحول إلى الجدية مردفًا:

ـ ماشي يا ستي. على العموم، أنا دخلت هنا بالصدفة، ولما شوفتك قلت بالمرة أسلم عليك وأسألك عن دراعك. عامل إيه دلوك؟ لسه حاسة بألم؟

ـ لااا، الحمد لله، أنا تحسنت كتير قوي عن الأول. صحيح... أنا كان نفسي أتصل بك وأبلغك شكري على اللي عملته امبارح في جلسة كبار البلد مع محمود وعيلته. ده جميل لا يمكن أنساه أبدًا، من ضمن الجَمايل الكتير منك.

ـ ولا جمايل ولا أي حاجة. ده شيء عادي خالص على فكرة. أنا عملت اللي يعمله أي راجل حر. وصاحبك ملزوم هو وعيلته دول إنه ينفذ بعد ما كسفتهم قدام الناس اللي تفهم. ما عادش ليهم عين يرفعوها عشان يجادلوا أو يستنطعوا.

ـ فعلًا هم كانوا عايزين نوقف لهم، بس إنت اللي عملته مش أي راجل يعمله، عشان كده ما تقوليش ما فيش جميل.

ـ خلاص، اضربيها في التليفونين ونبجى خالصين.

قالها بابتسامة رائقة جعلتها تبادله إياها على حرج، حتى قطعت عليهما اللحظة الجميلة هتاف شيماء، طبيبة الصيدلية:

ـ لقيت الكريم أهو، عشان ما يبقالكيش حجة تاني. هتاخديه يعني هتاخديه.

علّق خليفة من جانبه بلهجة أثارت فضول الفتاة، التي توقفت عن الهتاف فور أن انتبهت إليه:

ـ هو إيه اللي "هتاخديه يعني هتاخديه"؟! إنتِ بتوزّعي الكريمات عافية يا شيماء؟

ـ لا أصل يعني... دي حاجة كده لترطيب البشرة.

وبرد فعل عفوي سمعه منها، فالتفت خليفة نحو اعتماد التي تناولت العبوة سريعًا، وضعتها في الكيس البلاستيكي مع العلاج، ثم استأذنت قبل أن تعطيه الفرصة ليستفسر:

وهرولت سريعًا من أمامه غير عابئة حتى بذراعها الملفوفة بالضمادات، فتبعها بعينيه غير داري بالابتسامة التي ارتسمت على محيّاه، وهو يراقبها تعدو الشارع بخفة وأناقة، وكأن الرزانة والعقل قد خُلقا لها وحدها.

داخل السيارة التي كانت تقلهما في طريق العودة إلى البلدة، إلى العالم الواقعي بعد أيام من السحر والجمال قضياها معًا، تطورت العلاقة بينهما وتكسّرت حواجز، وربما تم القضاء فيها على الكثير من العقد... ولكن تبقى أيضًا الكثير.

كما يرى أمامه الآن وهو يقود بفكر منشغل بتلك التي كانت جالسة بجواره، ناظرة إلى الخارج من نافذة السيارة بعقل شارد. يعلم أن جزءًا كبيرًا منها قد احتلته الهواجس القديمة عن الإنجاب والأطفال. فكيف يجد الحل لتلك المعضلة؟ لا يعلم... ليس أمامه إلا الصبر.

تنهد وفتح حديثًا معها حتى يعيدها إليه ولو قليلًا:

ـ خالتك طيبة قوي، واللي يشوفها يعرف إن في صلة تجمع ما بينكم. رغم إن الشبه مختلف شوية، بس يمكن... يمكن عشان روحها حلوة وطيبة زيك. عكس ولدها الحمار...

سمعت الأخيرة، فضحكت من قلبها بصوت عالٍ. فزوجها ذو العقل الصغير ما زال يكن الضغينة لهذا المسكين بعد أن ضربه وخلف في رأسه إصابة:

ـ حمزة، إنت عقلك صغير بجد؟! لحد دلوك دمك ما بردش من حسان؟ ولا هديت حتى بعد ما ضربته؟

ـ ويعني هو بيتوب؟! أديكي شفتي بنفسك النهارده، كان هيخليني أسوي جريمة وأنا في بيتهم. مجرد ما دخل حرق دمي. الله يجازيه، عنده موهبة غريبة في استفزاز الناس. يلا بقى... خلينا في اللي إحنا فيه.

ـ رجوعنا البلد يا روحي. أوعى تفتكري إن أيام العسل خلاص خلصت وانتهت. لا، أنا لا يمكن أعديها من غير ما أكررها حتى كل كام يوم. بس المرة دي الواد هيبجى معانا عزول.

تنهد في الأخيرة، فالتقطت منه توبيخًا حانقًا على الكلمة التي تلفظ بها:

ـ ما تقولش كده يا حمزة. ريان ده ابني، يعني مش حد غريب عليك عشان تقول الكلمة دي. ده عوض ربنا عليا، عشان يبقى معايا الواد والبت نعمة ورضا.

رغم ارتياحه لقولها هذا الذي شرح قلبه من الداخل وجعل سعادته تكتمل تقريبًا بها، إلا أن ذلك الجزء الذي يتمناه لن يتخلى عنه أبدًا. لذلك لا مانع من التلميح:

ـ حبيبتي ونِعِم بالله، ده بالظبط شعوري ناحية ليلى برضه. زي ما كرّمني بالواد كرّمني بالبت. بس كمان العيل اللي هياجي مني ومنك، ده هيبقى له وضع تاني ومكانة خاصة في قلبي. آه يا مزيونة... لو يحصل، ادعي معايا وقولي آمين.

لم ترد ببنت شفة، وظلت فقط تطالعه بجمود. فعاد يشدد عليها مرة أخرى:

ـ ما تدعي معايا يا مزيونة، وقولي آمين...

ـ ربنا كريم ينولك اللي إنت بتتمناه.

وصمتت، تلتفت ناظرة إلى الخارج عبر نافذة السيارة من جوارها. ليتمتم خلفها بمرح:

ـ الله... كريم وآمين. يا رب ارزقني بتوأم وأسميهم بنفس الاسمين.

عادت تلتفت إليه برأسها بذهول شديد، غير مستوعبة ما يتحدث به. فهل تتركه مع أحلامه؟

أما هو، فقد صمّم أن يأخذ الأمر بجدية:

ـ والله لا يحصل، إن شاء الله هيحصل.

رواية لاجلها الفصل السادس والثلاثون

اجتمع تقريبا معظم افراد الأسرة في استقبال العروسين، بعد عودتهما من السفر ورحلة العسل كما تصنف، المنزل كان ممتلأءا، بالأحباب الذين اتوا خصيصا في ذلك اليوم من اج الترحيب بهما.

والردهة الواسعة للمنزل بالكاد كانت تكفيهم،

حسنية وحولها أبناءها واحفادها، ومن ضمنهم كان هو وقد اتخذ مقعده مباشرة بجوارها بناء على طلب منها، يضم صغيره ريان إليه، يتبادل معهم الحديث والمزاح، عيناه لا تغادر تلك التي خطفت روحه معها في جلسه جمعتها مع ابنتها في ركن لهما وحدهما بعيدا الى حد ما عنهما.

هو الوصف الصحيح لمشهد الاثنتين، وهما ملتصقاان ببعضهما على اريكة واحدة تجمعهما، منذ عودتها من سفر لم يتجاوز الخمس عشر يوما ، إلا انه كان كالدهر على قلب الاثنتين،

كأختين توأم لا يختلفان عن بعضها البعض الا في صفات بسيطه في الشكل، ما اجمل تلك العلاقه التي تجعل الام وابنتها كجسد واحد، روح واحده، ربما تكون تلك الميزة الوحيده التي خرجت بها من ماساتها وهي صغيرة.

لا ينكر ان غيرة طفت داخله وهو يرى هذا القرب الغريب بينهما، وان احد قد حل مكانا جاهد بكل قوته للحصول عليه، رغم تقديره ورغم تفهمه ورغم كل شيء........ لكن غيرة المحب الغبية تغلب.....

ـ عينك فين يا واد ابوي؟ ركز معانا شوية باه، مش كل كلمة هنقعد نندهك فيها يا كبير ناسك.

كان ذلك صوت منى التي لم تكف على مشاكسته منذ حضورها، فالتف اليها ضاغطا على شفته بأسنانه:

ـ يا بت انا مش منبه عليكي كذا مره تخليكي في حالك، مالك انتي بيا، ان كنت ابص هنا ولا هناك، خليكي في اللي قاعد جارك ده وماسك طبق البسبوسة عمال يحرت فيه...... ما تحوشها عني يا عم الشيخ انت كمان.

توجه في الأخيرة الى منصور الذي قهقه ضاحكا بصوت عالي، ليحرك راسه باعتراض، ثم يردد بمسكنة اندماجا مع زوجته:

ـ طب انا مالي يا ابوي؟ انتوا الاتنين اخوات وهي مشتاقه لك عايزاك تنتبه لها وتاخد وتدي معاها في الحديت، بدل ما عينك ما بتسرح في جهة ثانية، مش قادر تمسك نفسك اللحضة دي؟

صدحت في هذا الوقت ضحكات معاذ وخليفه الذي علق امام الذهول الذي اكتنف شقيقه:

ـ يا واد ابوي سيبك من الاثنين دول، واكنهم عصابة تدخل ما بينهم هيتوهوك

ـ اه والله يا خليفة اللي يشوف الاستاذ منصور بره الثقيل الراسي، ما يصدقش ان هو ده اللي قاعد جنب مرته بيستخف الدم ويتلائم علينا, علمته العفرتة الله يجازيها.

عقب بها معاذ هو الاخر، ليردد منصور بتفاخر:

ـ قصدك ان بهتت عليها يعني؟ وماله ما انا كمان بهت عليها واحنا الاثنين بقينا واحد.

فختم ضاحكا مرة اخرى يزيد من استفزاز حمزة الذي عبس رافعا شفته العليا لتستغل منى وتعود الى مشاكسته:

ـ تاني يا واض ابوي هتكشر، هو احنا غلطنا فيك يعني؟..... ولا احنا غلطنا فيك؟!

هذه المرة جاء رده عمليا، ليسحب الوساده الصغيرة من خلف ظهره يدفعها بها:

ـ يا بت حلي عني انا مش ناقصك، ما حد يحوشها عني دي يا بوي، بدل ما اروح فيها في داهيه ويحسبوها عليا نفر.

تدخلت هذه المرة مره حسنيه التي كانت تشاركهما الضحك هي الاخرى:

ـ خلاص يا حمزة قلبك ابيض، متاخدتش عليها دي هتفضل طول عمرها بخفتها كده ولا هتكبر وصل.

ـ عز الطلب يا حماتي، ونعيش احنا الاتنين صغيرين طول العمر.

علق بها منصور، ليلتف اليه حمزة بحنقه، فيضاعف عليه الآخر، يلاعب حاجبيه له، الامر الذي جعل حمزه بالكاده يمسك نفسه من الا يضحك، لياتي رده متناولا وساده اخرى بالقرب منه يلقيها عليه

اما في الجهة الأخرى بالقرب منهم:

كان اللقاء الحميمي، بين ليلى ووالدتها التي لا تزال تضمها اليها بين ذراعيها، تشبع رئتيها من رائحتها ودفء جسدها الغض، وكأنها ما زالت تلك الصغيرة التي لم تغادر حضنها بعد، لن تعترف ابدا انها كبرت.

ـ وحشتيني يا امه، ووحشني حضنك الحلو ده.

ـ ليه يا حبيبتي؟ لهو جوزك ما بيحضنكيش؟

قالتها مزيونة بمزاح، فجاء رد ليلى تشدد بذراعيها على خصرها اكثر، وتريح رأسها على صدرها:

ـ ولو حضني في اليوم مية مرة، برضو لا يمكن يغنيني عن حضنك يا امه، كنت بكلمك كل يوم فيديو ، صوت وصوت، لكن برضو لمستك ليا بالدنيا، ياااه دا انا كنت مشتقالك جوي.

رغم اني مطمنة عليكي مع عم حمزة وفرحانة أن ربنا عوضك بيه.

قبلتها مزيونة أعلى رأسها، مؤيدة لكل كلمة نطقت بها:

ـ وانا كمان يا ضي عيني اكتر بكتير كمان ، على العموم ليكي عليا ، ما فى مشوار ولا فسحة نروحها من غيرك تاني، عمك حمزة قالي بنفسه محضر لرحلة كبيرة تضمنا كلنا، منتظر بس انك تخلصي امتحاناتك انتي والواض ريان، وانا كمان يعني... على ما اخلص كمان زيكم....

صدرت الاخيرة بنوع من خجل ومرح، انتبهت اليه ليلى تتطلع بوجهها الذي تخضب بحمرة لذيذة باندماج مع حالتها التي تخلط بين الارتباك والسعادة ايضا..... لتسالها بلهفة:

ـ يعني على كدة برضو هتكملي شهادتك السنادي؟

ـ وه وايه اللي هيخليني اتراجع يا بت؟ دا انا مصدقت ان اخد الخطوة واللاقي اللي يشجعني.

قالتها ليلى بغمزة اخجلت والدتها لتقر امامها على مضض وعجالة:

ـ اه يا اختي بيشجعني ، استريحتي بقى؟ المهم انا عايز من بكرة اتابع مع اعتماد عشان اللم معاها كل الكتب والدروس المهمة, خلاص امتحانات الشهادة على الابواب، عايز أشد معاها عشان منقصرش...

كانت تتحدث بحماس شديد تأثرت به ليلى وفي نفس الوقت شعرت ببعض الحزن أيضا:

ـ بس أبلة اعتماد للاسف مينفعش تشد معاكي اليومين دول بالذات ، استني شوية بقى على ما ربنا يشفي عنها زين......

ـ يشفي عنها من ايه بالظبط؟ هي تعبانة من حاجة؟،

ـ لهو انتي معرفتيش باللي حصلها؟

ردت تجيبها بعفويتها، وقد اعتدلت في جلستها لتحكي القصة من بدايتها:

ـ الزفت محمود جوز اختها روضة، زقها من ع الجسر كان عايز يموتها، راحت نزلت مكحرتة ع النزلاية ولولا عمي خليفة شاف الموقف بالصدفة لكانت راحت فيها،....

طلع من عربيته وراح أنقذها وجري بيها على المستشفى وعملولها كذا عمليه في دراعها شرايح ومسامير.، ومن ساعة اللي حصل ، انا ما أخدت معاها دروس غير بس من امبارح.

كانت تستمع واضعة كفها على موضع قلبها الذي كان ينفطر حزنا وتأثرا، لتسالها باستفسار عن تاريخ ما حدث، فردت ليلى:

ـ تاني يوم ما اتجوزتي، قبل ما تطلعي على شهر العسل مع عمي حمزة، دا حتى عرف من معاذ قبل ما تسافروا.....

سمعت منها وتوسعت عينيها بذهول مرددة خلفها بعدم تصديق:

ـ بتقولي ايه؟ عمك حمزة عرف باللي حصل لاعتماد ومبلغنيش..... حمزة....

هتفت منادية فجأة بإسمه، تجفل ابنتها وتلفت انتباه الحاضرين:

ـ حمزة..... ممكن تاجي هنا ضروري عشان انا عايزاك في كلمتين

داخل غرفتها كانت تتأمل ملامحها الجميلة، بعد ان دللت نفسها منذ قليل بعدة اشياء قامت بعملهم لبشرتها، على يد شقيقتها الصغيرة المشاكسة، أقنعة طبيعية وسنفرة وتنظيف ، حتى يدها اهتمت بها كذلك، لا تدري متى تعلمت كل ذلك،

لترى الآن النتيجة النهائية، وقد عاد اليها احساس الأنوثة الذي افتقدته في خضم الصراعات التي تخوضها يوميا فى العمل وشئون الحياة، بعد طلاقها وإصابتها بما يشبه الاكتئاب، حتى اصبحت ترى كل الرجال نسخة بائسة ولا يستحق أحد منهم اهتمام امرأة بهم أو بنفسها من أجلهم.

ـ ها... اييه.. رأيك يااا ست اعتماد ؟

سألتها رغد برضا يغمرها وهي تنظر لانعكاس صورة شقيقتها عبر المرآة، فجاء ردها بابتسامة رزينة أظهرت فرحتها:

ـ يعني.... انا شايفة نعومة واشراق..... الله ينور عليكي، طلعتي شاطرة رغم أن مكنش عندي ثقة فيكي صراحة يعني.

ضحكت رغد تلملم الفوضى التي أحدثتها داخل الغرفة، بعد قيامها بما يشبه جلسات النضارة والنظافة في صالونات التجميل، تفعلها هي

بالامكانيات المنزلية القليلة، هواية تستمتع بعملها:

ـ يعني... ببعد دا كله.. ياستت اعتماد، برضوو مش واثقة فيا، بذمتك... لوو روحتي سنتر تجمييل، لكان خد مننك بالالفات عشان توصلي للنتيجة اللي شايفاها قدامك، ووشك رجع ببدر منور ..

ـ بدر منور مرة واحدة، الله يجبر بخاطرك.

تمتمت بها اعتماد،. لتعود إلى المرآة تتأمل نفسها، داخلها شيء يؤيد رأي شقيقتها بها، لكنها كالعاده تنكر حتى لا تعطي فرصه لتلك الصفة ان تضعفها وقد اخذت عهد على نفسها ان تقوم بالدورين الرجل والمرأة, والأنوثة في شرعها ضعف...

دلفت اليهما روضة، توفيقها من شرودها، بذلك الوجه المتجهم، وعيناها التي تطوف عليها وعلى شقيقتها الصغرى كالرصاص بنظرات حادة كانها تستكثر عليهما لحظة الرواق التي كانوا عليها، تخاطبها بضيق ملحوظ:

ـ عندك ضيفه برة عايزاكي هتطلعي تشوفيها؟.... ولا مش فاضية؟

تغاضت اعتماد عن تلميحها الأخير رغم غضبها الشديد منها، لتسالها بفضول:

ـ مين دي اللي طالباني وعايزاني دلوك اقابلها؟

خرجت من غرفتها لتلتقي بتلك الضيفة الغريبة التي أخبرتها عنها شقيقتها، بأنها قد جاءت لزيارتها. وحتى حينما أبلغتها بهوية تلك المرأة، لم تكن تصدق إلا بعد أن رأتْها بأم عينَيْها الآن، وهي واقفة في وسط غرفة الاستقبال، تتأمل الجدران من حولها، وكأنها تملك المنزل.

لا تدري إن كانت هذه جرأة منها أم استقلال بأهل المنزل... لكنها تميل نحو الخيار الأخير

تحمحت بصوت واضح حتى إذا التفت إليها، بادرت بالتوجه نحوها بالترحاب لحضورها:

ـ أهلاً وسهلاً بيكِ يا هالة، نورتِ البيت.

قابلتها المذكورة بتعالٍ في رد التحية، مستخدمة أطراف أصابعها لتبادلها المصافحة،ـ

ـ """يا أهلاً وسهلاً، حبيبتي... سلامة ذراعك

.لم تغفل اعتماد عن النبرة المتغيرة في العبارة الأخيرة، لكنها تجاهلت الأمر لترد:

:ـ الله يسلمك يا ستي، رغم أنها جات متأخرة شوية، إلا أن وجودك النهاردة يكفي.

تلاعبت ابتسامة ساخرة بزاوية فم الأخرى، لتعلق بكلمات تحمل دلالات غير بريئة:

- متأخرة ولا متقدمة؟ ما هو كان في اللي سادد عني، وقايم بالواجب وبزيادة.

ضاقت حدقتي اعتماد وهي تتأملها باستفهام، مستشعرة بوادر شيء غير مريح:

ـ مفهمتش قصدك ايه؟ بس تمام يا ستي انا قلتها من الاول يكفي حضورك.

ـ حضوري بس؟ طب وحضور جوزي اللي جايم بليلتك من اولها، دا بيقولوا انه شالك على درعاته يروح بيكي على المستشفى عشان ينقذوكي، وبعدها وقف لجوز اختك هو وعيلته قدام كبارات البلد عشان يجيبلك تعويض ما كنتيش تحلمي بيه..... ربع مليون جنيه....، ده لو أخته شقيقته مكنش عمل معاها كده؟

ها قد اتضح سبب الزيارة، ولكنها مضطرة إلى الإلتزام بأقصى درجات ضبط النفس، رغم الاتهامات المباشرة التي تتجلى لها بوضوح:

ـ استاذ خليفه راجل محترم وابن اصول يا هالة، شاف بعينه اللي حصلي، ومين شهامته وكرمه قرر انه يقف معايا انا واخواتي، ربنا يبارك فيه ويصلح ما بينكم بإذن الله:

شددت على الاخيرة، علها تفهم فجاء رد الأخرى بصوت استنكار صدر من حلقها، لترد بتبجح:

ـ وهيصلح ما بينا ازاي ان شاء الله؟ وهو رايح جاي وراكي، يا بيحل مشاكلك انت واخواتك ومش فاضي حتى يبص لعياله؟

ـ لا اله الا الله محمد رسول الله.

تمتمت اعتماد تشيح برقبتها للناحية الأخرى بعيدا عنها، تناجي داخلها المولى بالصبر والجلد امام تلك المستفزة، رغم ان هذا ليس من طبعها من الاساس ولكنها لا تريد رد جميل الرجل الكريم بفضيحه تشهد عليها البلده بأكملها ان تشاجرت مع زوجته، وعرفتها مقامها الذي تستحقه، لتردف رد لها بحرص شديد:

ـ يعني انت جاي تلومينا عشان جوزك الراجل وقف معانا وقفه رجالة الفترة اللي فاتت وكان ظهر لتلت ولايا يجيبلهم حقهم؟...... ماشي يا ستي، ليكي علينا لو حصل اي حاجة ثاني, نمنعه ما يقف معانا نهائي.. كويس كدة؟..

ـ لا مش كويس، عشان انا جاية مخصوص النهاردة، احط النقط على الحروف، ايديكي تنبيه يا غالية من اولها عشان تقطعي العشم الزياده دا خالص، لتكوني حلمتي وغرك الامل، كده غلط عليك يا حبيبتي؟

سألتها بريبة,وقد تسارعت أنفاسها بانفعال وترقب لما هو آت:

ـ قصدك إيه يا هالة؟ جيبي من الاخر عشان الكلام الماسخ ده ما ينفعش فيه اللف والدوران، خليكي مباشرة وجبيها في وشي عشان اعرف ارد عليكي زين؟

تلون ثغر هالة بابتسامة مقيتة ترمقها من أعلى إلى أسفل بنظرة دونية تعلمها جيدا، ثم قالت بفحيح:

ـ قصدي انتي عارفاه كويس يا اعتماد، بصراحة انا لو مكانك وبنفس ظروفك لازم هتأثر، مسكينة من ساعة ما اتولدتي والحياة ناشفة معاكي، لا أب كان ضهر، ولا حتى لقيتي أخ يشيل معاكي، وحتى لما اتحل عسيرك واتجوزتي، حظك وقع في واحد.......

توقفت بابتسامة متلاعبة تستمتع بملامح اعتماد التي شحبت بشدة، لتكمل من عندها، بما استمرت على ترديده من وقت انفصالها:

ـ واحد ايه كمان يا هالة؟ مش معنى ان حظي وقع مع راجل بخيل جلدة, كان عايز يعيش على قفايا, يبقى هتعاير بيه زي ابويا اللي هج وسابني انا واخواتي في عز ما احنا محتاجينله...... عندك حاجة تاني تجرحيني بيها يا هالة؟

سمعت منها المذكورة ،واهتزت رأسها بنفي قائلة:

ـ لا يا حبيبتي مش عايزه اجرحك ولا حاجة، أنا بس عايزه اقولك ، ان الكذب حرام، لأن انا عارفة بالسبب الحقيقي ورا طلاقك اللي ما كانش بخل ولا حاجة، بل بالعكس...... السبب الحقيقي اللي انت تاويتي عليه انا تقريبا الوحيدة في البلد اللي كنت عارفاه، لأن اخت طليقك استاذ عليوة كانت صاحبتي في الفترة دي قبل ما يتنقلوا ويهجوا لبلد تاني.... اقولك كان عايز يعمل ايه مع اختك الجلوعة رغد.....

ـ أحترمي نفسك يا هالة واوزني كلامك زين يا اما والله.....

ـ ولو موزنتش يا ستي هتفضيحني انا ولا تفضحي اختك؟

قاطعتها بها، لتضيف بتجبر قاصدة كسرها:

ـ طب يوم انفصالك عن عليوة انتي داريتي وهو دارى عشان الستر وكل واحد منكم يلاقي فرصته في الجواز بعد كدة، انما انا..... ايه اللي هيسكتني يوم ما احب انتقم منك واعرفك جزاة اللي يلعب معايا...

ـ يسكتك ان معاكي ولايااا.... وانتي نفسك وليه، عايزة تتبلى على واحدة غلبانة ومن غير بينة، ليه؟ كلام سمعتيه مالوش اي وجه من الصحة، حراام عليكي.

ـ حصل بقى ولا محصلش ميهمنيش، انا بس حبيت انبه عليكي عشان مترجعيش تندمي بعد كدة لو ركبتي راسك وعاندتيني.

داخل السيارة التي كانت تقلهما هي وزوجها وريان الصغير رفيقهما الثالث، ما زالت تنفخ بضيق شديد وعيناها تطالعه كل دقيقة بعتب ولوم، حتى خرج عن

ـ خبر ايه يا مزيونه هتفضلي قالبة وشك مني العمر كله؟ ما اديني رايح معاكي عنديها اها، وجطعت الجعدة مع اخواتي عشانك

ـ عشاني برضو يا حمزة! انت لو عامل حساب صح كنت بلغتني من اول يوم، مش تسيبني اسافر وادلع والبنية غطسانة في عمليات ومرار، اعتماد دي اغلب من الغلب، يعني كان يكفي اطمن عليها حتى قبل ما اسافر معاك، تشوفني جمبها في اللحظات الصعبة اللي مرت عليها ، اسألي انا، دا الواحد بيكون في أشد الحاجة للناس اللي بيحبهم في الوقت ده

انهت ثورتها بانفاس متهدجة، وقد اعتلى تعابيرها شيء من معاناة لذكريات سيئة مرت بها، فقال بأسف :

ـ خلاص يا ستي حقك عليا، يمكن ما اديتش اهتمام عشان عارف ان معاها اخواتها، دا ان غير خليفة ومنى اختي مقصروش معاها، اعتماد بت اصول وتستاهل كل الخير، اغفريلي يا ستي الغلطة دي وليكي عليا مكررهاش تاني.

لانت ملامحها بتسامح، بعد اعتذاره الواضح وتقديره لثورتها، رغم انه هو ايضا لا لوم عليه حين يفكر في نفسه وفي سعادته معها، في أيام زواجهم الاولى

ـ متقولش كدة يا حمزة، يكفي أنك استحملتني اللحضة اللي اتعصبت فيها، بس والله من خوفي على اعتماد، انا بقيت اشيل همها جوي، اصلها تبان جوية ومفترية جدام الناس من برا، لكن في داخلها عيلة تايهة, محتاجة اللي يدبدب عليها،

كاد حمزة أن يتأثر بوصفها الدقيق لحالة تلك المتعوسة، لولا تدخل ريان الصغير بسجيته:

ـ هي مين اللي عيلة؟ أبلة اعتماد دي اوعر منها مفيش، العيال اصحابي من البلد بيحكولي عنها، قالك تصرخ الصرخة, توقف الفصل كله على رجل، ولو شخطت في حد، يبقى العيل هيعملها على نفسه من الخوف.

امام هذا التصريح اللطيف، لم يملك الاثنان إلا الضحك ونسيان المشكلة برمتها.

حتى اذا اقتربا من المنزل المقصود لتتوقف السيارة امامه، ترجلت تسبقه بلهفة، ومن خلفها ريان ، فلم يتبقى سوى هو، ليزفر بحنق وهو يغلق باب السيارة من خلفهما ، ثم حانت منه نظرة إلى الامام بعيدا، فتوقف ناظرا إلى طيف امرأة لم يعرفها من ظهرها والظلام الممتد في تلك المنطقة التي تشبه العشوائية، لا يعلم لما شعر بأنه يعرفها من طريقة سيرها.

بتماسك زائف، تمنع نفسها بصعوبة من أن تقع وتسقط ارضا،، بعدما تفاجأت بحضور مزيونة، بأسف شديد تعانقها وتطلب منها السماح لأنها لم تكن تعرف بما حدث، حتى تأتي وتقف معها وتؤازرها، في لحظاتها الصعبة، وهي التي كانت في أيام زواجها الاولى ولا لوم عليها أن قصرت وغابت.

لا تدري ان هناك ما هو اشد من الاصابات الجسدية، او القتل حتى،

الاهانة وكسر النفس الذي تعرضت له منذ قليل ، روحها التي انسحقت بيد امرأة لا تعرف للاحساس طريقا، فعلت جريمتها النكراء في اذلالها وخرجت رافعة الرأس بزهو المنتصر بعد أن هددتها بسمعة شقيقتها البريئة ، التي لم تعرف سوى المعاناة على مدار سنوات عمرها القليلة، الا يوجد رحمة في العالم أو حتى مكان آمن للضعفاء؟!

ـ اعتماد يا حبيبتي مبتروديش وساكتة ليه بس؟! لدرجادي زعلانة مني؟

ابتسامة باهتة ارتسمت على ثغرها، في طمأنة المرأة التي تجاهد لالتماس رضاءها على شيء غير مقصود من الاساس:

ـ ايه اللي هيزعلني منك بس يا مزيونة؟ ازعل منك ليه يعني ؟ هو انتي كنتي في ايه؟ ولا في ايه اصلا؟ اجعدي اجعدي، وانت يا ريان اجعد على الكرسي اللي جمبك يا حبيبي

استجاب الصغير ينفذ رغبتها, فجلست هي ايضا, لتجلس مزيونة بجوارها، وقد صارت تحدق بها بنظرات متفصحة لتسألها:

ـ طب لما انتي مش زعلانة، شكلك متغير ليه؟ حاسة فيكي حاجة واعرة جوي، واوعي تقولي عيا, عشان العيا يعمل اي حاجة، إلا أنه يطفيكي كدة!

ارتجفت شفتي اعتماد برغبة عارمة في التحدث والبكاء، ولكن منعها الصوت الذي صار يصلها من خارج غرفة الاستقبال وترحيب شقيقتها بحضور أحدهم:

ـ اتفضل يا استاذ حمزة انت مش غريب

صوت عالي لحمحمة خشنة سبق بها دلوفه الى داخل الغرفة، مخاطبا اعتماد وأهل المنزل:

ـ يارب يا ساتر، جينا بس نطمن على الابلة يمكن تتقبل اعتذارنا.

تبسمت لمزاحه كي ترحب به، مؤجلة الانهيار إلى وقت آخر ، عليها الآن ان تتصنع القوة كما اعتادت دوما، حتى رفاهية السقوط محرمة عليها...

خرج خليفة من منزله ليفاجأ بحضور ابنتيه الصغيرتان برفقة عمهما معاذ في حديقة المنزل ، وصوت ضحكاتهما في اللعب يجلجل بصخب، فعلق هو يخطف انتبه هما:

ـ الحلوين اللي طبوا من غير ميعاد.

سمعتاه الفتاتين لتركضان اليه على الفور، فيأخذ دوره كي يداعبهما مرحبا بطريقته ، حتى اذا هدأ اخيرا وتوقفا عن اللعب معهما، سأل أحداهما قبل ان تركض الى داخل المنزل بصحبة شقيقتها:

ـ خدي يا بت هنا، دي مش بعادة يعني تطبوا فجأة كدة بعد المغرب .

ردت الصغيرة على عجالة من أجل اللحاق بشقيقتها:

ـ امي وصلتنا لاول الطريق وراحت هي عند واحدة صاحبتها عيانة تزورها.

غمغم خلفية يتابع ركض صغيرته نحو مدخل المنزل بعد أن تمكنت من إفلات يدها منه:

ـ ومن امتى امك بتزور عيانين ولا تعرف الواجب من اصله؟! وصاحبتها مين دي كمان اللي افتكرت تزورها في الليالي؟

ـ انت هتكلم نفسك يا واد ابوي؟ ما تروح مطرح ما تروح يا خليفة، هي مرتك دي يتخاف عليها اصلا ؟.

هتف به معاذ ليعقب ردا عليه وهو ياخذ مقعده بجواره:

ـ مش مسألة خوف يا عم معاذ، انا بس مستغرب على. جرأتها انها تطلع بعد المغرب وتبعت لي العيال عشان اعرف، بت عمك مش عايزة تجيبها لبر معايا واصل

صمت معاذ يستوعب حالته قليلاً، قبل ان يردف بسؤاله الملح:

ـ طب ناوي تعمل معاها ايه؟ هتفضل كدة معلقها لحد امتى؟

تطلع إليه خليفة بصمت دام لحظات، وبتفكير متعمق قطعه بتنهيدة خرجت من عمق صدره قائلا:

ـ مش شايف منها حل يا معاذ، هالة قطعت كل حبال الود ما بينا، ياما حاولت معاها عشان تشيل اللي في راسها، وتبص لحياتنا انا وهي بس، لكن مفيش فايدة، لدرجة أن في مرة عرضت عليها نطلع برا البيت ونسكن في اي حتة، ان شالله حتى في المحافظة لكن ردها كان لأ وبالثلث، تجيبلي مية حجة للرفض وانا بيني وبين نفسي عارف السبب الأساسي.

لولا صلة القرابة والعيال اللي رابطاني بيها كنت خلصت منها من زمان، لكني كمان مش هفضل في المرار دا طول عمري, كل واحد وليه طاقة، وانا طاقتي نفذت لحد كدة........ اسيبك بقى عشان اشوف مصالحي،

ونهض فجأة مغادرا بعد ان اخرج ما في قلبه لمعاذ الذي يعذره كل العذر، ويؤيده في كل خطوة يقوم بها ، يكفي ما عرفه مؤخرا عنها وعن تعمدها الاذية له ولزوجته، ليجزم بصدق شقيقه، ويعطيه الحق في كل ما يقوم به.

وأمام شاشة التلفاز العملاقة، يدور عليها إحدى افلام الكرتون المسلية ، يتابعها ريان بشغف، عكس والده الذي كان متكئا بجسده على أريكة وحده بالقرب منه، لا يتوقف عن النفخ والتأفف، في انتظار من وعدته باللحاق به بعد خروجهم من عند اعتماد ، وها هو الوقت يمر عليه اكثر من ساعة ولم يحدث

يأكله الغيظ وهو يرى الساعة قد تعدت الحادية عشر وهي لم تأتي بعد، والجلف ابنه امام الشاشة بعينين يقظتين وكأنه نسى النوم.

ـ ياض الساعة داخله على اتناشر ياض، وانت ميعاد نومك عشرة، ناوي تقضيها صباحي ولا ايه ظروفك؟

سمع منه ريان ليلتف اليه بهدوء يغيظ، يجادله بسأم:

ـ تاني يا بوي بتكلمني على موضوع النوم، ما قولتلك اني مستني خالتي مزيونة، هي اللي نبهت عليا منامش غير لما تاجي، عشان تحكيلي حدوتة قبل النوم

ـ يا حبيبي يا فافي انت، بطل برود ياض وقوم اتخمد , بلا جلع ماسخ.

لم يكترث ريان، بل زاد عليه بإصراره:

ـ ماشي يا بوي اعتبره جلع ماسخ، بس برضك انا لا قايم ولا هيجيني نوم واصل غير لما تاجي خالتي مزيونة، لو انت تعبان وعايز تريح، روح نام بدل ما انت بتتاوب كدة كل شوية،

غمغم حمزة بسبة وقحة، ليضغط على شفته السفلى بغيظ متعاظم، لفعل هذا العنيد، وزوجته المستغلة هي الاخرى رغبته في أرضاءها، لتأخذ راحتها وتتاخر رغم علمها بحاجته الشديد للنوم بعد إرهاق السفر والقيادة

ـ ماشي يا مزيونة، انا جاعد ومستنيكي أما اشوفك هتتأخري للساعة كام؟

داخل غرفة نومها وقد انفردت بها، وبعد ان انتهت من التصنع وادعاء القوة، ها هي الآن تطلق العنان لصرخات القهر داخلها ودموعها الحبيسة، امام من فتحت ذراعيها مرحبة، كي تستمع منها وتهون عليها، ربما يخفف البوح ولو قليلا عنها:

ـ انا مش عايزة حاجة من الدنيا يا مزيونة غير الستر، ان كل واحدة فينا انا واخواتي بتقفل عليها بابها مع جوزها وعيالها، فقرا و لا أغنيا، المهم اننا نبقى مستوردين وعايشين حياة طبيعية، إلا عمري طمعت في حاجة حد ولا حسدت غيري على نعمة ربنا ميزه بيها.

ـ يا حبيبتي ربنا يكرمك, هو انتي هينة ولا قليلة يا اعتماد؟ المسألة مسألة نصيب يعني في اي وقت ممكن.......

قاطعتها بها لتستطرد بقنوط، ودموع لا تتوقف، تفتح قلبها لها:

ـ النصيب اللي بتقولي عليه دا انا جربته قبل سابق،

مع واحد كان اكبر مني ب 15سنة، وقت ما اتخطبتله مكنتش كملت ال 28 وهو كان معدي الاربعين، ومع ذلك رضيت بيه، اتأملت فيه خير انه يصوني ويعتبر اختي الصغيرة زي بنته، استاذ محترم ومتعلم، وهو نفسه معملش حاجة تخليني اتغشش منه ساعتها.......

صمتت لحظة تلتقط أنفاسها، قبل ان تواصل بعد ذلك بغضب شديد

ـ كنت هبلة ومفكراه العوض، مجاش في بالي اي نية وحشة من ناحيته، نظراته وجلعه لاختي الصغيرة اللي وقتها يدوب كانت مقفلة ال 16 سنة، كنت شايفاها حنية منه.

الفرحة كانت لهياني، مصحيتش ولا فتحت عيني غير بعد ما

اتجوزته، عيونه بقت تفضحه جدامي, حرصه الشديد بقيت اكشف، لحد ما في ليلة غبرة لمحته بنفسي وهو بيتسحب لحد ما دخل اوضتها,

البجح ابو عين تدب فيها رصاصة، كان واقف جمب سريرها يتأملها، وهي لابسة عباية خفيفة محددة جسمها ومرفوعة لحد فخادها،

ساعتها الدم غلي في نفوخي، سحبته من قفاه، زي ما بيعملوا مع حرامية المولد، شتمته بكل الشتايم وهو رد وبجح ومد يده، المهم اني في الاخر كان لازم اختار..... يا اما اصدق حججه واكمل جوازي معاه، وساعتها اتقلب على نار الشك بعد ما راح من ناحيته الامان، يا اما اختار نفسي وادور لاختى على مكان أبعدها فيه عني وعن جوزي، بس انا اختارتها هي...

انما في كل الاحوال والله ما قرب منها ولا لحق يلمسها، انا بعدته من قبل ما يحصل اي حاجة، وطلعت كلام انه بخيل وجلدة، عشان ابعد اي حديت يجيب سيرة اختي الضعيفه اللي ما بتعرفش حتى تدافع عن نفسها، لاني عارفه الناس لو شمت ريحة كانوا هيزودوا فوق الكلام كلام ويعملوا قصص، انا عايزه بس الستر ليا ولاخواتي، حرام نعيش بكرامة انا واخواتي؟

ختمت الاخيرة وانطلقت في جولة اخرى من البكاء بحرقة، ومزيونة اللي تراها لاول مره بهذا الضعف كانت تهون وتخفف عنها، تثمن موقفها في الدفاع عن شقيقتها بشجاعة وتضحية، حتى اذا هدنت قليلا سالتها بوضوح:

ـ ممكن افهم طيب السبب اللي خلاك تنهاري كده؟مدام فتحتي قلبك يبقى تكملي.

كانت قد توقفت عن البكاء، وعن كل شيء تستجيب لرغبتها قائله:

ـ هاقول لك بس بشرط، امانة عليكي ما تبلغي الكلام ده لحد حتى جوزك .

تقلب في نومه يشعر بشيء ما غير مريح، رويدا رويدا أصبح يستعيد وعيه، ليفتح اجفانه على وسعهما، يتفاجأ بنفسه على نفس الأريكة التي كان جالسا عليها بالأمس، اثناء مشاهدة ابنه المسلسل الكرتوني على الشاشة، حين كان في إنتظارها، اللعنة........

انتقض معتدلا بجذعه يتطلع حوله يمينا ويسارا، لا احد امامه, الوقت صباحا وابنه ليس في محله وهي ..... اين هي ايضا؟

انتفض ينهض سريعا يبحث عنهما داخل المنزل الشاسع، ليمر على غرفة صغيره، يجده نائما على تخته، ثم واصل متجها نحو غرفتهما، ولكن وقبل أن يصل اصطدمت أبصاره، بخيال احدهم داخل المطبخ ، فتحرك سريعا يغير اتجاهه، حتى اذا وصل إليه توقف محله مستندا على إطار المدخل يراقبها وهي تخرج شيئا ما من الفرن الغازي، بمزاج رائق، ترتدي عبائه محتشمة بأكمام ومع ذلك كانت ما رواعها...... لكن هذا لا ينفي غضبه منها.....

استقام بوقفته ينفض رأسه من هراء أفكاره الحمقاء في تلك اللحظات من غضبه، ليجفلها بصيحته:

ـ يا ماشاء الله وليكي عين كمان.....

قطع حين شعر بزعرها، وقد اهتز اناء الفخار الساخن، حتى مال عليها وكاد أن يقع لولا أن لحق هو سريعا يرفعه عنها ويضعه على سطح المطبخ الرخامي.، ثم عاد يطمئن عليها بلهفة:

علم أن يدها قد طالها الإناء الساخن ، وربما قد أصابها بالحرق, وقد ظهر هذا من احمرار شديد على أطراف الأصابع التي كانت تنفخ فيها، ليسرع هو بوضعها تحت مياه الصنبور حتى تخفف عنها قائلا بلهفة:

ـ سلامتك يا قلبي مكنتش اقصد اخلعك

حاولت هي السيطرة على رجفتها حتى تهدئ من روعه, قائلة:

ـ دي لسعة بسيطة، ودلوك هتخف ان شاء الله، متقلقش انت.

تمتم بها ثم تحرك سريعا في اتجاه صندوق الاسعافات القريب من المطبخ، ياتي لها بكريم ملطف، ثم يجلس ويجلسها معه على مقعدين حول الطاولة التي تتوسط المطبخ، وصار يوزعه بخفة على كل المناطق التي طالها حرق الإناء الفخاري، حتى اذا هدات واطمئن قلبه من جانبها، تذكر يصب حنقه وهلعه بها:

ـ ما كله منك، صاحية على الصبح تحضري في صواني، وتحطي في فرن، هو احنا لسه فطرنا اصلا يا ست يا نشيطة؟

تغاضت عن تهكمه وانفعاله بها تخبره ببساطة:

ـ صواني ايه بس يا حمزة؟ هو انت فاكرني بحضر غدا؟ دي ام علي، عاملاها لريان طلبها مني امبارح.

تمتم بها بتشتت لكن سرعان ما استعاد تركيزه،. ليهتف موبخا بها بغيظ:

ـ الله اكبر، بتعملي الحلو وام علي عشان البرنس، وانا سيبتيني نايم على الكنبة برا زي اللوح ، مفكرتيش حتى تصحيني، انتي امتى رجعتي اصلا ع البيت وانا لحد احداشر كنت نايم .

لم تحتمل نبرته المتهكمة، لتثور به موضحة:

ـ من غير تريقة ولا عصبية يا حمزة، انا ما أخرني غير ألشديد القوي، يعلم الله ان كان هاين عليا ابات معاها لولا عارفة طبعك الصعب, البت جطعت قلبي امبارح وزقت الارض العطشانة بدموعها، ولا يمكن غرك جلستها امبارح جدامك، والأخد والرد معاك في الحديث، وهل كانت على شعرة في انتظار بس تنفجر وتطلع اللي في قلبها، اعتماد غلبانة قوي يا حمزة، والله فوق ما تتصور..

لا يشك في صدقها, فهيئة المذكورة بالأمس رغم تظاهرها الزائف امامه، إلا أنه بالفعل عرف انها بها خطب ما، وهذا ما جعله يوافق على الفور على طلب مزيونة في الانفراد معاها ثم اللحاق بهما،

ـ طب وهي اللي كان صايبها يعني؟ حكتلك؟

ـ واحدة الله يجازيها كسرت نفسها بكلمتين واعرين، وهي البنية على اخرها اصلا.

ـ لأ.... هي مرديتش تقولي على اسمها، ولما اللحيت، قالت لي مش هتعرفيها.

اومأ يدعي تفهما، وبذهنه استعاد شبح المراة التي رأها من بعيد خارج منزل اعتماد، رغم الظلام الحالك إلا أن شيئا ما جعله يشك بمعرفته بها.

حتى ذهب ظنه إلى امرأة يعرفها جيدا، ولكن سرعان ما نفض عقله من التفكير بها من الاساس, حتى لا يتجنى عليها ، ويعود إلى موضوعه الأساسي يفاجئ زوجته التي أخذت الأمان

ـ طب نسيبنا من سيرة اعتماد وخلينا في موضوعنا, جالك قلب تسيبني ابيت ليلتي على الكنبة يا مزيونة؟، طب لو حتى زهجتي مني، راعي ان ضهري ممكن يوجعني ، حسسيني ولو بالكدب انك خايفة عليا

رغم حدته في توجيه الاتهام لها بالتقصير معه, لكنها تقدر وتتفهم، لتقابل عتبه القاسي لها , بلطف ورقة:

ـ بعد الشر عليك, انا عارفة ان كل كلامك من ورا قلبك عشان متأكد زين من معزتك عندي، بس انا كنت هعمل ايه يا حمزة؟ وانت نايم اسم الله عليك زي الجتيل، حاولت اصحيك بكل جهدي انا وريان، بس الظاهر ان تعب السفر والسهر كانه كله اتكاوم عليك، مكنش ناقص غير أننا نشيلك ، بس بصراحة مجدرناش، عشان انت تقيل شوية يعني.

صدرت منه كضحكة ساخرة ارتدت عليها هي بضحك جدي, ليثور بها:

ـ كمان بتضحكي وتعصبيني يا مزيونة .

ـ وه، واعملك ايه يعني يا حمزة؟ يا حبيبي والله حاولنا كتير وفي الاخر لما تعبنا ، اضطريت اسيبك واخد ريان انيمه على سريره،

ردت ببرائة غافلة عن نبرة الخطر منه:

ـ حصل وحكتله حكاية امنا العجوز وجرة الدهب.

ـ كمااان، بتجيبلوا حكايات من اثر جدودنا، الحلوف دا اللي بيتخمد قدام الالعاب والدب والرزع على التليفون، دلوك عايز حكاوي عشان يعرف ينام، والتانية صاحية تعملولي من طلوع الشمس ام علي، ابن ال....... مالوش اللي يهاوده ده، سمعاني....

بصعوبة صارت تسيطر على ضحكتها لتنهاه:

ـ عيب تشتم نفسك بحاجة غلط يا حمزة، مفيهاش حاجة انه يتدادي ويتجلع.....

ـ انا جايبك عشان تجلعيني انا، هو ناقص دلع ولا مدادية...

بذهول شديد اومأت تهز رأسها تهادنه وترضيه:

ـ حاضر من عيوني، انت وبس تتجلع ، بلا ريان بلا كلام فاضي

ـ حاسك بتتمهژأي بيا يا مزيونة.... لكن ماشي، المهم عندي انك ترضيني النهاردة.

سألته بتشتت، ليدهشها بإجابته الحاضرة دون جهد في التفكير:

ـ تلبسيلي حاجة زينة الليلادي ونعوض الليلة بليلتين.

وكأنها متوقعة الإجابة، انطلقت ضحكتها، حتى مالت رأسها للخلف، الامر الذي دفعه يميل عليها ويحذرها رغم سعادته:

ـ وطي صوتك الواض لا يصحى، ولا جومي معايا على الاوضة ناخد راحتنا والباب مقفول علينا.

وما شرع ان ينهض ويسحبها معه، حتى تفاجأ بمن احتل مدخل المطبخ، يفرك بكفه على جانب وجهه وشعر رأسه، يتبسم ببرائة وصوت به بعض النعاس مخاطبا لهما:

ـ صباح الخير يا بوي, صباح الخير يا خالتي مزيونة.

رحبت الأخيرة فاتحة له ذراعيها امام صدمة حمزة الذي تجمد بوجه عابس:

ـ صباح الفل والورد يا قلب خالتك، تعالى يا باشا، اصبح عليك زين.

استجاب صغير يرتمي بحضنها، غير عابئا بوالده الذي تخصر يعلق بضيق:

ـ ومديها كمان خدك يا بارد،. اخشن يا واد بلا جلع ماسخ.

جاء رد ريان المبسط كالعادة يضاعف من غيظه:

ـ وماله لما اتجلع عليها، مش زي امي، دي احن من امي كمان.

ـ طبعا يا حبيبي، وانت ولدي اللي مجابتهوش بطنى،

ـ وه على فقع المرارة عاد، خلصونا عايز أفطر

غمغم بها حمزة ينفض جلبابه ذاهبا من امامهم ، ليتوجه ريان بالسؤال لها:

ـ هو ماله متعصب ليه يا خالة مزيونة؟

ضحكت تسحبه من يده نحو ما صنعت من أجله:

ـ سيبك منه يا غالي وتعالي شوف اللي عملاه خالتك مزيونة، وجولي انت كان نفسك في ايه امبارح؟

هلل ريان بفرحة فور ان وقعت عينيه على الإناء الفخاري وطبق اخر كشفته له:

ـ الله عملالي أم علي وصحن مهلبية كمان أفطر بيهم.

"وفي داخل المنزل الكبير، حيث اجتمعوا حول مائدة الطعام لتناول وجبة الإفطار، كانت حسنية تتصدر الطاولة كعادتها، محاطةً من الجانبين بمعاذ وزوجته ليلى، وخليفة وابنتيه، بعد أن قضت الفتاتان الليلة مع والدهم.

فجأة، دوى جرس المنزل ليعلن عن وصول أحدهم، فنهض معاذ بخفة ليفتح الباب، متوقعًا أن تكون إحدى شقيقاته أو أحد أبناءها، لكنه تفاجأ بحضور شخص آخر لم يكن يتوقعه:

ـ صباح الخير يا معاذ، كيف حالك يا واض عمي؟

أصابت الصدمة معاذ بالصمت، وهو يراقبها بذهول شديد لجرأتها، حتى نادت والدته مستفسرة:

لم تنتظر إذنًا منه، بل دخلت لتجيبها بنفسها:

نهض خليفة مثل والدته وليلى، بينما خيمت على الثلاثة حالة من الذهول، وكانت ردة فعل الصغيرتين هي الهتاف فرحًا بحضورها:

ـ الله يا ماما، أنتِ جيتي؟ يعني هترجعي من تاني ونعيش مع بعض؟

احتضنتهما بذراعيها بحماس درامي يلهب المشاعر، قبل أن تتوجه نحو زوجها وامرأة عمها بمزيد من المسكنة:

ـ أنا جيت لك بنفسي، يا خليفة، دايسة على كرامتي، لا حستننى ابويا يحط شروطه عليّ، أو حتى يجيبني بيده. أنتَ واض عمي ومش غريب عني، وانا مش عايزة غير العمار. جيت لك وبعتذر عن كل خطأ أو زعل صدر مني، انظر الآن، شوف بقبل هتقبل اعتذاري ولا هترجعني مطرودة من بيتك مكسورة الخاطر؟...

رواية لاجلها الفصل السابع والثلاثون

دفعت باب غرفتها لتدخل وهي تتأفف بضيق متعاظم، معبّرة عن سخطها:

ـ أستغفر الله العظيم يا رب، أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم، إيه الناس اللي ما يقدرش عليهم غير ربنا دي؟! إيه جنسهم بالضبط؟

كان خلفها زوجها الذي جلس على كرسيه بشرود، دون أن ينطق ببنت شفة، الأمر الذي جعلها تثور به:

ـ ما ترد عليا يا معاذ! هو عاجبك اللي حصل تحت؟ ولا تكون صدقتها أنت كمان النصيبة دي؟

ـ ولو ما عجبنيش، أنا إيه في يدي؟ إذا كان صاحب الأمر نفسه وجف عاجز قدام التمثيلية اللي عملتها ولهفة البنتة على رجعة أمهم! هالة عرفت تلعبها زين قوي، وخليفة لو رجّعها كانت هتبقى عيبة كبيرة في حقنا.

ودي مش غريبة، لاه، دي بت عمنا، يعني ما نعرفش نرد حتى لو حد من العيلة سألنا عن السبب.

جلست هي الأخرى بيأس بعد أن استمعت لحجته، قائلة:

ـ طيب وبعدين؟ أنا والله ما حابة الخراب، ربنا يعمّر بينها هي وجوزها، بس تتعدل، تفضى بس لتربية عيالها مش لأذية الخلق! عمالة تعتذر وتتمسكن، وأنا والله ما في كلمة صدقتها، لأني خلاص عرفتها. اشحال عمي خليفة؟! معقولة يكون بلع الطُعم؟... ولا هي نفسها... ربنا هداها كده فجأة؟... أستغفر الله العظيم يا رب.

كانت تنهج بحرقة جعلته ينهض من مكانه، ليتخذ موضعه بجوارها، يضمها إليه مهوّنًا:

ـ اهدي يا ليلى، بلاش تفكري وتشيلِي نفسك هم. أنا عارف إنك حاطة في بالك أمك اللي هتبقى معاها في بيت واحد وخايفة عليها من أذيتها، بس عايز أفكرك إن أمك مش لوحدها المرة دي، دي صاحبة بيت زيها، دا غير إنها في حماية حمزة، وإحنا كلنا صاحيين لها.

مالت برأسها على صدره تعبّر عن قلقها المتزايد:

ـ برضه خايفة يا معاذ، الست دي أنا اتكويت منها في أمي وفي نفسي، يبقى إزاي ما خافش منها؟! لا يمكن أطمّن ولا أديها الأمان تاني أبدًا... أبدًا.

ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــ

داخل غرفتها التي عادت إليها أخيرًا بعد فترة طويلة من الغياب قضتها على غير إرادتها في منزل والديها، ها هي تعود إليها الآن وبكل سهولة، مجرد تنازل بسيط قامت به من أجل الانتصار والوصول لهدفها. كانت تعلم جيدًا أنها خطوة غير محسوبة العواقب، لكن معرفتها بطبع زوجها وباقي أفراد العائلة هو ما شجعها، حتى إنها لم تأخذ رأي والدها عند القيام بها. أمّا والدتها فقد أخبرتها على عجالة وهي ذاهبة، حتى إن المرأة لم تأخذ الأمر على محمل الجد، وظنتها تمزح، لتُصعق بعد ذلك حين أخبرتها بما تم.

ربما لم تجد ما تتوقعه من فرحة أو حتى ترحيب بعد الدور الدرامي الذي قامت به وأجادته؛ المتمرد وزوجته الصغيرة اللعينة، وقد ارتسم الرفض جليًا على ملامحهما، حتى وضحت الصدمة عليهما حين تقدّمت حسنية تتقبّل اعتذارها بقلق وارتباك أمام صمت خليفة، الذي تجمّد في مكانه بسكون وهدوء مريب؛ هدوء البحر الذي لا تضمن غدر أمواجه المفاجئ. لكنها هذه المرة لن تهمل ولن تعطيه الفرصة كي يفترق عنها أو يجرحها في كرامتها بتفضيل امرأة أخرى عليها، بل أقل منها في كل شيء.

تنهدت بغبطة وغرور، متجهة نحو خزانة الملابس لتخرج من ضلفتها الجانبية مفرشًا جديدًا، تجهّزه استعدادًا لقلب الغرفة رأسًا على عقب في الترتيب والتنظيف، رغم نظافتها الآن. لكنها انتوت على التغيير الكامل للغرفة، ثم لأسلوبها مع خليفة. لابد لها أن تحرص عليه حتي لا يضيع منها.

وما إن همّت برفع الملاءة من فوق التخت حتى تفاجأت باندفاع الباب مع دخوله، متجهًا مباشرة نحو الكمود، يخرج منه شيئًا ما. فتركت هي ما بيدها لتستقبله:

ـ عايز حاجة يا خليفة؟ أدورلك عليها؟

لم يعِرها اهتمامًا، بل واصل حتى أخرج مجموعة أوراق تخص عمله، ثم أشياء أخرى كالمتعلقات الشخصية وشاحن الهاتف، ليضعها جميعًا على الفراش، ثم يتوجه إلى الخزانة يخرج منها ملابسه، ويدفعها على الفراش أيضًا قبل أن يتناول حقيبة الملابس ليضعها بها. فصاحت معترضة، تمنعه بجذب الحقيبة:

ـ إنت بتعمل إيه؟ بتلم هدومك وحاجتك كلها؟ ناوي تسافر ولا تسيب البيت بعد ما أنا رجعت يا خليفة؟

جذب منها الحقيبة بعنف، يقطع صمته بحزم وهو يأمرها:

ـ بعدي يدك وما تلمسيش حاجتي. مش معنى إني سكت واتقبلت رجعتك بالمسكنة والتمثيلية اللي عملتيها قدام أمي وأخواتي والبنات، يبقى خلاص سلّمت يا هالة وحنيت عشان حضرتك اتنازلتِي وجيتي على كرامتك وكبر نفسك اللي أنا عارفه زين.

لا يا هالة، اللي كنت ببلعه زمان وأعديه عشان المركب تمشي، ما عادش ينفع معايا دلوك، ولا بقى هاممني المركب ولا إنها تمشي من الأساس.

أنهي وانحنى يلتقط الملابس ليضعها في الحقيبة، لكنها كانت الأسرع، لتخطف مجموعة منها هاتفه به:

ـ معنى كلامك إنك عايز تطلقني يا خليفة؟! ولا كنت ناوي تسيبني في بيت أبويا معلّقة زي البيت الوقف لحد ما أموت؟... ولا يمكن عندك نية لواحدة تانية غيري؟ قول يا واد عمي وصارحني، أنا برضك قلبي حاسس.

أجبرته بفعلتها على استخدام العنف معها، حين عاد يجذب الملابس بقوة كادت أن توقعها على الفراش من خلفها، لينهي بصرامة:

ـ لما تيجي النية، هقول لك في وشك ومش هداري. أنا مش جبان عشان أعمل حاجة من ورا ظهرك ولا هخبي ولا هنكر في وشك. دلوك سيبيني بقى، على ما ييجي وقتها.

قالها وهو يلقي الملابس ويحشرها في الحقيبة دون تنظيم، ليرفعها بهيئتها الغريبة تلك متوجهًا للخروج من الغرفة بعدم اكتراث. فصرخت هي في أثره:

ـ لا! مش هييجي وقتها يا خليفة، عشان لا يمكن هسيبك تروح لواحدة غيري! مش أنا المره اللي جوزها يتجوز عليها! سامعني؟ مش أنا...

ألقى هاتفه بضجر على طاولة الزينة، بعد أن انتهى من المكالمة المهمة. نظر إلى انعكاس وجهه، وقبضته تطرق على السطح الخشبي بشرود، وقد غاص عقله في التخمينات والهواجس بعد أن علم بجميع المستجدات التي حدثت في المنزل الكبير منذ لحظات قليلة، من شقيقه الأصغر.

تلك الحركة الجريئة بالعودة من نفسها نادرًا ما تحدث من النساء اللاتي يردن أزواجهن وأبناءهن، ولا يشغلهن سوى لم شمل الأسرة. وبالطبع، هالة ليست منهن. إذًا ما الذي أجبرها أن تقوم بحركة جريئة مثل تلك، مضحية بكبريائها المعروف وغرورها المتأصل؟ ابنة عمه، يحفظها أكثر من خطوط يده.

ترى مَن في رأسها هذه المرة؟ ليلى؟ أم اعتماد؟ أم زوجته؟... اللعنة! أن تركها تصل إلى غايتها؟

خرج من غرفته بعد أن بدّل ملابسه لجلباب جديد مكوي، يزيد من أناقته وهيبته المعروفة، يبحث بعينيه نحو تلك التي اختفت فجأة رغم إخباره لها بضرورة الاستعداد للذهاب إلى المنزل الكبير وقضاء النهار هناك كما وعد والدته بالأمس، التي تصر دائمًا على لمّ شمل أبنائها حولها.

ـ مزيونة... إنتِ فين يا مزيونة؟

ردًا على النداء جاءه صوتها من الجهة المقابلة لغرفته:

ـ أنا هنا يا حمزة، عند ريان في أوضته.

تمتم منفعلاً يقطع المسافة الفاصلة سريعًا حتى وصل إليها، ليجد الاثنين أمام المرآة؛ هي خلف ريان تمشط شعره بحرفية، وكأنها تصنع له قصة جديدة. لينتبه الصغير إلى والده، يهتف به:

ـ تعالى شوف التسريحة الجديدة يا بوي، اللي عملتها لي خالتي مزيونة! أحلى من اللي عملها لي الواد سمعة الحلاق.

التفتت هي الأخرى إليه بمرح قائلة:

ـ شوف الواض البكاش! كله بس عشان ميلت الفرق على جنب، بعد ما دهنتهم بكريم الشعر بتاعي، وبقوا ناعمين وحلوين.

تمتم متقدّمًا إلى داخل الغرفة متهكمًا بغيظ، قبل أن يتوجه بالحديث إلى صغيره:

ـ ناعمين وحلوين كمان! إنت يا زفت، مش معاك علبة جل كبيرة بتدهن فيها ليل نهار؟ من إمتى بتحط على شعرك كريمات الحريم ياض؟

ترك ريان مرآته ملتفًا إليه بملل ليرد ببساطته المعهودة:

ـ وأنا مالي بالحريم؟ دا بتاع خالتي مزيونة. ولو على علبة الجل، خدها يا سيدي مش عايزها، دا بيوقع الشعر أصلاً.

ـ يا ابن الـ... دلوك افتكرت إنه بيوقع الشعر! وخالتك مزيونة مش حاسبها من الحريم؟!

تفوه بها حمزة بحدة، فأتى الرد من مزيونة التي احتضنت وجه الصغير:

ـ لا مش حريم، عشان أنا في مقام أمه زي ما قال لك قبل سابق. دا غير إن الكريم مش للحريم بس...

توقفت تطالع حمزة بنظرة مقصودة، قبل أن تعود للصغير، تضع قبلة خفيفة فوق شعره الجميل المصفف طالبةً منه:

ـ روح يا حبيبي واستنانا بره عند التينة، على ما أخلص أنا وألبس عبايتي ونروح مع بعض على البيت الكبير.

تبسّم إليها ريان، ثم أشار بيده كي تدنو، ليرد على قبلتها بواحدة صغيرة فوق خدها، قبل أن يتحرك بعد ذلك مغادرًا بطاعة. شيّعه والده بنظرات مشتعلة، حتى إذا خلى المكان عليه وعليها، أجفلته بقولها:

ـ برضك دي عمايل دي يا حمزة؟ بتعمل عجلك بعقل العيل الصغير حتى في حاجة تافهة زي دي؟

ـ أنا عامل عقلي بعقله أنا؟! ناقص كمان تقولي غيران منه؟ مزيونة، ما تطلّعيش زرابيني أنا على اخري أصلاً.

أومأت برأسها تهادنه، وقد بدا أنه ليس في حالته الطبيعية لتقبّل النقد أو الفكاهة، ليصمت برهة يلتقط أنفاسه قبل أن يخبرها:

ـ عندي خبر ليكي قبل ما نروح البيت الكبير عشان تعملي حسابك، هالة رجعت.

ـ لوحدها... طبت عليهم فجأة النهارده الصبح تعتذر وتتأسف. طبعًا ما حدش قدر يرجعها عشان الأصول.

تمتمت بها بسخرية، وعقلها يدور في حديثها أمس مع اعتماد، فتيقنت أن حركاتها تلك مقصودة...

ـ مالك سرحتِ ليه؟ لا تكوني قلقتي كمان منها؟ أنا بقول لك عشان تاخدي حذرك بس. إنتِ عارفة إني وراكي وفي ضهرك أكيد، ولا عندك شك؟

ـ لا طبعًا، عمري ما أقلق وإنت في ضهري. وعلى العموم أنا كدها برضه... يلا بقى، أسيبك وأروح أغير العباية.

وما شرعت أن تتحرك خطوتين حتى أوقفها قبل أن تصل إلى باب الغرفة:

أردف حين وجدها التفتت إليه بتساؤل:

ـ كنت عايز منك كريم الشعر اللي قولتي عليه من شوية، أنا كمان شعري بهتان وعايز يلمع هبابة.

طالعته بدهشة شديدة، تكتم ابتسامتها بصعوبة وهي تجيبه:

ـ وراك على التسريحة يا حمزة. سرّح شعرك زين ولمّعه، على ما ألبس عبايتي أكون جيت لك يا أبو ريان. بس أوعى تسرّحه وتجيب الفرق على جنب، من؟

عبس يتابعها وهي تغادر، شاعرًا بغيظ من سخريتها، ثم التفت إلى المرآة من خلفه ليتناول من العبوة التي أشارت عليها، يضع منها فوق شعره مرددًا:

ـ بتتريقي يا مزيونة؟ دا بدل ما تيجي تسرحي لي بنفسك... ماشي.

طالعتها من شرفة الغرفة التي غابت عنها كثيرًا، تدلف من البوابة الحديدية إلى داخل محيط المنزل قادمة نحو المدخل، على الفور تحركت متراجعة إلى غرفتها قبل أن تبصرها الأخرى من الأسفل.

أمّا هي، فكانت تسير بحالة لا تمكّنها حتى من النظر إلى الأعلى، ولا من الانتباه إليها من الأساس؛ فما كان يغمرها في تلك اللحظات أقوى وأعمق من الحزن نفسه.

لقد أجبرت نفسها بصعوبة على القدوم إلى ليلى في موعد الدرس، بعد أن عادت إلى عملها رغم كسر ذراعها الذي لم يُجبر بعد؛ فهو سلوتها الوحيدة للهروب من الأفكار السوداء والوحدة، من عالم الشقاء والتعب، حتى إذا عادت آخر الليل تضع رأسها على وسادتها، تنسى حتى اسمها.

أتاها النداء من الخلف، بنبرة الصوت التي تعلمها جيدًا، لتضطر إلى الوقوف في انتظاره وهو يتقدّم نحوها، حتى إذا اقترب يحدثها بلطفه المعتاد:

ـ إيه الأخبار؟ شكلك رجعتي لنشاطك من تاني.

بلعت ريقها، ترمقه بتوتر وعدم ارتياح، تجيبه باقتضاب وهي تتجنب النظر إليه مباشرة:

ـ نحمد الله على كل حال. أنا رجعت الشغل فعلًا بقالي يومين.

لاحظ خليفة اضطرابها وجمودها في الرد، حتى دفعه الفضول ليستفسر عما بها:

ـ شكلك مش طبيعي النهاردة. ليكون حد من الجماعة إياهم زعلك؟ ولا يمكن الواد محمود نفسه؟ أتعرض لك؟ أنا عارف الجماعة دول بوارد.

ـ لا... ما فيش أي حاجة من الكلام ده. أنا بس مستعجلة، عايزة أخلص ليلى، وعندي دروس تانية غيرها.

شعر بالحرج من طريقتها غير المباشرة في التعبير عن رغبتها في الانصراف، حتى همَّ أن ينزاح من أمامها ويتركها، ولكن سبقه الصوت المؤذي الذي أتى من خلفه:

ـ إنت قاعد هنا يا خليفة وأنا بنده عليك! وه أبلة اعتماد؟ إزيك يا غالية؟

لم يغفل خليفة عن مياعتها المقصودة في النداء عليه أو في مخاطبة اعتماد، التي اعتلت الصدمة ملامحها حتى بدا عليها شيء لم يفهمه، وهي تنظر إلى زوجته العزيزة التي كانت مائلة بجسدها على مدخل المنزل بابتسامة غامضة.

لتجيبها اعتماد بعجالة وشيء من حدّة:

ـ أنا زينة والحمد لله، متشكرة على السؤال. عن إذنكم.

واتخذت طريقها متجهة مباشرة إلى الداخل، متجنبة الحديث مع هالة، التي ظلت تشيعها بنظرات مستفزة، تقول بصوت عالٍ:

ـ كنت عايزاك يا خليفة، تاجي تحرك الدولاب هبابة بعيد عن الحيطة. حيلي مهدود ومش قادرة حتى أحرك صباعي. قطيعة! شكلي سهرت كتير امبارح.

ـ ويا ترى سهرتي فين إن شاء الله؟

باغتها بالسؤال خليفة، الذي لم تدرِ متى أتى ليقترب منها بهذه الصورة، وعيناه تتنقل منها إلى تلك التي تصعد الدرج بجمود، دون أن تلتفت برأسها نحوهما. فخرج صوت هالة مهتزًا في التبرير بكذب له:

ـ سهرانة بفكّر يا خليفة... في البنات، وكيف نلم شمل العيلة من تاني.

ـ دا حالي من ساعة ما خدتني بيدك وروّحت بيا عند أهلي، ترميني بالشهور... شوفت بقى أنا كنت بتعذّب كيف في بعادك عني؟

لم يُعقّب بحرف واحد على شيء لم يقتنع به من الأساس، وعقله قد ذهب مع تلك التي صعدت إلى الطابق الثاني بحالة غريبة ومعاملتها المتغيرة معه. ليتنبّه إلى التي بدّلت لتصبح هي المتشبثة به، وكأنها تستجدي عاطفته. نزع كفّها عن ذراعه، رافضًا الخنوع لها أو التصديق برواية لا تدخل عقل طفل صغير، وغادر بخطواته السريعة تاركًا المنزل بأكمله.

كان موعدها مع اللقاء الأهم، تلك مزيونة، وحمزة ابن عمها وسبب بلائها وعذابها منذ مولدها، ومنذ أن وعت عينيها على العالم. وكم كانت غبية! عندما ظنت إنها خُلقت له وهو خُلق لها.

لقد كانت في انتظارهما منذ الصباح، ومنذ أن وطئت قدمها المنزل وهي تعلم أن أحدًا لن يجرؤ على إعادتها، بعد أن وضعتهم في مواجهة مباشرة مع العائلة والبلدة والأصول التي يتبعها الجميع.

توقفت بالقرب من الرَّدهة تتأمله قليلًا، حيث كان جالسًا بالقرب من والدته، بوجاهة وهيبة ووسامة خشنة و... اللعنة عليها وعلى غبائها! وعلى هذا الذي انتفض فجأة بين أضلعها بمجرد أن وقعت عيناها عليه بعد شهور لم تره فيها. أتسميه اشتياقًا لرجل تكرهه حد العمى؟ كيف؟ لابد أنه شيء آخر... نعم.

تحركت خطوة واحدة في اتجاههما، فرأت الملعونة الأخرى في نظرها، سبب الخراب عليها... مزيونة، وقد كانت جالسة على أريكة تضم ريان الصغير بجوارها، وقد تبدّلت لامرأة أخرى، ترتدي عباءة فاخرة وأنيقة، وكأنها عادت ابنة العشرين وهو أوّل نصيبها... والفضل بالطبع يرجع لحمزة الذي لا تفوته فائته، ابن عمها، وتعلمه جيدًا.

زفرت شحنة ساخنة من صدرها، لتستقيم في وقفتها، تعدّل من هيئتها استعدادًا لهما؛ فهي أيضًا قد اهتمت بمظهرها اليوم، وجمالها وأناقتها المتأصلة لا تحتاج لمجهود.

فتحرّكت ترسم ابتسامة مصطنعة، تهتف جاذبة انتباه الجميع نحوها:

ـ مساء الخير عليكم. إزيك يا حمزة يا واض عمي؟ إزيك يا مزيونة؟ ريان! حبيبي يا ريان، تعالى يا واض في حضني أما أبوسك.

في ردّ فعل طبيعي وقف لها الاثنان، واستجاب ريان لينهض إليها، فالتقطته بين ذراعيها تحضنه وتقبّله على وجنتيه:

ـ يا حبيبي يا ريان! كده برضه المدة دي كلها متسألش عني؟ وحشتني يا واض، وحشتني جوي.

تبادل حمزة نظرات الامتعاض مع والدته وزوجته التي بدت هادئة جدًا، حتى إذا انتهت هالة من استعراضها، توجهت إليها مرحبة:

ـ حمد الله على سلامتك يا هالة، ربنا يعمّر بيكي مع جوزك وعيالك.

سمعت منها المذكورة، ورغم تفاجؤها إلا أنها سرعان ما تجاوبت بدراما، تهرول نحوها وتحتضنها:

ـ حبيبتي يا مزيونة! سامحيني إني محضرتش فرحك إنتِ وواض عمي، بس إنتو عارفين الظروف بقى.

ـ عارفين يا بت عمي، ومن غير اعتذار مسامحينك.

كان هذا رد حمزة، وزوجته تبادلها العناق المصطنع بابتسامة اغتضبتها بصعوبة، لتتركها متوجهة إليه:

ـ أكيد يا حمزة يا واض عمي، خلاص سيبونا من اللي راح بقى وخلونا في اللي جاي. أنا النهاردة ناوية أطبخ بيدي ونعيد لمّة زمان بعزومة تلم الكل... إيه رأيك يا مرت عمي تتصلي على البنات؟

تفاجأت حسنية بالاقتراح الذي انتشلها من شرودها، بعد حديث حمزة الذي تهامس معها منذ قليل رافضًا الأسلوب الملتوي لعودة هالة إلى خليفة وإجباره على الموافقة برجوعها.

فصمتت برهة حتى استوعبت، ثم أيدتها بفتور، قبل أن تعود واضعة يدها على خدها:

ـ وماله يا بتي، نتصل بيهم. حد يكره اللمة؟

بحماس مبالغ فيه عبرت هالة عن فرحتها:

ـ وأنا هروح أجهز الوَكل من دلوك. هتيجي معايا تساعديني يا مزيونة، صُح؟

أومأت لها بما يشبه الموافقة تجاريها:

ـ وماله يا غالية. أطلع بس لبتي أطمن عليها واجي أساعد معاكي. عن إذنك بقى أروح أشوفها.

قالتها وتحركت لتصعد إلى الطابق الثاني حيث شقة ابنتها، فتبعتها هالة مستأذنة نحوهم:

ـ وأنا كمان ألحق أشوف الأصناف اللي هحضرها. عن إذنكم يا جماعة.

غمغم حمزة في أثرها بصوت خفيض وهو يعود إلى جلسته مع والدته مردفًا:

ـ شادة حيلها وعاملة فيها ست النشيطة الطيبة، ولا كأننا فقدنا الذاكرة ونسينا كل النصايب اللي عمِلتها.

نفضت حسنية يدها في الهواء بسأم:

ـ وه عليك يا حمزة عاد! ما تسيبني في همي يا ولدي. وأخوك اللي محيرني دا كمان... لا أنا عارفاه رافض ولا متقبل. اللي عليه ساكت وبس.

زفر حمزة يعقب بثقة تامة في شقيقه:

ـ متقلقيش على ولدك يا حجة حسنية. خليفة راجل وأنا عارفه زين جوي. مش مغفل ولا دق عصافير عشان يبلع لعبتها. لكن هي هتفضل طول عمرها غبية ومش فاهماه.

مهما كنت قويًا أو ادّعيت القوة، هناك لحظات أقوى من أن تواجهها،

أقوى من أن تتحدّاها حتى وأنت معك الحق،

في النهاية سوف تغلبك صلابة الأمواج العاتية ... وتنهار.

حيث جلسة الدرس الذي تعطيه اعتماد لتلميذتها ليلى، تجاهد بصعوبة على التجاوز والتركيز فيما تشرحه، لكن قلبها الموجوع وكرامتها التي تئن ألمًا جعلاها تتوقف فجأة، لتُلقي من يدها كل شيء. أغمضت عينيها بتعب شديد غير قادرة على المواصلة، لتجبر ليلى هذه المرة على التساؤل:

ـ إيه اللي حصل؟ إنتِ تعبتي يا أبلة اعتماد؟

لم تُجبها على الفور، وقد ظلت فترة من الوقت ضاغطة على عينيها بكفّيها، تمنع بصعوبة دموعها ومشاعرها المنهارة. استمرت على وضعها عدة لحظات، حتى تمالكت نفسها في النهاية وأخبرتها بقرارها:

ـ معلش يا ليلى، أنا مش هقدر أكمل معاكي الفترة الجاية. هشوف واحدة شاطرة إن شاء الله تتابع معاكي من زميلاتي...

ـ ليه يا أبلة اعتماد؟ ده أنا مبفهمش من حد غيرك!

ـ معلش... عشان تعبانة والله، مش قادرة حقيقي. اعذريني.

لم تغفل ليلى عن حالتها المتغيّرة وصعوبة الحديث الخارج منها، ورغم رغبتها الشديدة في الرفض، إلا أنها فضّلت ألّا تضاعف عليها. و عرضت ما طرأ برأسها فجأة بلطف:

ـ عشان دراعك صح؟ أنا ممكن أتابع معاكي علي الإنترنت على ما تخفي...

انتبهت اعتماد لمقترحها، تستوعبه في عقلها، هل يصلح أم لا؟ فنهضت تلملم أوراقها ودفاترها قائلة بتفكير:

ـ خلاص يا ليلى، هشوف إن كان ينفع. وفي كل الحالات أنا مش هسيبك، حتى لو استلمت واحدة غيري، هتابع دايمًا معاكي... اطمني.

أومأت ليلى دون أن تزيد عليها، ونهضت كي توصلها إلى باب شقتها رغم رفض الأخرى. حتى إذا خرجت من عندها، تقابلت هي ومزيونة التي كانت قادمة، فتهلّل مرحبة برؤيتها:

ـ إيه ده؟ إنتِ هنا يا اعتماد؟ ده أنا كنت ناوية أتصل بيكي.

بابتسامة صادقة قابلتها اعتماد، وردّت تحيتها وأجرت حديثًا سريعًا معها قبل أن تغادر بخطوات متعبة. تبعتها أبصار مزيونة التي انتابها القلق من ناحيتها، حتى لوّحت لابنتها بكفها تستفسر. فأجابتها ليلى همسًا، الأمر الذي جعلها تربط الخيوط ببعضها، فتتفهم رغبتها في الابتعاد عن المنزل بعد عودة تلك الحرباء. من المؤكد أنها ضايقتها بشيء ما. قبل أن تصعد لابنتها، لتزفر مهدّدة في داخلها:

ـ شكلك مش ناوية تجيبيها لبر واصل يا هالة؟

داخل المطبخ، وأثناء إعدادهم لقائمة الأطعمة العديدة التي قررت هالة تجهيزها اليوم، بمساعدة مزيونة التي تدخل لأول مرة تطبخ فيه بشكل جدي بعد زواجها وعودتها، وحتى أثناء زواج ابنتها أيضًا؛ كانت كل محاولاتها السابقة على خجل.

ولعلم هالة جيّدًا بهذه المعلومة، فقد قررت اليوم أن تستغلّها أبشع استغلال. عادت لتأدية دورها الذي خُلقت له: الإدارة الحقيقية لهذا المنزل.

فامرأة عمها لا تعلم سوى الظاهر؛ إلقاء الأوامر والتعليمات، أمّا بناتها فكنّ يأتين ويذهبن كالضيوف.

لكن التفاصيل الدقيقة كانت هالة وحدها من تعرفها.

ستُمارس اليوم مهمتها في تسخير مزيونة، دلوعة حمزة، لتُعرّفها مَن هي سيدة هذا المنزل حقًا.

أما مزيونة، فقد أجبرت نفسها بصعوبة على التعامل معها، رغم كل ما تحمله داخلها من غضب نحوها، وقهر على صديقتها التي باحت لها أمس عن خستها معها، لكنها شددت عليها ألّا تتحدث.

في البداية كانت تسمع منها وتنفذ بسجيّة صافية، لكن حين زادت عليها بإلقاء التعليمات وإبعادها عن التنفيذ الجدي في إعداد الأطعمة، وعت لخبث نيتها في النهاية، فتوقفت فجأة عن جلي الأواني التي لا تنتهي:

ـ وبعدين؟ أنا هجعد يومي كله أغسل في المواعين اللي ما بتخلصش، ولا أنضف وأشيل من حواليكي يا ست الشيف؟

كانت هالة في هذا الوقت تعمل على صينية الدجاج التي تقوم بتتبيلها قبل أن تضعها في الفرن، فتوقفت عما تفعل، لتنظر إليها ببراءة تدّعيها وهي تستمع للأمر:

ـ وماله يا مزيونة؟ وهي عيبة لما تساعديني؟ ده بيت كبير يا حبيبتي. وإنتِ آخرك كنتي تعملي حاجة على كدّك إنتِ وبِتك. إنما هنا، جدامك أهو صواني البشاميل والرقاق والمحاشي والفراخ واللحمة بأنواعها... بيوت عز ما شاء الله زي ما إنتِ شايفة.

أمال أنا طلبت مساعدتك ليه؟ كان ممكن أطلب واحدة من خوات خليفة ولا بناتهم. بس خلاص... إنتِ بقيتي معايا، يبقى هاعوزهم في إيه؟

ـ ده على أساس إني عيّلة صغيرة وإنتِ هتمشيني على مزاجك؟ أمور السلفة الكبيرة والسلفة الصغيرة دي تخيل مع ناس تانية غير أنا وإنتِ يا حبيبتي. لا أنا عيّلة صغيرة، ولا إنتِ الكبيرة هنا.

ـ لا، أنا الكبيرة فعلًا يا مزيونة. كبيرة البيت ده من ساعة ما اتجوزت وأنا اتوليت أمره. ليه تاخديها بحساسية؟

قالتها ببساطة، يفوح من نبرتها الخبث، ورسائل واضحة تُظهر نيتها الحقيقية بالعودة سريعًا إلى هذا المنزل فور عودتها هي من سفرتها.

فمالت برأسها نحوها قائلة باستدراك:

ـ آآه، عندك حق، آخدها ليه بحساسية؟ مع واحدة مكشوفة زيك؟ هالة... فوقي لنفسك يا حبيبتي، وبلاها دور الذكية اللي محدش بيغلبها. أنا أصلًا بتعامل معاكي وانا على آخري منك، ومن رصيدك الحافل معايا. يكفي زيارتك لاعتماد امبارح، تفتكري لو جوزك عرف باللي قولتيهولها أمبارح والتهديد بسمعة أختها، هيسكت؟

تجلّى وقع الكلمات عليها بمفاجأة اعتلت تعابيرها، لكن سرعان ما تداركت الأمر للعلاقة القوية التي تجمع الاثنتين حديثًا، قائلة بهدوء مستفز:

ـ حلو خالص الكلام ده. يعني المحروسة حكتلك، وأكيد جابت سيرة أختها كمان؟ طيب، تمام خالص يا ستي. أنا أصلًا مجبتش حاجة من عندي، وهي لو عايزة المعلومة الحلوة دي تنتشر عن أختها والمحترم طليقها، برضك هي حرّة. يا إمّا تحترم نفسها وتبعد عن الراجل المتجوز، ولا هي قلة أدب وخلاص؟

تراجعت مزيونة مبتعدة عنها، رغم عدم صدمتها بها، إلا أنها لم تصدق ذلك البرود الذي تتحدث به، والتساهل في أذية البشر.

وبدون أي كلمة أخرى، تحركت لتغادر، فهتفت توقفها، عائدة لنعومة الأفعى:

ـ هتسيبيني أشتغل وأحضّر لوحدي يا مزيونة عشان بس طلبت منك تساعديني؟ أخص عليكي!

كادت أن تلتفت إليها وتثور، وتُخرج بها كل غضبها، ولكن ما إن وقعت عيناها على حمزة الذي كان في طريقه إلى غرفة والدته، حتى طرأت برأسها فكرة، مستخدمة كيد النساء في التعامل مع تلك الحرباء بنفس طريقتها الملتوية.

فتجاهلت ندائها، وخطت خطوات قليلة حتى خرجت من المطبخ. لم تبتعد سوى مسافة لا تتعدى المترين حتى سقطت على الأرض مع صرخة مدوية خرجت منها، لتجبر الآخر على الانتباه وتغيير طريقه مهرولًا نحوها:

صرخته القوية جعلت الأخرى تنهض من مكانها لتستكشف الأمر، لا تعرف كيف حدث كل ذلك في ثوانٍ قليلة. لم تدرِ متى سقطت؟ ولم تدرِ متى أتى هو ليلتقطها عن الأرض وهو يخاطبها محاولًا تهدئتها:

بأنين مبالغ فيه، وعيناها تتنقل منه وإليها:

ـ مش عارفة... مش عارفة إزاي ده حصل؟ رجلي، رجلي اتلوت فجأة، ولقيتها جات تحت مني لما وقعت... آآه، مش قادرة أجف عليها يا حمزة.

تجاوز حدود الهلع وهو يجلسها على الدرجة الثالثة من السلم برفق شديد، ليصدم تلك المتابعة من مدخل المطبخ، حين جثا على ركبتيه عند قدميها ليفحصها:

ـ سلامة الرجلين الحلوة... أي واحدة فيهم اللي اتلوت؟ خليني أشوفها ولا أجيبلك دكتور؟

ـ آه يا حمزة، مدوّسش عليها! أنا مش متحملة يدك. مفيش داعي للدكاترة أصلًا، هي دلوك تخف إن شاء الله لما أريحها هبابة... ممكن يا هالة شوية ميّة باردة، أدلّكها لو قدرت.

أجفلتها بمخاطبتها وتلك المسكنة المقصودة، فالتفتت إليها بتشتت. وقبل أن ترد، صاح بها حمزة الذي لم يكن يدري بوجودها:

ـ إنتي هتفضلي واقفة مكانك يا هالة؟ ما تتحركي هاتيلها الميّة الباردة، ولا شوفي لنا دهان كدمات، على ما نشوف أمر رجلها هتحتاج دكتورة ولا لاه... ما تخلّصي يا هالة!

أجبرها على الامتثال رغمًا عنها، فعادت إلى المطبخ نحو البراد. ولكن قبل أن تفتح الباب لتُخرج إناء المياه، استدركت فعلتها المقصودة بعد حديثهما العاصف منذ قليل، ثم النظرة التي رمقتها بها في وجود حمزة. وعندما وبّخها أمرًا، همست بتوعد:

ـ يا بت الـ... ماشي يا مزيونة، شكل اللعب ما بينا هيبقى ليه طعم تاني... وأنا مستعدالك جوي.

خرجت اليهم بالمياه، لتجده بصيح بواحد من أبناء شقيقاته يأمر بانفعال:

ـ بلغ الناس اللي خالك مش طالع تاني ، عشان ظرف ضروري ، وبعدها ادخل لجدتك خليها تاجي تشوف مرة عمك

اومأ الصغير ينفذ الأمر ويهرول سربعا، فخاطبته مزيونة باعتراض:

- مالوش لزوم يا حمزة تقلقها؟ هي بس كمادات باردة وان شاء الله تخف .

قالها حمزة بقلق، قبل ان تجفله بصيحتها:

- الميه الباردةة، هي اخرها تشطوفها بيها وهتبقى زي الحصان، دي اكيد حتى محصلتش الجزع .

عبس لها حمزة بغضب شديد، متناولاً منها المياه، محاولاً كبح انفعاله عليها، ليصب اهتمامه في الأهم، زوجته المحبوبة، والتي ما إن رأته يتناول إناء المياه حتى هتفت معترضة:

ـ استني يا حمزة، هدلك الرجل ولا تحطلها كمادات كيف هنا في نص البيت ؟ افرض حد من الرجالة دخل.

استدرك إلى المعلومة التي أدلت بها، فنهض فجأة متخذاً القرار، حاملاً إياها بين ذراعيه قـائلا:

ـ عندك حق، تعالي اوديكي لاي اوضة جوا.

ـ لا يا حمزة وديني في اوضتك فوق احسن واضمن، بس الشيلة هتبقى صعبة عليك، نزلني وسندني احسن

قالتها لتستفز حميته، فيزأر بخشونه:

ـ ليه ؟ مهقدرش انا اشيلك واطلع بيكي السلم؟ طب اهااا

قالها وهو يصعد بها الدرج بخطوات سريعة، غافلاً عن نظرة توجهت به هي إلى الخلف نحو هالة التي تجمدت في مكانها تتابعهم بغيظ لا تستطيع إخفاءه، تغمغم بكافة الشتائم والسباب، بعد أن تورطت الآن في إعداد المأدبة الضخمة وحدها.

رواية لاجلها الفصل الثامن والثلاثون

كم من نعمةٍ مرّت بين يديك، فظننتها باقية لا تزول، فأهملتها أو تركتها تذبل… حتى إذا رحلت، أدركت متأخرًا أنها كانت أثمن ما تملك.

لكن الله، بحكمته، يأبى أن تُهمَل النِّعم؛ فيسوقها ببساطة إلى من يتمناها، ويعرف قيمتها، ويستحقها.

كثيرًا ما ضاعت الفرص من بين أيدينا؛ تارةً بالأنَفة والكبر، وتارةً أخرى بالجهل والغفلة.

وحينها لا يبقى سوى الندم… وجعًا مقيمًا يلازم القلب، يذكّرك دائمًا بما فرّطت فيه، وبأنك لم تُحسن التقدير إلا بعد أن فات الأوان.

المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة/ سنا الفردوس ( بطوط)

لطالما رأت نفسها جميلة، في عيون البشر من حولها، وفي مدحهم لصفاتها الشكلية منذ صغرها وحتى الآن. وكلما نظرت إلى المرآة، تجد ما يجدد ثقتها في نفسها، رغم كل ما يقابلها من سوء حظ و "قلة بخت"، كما تصف ما يحدث معها دائمًا.

ها هي قد تعطرت وارتدت منامة ساحرة بلون صاخب على بشرتها البيضاء، ينعكس عليها فيزيدها بهاءً. أطلقت شعرها الحريري متوسط الطول بلونه البني، وطلت شفتيها بلون أحمر قانٍ. لم تضع سوى الكحل الأسود والماسكارا لرموشها، غير ذلك لم تزد؛ فهي تعرف مزاج زوجها جيدًا، يعشق البشرة الخالية من المساحيق.

منذ متى لم يتغزل بها أثناء لحظات الصفاء بينهما؟ تعلم أن هذه المرة طال الخصام كثيرًا، لدرجة جعلتها تشتاق إليه بالفعل. إحساس نادرًا ما تشعر به مع خليفة، لكنه قد حدث، ولابد أن يعود إليها صاغرًا. فهو دائمًا كان جيدًا معها، رغم شروده الكثير وسكونه المريب أحيانًا، لكنه أبدًا لم يقصر في حقها كزوج إلا في هذه الأيام، وعليها أن تطالب بحقها.

ارتدت مئزرًا يغطي عري منامتها، لتخرج من الغرفة، متجهة للاطمئنان على الفتيات بعد أن أمرتهن بالنوم باكرًا، محذرة إياهن من أن العفريت سيأتي ليأكلهن مع انقطاع الكهرباء عن البلدة بأكملها بسبب العطل في أحد المحولات. وقد صدّقنها كالأغبياء بالفعل.

تبسمت لمشهدهن وهن يحتضن بعضهن البعض، ثم تسللت مطمئنة نحو الغرفة التي اعتزل بها زوجها العزيز. وحين دفعت الباب وولجت، لم تجده، لكن حركة من داخل مرحاض الغرفة أنبأتها بوجوده.

ومع توقف صوت المياه، علمت أنه على وشك الانتهاء من استحمامه. خطت سريعًا حتى وصلت إلى التخت، واضطجعت على إحدى وسائده بإغواء، تترقب خروجه. وبعد لحظات قليلة خرج عاري الجذع، لا يرتدي سوى بنطال قماشي، يجفف شعره بمنشفة قطنية تحجب رؤيته، فلم ينتبه إليها في البداية. اقترب من المرآة ليمشط شعره، وفور أن رفع المنشفة عن رأسه، ارتخت يده بالفرشاة فجأة حين رأى انعكاس صورتها أمامه.

كانت متكئة على الفراش بإغراء، واضعة قدمها العارية فوق الأخرى، تطالعه بجرأة قادرة على إغواء قديس.

تمعن النظر في صورتها لحظات، شعرت خلالها بقرب استجابته لها، قبل أن يلتف بجسده نحوها بهدوء يُحسد عليه، ضاربًا بأملها عرض الحائط قائلاً:

ـ إيه اللي جابك يا هالة على أوضتي؟

صدمها بسؤاله الفظ، فاعتدلت جالسة أمامه بضيق تلومه:

ـ إيه اللي جابك على أوضتي؟! دا برضو سؤال تسأله لمرتك وانت شايفها بالهيئة دي؟... جاية أسألك على سعر الطماطم في السوق يا سيدي!

قالت الأخيرة بسخرية لم يكترث لها، بل التفت عائدًا إلى المرآة يصفف شعره بتجاهل متعمد. أجبرها ذلك على ترك مكانها فوق التخت بانفعال، لتلفه إليها هاتفة:

ـ في إيه يا خليفة؟ ما تبصلي زين وتشوفني! دا كله ما يخلكش تاخد بالك؟

أشارت بسبابتها نحوها في الأخيرة، حتي تجعله يشملها بنظراته على كامل جسدها. فرد ببرودٍ متصنَّع، رغم تأثره بالفعل، فهو بالنهاية رجل. لكنها لم تفهم بعد أن عزة نفسه جعلت حتى جمالها في نظره بلا قيمة:

ـ وافرضي خدت بالي يا هالة، إيه المطلوب مني؟

عند سماعها الأخيرة، انتفضت تضربه بقبضتها على صدره العاري:

ـ ودي عايزة نباهة؟ ولا الست تقولها بلسانها؟ جرالك إيه يا خليفة؟ من إمتى كنت قليل ذوق وعديم نظر كده؟ ولا أبوس على يدك أحسن يا حبيبي عشان تحن وتعطف عليا؟

توقف لحظات أمام شراستها وعدم تقبّلها ما اعتبرته إهانة، لأنه لم يقدّر تضحيتها، ولم يخر راكعًا أمام حسنها. هذه هي هالة ابنة عمه، التي لن تتغير أبدًا.

بجمود واضح نزع يده عنها، رافضًا حتى لمستها. عندها استشعرت خطأ اندفاعها وانفعالها، فعادت تلطف قائلة:

ـ أنا مقصديش أتعصب عليك، أنا بس زعلت من عدم تقديرك. أكتر من شهر دلوك يا خليفة وانت بعيد عني من ساعة ما رجعتلك بنفسي. كل ما أقرب منك تبعد وتنفر، وكأني جَرِبة خايف لا تضرك! لا يا خليفة... أنا مرتك وعايزاك، وانت كمان عايزني...

صدرت منه سريعًا، مقاطعًا لها، ثم أردف بصدق ما ترسّخ داخله:

ـ معدتش عايزك يا هالة. ودا شعور نمي جوايا مع الوقت. كل لحظة جفا أو تجاهل منك كانت بتكبر الشيء دا جوايا، لحد ما بقيت خلاص... مش فارق معايا أصلًا.

نصل كلماته الجارحة أصاب كرامتها التي تأبى التفكير في غيرها. لم يعنيها السبب الذي يتحدث عنه، يعنيها فقط أنه رفضها... للمرة التي لا تعلم عددها.

أصبحت هي من تترجاه الآن... وهو يرفضها!

انتفضت تلملم مئزرها، لتلقي باللوم عليه، وتحمله ذنب ما يحدث بينهما من شقاق:

ـ براحتك يا خليفة. بس خليك فاكر إني أنا اللي عمالة أقدّم وبس، وانت اللي رافض. أنا بعمل اللي عليّا عشان العيال، وانت اللي جاصد الفرقة. طالعة وسيبالك الأوضة... اشبع فيها بوحدتك يا خليفة. عن إذنك.

بصقت كلماتها الأخيرة وغادرت أمامه بخطوات سريعة، بأنفة وغرور، رافضة أن يراها ضعيفة أو مهزوزة.

أما هو، فقد توقف في أثرها برهة بتفكير متعمق في تلك المعضلة التي باتت تؤرقه. لا هو قادر على تركها من أجل الأطفال، ولا قادر على التجاوز والتغاضي كما كان يضغط على نفسه سابقًا. زفر فجأة، قاطعًا صمته، وتحرك سريعًا للخروج من المنزل، قبل أن يصاب بالاختناق.

أما هي دلفت إلى غرفتها تصفق الباب بعنف، تزفر أنفاسًا حارقة، لا تصدّق هذا الصلف والتعنّت الغريب منه. لم يكن أبدًا بهذه القسوة، فكيف وصل إلى تلك المرحلة وهي بعيدة عنه؟ أَيُعقَل أن امرأة مثل البلهاء "اعتماد" قد احتلت ولو جزءًا صغيرًا من عقله؟

تبا! وإن حدث حتى، فهي في كل الأحوال لن تتركه يبتعد أو تترك هذا المنزل لأحد غيرها، حتى لو اضطرت أن تجبره.

سحبت شهيقًا طويلًا وأخرجته، ثم خرجت إلى شرفتها لتتنفس هواءً نقيًا وتنظّم أفكارها. ويا ليتها ما فعلت، إذ اشتعل رأسها مرة أخرى مع سماع الضحكات التي كانت تأتي من الأسفل؛ حيث تلك الملعونة التي حلّت عليها بالخراب منذ أن ظهرت، وابن عمها المغرور سبب بلائها هو الآخر، وقد اتخذا جلستهما عند حسنية على أرض شرفتها، في جلسة سمر تحت ضوء القمر مع انقطاع الكهرباء، برفقة المتمرّد وزوجته الصغيرة الملعونة هي الأخرى.

ــــــــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــــــــ

كان الوضع كالآتي: حسنية مربّعة قدميها على السجادة التي فُرشت أرضًا، وعلى حجرها رأس ريان الذي غفا في نوم عميق من أثر تلاعب أناملها ببصيلات شعره، أثناء اندماجها في سرد الحكايات القديمة أمام ابنها الأكبر، الذي ترك جلسة كبار العائلة حتى لا يحرَم نفسه من لحظات الدفء النادرة تلك، بمشاركة زوجته العزيزة.

أما ليلى، فكانت مستندة بظهرها على ذراع زوجها الذي كان يضمها به، والذراع الآخر يأكل به من طبق المسليات، يطالب والدته بالمزيد من سردها عن والده الراحل:

ـ كمّلي يا حسنية، حمادة الخلبوص عمل معاكي إيه تاني؟ اتاري عِرق الجَنان فينا وراثة منه، مش جايبنه من برّا!

ـ أيوة يا ناصح، وعشان كده أنا مباخدش على حد فيكم… بس أبوكم برضو كان أكتر. دا كان فاضحني وسط البنتة بوجفته ليا في الرايحة والجاية. أروح أعبّي الميّه من الطلمبة ألاقيه ورايا عايز يشيلني الجردل فوق راسي. أشيل الطحين، يقف في نص السكة عايز يشيل عني القُفّة جال، ويروح بيها الطاحونة.

ـ وأنا كل مرة أشتكي لأمي، وأقولها لِمّي عني ابن أختك قليل الأدب، تقولي: يا بتي دا كاتب كتابه عليكي. أقولها: أبدااا ولا أعرفه! هو كان عملي فرَح عشان يبقى جوزي؟… كنت صغيرة بت اتناشر سنة، مفهمش يعني إيه جواز ولا كلام فاضي. وهو كمان كان صغير زيي، يزيد عني خمس سنين.

سألها حمزة بتخمين، فردّت هي بتشتّت تعيدهم للضحك مرة أخرى:

ـ والله ما أنا فاكرة يا ولدي، سبعتاشر ولا أنا اللي كنت تلاتاشر… بس هو كان أكبر مني بخمس سنين وخلاص، مخي دفتر أنا يعني؟

وحين هدأت ضحكاتهم، تحدث حمزة ببعض الجدية التي لا تخلو من مشاكسة، ناظرًا إلى زوجته بحب:

ـ المهم إنه كان واقع فيكي يا حسنية، حابّك من وانتِ عيلة صغيرة لحد ما السر الإلهي طلع منه، وهو مش شايف غيرك. دا كان يِبديكي على عياله يا ولية.

قهقهت المرأة، لتعلّق مزيونة هي الأخرى:

ـ أبويا كان كده برضو، طول اليوم عِراك مع أمي على أتفه الأسباب، لكن ساعة ما تمرض ولا تتعب، يبقى هاين عليه يمسك السما بإيديه. ولما ماتت، فضِل حزين عليها لحد ما حصلها. الله يرحمه، كان تعبيره أفعال بس، إنما الكلام مكانش يفهم فيه واصل.

ـ الله يرحمه، كان نفسي يفضل عايش يا اما والعب معاه. مات من قبل ما أقوله "يا جد".

ـ يعني هي المشكلة في قولة "يا جد"؟ دا انتِ عقلك صغير، صح؟

قالها معاذ مناكفًا، لتسخر والدته:

ـ لا وانت اللي عاقل قوي يا واض! طب حد غيرك يقول الكلام ده.

تمتم معاذ متصنّعًا السخط، ليعقب حمزة، ممدّدًا ذراعيه في الهواء:

ـ لا، هو شكل جو السهاري مأثر معاه. أنا من رأيي كفاية كده، تطلعوا فوق، ليلى تكمّل مذاكرتها، وإحنا نروح على بيتنا. صحي الواد ده من على حجرك يا أمه.

ـ الساعة لسه ماجتش تسعة يا حمزة. هنروح من دلوك في الدنيا الضلمة؟ الله أعلم إمتى المحول يتصلّح وتشتغل الكهربا.

تحدثت ببراءة فلم تعِ مقصد زوجها إلا متأخرًا، حين وجّه إليها نظرة ذات مغزى، ضاغطًا على شفته بغيظ منها:

ـ بس أنا تعبان ومهدود، عايز ألحق سريري وأفرد جسمي عليه. ينفع يا ست البرنسيسة ولا مينفعش؟

أومأت تهز رأسها بابتسامة مكتومة:

ـ ينفع طبعًا، مينفعش ليه يعني؟ هاتي ريان أشيله يا عمتي.

ـ لا يا بتي، سيبيه نايم، خليه يبيت عندي الليلة. بدل ما يتخض لما تصحوه.

ما كادت أن تنطقها حسنية حتى تهلل وجه حمزة بمرح تام يوافقها:

ـ عندك حق يا امه، هو ممكن فعلا يتخض والدنيا ضلمة. ياللا بينا يا مزيونة، قوم يا معاذ وقومي يا ليلى خلّيها تكمل مذاكرتها. دي امتحاناتها خلاص باقي عليها أقل من شهر.

ـ وأنا امتحاناتي الأسبوع الجاي.

صرحت بها مزيونة بعفوية، قبل أن يجفلها زوجها بنبرة فهمت مقصدها:

ـ دلوك لما نروح، هراجعلك. ما تشغليش نفسك خالص.

ورغم أن الكلمات عادية ولا تلمّح لشيء، إلا أنها خجلت، لعلمها جيدًا ما وراء "مراجعته" المريبة.

فصمتت مجبرة على اتباعه، وقد بدت السعادة تنير وجهه في الظلام، والحماس بداخله يدفعه أن يركض ممسكًا بيدها. لكن ما إن همّ بالانصراف بعد أن استأذن والدته، حتى اعتدل ريان بجذعه جالسًا، يتحدث بنعاس:

ـ لا يا أبوي، أنا صحيت… وعايز أروح معاكم.

ـ تقوم فين يا حيوان وانت نايم على نفسك؟ إمتى لحقت تصحى أصلًا؟

لم يرد، بل رسم البراءة بملامحه الجميلة صامتًا، ليدفع مزيونة لترك يد زوجها والتوجّه إليه بحنو:

ـ تعال يا حبيبي، أسندك أنا… ولا أشيلك أحسن؟

ـ تشيلي راجل كبير؟ بطّلي برود يا مزيونة أحسنلك!

هتف بها حمزة بضيق أثار تسلية شقيقه معاذ، الذي كان ينهض بزوجته هو الآخر، ليشاكسه بمكر وكأنه قرأ ما برأسه:

ـ اتلم يا معاذ انت كمان، أنا مش ناقصك.

صاح به بأعين تلونت بالاحمرار، لتسارع مزيونة بالتلطيف كعادتها في مهادنة هذا "الطفل الكبير":

ـ ريان بطل، وهيكمل معايا الخطوتين دول لحد العربية عشان ينام على فرشته. مش هيلحق يسهر أصلًا.

عبس لها وكأنه لا يصدق حيلتها، يتابعها تتحرك ببطء شديد وهي تخطو بصغيره الذي كان بالفعل يسير نائمًا، لينهي بغيظ:

في مكانه المعهود، وحين يضيق صدره حدّ الاختناق، يأتي إلى هنا؛ حيث البراح والهدوء، وظلام لا ينيره سوى نجوم السماء من فوقه، والأرض الرطبة أسفله، لا يفصله عنها سوى سجادة من الصوف. كان مستلقيًا عليها، ناظرًا إلى الأعلى بشرود، يفكر فيما آلت إليه أحواله، والحيرة في اتخاذ قرار مناسب لا يضر بمصلحة أولاده.

لقد باتت الحياة لا تُحتمل مع تلك المرأة التي تتفنن هذه الأيام بكل الطرق لاستعادته، بعد أن قطعت بيدها كل حبال الود. ها هي أخيرًا تفِيق إليه، بعد أن أجهضت كل محاولاته السابقة للتقرب منها والتجاوز عن أخطائها في حقه، كرجل يريد أن يرى نفسه في عيون امرأته.

حتى وإن كان قلبه، الذي لا يملكه، متعلّقًا بغيرها، يعلم الله أنه حاول بكافة السبل، حتى وعلى غير إرادته أحيانًا، ولكنها لم ترَه قط.

النسمات العليلة التي كانت تهب تارة من جهة النيل، وتارة من المزروعات التي تحيطه، هبّت فجأة نسمة لطيفة جعلته يغمض عينيه باستمتاع شديد، وكأنها تغسل همومه من الداخل. ليفتح أجفانه على اتساعهما حين وصل إلى مسامعه الصوت الذي اشتاقه:

تمتم باسمها، ينتفض بجذعه معتدلاً، ناظرًا إلى الأمام في اتجاه الطريق الفاصل بين الزرع، لكنه لم يجد شيئًا.

أيعقل أنه كان يهذي؟ لقد سمعها واضحة وهي تشكر أحدهم! أم أنها جنية البحر تتلاعب به؟

ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم...

تعوّذ وهو يفرك بكفه على صدره بقلق، كي يمحو الفكرة من عقله ولا يعطي فرصة للأوهام أن تتلاعب به. أقنع نفسه بذلك وكاد أن يعود إلى استلقائه، حتى انتبهت كافة حواسه، وقد أبصرها بالفعل عن قرب.

اللعنة! يبدو أن الجنية تتلاعب به حقًا. لقد كانت تسير أمامه آتية من جهة النيل، بهيئتها المحتشمة، تضم حقيبتها إلى صدرها بخطوات سريعة لا ترى بها أمامها، حتى كادت تقع أرضًا حين تعثرت بجذع شجرة لم تكن تنتبه له.

ـ وه! دي كانها هتتكفلت على وشها بمشيتها السريعة دي.

غمغم، وقد تأكد الآن من حقيقتها، فنهض على الفور تاركًا فراشه كي يلحق بها.

وبخطوات سريعة خرج من المربع الذي كان يستلقي فيه، حتى وطئت قدماه الأرض الصلبة للجزء الذي يبدأ من النيل وينتهي بالطريق الذي يتوسّط المزروعات.

هناك وجدها أمامه مباشرة، على وشك الخروج من ذلك الجزء المقبض كما يظن معظم أهل البلدة، لكنها تجمّدت في مكانها حين أجفلت بثعلب صغير يمر أمامها بسرعة خاطفة كالبَرق، ليختفي داخل أحد أحواض القصب.

تيقن أن الخوف هو من فعل بها ذلك، ورأى الفزع قد لوّن وجهها، وفمها المفتوح بعجز. عندها خرج صوته يخاطبها:

وبردّ فعل غير متوقع، ما إن وصل نداؤه إلى مسامعها حتى التفتت برأسها نحوه بصرخة كانت محتجزة بحلقها في إنتظار الخروج.

فصاح بها بحزمٍ مطلوب في تلك الأوقات:

ـ صلّ على النبي! أنا خليفة يا اعتماد، مش عفريت يعني.

كان لصيحته أثر واضح في إخماد روعها، فتوقفت عن الصراخ بعد أن أكد لها هويته، لكن جسدها لم يتوقف عن الارتجاف. تكمم بيدها على فمها تحاول السيطرة على رجفتها، مغمضة عينيها براحة نسبية، فواصل هو يزيد من بث الإطمئنان بها، وقدميه تقترب منها ببطء وتروٍّ:

ـ سامحيني لو خضيتك، مع إن شكلك اتخلعتي من "الحصين" مش مني.

بدأت تستعيد توازنها شيئًا فشيئًا، لتفتح عينيها وتجيب بإقرار:

ـ دا حقيقي، لما طلع فجأة جدّامي واختفى والدنيا كحل أصلًا، حسّيت رجلي اتشلّت في مكانها... وكملتها انت لما ندهت عليّ.

كاد يبتسم وهو يرى منها ذلك الجزء الطبيعي من المرأة التي تخاف، بعيدًا عن ادعاء القوة الزائفة. فسخر مشاكسًا:

ـ يعني كل الرعب دا عشان "الحصين"؟! دا جبان، وهو اللي بيخاف ويجري من جدّامنا.

ـ وعشان جبان ماخافش منه؟ بالعكس! الجبان مفروض أكتر واحد بتعمل حسابه، لأنه بيهجم في الضلمة، والنور عمره ما كان سكّته. دا حتى اسمه في اللغة العربية "الثعلب المكار".

أومأ موافقًا، رغم انشغاله بالمغزى خلف كلماتها. كان لديه إحساس متعاظم بأنها تقصد البشر والحيوان معًا. فتغاضى وسألها بفضول:

ـ طب إيه اللي معدّيك دلوك في الدنيا الضلمة هنا؟ دي الساعة داخلة على تسعة، والعشا أُذّن من بدري.

ـ ما أنا محسّتش بالوقت، كنت في حصة برّا البلد مع طالبة بدرسّلها جديد. قلت آخدها بالمركب على النيل، أقرب من المواصلات والمسافة الطويلة على الجسر...

توقفت فجأة عن استرسالها، لتعارضه بعصبية:

ـ صح، اتأخرت لحد العشا ولا بعده! بتسألني ليه وانت طالعلي زي العفريت من وسط الزرع؟ بتعمل إيه في الدنيا الخلا دي؟

رغم اندهاشه من عفويتها في السؤال وانفعالها عليه، إلا أن شيئًا ما أدخل في قلبه مرحًا، فأجاب دون تردد:

ـ أنا مكنتش معدّي صدفة ولا طالع من وسط الزرع.

ـ الفرشة الصوف دي، أنا كنت راقد عليها. دا مكاني المفضل لما بكون مضايق ولا متعصب.

شرعت تسأله عن سبب ضيقه، لكنها سرعان ما استدركت قبل أن تخطئ وتفعلها وقالت:

ـ آه فهمتك... مع إنّي مستغربة برضه... أسيبك بقى في عزلتك... وأكمّل طريقي وامشي.

سألها فور أن بدأت تتحرك، لتعود إليه بعينيها تستفسر، فأوضح:

ـ قصدي إن النور قاطع في البلد كلها، عشان عطل في محول الكهربا الغربي. لو عندِك الجرأة كمّلي لحد ما توصلي... بس خلي بالك، الحصين ممكن يطلعلك تاني، ومش بعيد يجيب معاه الديب كمان.

ـ يا مُرّي! حصين تاني وديب كمان؟!

هتفت بها بهلع، فواصل هو بتسلية وقد رأى الرعب يحتل قسماتها، وأنفاسها أصبحت مضطربة:

ـ أيوة... ديب وورنة كمان! صيد الليل، إنتِ عارفاه عاد.

ـ أنا بعرض عليكي يا بت الناس: يا تستني هنا معايا لحد ما ييجي النور... يا إمّا أوصلك بنفسي لحد بيتكم. شوفي تختاري إيه بقى؟

ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــ

انتهيا مبكرًا هذه الليلة، ليتاركا القهوة الموبوءة دون أن يُكملا ملء رأسيهما بالكحول والمواد المخدّرة، بعد أن وصلت معلومة غير مؤكدة بمرور دورية من الشرطة على البلاد المجاورة. الأمر الذي جعل صاحبها يصرِّف زبائنه اليوم، مؤجِّلًا العمل حتى تهدأ الأحوال.

كان عرفان متجهِّم الوجه، غاضبًا، بينما عطوة يدفع الحجارة بقدمه أثناء سيرهما، مستغلًا خفّته في اللعب بالطريق المظلم، وقد اختفى معظم أهل البلدة داخل منازلهم مُبكِّرًا.

ـ فك يا عم عرفان، النهاردة عروسة مقبلتش، بكرا تلاقي غيرها.

زفر الأخير وهو يتابعه يقفز بخفّة على أحد الأحجار كأنه يلعب كرة قدم حقيقية، قائلًا بغيظ:

ـ ومضايقش كيف يعني؟ دي العروسة التالتة اللي أروحلها وتقول لاه، حتى لو أهاليهم موافقين! بنتة مضاريب دم، والله ما ليهم غير اللي يشكمهم.

جلجلت ضحكة صاخبة من عطوة، ساخرًا من منطقه:

ـ يا حبيبي، إذا كان أهاليهم مقدرينش عليهم، هتشكُمهم إنت؟ بس برضك معاهم عذرهم، إنت بتروح لبنات صغيرة جوي يا عرفان، والزمن دلوك اتغيَّر، مبقاش زي الأول.

ـ ما هما واقعين وأهاليهم واقعة زيهم! لا أنا بروح لأي واحدة وخلاص. دا بدل ما يبوسوا إيديهم وش وضهر إنهم لقوا العريس اللي يشيل من غير جهاز ولا عفش! دا أنا بطلب الواحدة بشنطة هدومها وأعرض مهر غالي، لكن أعملهم إيه بجي؟ بنتة فقر زي أهاليهم.

واصل عطوة ضحكه بيأس من تفكير هذا الأحمق بعقل الثور الذي يملكه، وكأن الزمن لم يمر عليه، يظن أن الحظ سيُسعفه مرة أخرى بتكرار التجربة مع فتيات جميلات صغيرات مثل "مزيونة الحرة".

ليتنهد عند خاطرة الأخيرة ووجعه، دافعًا الحجر الذي وجده أمامه بقوة، حتى وصله صوت صرخة أنثوية مصحوبة بسباب وقح وشتائم بذيئة:

ـ يا ولاد الـ... يا... يا حمير يا حيوانات!

أجفل عطوة وتوقف في مكانه مع عرفان، والخوف قد احتل قلوبهما أن يتطور الأمر، ويأتي رجال من طرف تلك المرأة التي أصابها الحجر دون قصد، وفي ذلك الظلام بالكاد تظهر الرؤية أمامها.

ـ يا وجعة مربربة، إنت جدحت الطوبة على مين يا حزين؟ يا خوفي لا يقع فيها جتيل الليلة دي!

عبر بها عن مخاوفه ليضاعف من جزع الآخر، والذي فهم أنه المقصود، فعزم أمره داخله أن يضع طرف جلبابه بين أسنانه ويركض هاربًا قبل أن يلمحه أحد، مضحيًا بعرفان كي تتلبسه التهمة وينال العقاب عنه. وما أن همّ برفع الجلباب حتى فوجئ بامرأة بيضاء كضوء القمر تُضيء الظلمة، تظهر من وسط الظلام، موجهة حديثها إليهما:

ـ مين فيكم يا انطاع اللي شوَّح الطوبة عليا؟ رد يا بقف إنت وهو! خرستوا ولا القطة كلت لسانكم؟

وكأن القِط قد أكل ألسنتهما حقًا، فتجمَّدا في مكانهما كتمثالين من لحم ودم، أمام المرأة التي تسب وتشتم بجرأة تفوق الحد، إلى جانب حسنها الفاتن ومظهرها المختلف عن باقي نساء البلدة. فقد كانت ترتدي فستانًا زاهيًا بفتحة من الأمام تُظهر بياض بشرتها، تحت طرحة سوداء خفيفة لا تستر شيئًا، فتجمَّدت أبصارهما عليها بنظرات حمقاء، وفاهان مفتوحان، مما زاد من غضبها ودفعها لمزيد من السباب والشتائم.

استفاق عرفان من شروده بها، ليتحدث أخيرًا ويرد عليها:

ـ باه باه باه، ما براحة يا ست وخفّي علينا شوية. صاحبي طوّح الحجر برجليه من غير ما يقصدك ولا يشوفك أصلًا. الدنيا ضلمة زي ما إنتِ شايفة، والطريق هنا مقطوع، وإنتِ اللي ظهرِت فجأة.

ـ ولا كنك جنية البحر ولا "النداهة" اللي بيقولوا عليها! الحلوة اللي بتظهر للرجالة فجأة قبل ما تاخد روحهم.

قال عطوة مضيفًا على دفاع صديقه بإطراء مبالغ فيه أثَّر بها، فضحكت بمزاج تبدّل فجأة من النقيض إلى النقيض، قائلة:

ـ أنا ممكن فعلًا كنت خدت روحكم، بس بعد اللي جولتوه مضطرة أعذركم. لكن برضه الضربة كانت واعرة وغاظتني.

سألها عرفان بإستفسار، ليصعق بالإجابة التي فهم مغزاها، حين التفتت بنصف التفاتة قائلة:

ـ ربنا ستر ومجاتش في الضهر، لكن القعدة! هقعد عليها كيف دلوك؟

خرج صوت يشبه الشهقة من حلق عطوة قبل أن يكتم فمه بكفه، أما عرفان، والذي أعجبه الأمر، رد معتذرًا بمبالغة:

ـ ألف بعد الشر عليكي، سلامة الـ... ألف سلامة عليها. تحبي نراضيكي بإيه؟ نروح معاكي عن الدكتور نكشف عليها؟

وعلى عكس ما يبتغي، رمقته بازدراء ساخرة من عرضه الأخير:

ـ لا يا خويا، كتر خيرك، مش عايزة من خلقتك حاجة! قال تكشف عليها قال... يا سم!

بصقت كلماتها الأخيرة وتحركت مبتعدة، فتوقفا يطالعانها حتى وصلت إلى نصب الخيام قرب المصرف. هناك فقط تبددت دهشتهما وحلّ محلها الاستدراك بهوية المرأة الجميلة قليلة الحياء.

ـ يسلم يمينك يا عطوة! شكلي هجَدملك في فريق كورة تطلع مواهبك الحلوة دي. رغم سنك اللي كسر التلاتين، بس والله تستاهل! إيه الحريم الزينة دي؟ بتنور في الضلمة يا راجل؟

رد عطوة باستهزاء وقد انتابه العكس:

ـ ولو بدر البدور حتى! إنت مخدتش بالك هي دخلت فين؟ دول غجر يا عم الحج، في كل بلد يومين. يبقى حلاوتها إيه فايدتها؟ هم يا عم خلينا نروح بيتنا بلا عطلة فارغة...

وتحرك يسبقه، فتمتم عرفان وهو يلحقه، وما زالت عيناه منصبة على الخيمة التي اختفت داخلها المرأة:

ـ بقى لهطة الجشطة دي إيه فايدتها؟ أخص عليك! أما لوح بصحيح... جال عطلة فارغة جال!

جلست على حجرٍ كبير بالقرب من النيل، تتابع المياه الصافية وهي تجري أمامها دون توقف. يتسلَّل إلى داخلها شيءٌ من الارتياح، رغم الخوف من القادم، بعد أن أجبرها الظرف الغريب على الاختيار: إمّا السير ليلًا بصحبته وسط الظلام الذي يُحاوطهما من كل جانب، أو الانتظار في مكانها حتى يأتي الفرج. وقد اختارت الأخيرة.

أفاقها من شرودها لتجد كفه ممتدة بالكوب الساخن أمامها. كادت أن تعتذر، لكنه كان الأسبق في خمد اعتراضها:

ـ امسكي يا اعتماد، دا معمول على الكانون. ريحته بس هتظبط دماغك من التفكير والصداع. امسكي بقى من يدي… امسكي.

اضطرت أن تستجيب إليه، فتناولت منه الشاي ذي الرائحة المميزة بحق، لترتشف رشفة واحدة شعرت أنها تفعل برأسها الأفاعيل من روعتها. فعلق هو منتبهًا لحالتها:

ـ دي ميزة الشاي اللي يتعمل على الكانون. سبحان الله… ما دوقت أجمل منه.

أومأت موافقة، عائدة إلى صمتها في ارتشاف الباقي، الأمر الذي استفزه ليقول:

ـ في إيه؟ أنا حاسس إني بكلم واحدة غير اعتماد اللي أعرفها! لسانك راح فين؟ فين كلامك الدبش؟

ـ يعني هي المشكلة في اللسان الطويل ولا الكلام الدبش؟ موجودين والله… هو بس اللي خف المعافرة والنفس الطويل… عشان تعبت. معدش عندي خلق للمعارك اللي بخسر فيها دايمًا.

ـ خسرتي في إيه بالظبط؟ اعتماد… هو إنتِ مخبية عني حاجة؟

ـ حاجة إيه؟ إنت ليه بتسألني أساسًا؟

ردت بحالة من القلق زادت من شكوكه، فقال:

ـ العجيب إني شايف في عينيكي خوف يا اعتماد. ولو هنقول دلوك عشان الظرف اللي إحنا فيه، طب باقي المرات اللي فاتت؟ من ساعة ما قطعتي رجلك من البيت؟ إنتي حد جالك حاجة زعلتك؟

انتفضت من مكانها رافضة الرد أو الاستجابة لاستدراجه لها:

ـ حاجة إيه ولا كلام فاضي إيه؟ أنا عايزة أروح.

ـ دلوك عايزة تروحي؟ إنتِ ناسية إنك اخترتي الانتظار لحد ما ييجي النور؟… اجعدي يا اعتماد. أنا متصل جدامك، والعامل في الكهربا بلغني إنهم مش هيتأخروا عن حداشر.

اطمّني… مش هسألك تاني ولا أزيد عليكي.

اضطرت مرة أخرى للامتثال، فلا توجد خيارات أخرى أمامها. وبعد أن صمت هو، جالسًا بظهره نحوها، وعينيه على النيل مباشرة، أخذت هي فرصتها في تأمل المربع الذي يتخذه مقرًّا للعزلة. جزء محاط بالطوب الأبيض لا بدّ أنه يملكه، مزروع بالنجيل البري، وفوقه سجادة من الصوف، وبالقرب منه الموقد الطيني الذي صنع عليه الشاي، والذي يوجد عليه الآن كوزان كبيران من الذرة للشواء علي الجمر كما ترى.

صدرت منها دون تركيز قبل أن تتدارك نظراته الموجهة نحو الجهة التي كانت تحدق فيها. وبدون انتظار، تحرك سريعًا ليتناول واحدًا من غير الموجودَين على النار، ويعطيها إياه:

صاح بها بحزم وصرامة حتى أجبرها على تناوله، ثم تابع بتسلية لطاعتها المفاجئة له:

ـ كليه وهو ساخن، والنيل جدامك دلوك. صدقيني هتحلفي بطعمه العمر كله… كلي يا اعتماد.

أخفى ابتسامته بصعوبة حين تابعها تضعه في فمها على الفور خلف صياحه، تقضم منه بتأني وتلذذ لا يخفى عليه، فواصل يسألها:

أجابت بعفوية صافية وكأنها نسيت صياحه بها:

ابتسامة جميلة بزغت على جانبي فمه، يردد خلفها:

ـ حلو جوي… ويجنن كمان. طب خلّصيه عشان أجيبلك واحد غيره.

خرجت من غرفة الصغير تدلك رقبتها وتحركها يمينا ويسارا بإجهاد، وقد ظلت معه حتى غفى بصعوبة بعد سردها لعدد من الحكايات المكررة في معظم الأحيان ولكنه لا يمل منها،

كادت أن تغفى بجواره من التعب، ولكن تخشى غضب حمزة الذي وجدته امامها الان، يعلو ملامحه الضيق لقضاءه فترة طويلة من الانتظار،

ابتعلت رمقها ترسم ابتسامة مضطربة كي تبرر له:

ـ ااا معلش لو اتأخرت عليك، بس اصله كان خايف وانااا

ـ انتي إيه؟ انتي كتر خيرك اللي جعدتي جمبه اصلا.

فاجأها برأيه حتى مالت رأسها نحوه بعدم تصديق، قبل ان تتخذ مقعدها بالقرب منه قائلة بريبة:

ـ كتر خيري اللي جعدت جمبه؟...... متشكرين يا سيدي، اهم حاجة بس متكونش انت زعلت .

ـ لا طبعا مزعلتش، هو انا عقلي صغير عشان اعند مع ولدي؟..... دا برضو كلام؟

قطبت حاجبيها بدهشة شديدة من تساهله، شاعره بأن الأمر خلفه شيئا ما :

ـ حمزة انت عايز مني حاجة صح؟ قول على طول بدل ما تسيبني في حيرتي كدة

ارتسمت البراءة على ملامحه معارضا لها:

ـ انتي ليه محسساني ان انا صعب كدة، سيبك من الأوهام اللي في مخك وتعالي اراجعلك في كتاب العلوم، خلاص امتحاناتك على الابواب، لازم تبقي مجهزة عشان تجيبي مجموع كبير

ـ وه..... انت بتتكلم جد يا حمزة؟ يعني هتراجعلي فعلا؟

بابتسامة لم تفهمها في البداية, اخرج الكتاب الذي

ـ انا هسألك في اللي شرحتوا المرة اللي فاتت الاول ، عشان لو غلطي في سؤال

ـ لا متخافيش مش هعقابك، بالعكس كمان، دا انا هافهمك واخليكي تحفظيه، بس بشرط، هتفذي الطللب اللي اطلبه منك مهما كان.

توقفت أمام قولها قليلا بتفكير، لكن سرعان ما استدركت ما بعقله المنحرف لتهم بالنهوض من جواره رافضة:

ـ لا يا حمزة بلاها، انا اصلا اعتماد بتفهمني كل اللي عايزاه

امسك بذراعها يوقعها في حجره قبل ان تهرب منه يخاطبها بتهديد:

ـ يعني اعتماد احسن مني؟ ولا انتي هترفضي اللي اطلبه منك

ـ لا طبعا هو انا اقدر؟ بس انت عقلك صغير شوية يا حمزة، المرة اللي فاتت في درس الجبر لعبت عليا لعبة زي كدة، وبعدها جبرتني البس لبس بتاع بنات المدارس لكنه كان حاجة مسخرة، المردي مضمنش هتشرط عليا بأيه؟ وانا بصراحة مفياش دماغ.

كاد أن يضحك من هيئتها والزعر الذي ارتسم على ملامحها، ليرق قلبه فيقبل جبهتها قبل ان يمر بشفتيه على باقي بشرتها:

ـ خلاص بلاها مراجعة وشروط من الأساس, انتي تاجي في حضني دلوك، ونأجل كله لبكرة، حتى عشان ريان يشجعك.

تحدثت بصوت بالكاد تجده، ولمساته المستمره في دغدغة حواسها تبعثر كيانها وتشتتها:

ـ طب... ما هو انا كمان..... مش عايزة اقصر في الامتحان يا حمزة، انا في الاخر برضك منازل.

رفعها اليه بحزم يعدل من وضعها بين ذراعيه قائلاً بكلمة تساوي الف عهد

ـ عمرك ما هتجصري وحمزة في ضهرك، حتى لو منازل، ومدام قولتلك بكرة مفيهاش كلام، ودلوك خالينا في موضوعنا بقى

وقبل أن تفتح فاهاها بكلمة أخرى اغلف هو باب النقاش بطريقته، يبتلع جدالها في جوفه، لا يعطيها فرصة للاعتراض، يخمد مخاوفها في غمرته ودعمه لها، وكما أخبرها، لن تضيع أو تقصر مدام هو في ظهرها، ودعمه مستمر حتى يصل بها الى النقطة التي تحلم بها منذ الصغر .

رواية لاجلها الفصل التاسع والثلاثون

"ليس كل جمالٍ نعمة، فبعضه قد يكون لعنة تُثقل صاحبها وتُضلل من حوله. الجمال الحق ليس في ملامحٍ تُبهر العين، بل في عفويةٍ تجذبك دون قصد، في خفة روح تسرقك من همومك، في كلمة رقيقة تداويك، وفي اهتمام صادق يمنحك الأمان. فاحذر أن تنخدع بجمال المظهر، فكم من وجهٍ بديع أخفى قلبًا قاسٍ، وكم من ملامحٍ بسيطة أبهرت بحسن جوهرها."

المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة القمر/ سنا الفردوس (بطوط)

فين دموعي اللي ما نامت ليالي؟ بابتسامة من عيونه نِسْهالي.

مقدرتش أصبر يوم على بُعده، مقدرتش أصبر يوم على بُعده.

كانت هذه كلمات الأغنية التي إلتصقت بذهنها حتى أصبحت تدندن بها دون أن تدري، رغم أنها لم تسمعها في المذياع أو أثناء جلستها في تلك المغامرة التي مرت بها منذ لحظات، حين أجبرها ذلك الظرف الغريب على مجالسته في المكان المحبب إليه والذي يتخذه عزلة كما نوه أمامها.

كيف ساقتها الريح إلى تلك البقعة المنزوية قرب النيل لا تعلم؟ المهم هو الوقت الجميل الذي قضته معه أمام النيل، حين ارتشفت منه أجمل كوب شاي، كما تناولت عودين كاملين من الذرة المشوية من صنع يده.

هل كانت جائعة لتلك الدرجة حتى تتقبل منه وتأكل في حضرته؟ بالطبع لا... من المؤكد أنها كانت جائعة لأشياء أخرى؛ أن تجد من يهتم بها ولو في لحظات قليلة، أن تغسل همومها أمام النيل الساحر ورجل كانت قد قطعت عهداً على نفسها ألّا تتحدث معه مرة أخرى، بعد أن قضت أياماً في البكاء والندم على تقبلها مساعدته، متأثرة بالكلمات الجارحة التي تلقتها من زوجته.

ولكن ها هو القدر يجمعها معه دون تخطيط أو تدبير، ليحفر في ذاكرتها ليلة لن تنساها، وأجواء استدعت في رأسها كلمات الأغنية العبقرية لكوكب الشرق. جلست تتأمل وجهها أمام المرآة بعد أن عادت وخلعت ملابسها، لتبدلها بملابس النوم.

منذ متى لم ترَ نفسها جميلة مثل اليوم؟ وكأنها أصبحت رقيقة وأنثى حقيقية، ليست تلك المسترجلة الغشيمة صاحبة "الكلام الدبش" كما قال لها أثناء حديث بدا كعتاب واستفسار عن سبب تعمدها الابتعاد والتغير منه. ربما لهذه الأسباب أطلت تلك الأغنية في رأسها.

تحركت خطوتين تاركة المرآة، ثم توجهت إلى سريرها، تناولت هاتفها تبحث عن الأغنية وتشعلها قبل أن تتمدد على الفراش وتندمج معها، علّها تنعم ولو لليلة واحدة بنوم هانئ سعيد دون هموم أو مسؤوليات تعكر صفو مزاجها.

أغمضت عينيها تردد مع السيدة أم كلثوم حتى أتى ذلك المقطع:

مليناها حب إحنا الاتنين، وملينا الدنيا أمل.

عند الأخيرة، طرأ برأسها ذلك السؤال الملح:

ـ يا ترى مكتوب لك ليالي جميلة تاني تحلفي بيها يا اعتماد؟ ولا هي الليلة دي وخلاص، تعيشي على ذكراها؟

ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــ

أما عنه، وقد عاد إلى منزله ولم يُكمل الليلة في بقعته المفضلة بعد مغادرتها، لم يشعر بنفسه إلا وهو يسير خلفها ويتبعها بحرص حتى اطمأن إلى دخولها منزلها، فعاد هو أيضاً إلى منزله.

وجد الجميع نياماً، صغيرتاه اللتان نامتا مبكراً على غير العادة، فلم يملك أمامهما سوى أن يقبلهما بخفة ويضع الذرة المشوية على الكمود المجاور لهما، حتى إذا استيقظتا تفاجأتا بهما، فيفرحان بالشيء المحبب الذي فعله لهما والدهما.

زوجته العزيزة التي أغلقت الباب عليها وكأنها ترد كرامتها بالغلق في وجهه، ظناً منها أنه سوف يتراجع ويطرقه، ليحق لها بعد ذلك أن تُذله. شفاها الله وعفاها من أوهام رأسها.

دلف إلى غرفته يخلع الجلباب وما يرتديه أسفله، فلم يبقَ سوى البنطال والقميص القطني، ثم ارتمى على الفراش ينظر إلى السقف بشرود جميل. فرق شاسع بين حالته حين خرج من المنزل، وما يكتنفه من مشاعر رائعة الآن لا يعرف لها وصفاً.

ما أجملها حين تتصرف بعفويتها، بذلك الخجل الفطري الذي تغطيه بخشونة تدّعيها كي تحمي نفسها وشقيقاتها من غدر البشر وأطماعهم في ثلاث نساء لا يوجد لهن سند ولا حماية في هذا العالم الموحش. ورغم الخوف الذي رآه في عينيها وأثار داخله التساؤلات، إلا أنه لا ينكر أن داخله تَسَلّى برؤية ذلك الجزء الخفي منها. ليسائل نفسه:

ـ يا ترى هشوف وأعرف عنك إيه تاني يا اعتماد؟

صباحاً، وبعد ليلة هانئة رأت فيها أحلاماً سعيدة، استيقظت مبكراً وقامت بالأعمال الروتينية التي تفعلها كل صباح، ثم تجهزت بمزاج رائق قبل أن تخرج من غرفتها. وجدت شقيقاتها على الطاولة المستديرة ينتظرنها لتشاركهن مأدبة الطعام.

رغد كانت تضع الطبق الأخير قبل أن تجلس متربعة، وروضة تهدهد ابنتها التي لا تكف عن الثرثرة بكلمات غير مفهومة. انصبت أبصارهما عليها بما يشبه الازبهلال حتى ألقت تحية الصباح عليهما، متسائلة بدهشة هي الأخرى من تحديقهن بها:

ـ صباح الخير، مالكم يا بنات؟ مبحلقين كده ليه؟ شوفتوا حاجة غريبة؟

اقتربت في الأخيرة، تتناول شطيرة خبز وتضع عليها بعض الجبن لتأكلها سريعاً وهي واقفة، فأجابتها رغد بلهفة وانبهار:

ـ ححاجة غريبة دا إيه؟! قققولي شفنا البدر اللي طلع بنوره على وش الصبح. إنتِ النهاردة حلوة جوي يا اعتماد.

خجلت من وصف شقيقتها حتى صارت تلوك قطعة الخبز بصعوبة داخل فمها، قائلة:

ـ دا إنتِ اللي كلامك حلو يا ست رغد، قال بدر طلع على أول الصبح قال! أما عليكي مبالغة بشكل.

تدخلت روضة في هذه اللحظة تتفحصها بتمعن، وبحدة أخرجت كلماتها:

ـ بس هي ما بالغتش ولا حاجة، إنتِ فعلاً النهاردة باينة بشكل مختلف. وشك منور، والطرحة بترميها على رأسك بعدم اهتمام لافّاها لفة زينة. دا حتى الدريس اللي لابساه، اهتميتي تربطي الحزام وتظبطيه على جسمك، رغم إن دي كنتِ دايماً تهمليها. دا غير ال...

قاطعتها لتوقفها عن الاسترسال في تفحصها، وألقت باقي الشطيرة على الطاولة أمامها، ثم نفضت يديها شاكرة الله على نعمته كعادتها، لتردف باستئذان قاصدة الذهاب سريعاً بعد أن تلبكت معدتها واضطربت فجأة من نظرة شقيقتها الحادة وهي تصفها:

راقبتها روضة حتى خرجت من باب المنزل، ثم عادت إلى شقيقتها الصغرى معقبة:

ـ أختك وشها نور وبقت تهتم بنفسها. شكل الموضوع فيه إن...

ـ وولا إن ولا أخواتها ولا عمّاتها حتى! ما تشوف نفسها وتتتهتم وتبقى حلوة. ولا هي مش ست زي بقييية الستات عشان تحس بجمالها وتشوف مستقبلها؟

مصمصت روضة بفمها رافضة التقريع من شقيقتها الصغرى التي كالعادة تغلبها بمنطقها، فلا تجد سوى التقليل منها ومعايرتها، بغمغمة وصلت جيداً إلى رغد:

ـ موشح كامل عشان كلمتين على بعض قلتهم! أمال لو بتجمعي الكلام زين كنتِ عملتِ إيه؟

صوبت إليها رغد نظرة تُغني عن ألف كلمة. فما فائدة الجدال مع واحدة أسهل شيء عندها أن تُعاير شقيقتها بشيء ليس لها فيه ذنب؟ وإن كانت لا تتورع عن جرحها، فماذا تركت للغرباء؟

كانت الساعة تقارب العاشرة صباحاً حين أتت مزيونة من منزلها إلى المنزل الكبير، وقد تأخرت عدة ساعات عن موعدها اليومي.

كان في استقبالها منى التي هللت بمزاح لفت انتباه الجميع:

ـ يا أهلا يا أهلا بالعروسة اللي جايلنا قريب الظهر، شكل السهرة امبارح كانت صباحي.

شهقت مزيونة التي باغتتها بالتلميح، لتقف عندها وتضع كفها على فمها:

ـ يا لهوي عليكي وعلى جنانك! البيت فيه بنته صغيرين من عيال خواتك، اعقلي يا مرت الأستاذ.

ـ وحد قالك إن مرت الأستاذ ما هتفهمش يا مرة ياللي جايلانا على احداشر!

ـ كنتوا بتعملوا إيه الوقت دا كله يا بِت؟ بتلعبوا كورة؟

تمتمت بها مزيونة، لتعود وتكتم فمها مرة أخرى، قبل أن تميل على أذنها وتهمس ببعض الكلمات. فصارت الأخرى تنصت لها لتبادلها الردود والضحكات بأصوات خفيضة أثارت اهتمام تلك التي كانت تنزل الدرج، تطالعهما بريبة قبل أن تتجه إلى مزيونة مخاطبة:

ـ اتأخرتي النهاردة يا مزيونة، مع إنك عارفة إن في غسيل الغلة قبل ما ننشفها ونوديها المطحنة.

ـ معلش يا حبيبتي اعذريها، أصلها ماكانتش فاضية، حمزة مشندلها في المراجعة.

تساءلت هالة بعدم فهم، قبل أن تجفلها ضحكة صاخبة جعلت مزيونة تهجم عليها تريد أن تخنقها، فتزداد ضحكاتها مرحاً. حتى فهمت هالة المقصود، فثارت بها نيران الغيرة، وجفلتهم بصرختها:

ـ وافرَض زي ما بتقولي، برضك كان لازم تقدر. ولا إحنا يعني مش متجوزين وما بنباتش مع أجوازنا؟ البيت هنا محتاج خدمة كبيرة وحرام أشيل أنا لوحدي.

توقفت ضحكاتهما يطالعنها لحظات بصمت، حتى ردت منى بعد أن استردت أنفاسها من الضحك:

ـ وافرَضي ما قدرتش ولا مجاتش أصلاً! افتكري يا حبيبتي إن مزيونة بتيجي تخدم في البيت الكبير هنا تطوع منها، زيي أنا وزي إخواتي البنات وبناتهم. يعني مش ملزمة ولا خالطة. وعلى العموم يا ستي، كفاية إنك تقومي بشقتك فوق وتراعي عيالك وجوزك. وهي برضك مزيونة تقعد في بيتها عادي. والبيت هنا زي ما إنتِ شايفة ما بيخلاش، وإحنا كفاءة وما نخليش أمي تحتاج لحد، ولله الحمد لسانا بصحتنا.

ـ ما تقوليش كده يا منى. أنا طول ما فيا نفس عمري ما هوجف أجي هنا ولا أبطل أخدم خالتي حسنية. دا كفاية جميلها مع بِتّي، اللي معززها وشايلاها على كفوف الراحة.

ـ طبعاً شيلاها على كفوف الراحة، إنتِ هتجوليلي؟ المحظوظة بت المحظوظة.

غمغمت هالة بهذه الكلمات داخلها، قبل أن تتوجه بالرد نحو منى، توضح بالكذب:

ـ ما تقولينيش كلام ما قلتوش يا منى. أنا عمري ما طلبت أعزل من مرت عمي حسنية. دا بيتي وبيت عيالي، كيف يعني أسيبه وأتحبس في شقة فوق؟ عن إذنكم بقى، المطبخ محتاج ليا النهاردة.

ختمت حديثها وتحركت ذاهبة من أمامهن يتابعنها بأعينهن. حتى إذا اختفت، علقت منى:

ـ وتسيبي دور الكبيرة لمين؟ دا إنتِ تموتي لو ده حصل!

يسحبه من ذراعه، يجبره جبرًا على السير نحو الجهة التي يريدها، والآخر يجاريه على مضض، لا يكف عن التذمر:

ـ يا بوي عليك يا عرفان، لما تطلع في دماغك حاجة! يا أخي ساحبني زي البهيمة، ومش مديني حتى فرصة أرفض. مش فاهم ليه مُصرّ على جيتي معاك؟

زمجر عرفان مشددًا على مسك يده التي يحتجزها داخل الكف الغليظة:

ـ يا بوي على رطك إنت! كذا مرة أقولك إنك لازم تاجي معاي، مينفعش أدخل عليهم وحدي وأنا مش ضامن رد فعلهم. أهي لو فتحت سيرة الحجر والليلة اللي فاتت نعتذر، وإن محصلش أنا برضك داخل عليهم بمصلحة.

تساءل بها عطوة بهمهة، ليجيبه الآخر بغموض:

ـ أعرف بمصلحة ومع ناس زي دول؟ كل سنة ياجوا بموال ينصبوا بيه على الناس. يا ترى جايين بإيه السنادي؟

ضحك عرفان بحشرجة وكأنه لا يبالي:

ـ بياخدوا المواعين الألومنيوم البايظة من الأهالي ويرجعوها حاجات تانية سليمة. شوفت النصاحة؟

زمّ عطوة فمه المغلق بغيظ متفاقم، وهو يراه بذلك الحماس يتابع السير بخطوات ثابتة نحو نصب الخيام التي ارتصّت أعلى المصرف. يحدق به بشك يتمنى ألّا يصدق.

حين وصلا الاثنان إلى الخيمة المقصودة، وجدا رجلًا وامرأة متربعَين بجلستهما على مدخلها. ارتفعت أبصارهما نحوهما بتساؤل، أجاب عنه عرفان بتحية ألقاها عليهما:

ـ السلام عليكم يا أهل الخير، أنا التاجر عرفان ودا صاحبي عطوة، كنت بعت لكم ولدي ناصر في طلب من ساعتين.

خيم الصمت على المرأة والرجل بتفكير متعمق، حتى تذكر الأخير ليجيبه:

ـ أيوه، افتكرت. قصدك على براد الشاي والكام صحن القدام اللي جابهم بغرض نسيحهم ونعملهم حلتين كبار.

ـ أيوه، عليك نور يا حج. حاجتي بقى خلصت؟

بدا السؤال شديد الغباء من رد فعل الرجل الذي اعتلت ملامحه الدهشة والضيق، حتى تبادل نظرة ذات مغزى مع زوجته التي عقّبت محرجة الاثنين بقولها:

ـ ليه يا سيد عرفان؟ على أساس إنهم بلاستيك هيسيحوا ويتصنعوا في دقايق؟ دا حتى الألومنيوم بياخد وقت.

مسح عطوة بكف يده على وجهه بحرج شديد من أفعال هذا الأحمق المكشوفة، فتدخل يحاول لملمة الموضوع بصورة تحمل درجة من الإقناع:

ـ مقصدوش كده طبعًا، هو بس كان عايز يعرف التفاصيل وحسبتكم تكلف كام.

ـ ما احنا قولنا لولده على حسبتهم، هي شغلانة؟

دوّى الصوت الناعم من داخل الخيمة، لينتبه الاثنان على تلك الجميلة التي كانت واقفة بميل، تحتضن إحدى الأواني القديمة. ثم تقدمت خطوتين حتى اقتربت منهما، وعيناها منصبة على عطوة الذي علّق بضجر:

ـ والولد مقالش عشان نسي يا سِت. ع العموم لو مضايقين ناخدهم ونمشي…

ـ لا استنى، إنت كمان! ناخدهم كيف؟ إحنا لسة متفقناش ومتعرفناش.

تبسمت تلك الجميلة، ثم طلبت من والديها الانصراف لأمر ما. حتى إذا خلت الأجواء عليهما، واجهته بسخريتها:

ـ يعني إنتوا عايزين تفهموني إن جوز رجالة طول وعرض جايين عشان كام حلة وكام براد شاي؟ دا كويس إن أبويا وأمي كانوا ماسكين نفسهم معاكم.

احتقن عطوة من أسلوبها في الاستخفاف بهما، ليوضح لها بحدة:

ـ لا اسمعي أما أقولك، متعيشيش في الدور! أنا جاي غصب عني أصلًا، هو اللي كان رايد يشوفك. اتفاهمي معاه… عن إذنكم.

وتحرك مغادرًا، تتبعه بعينيها حتى ودّت أن توقفه، لكن شغلها عرفان الذي استغل الموقف ليزداد تعارفًا بها:

ـ أيوة، صح… أنا اللي كنت رايد أشوفك وأطمن عليكي. حاكم بعد اللي حصل مجانيش نوم واصل، وأنا خايف ليكون الحجر أذاكي. ما تطمنينا يا ست عليكي وقوليلنا اسمك إيه على الأقل.

حملقت به بغيظ شديد، وعيناها تذهب كل لحظة نحو الطريق الذي ذهب منه عطوة، بتفكير… حتى حسمت في الأخير تخبره:

ـ الله أكبر! دا إنتِ مش نورة بس، دا نورة ومعاها بوسي كمان!

ــــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــــــــ

مرَّ أكثر من أسبوع لم يرها فيه. حاول أن يتجاهل الأمر أكثر من مرة، ولكن يومًا بعد يوم كان ذلك الشعور المؤلم بالرغبة في رؤيتها يتضاعف كوحشٍ ينهش قلبه، حتى فاض به، ليجد قدميه تتحركان وحدهما إلى داخل المدرسة التي تعمل بها، بحجّة زيارة زوج شقيقته الذي يعمل وكيلًا للمدرسة. ورغم أنها فترة امتحانات، إلا أنه في تلك اللحظة قرر أن يتبع إحساسه فقط.

دلف من الباب الرئيسي، وخطا إلى الداخل يبحث عنها بعينيه في كل اتجاه، يبطئ من خطواته وعيناه تدوران بلا هوادة، حتى وقعت أبصاره عليها بالفعل داخل محيط المدرسة، أسفل مجموعة من الأشجار حيث تستظل الفتيات، وكانت هي تراقبهن عن قرب وهي تتشاجر مع أحد الرجال... اللعنة!

كان موعد انتهاء الجولة الأولى من الاختبارات قد انتهى، لتمارس عادتها مع الطالبات التي سحبنها من غرفتها لتراجع معهن الإجابات المدونة في ورقة الامتحان، ومدى الصواب والخطأ فيها. ورغم أنها تحلّ ضيفة في مدرسة أخرى داخل المحافظة، إلا أن هذا لم يمنعها من الحضور اليوم لتطمئن على مدى تقدم صديقتها المقرّبة وتدعمها في خوض التجربة للمرة الأولى بعد انقطاع دام ما يقارب عقدًا من السنوات.

لم تكن تعلم أن من بين اللجنة الغريبة شخصًا تعرفه جيدًا؛ فقد رآها منذ أن دخلت من باب المدرسة، وفوجئ بهيئتها الجديدة بعدما أصبحت تعطي لنفسها مساحة صغيرة من الاهتمام، لتصبح امرأة بحق.

كان الحماس على أشدّه في ثرثرة الفتيات حولها بعد أن ابتعدت مزيونة لإجراء مكالمة هامة مع زوجها المتابع لحظة بلحظة هو الآخر:

ـ يعني إجابتي كانت صح يا أبلة اعتماد؟

ـ لا، هتتحسب نصها تقريبًا، لأنها مش صحيحة بالكامل.

ـ وأنا كمان يا أبلة اعتماد، ما شفتيش إجاباتي؟

ـ حاضر حاضر... خلّوني أخلص واحدة واحدة عشان أركز معاكم.

دوّى الصوت الرجولي بنبرة لم تكن غريبة عن مسامعها، ليقطع وصلة الثرثرة النسائية بمختلف طبقاتها. ارتفعت أبصار الفتيات تسبقها نحو أحد الأشخاص من طاقم المدرسين الغرباء الذين التحقوا بالمدرسة في أيام الاختبارات.

تحدث مرة أخرى حين لم يجد منها ردًا ولم ترفع حتى عينيها إليه:

ـ أبلة اعتماد، أنا بستأذنك بس في دقيقة.

زفرت زفرة خافتة سبقت التفاتة بطرف عينيها لتتأكد من هويته، ثم أمرت الفتيات بالانصراف. وظلت على وضعها حتى التف هو وجلس على الأريكة المقابلة لها، لتلتقي عيناها بعينيه: عينان خضراوان ضيقتان، وأنف مفرطح ذو فتحات واسعة، وشفاه غليظة قاربت السواد بفعل التدخين الكثير، على بشرة من المفترض أن تكون فاتحة بيضاء، لكنها امتلأت بالبثور والحفر وربما تجاعيد مبكرة.

كيف كانت تراه وسيمًا ولم يمر على انفصالها به سوى سنوات قليلة، لتبصر الآن التغيّرات التي طرأت عليه بوضوح؟

كان ينظر إليها مباشرة دون مراعاة للأصول، وقد أصبح طليقها، ومن المحرم عليه النظر إليها وفقًا للدين وللأعراف والتقاليد. بادرها بحديثه:

ـ عاملة إيه يا اعتماد؟ أول مرة أشوفك من سنين.

تغاضت عن غضبها لترد بجفاء وتُنهي تلك المقابلة الثقيلة:

ـ زي ما انت شايف حضرتك. نحمد ربنا ونشكر فضله على نعمه.

ـ زي ما أنا شايف... يبقى ما شاء الله، تشكري ربنا صُح. اتغيرتي واتبدلتي ولا كأنك بجيتِي واحدة تانية.

سألته بسجية، ولم تفهم قصده بالبداية:

جاءها الجواب من نظراته الكاشفة قبل أن ينطقها فجّة:

ـ احلويتي يا اعتماد وبقيتي مره صح...

ـ احترم نفسك لو سمحت وما تلبخش بالكلام.

قاطعته بانتفاضتها عن المقعد واقفة، لتجبره على الوقوف هو الآخر، فقال مفصحًا عما يريده:

ـ أنا مش قصدي أعاكسك ولا أقل أدبي، بس أنا كنت في يوم جوزك، وعرفت النهاردة إنك لساكي على حالك ما اتجوزتيش، يبقى حقي أتكلم مدام غرضي شريف. أنا بجيت خالي دلوك بعد ما طلقت مرتي التانية... مرتين اتجوزتهم بعدك، ولا واحدة فيهم ملَت عيني زيك. إنتِ تباني من برّا ناشفة وكلك شوك، لكن في الأصل ناعمة زي حتة المارشميلو. اعتماد... أنا عايز أردك تاني لعصمتي.

ازدادت شراسة نحوه، تمنع نفسها بصعوبة من الهجوم عليه:

ـ عصمة مين يا أبو عصمة؟ ومين قالك إني هوافق؟ ولا إنت كيف أصلاً جتك الجرأة والبجاحة تكلمني أو تفتح معايا موضوع زي دا؟ فضّها وروّح لحال سبيلك.

ـ وإيه اللي يمنعني يا ست البرنسيسة؟ على راسي بطحة؟ ولا كنتِ ظبطيني متلبس ساعة الليلة إياها؟ وهي من الأساس شكوك في راسك بس، مع إن كان قصدي...

صاحت توقفه بقلبٍ ارتجف بداخلها خشية أن يتمادى ويفصح عن تفاصيل أو يذكر اسم شقيقتها ولو بالخطأ. وقد كانت الطالبات يراقبن المشهد باهتمام شديد.

جاءها فجأة ذلك الصوت الدافئ من العدم، وكأن يداً امتدت لتنجدها في لحظة بائسة كادت أن تضيع بها. التفتت إليه بصمت وعجزت عن النطق، لكنها رمقته بنظرة استجداء لم يفهمها.

ـ أنا طليقها يا سيدي، وبتفاهم معاها عشان أردها. وإنت مين بجي؟

تفجرت من خليفة، وهو ينظر إليها بتساؤل. فاكتفت بإيماءة بسيطة، فردّ بشراسة على الآخر:

ـ ولما انت طليقها، بتتعارك معاها ليه؟ هو الرجوع بالعافية؟

ـ انت خليتها عركة بالعافية. بقولك بتفاهم معاها! إنت إيه دخلك وسطينا من الأساس يا جدع إنت؟

كادت اعتماد أن تفحم هذا الوقح بما يستحقه، لكن سبقتها إحدى الطالبات المتابعة للمشاجرة، تتدخل دون إذن قائلة:

ـ لأ، كان بيتعارك معاها يا عم خليفة، حتى بالأمارة عاكسها وقال لها: "احلويتي وبقيتي مره صح!"

سمع منها فاتسعت عينا خليفة بشكل مرعب، ينقل نظراته نحو تلك التي وجدها جميلة اليوم بالفعل وبين هذا الأحمق، فتخلى عن هدوئه واتزانه المعروف. لينقضّ عليه فجأة، قابضًا بكفيه على ياقتي قميصه وزجره بعنف:

ـ إنت البعيد، أمك داعية عليك ولا شيطانك هو اللي وزّك عشان تروح روحك هدر! من برّا بلدنا وجاي تعاكس في حريمنا وتفرض نفسك عليهم كمان؟

صاح عليوة يثير انتباه الجميع من المارة والأساتذة والطلبة لينضموا لجمع المتفرجين، وهو يحاول نزع قبضتيه عنه:

ـ بقولك كانت مرتي! يا حشري يا قليل الذوق! جاي تدخل بينا على أي أساس؟ بتتهمني إني غريب وأنا ليا عيلة كانت ساكنة هنا!

ـ ليك ولا ملكش، المهم إنك اتجرأت عليها والبنات الصغيرة شاهدة! بتوصف في جمالها وهي محرّمة عليك بحكم الشرع إنك طلقتها. طب اختشي حتي يا بارد ياعديم الإحساس والدم!

تسمّرت اعتماد مكانها كتمثال من آثر الصدمة، تكتم بكفيها على فمها، تراقب الوضع يخرج عن السيطرة، حتى أفاقت تحاول التفريق بينهما:

ـ خلاص يا خليفة، سيبه يغور في داهية! مش ناقصين فضايح، الله يرضى عنك!

لكن عليوة إزداد حنقاً، ليصرخ بها مزمجرًا:

ـ انا اللي أغور يا اعتماد؟! هو صفته إيه عندك عشان تترجّيه وتعامليه بمفاضّله عليّا؟ أنا اللي أعرفه إنك مقطوعة ما لكِيش ناس! يبقى مين ده؟

تجمّدت كالتمثال أمام نعته الأخير ومعايرته، حتي لم تجد القدرة علي النطق بحرف واحد، والأنظار كلها مصوَّبة نحوها من الطلبة والمدرسين في إنتظار ردها علي ذلك الوقح، حتي أجفلت بما أذهلها، حين وقع عليوة على الأرض بعنف إثر لكمة حديدية تلقاها من خليفة الذي آبي أن يتركه دون أن يترك عليه علامة تجعله يندم علي جرحه لها أمام الملأ، فكانت العلامة سنتين ونصف ضرس.

ليصرخ برعب والدماء تسيل من فمه:

ـ سناني! الحقوني يا ناس! طيّرلي سنتين التركيب، وكسرلي الضرس اللي جارهم نصين! أنا عايز حقي!

هرعت مزيونة من الركن الذي كانت تتحدث فيه على الهاتف بسبب الصراخ، متفاجئة بالمشهد، لتتوجه إلي اعتماد بتساؤل. لكنها لم تجد جوابًا سوى نظرة مذهولة نحو خليفة، الذي كان ينفض يده من أثر الضربة بإشمئزاز، وكأنه شخص آخر، لا يبدو عليه أي ندم أو أسف...

دلف إلى داخل المدرسة بعد الاتصال الذي ورد إليه من زوجته، وكذلك من بعض الأشخاص الذين علموا بالمشاجرة، بخطوات سريعة محدِّدًا هدفه حتى وصل إلى الغرفة الكبيرة لمدير المدرسة. وقد كانت شبه مكتظة بعدد من المدرسين، ومعهم منصور وكيل المدرسة وزوج شقيقته، الذي تكفّل بسحبه إلى الداخل بصمت أثناء سماع شكوى ذلك الرجل المضروب على فمه. وأمامه على الكرسي المقابل له جلس شقيقه، البحر الهادئ الساكن في معظم الأوقات، ولكن حين يفيض به الغضب لا أحد يجاري قوته وعنفه، هذا هو خليفة الذي يعرفه جيدًا.

ـ مساء الخير، أنا حمزة القناوي يا حضرة المدير.

قالها وهو يضغط بكفّه على كتف شقيقه الثابت دون ذرة اهتزاز واحدة، بلفتة تُظهر دعمه له، ليومئ له بعينيه، والمدير يتلقّفه بالترحيب والشكوى:

ـ يا أهلا بحمزة باشا، نورت الدنيا. تعالى شوف بعينك الله يخليك، عايزين نلمّ الموضوع. الأستاذ عليوة عايز يكبر القصة ويوصلها للبوليس...

ـ أيوه، وأخلّيها جناية كمان؟ دا تعدي على موظف أثناء تأدية عمله، دا غير العاهة المستديمة، ولا فاكريني هفرّط في حقي؟

نظر حمزة إلى كفّ الرجل المفتوحة وبها عدد من الأسنان المكسورة، ثلاثة أو أقل، ليعلم مقصده بالعاهة المستديمة، فعلق ساخرًا:

ـ يا سيدي، إن كان على دول نركّب طقم غيرهم، المهم تكون على حق. إنما لو على باطل...

ـ خليه يعمل ما بدا له، إن شاء الله حتى يوصلها للمحكمة الدولية. اللي يغلط دا جزاته عندينا.

أضافها خليفة على قول شقيقه، ليصيح عليوة بمظلومية:

ـ شايف يا سيادة المدير؟ شايف يا أستاذ منصور؟ بقى دا يرضيكم يا ناس؟ انضربت وكمان اتهنت!

سارع المدير بمهادنته، كما حاول منصور أيضًا أن يلطف الجو قليلًا، حتى يُحجِم من اندفاع الرجل الذي افتعل مشكلة بين العائلات.

أما حمزة، والذي تركه قليلًا يهذي، اقترب من شقيقه يسأله:

ـ أمال فين مزيونة واعتماد؟ مش شايفهم يعني؟

أجابه خليفة بارتباك تجلّى في نبرته:

ـ معرفش اختفوا فين فجأة؟ بس أنا مكسوف أسأل… اتصل بمرتك وشوفها.

لم يغفل حمزة عن قلق شقيقه ولهفته للاطمئنان على اعتماد، لكنه كان يدرك أن الظرف يمنعه من التصريح بذلك أمام أحد، فاكتفى بأن يستجديه بعينيه ليطمئن عليها.

أخرج حمزة الهاتف من سترته، وما إن همّ بالاتصال بزوجته، حتى تفاجأ بها تدلف بصحبة اعتماد، التي تجلّى عليها أثر ما حدث، حتى ضاعف من ثقل ما يشعر به خليفة حين رأى الانتفاخات المتفرقة بوجهها وعينيها الذابلتين من البكاء. زفر في داخله بضيق متعاظم يتابعها وهي تدلف حتى استقرت على الأريكة الجانبية في ركن الغرفة، ومعها مزيونة التي توقفت لتبادل زوجها الحديث السريع بالهمس عن حالتها، حتى اقترب منها يشجعها ويحفّزها:

ـ اعتماد، متخافيش من عليوة ولا غيره، إحنا مش هينين لحد.

وكأنها فقدت القدرة على الكلام، فسلّمت أمرها إلى الخالق، ليسير مركبها كيف يشاء. أومأت له برأسها شاكرة باستسلام، فاستقام حمزة ينوي التوجّه إلى شقيقه ليطمئنه حتى تنتهي تلك المشكلة، لكن قطع عليه دخول آخر شخص يتوقعه، يعرّف بنفسه للمدير:

ـ أنا محمود… جوز أخت المدام، والأستاذ عليوة كان سلفي أيام ما كان متجوزها.

انتبه عليوة إلى قدومه الآخر، يتلقى حضوره بلهفة:

ـ تعالى يا محمود، شوف اللي حصلي، أنا اتصلت بيك مخصوص عشان انت أكتر واحد أعرفه في البلد دي، ابن أصول وتفهم في العِيبة.

في تلك اللحظة انتفضت اعتماد، تنزع عنها ثوب الضعف متوجّهة إليهم برفض قاطع:

ـ يعني إنت سايب معارفك كلها في البلد ورايح تتصل بمحمود؟! هو دا اللي يفهم في الأصول والعيبة؟ ولا صحيح… الطيور على أشكالها تقع.

صاح عليوة في مواجهتها، ناهضًا عن كرسيه:

ـ وماله محمود؟! ولا هو عشان فيه مشاكل ما بينكم خلاص الراجل كَفَر؟

حدّقت به بعدم تصديق، بعد أن أثبت لها معرفته بقضيتها مع هذا الفاشل الذي أفسد صفو علاقتها مع شقيقتها، ويأتي الآن ليزيد من اشتعال الموقف؟

ـ معلش يا أبلة اعتماد، لو هزعجك بقعدتي، بس الراجل ده أصيل، وأنا لما يطلبني لازم أقف جنبه… خصوصًا لما يكون الغريم واحد. مش الباشا برضه اللي عمل قعدة مع كبارات البلد، وشهد عليّا أمة لا إله إلا الله عشان أدفعلك تعويض على اللي حصلك، إيه حكايته بقى؟ يكونش واخد حراستك شغلانته، مدام وصلت كمان يتعارك عشانك؟

ـ آه يا ندل ياقليل الأصل، الدناءة بتجري في دمك!

صرخت بها اعتماد في وجهه، لتسارع مزيونة بتهدئتها من استفزازه. فهم حمزة أن يكرر فعل شقيقه ويلكمه بجوار عليوة، والذي استغل الموقف ليضيف من عنده:

ـ قول كده بقى يا محمود خليني أفهم! عشان الباشا لما سألته عن صفته، ملقاش رد غير إنه يضربني. يا ما شاء الله على الناس اللي بتفهم في الأصول!

هذه المرة حسمها حمزة داخله بأن يُسقط باقي أسنانه، لكن قبل أن يشرع برفع يده، جاء الرد الحازم من ذلك الساكن الثابت:

ـ ومفهمش ليه في الأصول؟ لما أشوفها بتتعاكس من واحدة ندل وعايز يفرض نفسه عليها، تفتكر رد فعلي هيبقى إيه… وأنا خطيبها؟!

أجفل جميع من في الغرفة بصدمة من وقع المفاجأة، حتى استوعبت هي سريعًا، وهمّت بالتوضيح، رافضة الخداع والكذب:

ـ لأ طبعًا يا أستاذ خليفة، أنا…

ـ إنتِ مكسوفة ما تقولي عشان لسه الأمر في بدايته.

قاطعها حمزة بحسم وصرامة حتى يغلق كل الطرق، ليردف منهيًا آمال الخصمين الفاسدين:

ـ أهو قالها لك صريحة يا أستاذ عليوة. تقدر تقدم شكوى في البوليس براحتك، بس ساعتها اللي هتتضرّ سمعتك وهتبقى في التراب… بعد ما يتعرف إنك اتضربت من خطيب طليقتك لما لقاك بتعاكسها. تحب نذيعها يا أستاذ عليوة؟ ولا تلمّ الموضوع وتتلم أحسن؟

رواية لاجلها الفصل الاربعون

هناك عِقوبات سماويّة كما هناك مكافآت، كلٌّ منها يُنزَّل بقدرٍ موزون لا يخطئه ميزان الله. قد يطول زمن الصبر حتى تظنّ أن الليل لن ينقشع، ويثقل التحمل حتى يوشك القلب أن ينطفئ. لكنّ الانتظار نفسه يصبح نعمةً، يخلّصك من شوائب الجزع ويصقل روحك لتتهيأ للعطاء. وحين يأتي التغيير، تتبدّل الموازين في لحظة، فينقلب الضيقُ اتساعًا، والعُسرُ يُسرًا، والعطشُ ماءً فراتًا. عندها فقط تدرك أنّ كل لحظة ظمأ لم تكن إلا تمهيدًا لغيثٍ يُحيي الأرض والقلب معًا.المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة القمر/ سنا الفردوسالفصل الأربعونانتهت الجلسة وغادر الخصمان الخسيسان، لكن النقاش الحامي في تلك المعضلة لم ينتهِ بعد، إذ جاء إعلانه المفاجئ عن شيء لم يتم من الأساس. خداعٌ وكذبٌ لا يمكن أن تتقبّله مطلقًا، لكنها أُجبرت على كتم اعتراضها حتى غادروا جميعًا بصحبة إحدى المعلّمات إلى منزل الأستاذ منصور، حيث أطلقت العنان لرفضها بكل قوة أمامهم:ـ غلط! غلط! أنا لا يمكن أقبل بشيء زي ده! دا اسمه غش، وأنا عمري ما كنت غشّاشة ولا مخادعة.ـ ومين بس اللي قال إنك غشّاشة؟ الرد دا كان مطلوب عشان نخرس الكلبين دول يا اعتماد.هتف بها حمزة متكلفًا الرد نيابة عن شقيقه الذي التزم الصمت أمام ثورتها وتشنّجها. لتضيف منى أيضًا وهي تقرّب إليها كوب المشروب البارد:ـ صح يا اعتماد، ملهاش لزوم العصبية الزيادة دي. اشربي اللمون وهدي أعصابك، عالأقل توزني الكلام بعقل وإحنا قاعدين معاكي اها، بنتحدّت ونتشاور.تناولت منها الكوب بيدٍ مرتجفة حتى قرّبته من فمها لترتشف قليلًا، علّه يساعدها في أن تهدأ، فسقط بعضه على حجابها. فسارعت مزيونة تلتقط مناديل ورقية لتعطيها إيّاها، فمسحت أسفل فمها وبعض النقط على حجابها، وهي تربّت على ظهرها دعمًا ومؤازرة.لتلتقي عيناها بذلك المتابع بصمت، فأصابها حرجٌ جعلها تشيح ببصرها عنه سريعًا، لتعود إلى النقاش وقد كان يتحدث حينها أستاذها وقدوتها منصور:ـ وأنا شايف إن ملهاش لزوم العصبية ولا الانفعال أصلًا. الموضوع كله كلمتين، حل للموقف وإزاحة للشكوك اللي اتكلم عنها جوز أختك المتغاظ أساسًا. أنا شايف إنك تكبّري دماغك وتعتبري إنهم راحوا لحال لسبيلهم يا سِتّي.ـ لا، ما راحوش لسبيلهم يا منصور.تفوه بها خليفة فجأة، مما أجفل الجميع، ثم أردف وعيناه منصبتان عليها:ـ الواض جوز أختك طلع من المدرسة وراح بلغ الجماعة من عيلته كبارات الهم، على أساس إنه ما دخلش في مخه الكلام، وعايز يتأكد إنه كدب ويعملها ليلة عشان ميدفعش الفلوس اللي عليه. ويلبسنا إحنا الغلط. أنا دلوك جاني اتصال من حد غالي وبلغني اللي حُصل.ـ يا مرك يا اعتماد! يعني كمان الخبر اتشاع في البلد؟دفعت الكوب البارد عنها بهلع، ثم وضعته على الصينية أمامها بعنف، وقالت موزّعة أبصارها نحو الجميع باستجداء:ـ أهو دا اللي أنا كنت خايفة منه! هعمل إيه دلوك في النصيبة دي؟ دبّرني يا أستاذ منصور، الحقيني يا مزيونة، قول رأيك يا أستاذ حمزة، إنتِ كمان يا منى.استنجدت بهم جميعًا إلا هو، ورغم حنقه الشديد من فعلتها المقصودة، إلا أن الرد قد جاء منه أيضًا، ليضاعف سخطها:ـ وليه الندب والولولة أصلًا؟ ما إحنا حلّيناها من بداياتها، فاضل بس نثبت على موقفنا عشان محدش يبقى له حجة علينا.تجمّدت لحظات، ناظرة إليه بفمٍ مفتوح، لا تستوعب البساطة التي يتحدث بها. ألا يشعر بحجم الكارثة التي ورّط نفسه وورّطها بها؟ ألا يعي خطورة الإعلان الذي تفوّه به وما سيترتّب عليه من نتائج كارثية إن استمرت تلك الكذبة؟خرج صوتها أخيرًا، بمواجهة مباشرة معه:ـ حضرتك بتتكلم بتساهل كده إزاي؟ مش داري بحجم المصيبة اللي أنا فيها؟ سيبك مني أنا خالص، خلينا فيك إنت! الخبر لو وصل لعيلتك ولا لمرتك... يا نهار أسود! دي هتبقى وجعة سودة!قالت الأخيرة بيأس وقد زاغت عيناها، شاردة في رد فعل هالة إن علمت... سوف تنفّذ تهديدها لا محالة.ـ مرتي ولا عيلتي أنا كفيل بيهم، ما تشغليش نفسك إنتِ.للمرة الثانية يتحدث بتلك البساطة، بالإضافة إلى ثباته المحيّر، وعيناه... تلك الأخيرة التي تحمل من الحديث أعمق مما ينطق به لسانه.ـ إنت بتتكلم كده إزاي؟ بقولك مرتك وولادك! عيلتك! حد فيكم يردّ عليه يا جماعة؟ إنتو ساكتين ليه؟ حرام عليكم! عقلي هيشت مني!كانت في حالة أقرب للانهيار، فسارع الجميع إلى تهدئتها. لا ينكر أنه أشفق عليها رغم استنكاره لتشدّدها ورغبتها الشديدة في درء صفة ارتباطها به وكأنها سبّة، بينما هو يودّ بشدة أن يؤكّد تلك الصفة رسميًا وعلى الحقيقة. لكنه يعلم جيدًا الرد المتوقع منها، لمعرفته الوطيدة بشخصيتها الأبية الشامخة رغم كل الضغوط.ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــداخل المنزل الكبيروصل الخبر إلى معاذ فاتصل ليتأكد من شقيقه، ثم نقله بدوره إلى زوجته التي عبّرت عن دهشتها بعدة أسئلة طرأت فجأة برأسها:ـ بتتكلم جد يا معاذ؟ طب إزاي؟ وكيف؟ وإمتى؟ردّ وهو يتكئ جوارها على الفراش:ـ والله إزاي وإمتى أنا ما أعرفش. كل اللي أعرفه اتصال جالي من واحد قريبنا بيستهزأ ويتمسخر إننا مخبّين والخبر معبي الدنيا. أنا كلمته واتصلت بخليفة اللي أكد لي إنه حصل فعلًا، وإنه بعدين هيفهّمني كل حاجة. حتى لما كلمت حمزة قال نفس الشيء، وإنه هيفهّمني كل حاجة بعدين. وأديني مستني رجعتهم لما أشوف بجي.أبعدت ليلى الكتاب الذي كانت تذاكر فيه عن حجرها، فلم تعد بحاجة إليه الآن، حتى تنتهي من الحديث الشيق مع زوجها:ـ يعني إيه؟ هنجعد على نارنا كده لحد ما يرجعوا؟ إزاي يعني؟ الغريب يعرف وإحنا لاه؟ طب افرض اتأخروا عن كده، وإحنا أصلًا قريب العصر! هصبر كيف؟ ولا هيجيني دماغ أذاكر!اعتدل معاذ، متكئًا بمرفقه على الوسادة، متجاهلًا اعتراضها، ليسألها بفضول:ـ طب افرضي طلع الخبر صح... إنتِ بقي هتفرحي ولا تزعلي؟أربكها سؤاله المباغت، فهذا الأمر لم يطرأ ببالها أصلًا. فجاء ردها بعد فترة من التفكير:ـ بصراحة ومن غير لف ودوران... أنا أتمنى فعلًا واحدة زي أبلة اعتماد لعمي خليفة. رايق، هادي، وأخلاقه حلوة. وهي تبان قدام الناس ما تنطاقش، لكن لما تقرّب منها زين، تعرف وشّها الحقيقي... أطيب منها مفيش. لكن...ـ أيوه، أنا عايز اللي ورا "لكن" دي.عقّب معاذ محمّسًا لها لتكمل، فقالت بتثاقل:ـ أكيد كمان ما تمناش الخراب لهالة، رغم كل عيوبها وأذيتها للبشر... يا وعدي!تمتمت بالأخير مستدركة خطورة ما يتحدثان به، لتتوجه إلى زوجها مستفسرة:ـ يا وعدي يا معاذ! لو عرفت... دي هتطربق الدنيا!ـ وتفتكري الخبر اللي وصلني مش هيلف لف ويوصلها؟برقت عيناها التي تشبه عيون القطط، تتخيّل ما لو حدث فعلًا، لتنتفض فجأة، ومعها هو، على صرخة مدوّية أتت من الأسفل، تلتها بعض العبارات... ليستنتج الاثنان وقوع الكارثة.ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــركض معاذ متتابعًا لصوت صراخها في الأسفل، ترافقه والدته التي أنكرت لعدم معرفتها بشيء:ـ يا بتي، مين قالك الكلام دا بس؟ ولا إنتِ بتألفي من مخك يا هالة؟ـ لا يا مرت عمي، أنا مبألفش، الخبر واصلني حالًا دلوك من أختي، بيقولك المدرسة كلها كانت مقلوبة النهاردة على عركة الباشا مع طليقها. ولدِك كسر سِنّان الراجل، وبعدها أعلنها قدام الكل، قال قدام المدير والأساتذة إنها خطيبته. اتصلي بمنى تبلغك بنفسها، ولا حمزة ولدك التاني ولا مرته... بقولك حكاية مغفّلقة، وإنتِ قاعدة هنا بتقولي "معرفش"!تدخّل معاذ ليفصل بينها وبين والدته، يخلق مساحة بينهما هاتِفًا بها:ـ قالتلك إنها متعرفش يا هالة، يبقى تلمي نفسك وتستني جوزك علي ما يرجع وتتصافي معاه.صاحت به هو الأخر كالمجنونة:ـ يعني إنت كمان واضح إنك عارف يا معاذ؟ يبقى أشمعنى أمك اللي متعرفش؟! ولا فاكريني دق عصافير وعايزين تضحكوا عليا؟ والنعمة ما هسكت، ولو وصلت إني أجيب أبويا وأعملكم فضيحة مش هستنى!ـ اعمليها لو كنتي تقدري يا هالة.جاء صوت مفاجئ لها من مدخل المنزل، لتلتفت إليه فتقابله بسخريتها:ـ أهلا بعريس الهنا، طب مش كنت تبلغني يا راجل عشان أجي أزغرتلك ولا أرجصلك أحسن قدام اللجنة الغريبة؟!توقفت لتتابع، وقد انتبهت لقدوم حمزة وزوجته:ـ ولا صح! كان فيه اللي يسد عني وعن أمك المسكينة. يا رب تكون مبسوط يا حمزة! وانتِ يا بوز الأخص... بقدومك الفقر، حليتي على البيت كله بالخراب!أشارت مزيونة نحو نفسها بصدمة من اتهام تلك المجنونة أمام زوجها الغاضب، فجاء الرد الحازم من خليفة:ـ هــالة! كلمة تاني زيادة وهتكون ورقتك سبقاكي على بيت أبوكِ، ولا يهمني إنك بت عمي ولا دياوله.ـ يعني إيه؟ـ أنا قولتها كلمة ومش هزود عليها. لما يبقى عندك عقل وتهدي من جنانك، ساعتها تيجي عندي ونتكلم بالهدوء. إنما غلط فيا أو في عيلتي بكلمة زيادة، يبقى إنتِ اللي كتبتي كلمة النهاية.ختم جملته الأخيرة وتحرك صاعدًا إلى الطابق الثاني غير آبه بأي شيء، فتمتمت هي بصوت بالكاد سيطرت عليه نحو حسنية:ـ يعني إيه؟! أموت بقهرتي على ما الباشا يحن ويتكلم معايا؟! طب وديني ما أنا جعداله فيها. أنا رايحة بيت أبويا، وخليه يجيب السنيورة مكاني، خليه يشبع بيها!أنهت كلماتها وتحركت لمغادرة المنزل بعباءتها السوداء، فحاولت حسنية منعها:ـ يا بتي استني شوية طيب! يا مري، الحقها يا حمزة... ولا إنت يا معاذ!توجهت بآخر جملة نحو معاذ بعدما رأت الرفض على وجه حمزة، فاضطر الآخر أن يستجيب لوالدته ويتبعها على مضض.حتى إذا خلت الأجواء على الثلاثة، توجّهت المرأة نحو ابنها الأكبر:ـ يبقى كده جه دورك يا كبير. أنا عايزة أفهم منك كل حاجة دلوك.أومأ حمزة واقترب منها، واضعًا قبلة على رأسها موافقًا:ـ عنيا يا ست الكل، بس ممكن يبقى الحديت في أوضتك عشان ناخد راحتنا.أخرجت المرأة تنهيدة من عمق صدرها، قائلة:ـ ماشي يا حمزة. أنا رايحة أصلي العصر دلوك. خمس دقايق وألاقيك جيت ورايا... على ما ييجي دور التاني وحسابه الكبير معايا.قالت الأخيرة بمقصد واضح عن خليفة، ثم سحبت نفسها لتذهب وتسبقه إلى غرفتها. تنفّس حمزة الصعداء قليلًا ليهدأ من وتيرة الانفعال داخله، قبل أن يتبعها ليوصل الصورة الصحيحة عمّا حدث. فتحدثت زوجته معبّرة عن خوفها:ـ حمزة، أنا مرعوبة على اعتماد. أكيد هالة هتفضحها هي وأخواتها وتعملها نصيبة كبيرة.ردد خلفها باستهجان وعدم تقبل:ـ تأذيها هي وأخواتها مرة واحدة وتعملهم فضيحة؟! مش لدرجادي يعني يا مزيونة.ـ لا، للدرجادي. والمصحف أنا متأكدة من اللي بقوله.قالتها بصدق جعل الشك يتسرب إليه، فأمرها أن تتحدث بحزم:ـ جيبي من الآخر يا مزيونة، إنتِ مخبية عني حاجة؟ابتلعت ريقها، تتضرع إلى خالقها بالاستغفار، وقد حسمت أن تصارحه وتنفض عقدها مع صديقتها، خشيةً عليها من أذية هالة:ـ هقولك على كل حاجة... بس اسمعني من غير عصبية.تفوهت بها، وكانت تلك البداية لسرد ما حدث، ليربط هو الخيوط ببعضها فيصل إلى استنتاجه الأخير.ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــعادت بجسدٍ منهك، تجرّ أقدامها جرًّا حتى دلفت إلى داخل المنزل، بعد أن استقلت السيارة مع مزيونة بقيادة حمزة. لتجد شقيقتيها في صحن المنزل جالستين في وضع المناقشة، وكأنهما في انتظارها أيضًا، وهذا ما أظهرته روضة في طريقة استقبالها لها:ـ حمد الله على سلامتك يا اعتماد. كل دا تأخير بعد انتهاء اليوم الدراسي؟ وإحنا مستنينك على نار يا شيخة.رمقتها الأخيرة بدهشة قبل أن تجلس على الكرسي المقابل لهما، ترد وهي تخلع حجابها:ـ ليه يعني تستنّوني على نار؟ خير... حصل حاجة؟ردّت رغد بلهفة وارتباك، تنقل ببصرها نحو شقيقتها الأخرى بنظرات تحذيرية:ـ خير يا خيتي، هي بس كانت عايزة تطمن عليكي. خشي روحي نامي وريحي جسمك.قالت الأخيرة تشير نحو غرفة نومها، ولكن قاطعتها روضة مردّدة بانفعال:ـ مش قبل ما تفهمينا الأول... اللي سمعناه دا صح ولا غلط؟سألتها اعتماد بريبة وهي تخلع الحذاء عن قدميها:ـ هو إيه اللي سمعتوه بالظبط؟جاء الرد سريعًا مندفعًا من شقيقتها الوسطى:ـ إنك اتخطبتِ لواد البهوات، خليفة القناوي اللي داير رايح جاي حواليكي. دلوك بس الراجل ندّيله عذره، مدام أعلنها وقالها قدام الكل عاد. بس مش كان الواجب برضو يا غالية تبلغي أخواتك المساكين؟ ولا إحنا ملناش قيمة ولا في دماغك أصلًا؟!زجرتها اعتماد بحزم حتى تكفّ عن سمّ الكلام الذي تتلفظ به، رغم ارتباك أمعائها من الداخل نتيجة الدائرة التي تتوسع حولها بتلك الخدعة.كادت أن تتحدث وتروي الحقيقة، لكنها استدركت فجأة لتسألها:ـ وانتِ عرفتي منين بالكلام دِه إن شاء الله؟ الباشا هو اللي بلغك صُح؟صاحت روضة بتجه تؤكد لها:ـ أيوة هو اللي بلغني! واشتغل ساعة يتمسخر عليّا عشان عرف قبلي. أنا اللي عايزة أعرف بالظبط: هو خطبك إمتى؟ ولا هي علاقة اللي ما بينكم والباشا حبّ يغطي عليها لما اتزنق وسط الرجالة؟وضعت رغد كفها على فمها بحركة لا إرادية بعد صدمتها من فجاجة ما تلفظت به روضة أمام شقيقتها الكبرى. والتي اجفلت وتلجمعت لحظات حتى استوعبت، لتردّ بلوم وغضب:ـ انتِ بتقوليلي أنا الكلام دا يا روضة؟ واخدة بالك أصلًا من الكلام اللي بتخربطي بيه؟ ولا المحروس اللي مسلماه ودنك، قلبك على أختك، خلاكي تنسي مين هي اعتماد؟نهضت روضة بكل ما تحمله من غلّ، رافضة محاولات شقيقتها الصغرى في منعها، لتقترب من المقعد الذي تجلس عليه اعتماد. ناظرة لها من علوّ تردّد:ـ فهميني... انتِ مين هي اعتماد؟ الشديدة اللي بتوجف حي بحاله لو حد بس قرب من خواتها؟ ولا التانية الحبيبة اللي مالت وحنت لصنف الرجالة؟ لما ظهر في حياتها ولد القناوي؟ بس بصراحة أنا مدياكي عذرك... راجل طول بعرض وحلي وجمال. حقك يا بت أبوي تضعفي... والأنثى اللي دفناها جواكي تطلع.توقفت برهة ثم صرخت بها:ـ بس المهم بقى تبقي عادلة! والشيء اللي استحليتيه لنفسك من قبل حتى ما يبقى حلال، متحرّيمهوش على غيييرك. انتي عيشي حياتك... وإحنا كمان نعيش حياتنا.صدمة البداية في تلك اللحظة التي اختلطت فيها الحسرة والألم، والندم على عمرٍ قضته تحارب كقطة شرسة عنهما، تحفر في الصخر من أجل أن تمنع عنهما العوز. وبعد مرور عدد من السنوات، وهي العمر ذاته، يأتي عليها الوقت الآن وتُتّهم بأبشع تهمة قد توجه لامرأة حرة... ومن مَن؟! من شقيقتها التي لا تصغر عنها سوى سنوات قليلة، وما زالت لا تقدر ولا تفهم. والأصعب... الطعنات التي توجهها لها دون شفقة أو رحمة.كانت ما زالت متجمدة محلها، حتى أتت رغد الصغيرة تحاول الاطمئنان عليها، وقد التصقت بالمقعد كأنها تمثال. أهدابها فقط ما تتحرك لتدل أنها على قيد الحياة. حتى تمالكت بأسها بصعوبة لتنهض وتواجهها بصوتٍ بحّ من فرط ما شُحن داخلها من مشاعر قاسية، أقوى من أن تحتملها:ـ يعني انتِ يا روضة، بتتهمي أختك في أخلاقها؟ وإنها مش عادلة معاكي؟ عشان بس عايزة أعملك كرامة من واحد شرع أن يقتلني لولا ستر ربنا؟حاولت رغد تهدئتها حتى لا تواصل وتزيد على تعبها الذي بدأ ظاهرًا عليها بقوة، ولكن اعتماد أبت إلا أن تواصل الرد على هذه الجاحدة:ـ بتغلي وشايلة مني عشان بس قبلت بحكم الرجال إن لا يتم صلح ولا تنازل لحد ما يدفع الغرامة كتعويض هو وناسه؟ على أساس إنه هحط في حسابي المبلغ يا روضة وأتمتع؟ مش عشان أربيه ما يكررهاش! ولا إنه يستغلك ويمضّيكي على قرض ولا ورقة تورطك في مصيبة! وانتِ متخلفة كدة وكلمة منه تودّيكي وكلمة منه تجيبيك!ـ أنا متخلفة يا اعتماد؟صاحت بها روضة مرددة بلوم، وقد تجاوزت كل ما سبقها. لترد اعتماد وقد فقدت الذرة الباقية من الاحتمال منها:ـ أيوة متخلفة! وأنا حمارة إني مقضية عمري أحوش عنك وأمنع الأذى! واكنك ما بتشوفيش... ولا طفلة مش عارفة الصح من الغلط! اسمعي يا بت... عايزة ترجعي للزفت الحيوان دا؟ المركب اللي تودي... يبيع ولا يشتري فيكي ولا يلبسك مصيبة حتى! إيّاكِ تجري علينا ولا تقولي "الحقوني" ولا "انجدوني"! مش انتِ قابلة تروحي له بالرخيص رغم كل اللي عمله فيكي؟ يبقى ياللا في داهية!سمعت بالأخيرة لتصيح بمظلومية:ـ بتطرديني من بيت أبوي يا اعتماد؟ بجي دا اللي ربنا قدرك عليه؟ عشان بواجهك باللي سمعته؟أومأت تؤكد لها برأس يكتنفها الدوار، مع تسارع دقات قلبها، جعلها تتحدث بأنفاس متقطعة:ـ وياللا... روحي لمي شنطتك... وامشي دلوك! متستنيش! لا... إحنا أساسًا معدناش طايقينك ولا طايقين سيرتك... بسرعة!أنهت اعتماد وسقطت تجلس على المقعد، بقدمين لا تستطيعان حملها. تنتظر الرد من واحدة هي الأعلم بشخصيتها، حين تُحشر في منطقة اتخاذ القرار. وهي بطبيعتها المتكلة دائمًا على غيرها، تريد تنفيذ رغبتها لكن دون تحمّل المسؤولية. إذن لو وافقت من دونها ستكون الخاسرة لا محالة.وكما توقعت، لاح التردد على ملامحها المكشوفة، قبل أن تلجأ في الأخير إلى الرفض والصياح والشكوى بمظلومية. فتذهب من أمامها نحو غرفتها وهي ما زالت تندب حظها البائس الذي لم يترك لها سوى شقيقة ظالمة تتحكم في أمرها.حتى إذا انتهت ثورتها بإغلاق الباب، كانت اعتماد قد وصل بها الإجهاد والتعب درجة اللا رجعة، حتى فقدت القدرة على التعبير بفمها. تلوّح فقط بيدها إلى شقيقتها الصغرى لإنقاذها...ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــبالقرب من النيل وأسفل إحدى الشجيرات العتيقة، جلس على حجر كبير، يقشّر في عود القصب ويمتص منه، ثم يلقي الذي انتهى من عصارته أسفله. غير عابئ بنظافة ولا أي شيء مدام ليس بمنزله. شارد فيمن رآها منذ قليل داخل السيارة التي مرّت أمامه... لم تنتبه إليه كعادتها، فهي أبدًا لا تراه ولن تراه. ورغم أنه يعرف ذلك جيدًا، لكنه لا يتوقف عن التفكير بها. منذ أن كانت طفلة... ثم تزوجت عرفان... ثم انفصلت... ثم تزوجت بهذا البغيض الأخير.يعلم أن العيب به، ولكن هذه شخصيته، وهذا ما نشأ عليه. حتى صحبته دائمًا ما كانت فاسدة، وذلك ما جعله يصرف عقله عن فكرة الزواج والارتباط. ربما لو أسعده الحظ وكانت من نصيبه، لغيّر من نفسه وأصبح رجلًا صالحًا...استفاق من شروده، ليرفع أبصاره نحو صاحب الظل الذي حجب ضوء الشمس عنه أثناء مطالعته النيل.ليتفاجأ بتلك الفتاة... أو المرأة... لا يعرف. سوى أنها طويلة اللسان وقليلة الحياء، حتى في نظرتها إليه الآن. جميلة وجريئة تجذب الرجال حولها كالذباب من أجل نيل رضاها... لكنه لم ولن يكون مثلهم أبدًا.ـ نعم... عايزة حاجة يا مدام أو يا آنسة؟قال الأخيرة بنوع من التهكّم قابلته بسخرية، تتخصر أمامه بميوعة يعلمها جيدًا:ـ وانت بقى محترم جوي وبتنادي بالألقاب؟ ولا غرضك الأصلي تعرف إن كنت متجوزة قبل كدة ولا لأ؟سمع منها وانتفض، ينهرها بازدراء:ـ اسم الله يا ختي على حسنك ودلالك! دا على أساس إني ميت في دباديبك مثلًا؟ ولا فاكراني أهطل وبريل زي الهبل اللي حواليكي؟ لا... اصحي وفوقي يا بت! واعرفي إنتِ بتكلمي مين؟ وانتِ مين؟غضبت نورة شاعرة بالإهانة التي تتحسس منها دائمًا، وهو المساس بأصلها. لتهدر ردًّا عليه:ـ اسم الله يا حبيبي... بتتني وتتفرد علينا بإمارة إيه؟ اشحال إن ما كنت خريج سجون وحرامي وهجام سابقًا؟ ما تفوق انت لنفسك يا بابا... وأعرف إنك مزدتش علينا بشيء...تمتم فمه بسبّة وقحة نحو ما أتى سريعًا بذهنه، ليواجهها بنخمينه:ـ عرفان هو اللي جالك الكلام دا يا بت؟ـ بت لما تبتك!تفوهت بها ردًّا له، قبل أن تمسك بعدد من خصلات شعرها قائلة بنوع من نعومة، بقصد أن تكيده:ـ أيوة عرفان... راجل متواضع. عشان كدة ربنا مبارك له في رزقه، وعنده فلوس بالهبل! مش زيك عواطلي... آخرك تمص جصب جنب النيل!ـ آاااه...أومأ يحرك رأسه بتفهّم، قبل أن يعود لجلسته مستطردًا:ـ واضح إن الدغف فتح معاكم وخدتوا عليه جوي... لدرجة إنه يحكيلكم كمان عن أسرار صحابه! المعفن اللي بيعمل حساب للمليم اللي طالع من جيبه! بيكبّ عليكم يومياتي بأقفاص الفاكهة والطلبات اللي بتطلبوها منه! ياللا يا ستي... تصطفلوا بيه ويصطفل بيكم! هو أساسًا يستاهل ناس زيكم!عادت لغضبها مرة أخرى خلف كلماته، هاتفة به:ـ تاني هتغلط يا أخ إنت؟! ما تمسك لسانك دا شوية! كلنا ولاد تسعة يا حبيبي، ومفيش حد أعلى من حد... عشان تتآمر وتشوف نفسك!زفر وهو يلقي عود القصب أسفله، يغمغم بملل منها:ـ اللهم طولك يا روح... قال يا جاعدين يكفيكم شر الجايين. ممكن يا ست تجيبي من الآخر... وتجولي عايزة إيه بالظبط؟ عشان أنا روحي في مناخيري.كظمت داخلها غيظها الشديد منه، لترد في الأخير بنبرة يغمرها التفاخر:ـ صاحبك يا غالي... الغني... صاحب جنانين الفاكهة والبيوت والأطيان... طلب يدي من أهلي امبارح. طلب يد نورة بت الغجر أول ما سمع إننا هنلم عزالنا ونمشي! اتعلّق ومش قادر على البعد...وختمت بابتسامة ثقة لفتت نظره، ليصب تركيزه بها لحظات، يدير كلماتها برأسه، حتى إذا استوعب أخيرًا، انطلق يجلجل ضاحكًا بلا توقف.استفزها لتعنّفه وتوبّخه حتى يكفّ ويتوقف:ـ سمعتك نكتة يا ظريف؟ يا أبو فشّة عايمة إنت؟ عشان تضحك كده؟! ما تتلم يا زفت... واجفل خشمك دا اللي مش راضي يوقف! إنت يا زفت... قبر يلم العفش!بصقت الأخيرة والتفتت مغادرة بغضبها، حين فقدت الأمل من توقفه. ليظل هو على وضعه حتى بعد مغادرتها لفترة ليست هينة من الضحك، ليغمغم محدّثًا نفسه قبل أن يعود للضحك مرة أخرى:ـ جاك الطين يا عرفان... دا ذنب مين دا اللي هيعقب بيك يا حزين؟ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــمساءاتعدو بخطواتها السريعة في الطريق نفسه الذي مرّت به من قبل، حين هددت وتوعّدت لشقيقتها الصغيرة المدللة بالفضيحة. وها هي، بكل غباء، تتحدّاها وتقبل الارتباط بزوجها! إذن فلتتحمّل ما قد تُصبه عليها اليوم من سمِّ الكلمات والسباب، حتى وإن وصل الأمر إلى الضرب والفضيحة لها ولشقيقتها.من سيلومها وهي امرأة تدافع عن زواجها من تلك الأفعى التي إلتفت عليه لخطفه من زوجته وأولاده؟ تشحن طاقتها بكل ما أوتيت من جهد، ولن تقبل اليوم إلا أن تجعلها فضيحة تدوي في البلدة بأكملها والبلاد المجاورة؛ أن تصبح تلك الملعونة وشقيقاتها حديث المدينة لأيامٍ وليالٍ قادمة.كان ذلك ما يدور ويشتعل في خُلدها، حتى غفلت، في غمرة شرودها، عن سيارة متوقفة بجانب الطريق القديم في الظلام. كان صاحبها قد توقّف منذ ما يقارب الساعة خصيصًا من أجلها، وقد خمّن وتوقّع منها ما ستفعله في تلك اللحظات الفارقة بحكم معرفته الجيدة جدًا بتفكيرها. فهي ابنة عمه التي يحفظها أكثر من خطوط يده.ـ رايحة فين يا هالة؟هتف يجفلها بندائه ليجبرها على التوقف والالتفات إليه، فإذا به يخرج من السيارة التي حجبت سوادها الرؤية عنها، حتى لم تنتبه إليها في الظلام الحالك.صفق الباب بقوة، ثم تقدّم بخطواته حتى وقف أمامها بطوله الفارع، ليرى وجهها بوضوح. عيناها كالجحيم المشتعل، ملامحها تحوّلت وكأنها ساحرة الشر في قلب الغابة المهجورة. لم يعلم كيف خطرت له تلك الصورة وهو يعيد على مسامعها السؤال مرة أخرى:ـ سألتك: رايحة فين يا هالة؟ ما جاوبتيش يعني؟ـ وإنت مالك؟صدر الرد سريعًا منها، لتذهله بفظاظتها، وكأنها تراه المسؤول عن كل ما يحدث لها. فقابل تبجحها بتماسك شديد وردّ:ـ رد ناشف وقلة أدب ما تصدرش غير من واحدة فاقدة الأدب. إن ما كانش فيه اعتبار إني واض عمّك، يبقى افتكري إني أكبر منك، وواجب عليكي احترامي.ردّت بأنفاس مهتاجة، غير آبهة بما قال:ـ من الآخر، عايز إيه يا حمزة؟ موقف عربيتك في الضلمة وطالع تنده عليا؟ هو الطريق دا كان طريقك عشان تتزنق فيه بعربيتك أساسًا؟ ولا يكونش مستني شحنة ممنوعة؟قابل تهكمها بسخريته:ـ لا وانتِ الصادقة، مستني اللي أبشع من الشحنة الممنوعة. مستنيكي إنتِ يا هالة، عشان أوقفك قبل ما تخربي الدنيا، كيف ما أنا متوقع وعارف بتفكيرك الإجرامي.وكأنه ضغط على الجرح، فردّت بحرقة ومظلومية:ـ أنا اللي تفكيري إجرامي؟ ولا إنت اللي طول عمرك شايفني عفشة عشان أنت عايز كده، كارهني من غير سبب؟ ترفضني وتهين كرامتي بحريم أقل مني وأنا بت عمك! وآخرة المتمة تعين أخوك يتجوز واحدة غيري، واحدة ما تسوى نِكلة في سوق الحريم، وتبقى ضرتي أنا؟ دا أنا أمسح اسمها من الوجود، وأخليها عبرة لكل أهل البلد باللي هعمله فيها. مش كل طير يتاكل لحمه، وأنا لحمي مر وعنقل!أنهت جملتها وكادت تتحرك، لكنه كان الأسبق في أن يوقفها بحزم:ـ مش هتقدري يا هالة، ولا هتقدري حتى تجربي منها.تخصّرت بابتسامة مستخفة لتضاعف استفزازه:ـ ومين بقى اللي هيمنعني؟ إنت يا واض عمي؟ هتمسكني من دراعي ترجعني؟ ولا تشيلني على كتفك في الدنيا الضلمة عشان الفضيحة تبقى من نصيبك؟ والله لأخلي صرختي توصل لآخر البلد، وأطلع فيها غِل القديم والجديد منك يا حمزة.بهدوء يُحسد عليه، رغم الغضب المتفاقم بداخله من تربصها المتعمّد لأذيته، رد متحديًا ليفرض سيطرته ويكبح جماحها:ـ بس أنا لا هشيلك على كتفي ولا هلمسك. إنتِ اللي هترجعي بنفسك زي الشاطرة.ضحكت ساخرة، تعقّب بمزيد من الاستهزاء:ـ يعجبني فيك ثقتك الزايدة في نفسك يا حمزة. أصلها بتجيب فايدة مع اللي يسمعلك. إنما أنا... هسمعلك ليه؟كان رده في البداية صمتًا، يطالعها بثبات وسكون الواثق، قبل أن يقول:ـ عشان ما تأذيش نفسك وتجيبي الناهية بينك وبين خليفة اللي طول عمرك بتستهوني بيه يا هالة. ودلوك بس افتكرتي تحادي عليه بعدما نفسه جفلت منك بالفعل.توقف يلتقط أنفاسه قليلًا، يراقب ابتسامتها المستخفة باستهزاء، قبل أن يتابع ويُخرسها:ـ روحتك المرة اللي فاتت عند اعتماد وتهديدك بسمعة أختها كوم، وروحتك النهارده كوم تاني. المرة اللي فاتت كان ليها حساب، أما المرة دي فلها ألف حساب.خبّأت ابتسامتها في البداية، لكنها سرعان ما استعادت السيطرة على صدمتها، لتسخر مخمّنة:ـ وهو أي اللي هيخليها تفرق عن المرة اللي فاتت؟ أكيد اللي حكتلك مرتك أم لسان فالت بعد ما عرفت اللي عرفته من متعوسة الرجا دوكها. لكن تمام، خليها تقعد جنب خيبتها التانية وتهون عليها. عشان أنا ولا هيفرق معايا أصلًا. في الأول والآخر أنا واحدة بتدافع عن بيتها، ومن حقها تهدد وتعمل أي حاجة توقف بيها المسخرة دي...ردد خلفها، يصعقها بالقاضية:ـ أي حاجة؟ أي حاجة يا هالة؟ طب شرف الولايا ما فرّقش معاكي، إنما شرفك إنتِ هتقولي فيه إيه؟ لما جوزك يعرف إنك طلّعتي من البلد وروحتي عند بيت راجل غريب في بلد غريبة؟ أظن دي بقي قصة تستاهل الناس تزود عليها وتألّف براحتها مقارنة بقصة العيلة الصغيرة أخت اعتماد.برقت عيناها بشرّ مطلق، تهدر به بعنف:ـ إنت اتجننت ولا خيبت يا حمزة؟ هتألف على بت عمك كلام محصلش؟ردّ يؤكد لها بالبراهين:ـ لا، حصل يا هالة. ولا هتنكري إنك طلّعتي السبوع اللي فات في عربية مخصوص خرجت بيكي برا البلد، عشان توصلك عند بيت راجل غريب. الرجل ده يبقى الأستاذ عليوة، اللي جوزك ضربه الصبح!ارتجف داخلها بذعر حقيقي، لتسارع بالتوضيح، لاطمة على خدها:ـ يا مري! عايز تجيبهالي يا حمزة بالبهتان؟ أنا دخلت فعلًا بيت عليوة، لكن زيارة لأخته مش ليه. أنا بنت القناوية وتوبي نضيف!قابل انفعالها الأخير بهدوء شديد يواجهها:ـ شوفتي الظلم وسيرة العرض عفشة كيف؟ على العموم، في كل الأحوال الغلط راكبك من ساسك لراسك. سواء شفتي عليوة بذاته ولا زرتي أخته، دا يأكد للأعمى إنك السبب في جيّة الراجل على البلد، عشان يرمي بلاه على اعتماد لأجل ما تغور من وشّك زي ما إنتِ عايزة. لكن سبحان الله، الموضوع قلب العكس.علم بصدق ظنه حين رأى بأم عينيه تأثير حديثه عليها: أنفاسها المضطربة، عيناها التي كادت أن تدمع وهي تناظره بغل شديد لعدة لحظات. بعد أن كشف خطتها بكل سهولة، فأضاف على حريق صدرها:ـ أنا ماليش دخل في اللي بينك وبين جوزك. إنتِ حرة، تكملي معاه ولا تنهي. ما يهمنيش، لأن في كل الأحوال البنات عمرهم ما هيسيبوا أبوهم. اللي يعنيني بس الولايا يا هالة. إياك أسمع إنك جرّبتي من اعتماد ولا جبتِ سيرتها ولا سيرة واحدة من أخواتها بالباطل. ساعتها لا هقول بت عمي ولا زفت. هبلّغ جوزك وأعمل قعدة عرفي لكل أفراد العيلة وأشهدهم بالدليل اللي شافك وبلغني. عشان ساعتها هتبقي خسرتي من كله.... ودلوك ارجعي يلا، ارجعي على بيتك. يا إما ما هستناش لبكرة حتى، وهتصل على جوزك وأبلغه بكل حاجة.

هناك عِقوبات سماويّة كما هناك مكافآت، كلٌّ منها يُنزَّل بقدرٍ موزون لا يخطئه ميزان الله. قد يطول زمن الصبر حتى تظنّ أن الليل لن ينقشع، ويثقل التحمل حتى يوشك القلب أن ينطفئ. لكنّ الانتظار نفسه يصبح نعمةً، يخلّصك من شوائب الجزع ويصقل روحك لتتهيأ للعطاء. وحين يأتي التغيير، تتبدّل الموازين في لحظة، فينقلب الضيقُ اتساعًا، والعُسرُ يُسرًا، والعطشُ ماءً فراتًا. عندها فقط تدرك أنّ كل لحظة ظمأ لم تكن إلا تمهيدًا لغيثٍ يُحيي الأرض والقلب معًا.

المراجعة والخاطرة الروعة من المبدعة القمر/ سنا الفردوس

انتهت الجلسة وغادر الخصمان الخسيسان، لكن النقاش الحامي في تلك المعضلة لم ينتهِ بعد، إذ جاء إعلانه المفاجئ عن شيء لم يتم من الأساس. خداعٌ وكذبٌ لا يمكن أن تتقبّله مطلقًا، لكنها أُجبرت على كتم اعتراضها حتى غادروا جميعًا بصحبة إحدى المعلّمات إلى منزل الأستاذ منصور، حيث أطلقت العنان لرفضها بكل قوة أمامهم:

ـ غلط! غلط! أنا لا يمكن أقبل بشيء زي ده! دا اسمه غش، وأنا عمري ما كنت غشّاشة ولا مخادعة.

ـ ومين بس اللي قال إنك غشّاشة؟ الرد دا كان مطلوب عشان نخرس الكلبين دول يا اعتماد.

هتف بها حمزة متكلفًا الرد نيابة عن شقيقه الذي التزم الصمت أمام ثورتها وتشنّجها. لتضيف منى أيضًا وهي تقرّب إليها كوب المشروب البارد:

ـ صح يا اعتماد، ملهاش لزوم العصبية الزيادة دي. اشربي اللمون وهدي أعصابك، عالأقل توزني الكلام بعقل وإحنا قاعدين معاكي اها، بنتحدّت ونتشاور.

تناولت منها الكوب بيدٍ مرتجفة حتى قرّبته من فمها لترتشف قليلًا، علّه يساعدها في أن تهدأ، فسقط بعضه على حجابها. فسارعت مزيونة تلتقط مناديل ورقية لتعطيها إيّاها، فمسحت أسفل فمها وبعض النقط على حجابها، وهي تربّت على ظهرها دعمًا ومؤازرة.

لتلتقي عيناها بذلك المتابع بصمت، فأصابها حرجٌ جعلها تشيح ببصرها عنه سريعًا، لتعود إلى النقاش وقد كان يتحدث حينها أستاذها وقدوتها منصور:

ـ وأنا شايف إن ملهاش لزوم العصبية ولا الانفعال أصلًا. الموضوع كله كلمتين، حل للموقف وإزاحة للشكوك اللي اتكلم عنها جوز أختك المتغاظ أساسًا. أنا شايف إنك تكبّري دماغك وتعتبري إنهم راحوا لحال لسبيلهم يا سِتّي.

ـ لا، ما راحوش لسبيلهم يا منصور.

تفوه بها خليفة فجأة، مما أجفل الجميع، ثم أردف وعيناه منصبتان عليها:

ـ الواض جوز أختك طلع من المدرسة وراح بلغ الجماعة من عيلته كبارات الهم، على أساس إنه ما دخلش في مخه الكلام، وعايز يتأكد إنه كدب ويعملها ليلة عشان ميدفعش الفلوس اللي عليه. ويلبسنا إحنا الغلط. أنا دلوك جاني اتصال من حد غالي وبلغني اللي حُصل.

ـ يا مرك يا اعتماد! يعني كمان الخبر اتشاع في البلد؟

دفعت الكوب البارد عنها بهلع، ثم وضعته على الصينية أمامها بعنف، وقالت موزّعة أبصارها نحو الجميع باستجداء:

ـ أهو دا اللي أنا كنت خايفة منه! هعمل إيه دلوك في النصيبة دي؟ دبّرني يا أستاذ منصور، الحقيني يا مزيونة، قول رأيك يا أستاذ حمزة، إنتِ كمان يا منى.

استنجدت بهم جميعًا إلا هو، ورغم حنقه الشديد من فعلتها المقصودة، إلا أن الرد قد جاء منه أيضًا، ليضاعف سخطها:

ـ وليه الندب والولولة أصلًا؟ ما إحنا حلّيناها من بداياتها، فاضل بس نثبت على موقفنا عشان محدش يبقى له حجة علينا.

تجمّدت لحظات، ناظرة إليه بفمٍ مفتوح، لا تستوعب البساطة التي يتحدث بها. ألا يشعر بحجم الكارثة التي ورّط نفسه وورّطها بها؟ ألا يعي خطورة الإعلان الذي تفوّه به وما سيترتّب عليه من نتائج كارثية إن استمرت تلك الكذبة؟

خرج صوتها أخيرًا، بمواجهة مباشرة معه:

ـ حضرتك بتتكلم بتساهل كده إزاي؟ مش داري بحجم المصيبة اللي أنا فيها؟ سيبك مني أنا خالص، خلينا فيك إنت! الخبر لو وصل لعيلتك ولا لمرتك... يا نهار أسود! دي هتبقى وجعة سودة!

قالت الأخيرة بيأس وقد زاغت عيناها، شاردة في رد فعل هالة إن علمت... سوف تنفّذ تهديدها لا محالة.

ـ مرتي ولا عيلتي أنا كفيل بيهم، ما تشغليش نفسك إنتِ.

للمرة الثانية يتحدث بتلك البساطة، بالإضافة إلى ثباته المحيّر، وعيناه... تلك الأخيرة التي تحمل من الحديث أعمق مما ينطق به لسانه.

ـ إنت بتتكلم كده إزاي؟ بقولك مرتك وولادك! عيلتك! حد فيكم يردّ عليه يا جماعة؟ إنتو ساكتين ليه؟ حرام عليكم! عقلي هيشت مني!

كانت في حالة أقرب للانهيار، فسارع الجميع إلى تهدئتها. لا ينكر أنه أشفق عليها رغم استنكاره لتشدّدها ورغبتها الشديدة في درء صفة ارتباطها به وكأنها سبّة، بينما هو يودّ بشدة أن يؤكّد تلك الصفة رسميًا وعلى الحقيقة. لكنه يعلم جيدًا الرد المتوقع منها، لمعرفته الوطيدة بشخصيتها الأبية الشامخة رغم كل الضغوط.

ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــ

وصل الخبر إلى معاذ فاتصل ليتأكد من شقيقه، ثم نقله بدوره إلى زوجته التي عبّرت عن دهشتها بعدة أسئلة طرأت فجأة برأسها:

ـ بتتكلم جد يا معاذ؟ طب إزاي؟ وكيف؟ وإمتى؟

ردّ وهو يتكئ جوارها على الفراش:

ـ والله إزاي وإمتى أنا ما أعرفش. كل اللي أعرفه اتصال جالي من واحد قريبنا بيستهزأ ويتمسخر إننا مخبّين والخبر معبي الدنيا. أنا كلمته واتصلت بخليفة اللي أكد لي إنه حصل فعلًا، وإنه بعدين هيفهّمني كل حاجة. حتى لما كلمت حمزة قال نفس الشيء، وإنه هيفهّمني كل حاجة بعدين. وأديني مستني رجعتهم لما أشوف بجي.

أبعدت ليلى الكتاب الذي كانت تذاكر فيه عن حجرها، فلم تعد بحاجة إليه الآن، حتى تنتهي من الحديث الشيق مع زوجها:

ـ يعني إيه؟ هنجعد على نارنا كده لحد ما يرجعوا؟ إزاي يعني؟ الغريب يعرف وإحنا لاه؟ طب افرض اتأخروا عن كده، وإحنا أصلًا قريب العصر! هصبر كيف؟ ولا هيجيني دماغ أذاكر!

اعتدل معاذ، متكئًا بمرفقه على الوسادة، متجاهلًا اعتراضها، ليسألها بفضول:

ـ طب افرضي طلع الخبر صح... إنتِ بقي هتفرحي ولا تزعلي؟

أربكها سؤاله المباغت، فهذا الأمر لم يطرأ ببالها أصلًا. فجاء ردها بعد فترة من التفكير:

ـ بصراحة ومن غير لف ودوران... أنا أتمنى فعلًا واحدة زي أبلة اعتماد لعمي خليفة. رايق، هادي، وأخلاقه حلوة. وهي تبان قدام الناس ما تنطاقش، لكن لما تقرّب منها زين، تعرف وشّها الحقيقي... أطيب منها مفيش. لكن...

ـ أيوه، أنا عايز اللي ورا "لكن" دي.

عقّب معاذ محمّسًا لها لتكمل، فقالت بتثاقل:

ـ أكيد كمان ما تمناش الخراب لهالة، رغم كل عيوبها وأذيتها للبشر... يا وعدي!

تمتمت بالأخير مستدركة خطورة ما يتحدثان به، لتتوجه إلى زوجها مستفسرة:

ـ يا وعدي يا معاذ! لو عرفت... دي هتطربق الدنيا!

ـ وتفتكري الخبر اللي وصلني مش هيلف لف ويوصلها؟

برقت عيناها التي تشبه عيون القطط، تتخيّل ما لو حدث فعلًا، لتنتفض فجأة، ومعها هو، على صرخة مدوّية أتت من الأسفل، تلتها بعض العبارات... ليستنتج الاثنان وقوع الكارثة.

ركض معاذ متتابعًا لصوت صراخها في الأسفل، ترافقه والدته التي أنكرت لعدم معرفتها بشيء:

ـ يا بتي، مين قالك الكلام دا بس؟ ولا إنتِ بتألفي من مخك يا هالة؟

ـ لا يا مرت عمي، أنا مبألفش، الخبر واصلني حالًا دلوك من أختي، بيقولك المدرسة كلها كانت مقلوبة النهاردة على عركة الباشا مع طليقها. ولدِك كسر سِنّان الراجل، وبعدها أعلنها قدام الكل، قال قدام المدير والأساتذة إنها خطيبته. اتصلي بمنى تبلغك بنفسها، ولا حمزة ولدك التاني ولا مرته... بقولك حكاية مغفّلقة، وإنتِ قاعدة هنا بتقولي "معرفش"!

تدخّل معاذ ليفصل بينها وبين والدته، يخلق مساحة بينهما هاتِفًا بها:

ـ قالتلك إنها متعرفش يا هالة، يبقى تلمي نفسك وتستني جوزك علي ما يرجع وتتصافي معاه.

ـ يعني إنت كمان واضح إنك عارف يا معاذ؟ يبقى أشمعنى أمك اللي متعرفش؟! ولا فاكريني دق عصافير وعايزين تضحكوا عليا؟ والنعمة ما هسكت، ولو وصلت إني أجيب أبويا وأعملكم فضيحة مش هستنى!

ـ اعمليها لو كنتي تقدري يا هالة.

جاء صوت مفاجئ لها من مدخل المنزل، لتلتفت إليه فتقابله بسخريتها:

ـ أهلا بعريس الهنا، طب مش كنت تبلغني يا راجل عشان أجي أزغرتلك ولا أرجصلك أحسن قدام اللجنة الغريبة؟!

توقفت لتتابع، وقد انتبهت لقدوم حمزة وزوجته:

ـ ولا صح! كان فيه اللي يسد عني وعن أمك المسكينة. يا رب تكون مبسوط يا حمزة! وانتِ يا بوز الأخص... بقدومك الفقر، حليتي على البيت كله بالخراب!

أشارت مزيونة نحو نفسها بصدمة من اتهام تلك المجنونة أمام زوجها الغاضب، فجاء الرد الحازم من خليفة:

ـ هــالة! كلمة تاني زيادة وهتكون ورقتك سبقاكي على بيت أبوكِ، ولا يهمني إنك بت عمي ولا دياوله.

ـ أنا قولتها كلمة ومش هزود عليها. لما يبقى عندك عقل وتهدي من جنانك، ساعتها تيجي عندي ونتكلم بالهدوء. إنما غلط فيا أو في عيلتي بكلمة زيادة، يبقى إنتِ اللي كتبتي كلمة النهاية.

ختم جملته الأخيرة وتحرك صاعدًا إلى الطابق الثاني غير آبه بأي شيء، فتمتمت هي بصوت بالكاد سيطرت عليه نحو حسنية:

ـ يعني إيه؟! أموت بقهرتي على ما الباشا يحن ويتكلم معايا؟! طب وديني ما أنا جعداله فيها. أنا رايحة بيت أبويا، وخليه يجيب السنيورة مكاني، خليه يشبع بيها!

أنهت كلماتها وتحركت لمغادرة المنزل بعباءتها السوداء، فحاولت حسنية منعها:

ـ يا بتي استني شوية طيب! يا مري، الحقها يا حمزة... ولا إنت يا معاذ!

توجهت بآخر جملة نحو معاذ بعدما رأت الرفض على وجه حمزة، فاضطر الآخر أن يستجيب لوالدته ويتبعها على مضض.

حتى إذا خلت الأجواء على الثلاثة، توجّهت المرأة نحو ابنها الأكبر:

ـ يبقى كده جه دورك يا كبير. أنا عايزة أفهم منك كل حاجة دلوك.

أومأ حمزة واقترب منها، واضعًا قبلة على رأسها موافقًا:

ـ عنيا يا ست الكل، بس ممكن يبقى الحديت في أوضتك عشان ناخد راحتنا.

أخرجت المرأة تنهيدة من عمق صدرها، قائلة:

ـ ماشي يا حمزة. أنا رايحة أصلي العصر دلوك. خمس دقايق وألاقيك جيت ورايا... على ما ييجي دور التاني وحسابه الكبير معايا.

قالت الأخيرة بمقصد واضح عن خليفة، ثم سحبت نفسها لتذهب وتسبقه إلى غرفتها. تنفّس حمزة الصعداء قليلًا ليهدأ من وتيرة الانفعال داخله، قبل أن يتبعها ليوصل الصورة الصحيحة عمّا حدث. فتحدثت زوجته معبّرة عن خوفها:

ـ حمزة، أنا مرعوبة على اعتماد. أكيد هالة هتفضحها هي وأخواتها وتعملها نصيبة كبيرة.

ـ تأذيها هي وأخواتها مرة واحدة وتعملهم فضيحة؟! مش لدرجادي يعني يا مزيونة.

ـ لا، للدرجادي. والمصحف أنا متأكدة من اللي بقوله.

قالتها بصدق جعل الشك يتسرب إليه، فأمرها أن تتحدث بحزم:

ـ جيبي من الآخر يا مزيونة، إنتِ مخبية عني حاجة؟

ابتلعت ريقها، تتضرع إلى خالقها بالاستغفار، وقد حسمت أن تصارحه وتنفض عقدها مع صديقتها، خشيةً عليها من أذية هالة:

ـ هقولك على كل حاجة... بس اسمعني من غير عصبية.

تفوهت بها، وكانت تلك البداية لسرد ما حدث، ليربط هو الخيوط ببعضها فيصل إلى استنتاجه الأخير.

عادت بجسدٍ منهك، تجرّ أقدامها جرًّا حتى دلفت إلى داخل المنزل، بعد أن استقلت السيارة مع مزيونة بقيادة حمزة. لتجد شقيقتيها في صحن المنزل جالستين في وضع المناقشة، وكأنهما في انتظارها أيضًا، وهذا ما أظهرته روضة في طريقة استقبالها لها:

ـ حمد الله على سلامتك يا اعتماد. كل دا تأخير بعد انتهاء اليوم الدراسي؟ وإحنا مستنينك على نار يا شيخة.

رمقتها الأخيرة بدهشة قبل أن تجلس على الكرسي المقابل لهما، ترد وهي تخلع حجابها:

ـ ليه يعني تستنّوني على نار؟ خير... حصل حاجة؟

ردّت رغد بلهفة وارتباك، تنقل ببصرها نحو شقيقتها الأخرى بنظرات تحذيرية:

ـ خير يا خيتي، هي بس كانت عايزة تطمن عليكي. خشي روحي نامي وريحي جسمك.

قالت الأخيرة تشير نحو غرفة نومها، ولكن قاطعتها روضة مردّدة بانفعال:

ـ مش قبل ما تفهمينا الأول... اللي سمعناه دا صح ولا غلط؟

سألتها اعتماد بريبة وهي تخلع الحذاء عن قدميها:

جاء الرد سريعًا مندفعًا من شقيقتها الوسطى:

ـ إنك اتخطبتِ لواد البهوات، خليفة القناوي اللي داير رايح جاي حواليكي. دلوك بس الراجل ندّيله عذره، مدام أعلنها وقالها قدام الكل عاد. بس مش كان الواجب برضو يا غالية تبلغي أخواتك المساكين؟ ولا إحنا ملناش قيمة ولا في دماغك أصلًا؟!

زجرتها اعتماد بحزم حتى تكفّ عن سمّ الكلام الذي تتلفظ به، رغم ارتباك أمعائها من الداخل نتيجة الدائرة التي تتوسع حولها بتلك الخدعة.

كادت أن تتحدث وتروي الحقيقة، لكنها استدركت فجأة لتسألها:

ـ وانتِ عرفتي منين بالكلام دِه إن شاء الله؟ الباشا هو اللي بلغك صُح؟

ـ أيوة هو اللي بلغني! واشتغل ساعة يتمسخر عليّا عشان عرف قبلي. أنا اللي عايزة أعرف بالظبط: هو خطبك إمتى؟ ولا هي علاقة اللي ما بينكم والباشا حبّ يغطي عليها لما اتزنق وسط الرجالة؟

وضعت رغد كفها على فمها بحركة لا إرادية بعد صدمتها من فجاجة ما تلفظت به روضة أمام شقيقتها الكبرى. والتي اجفلت وتلجمعت لحظات حتى استوعبت، لتردّ بلوم وغضب:

ـ انتِ بتقوليلي أنا الكلام دا يا روضة؟ واخدة بالك أصلًا من الكلام اللي بتخربطي بيه؟ ولا المحروس اللي مسلماه ودنك، قلبك على أختك، خلاكي تنسي مين هي اعتماد؟

نهضت روضة بكل ما تحمله من غلّ، رافضة محاولات شقيقتها الصغرى في منعها، لتقترب من المقعد الذي تجلس عليه اعتماد. ناظرة لها من علوّ تردّد:

ـ فهميني... انتِ مين هي اعتماد؟ الشديدة اللي بتوجف حي بحاله لو حد بس قرب من خواتها؟ ولا التانية الحبيبة اللي مالت وحنت لصنف الرجالة؟ لما ظهر في حياتها ولد القناوي؟ بس بصراحة أنا مدياكي عذرك... راجل طول بعرض وحلي وجمال. حقك يا بت أبوي تضعفي... والأنثى اللي دفناها جواكي تطلع.

ـ بس المهم بقى تبقي عادلة! والشيء اللي استحليتيه لنفسك من قبل حتى ما يبقى حلال، متحرّيمهوش على غيييرك. انتي عيشي حياتك... وإحنا كمان نعيش حياتنا.

صدمة البداية في تلك اللحظة التي اختلطت فيها الحسرة والألم، والندم على عمرٍ قضته تحارب كقطة شرسة عنهما، تحفر في الصخر من أجل أن تمنع عنهما العوز. وبعد مرور عدد من السنوات، وهي العمر ذاته، يأتي عليها الوقت الآن وتُتّهم بأبشع تهمة قد توجه لامرأة حرة... ومن مَن؟! من شقيقتها التي لا تصغر عنها سوى سنوات قليلة، وما زالت لا تقدر ولا تفهم. والأصعب... الطعنات التي توجهها لها دون شفقة أو رحمة.

كانت ما زالت متجمدة محلها، حتى أتت رغد الصغيرة تحاول الاطمئنان عليها، وقد التصقت بالمقعد كأنها تمثال. أهدابها فقط ما تتحرك لتدل أنها على قيد الحياة. حتى تمالكت بأسها بصعوبة لتنهض وتواجهها بصوتٍ بحّ من فرط ما شُحن داخلها من مشاعر قاسية، أقوى من أن تحتملها:

ـ يعني انتِ يا روضة، بتتهمي أختك في أخلاقها؟ وإنها مش عادلة معاكي؟ عشان بس عايزة أعملك كرامة من واحد شرع أن يقتلني لولا ستر ربنا؟

حاولت رغد تهدئتها حتى لا تواصل وتزيد على تعبها الذي بدأ ظاهرًا عليها بقوة، ولكن اعتماد أبت إلا أن تواصل الرد على هذه الجاحدة:

ـ بتغلي وشايلة مني عشان بس قبلت بحكم الرجال إن لا يتم صلح ولا تنازل لحد ما يدفع الغرامة كتعويض هو وناسه؟ على أساس إنه هحط في حسابي المبلغ يا روضة وأتمتع؟ مش عشان أربيه ما يكررهاش! ولا إنه يستغلك ويمضّيكي على قرض ولا ورقة تورطك في مصيبة! وانتِ متخلفة كدة وكلمة منه تودّيكي وكلمة منه تجيبيك!

صاحت بها روضة مرددة بلوم، وقد تجاوزت كل ما سبقها. لترد اعتماد وقد فقدت الذرة الباقية من الاحتمال منها:

ـ أيوة متخلفة! وأنا حمارة إني مقضية عمري أحوش عنك وأمنع الأذى! واكنك ما بتشوفيش... ولا طفلة مش عارفة الصح من الغلط! اسمعي يا بت... عايزة ترجعي للزفت الحيوان دا؟ المركب اللي تودي... يبيع ولا يشتري فيكي ولا يلبسك مصيبة حتى! إيّاكِ تجري علينا ولا تقولي "الحقوني" ولا "انجدوني"! مش انتِ قابلة تروحي له بالرخيص رغم كل اللي عمله فيكي؟ يبقى ياللا في داهية!

ـ بتطرديني من بيت أبوي يا اعتماد؟ بجي دا اللي ربنا قدرك عليه؟ عشان بواجهك باللي سمعته؟

أومأت تؤكد لها برأس يكتنفها الدوار، مع تسارع دقات قلبها، جعلها تتحدث بأنفاس متقطعة:

ـ وياللا... روحي لمي شنطتك... وامشي دلوك! متستنيش! لا... إحنا أساسًا معدناش طايقينك ولا طايقين سيرتك... بسرعة!

أنهت اعتماد وسقطت تجلس على المقعد، بقدمين لا تستطيعان حملها. تنتظر الرد من واحدة هي الأعلم بشخصيتها، حين تُحشر في منطقة اتخاذ القرار. وهي بطبيعتها المتكلة دائمًا على غيرها، تريد تنفيذ رغبتها لكن دون تحمّل المسؤولية. إذن لو وافقت من دونها ستكون الخاسرة لا محالة.

وكما توقعت، لاح التردد على ملامحها المكشوفة، قبل أن تلجأ في الأخير إلى الرفض والصياح والشكوى بمظلومية. فتذهب من أمامها نحو غرفتها وهي ما زالت تندب حظها البائس الذي لم يترك لها سوى شقيقة ظالمة تتحكم في أمرها.

حتى إذا انتهت ثورتها بإغلاق الباب، كانت اعتماد قد وصل بها الإجهاد والتعب درجة اللا رجعة، حتى فقدت القدرة على التعبير بفمها. تلوّح فقط بيدها إلى شقيقتها الصغرى لإنقاذها...

بالقرب من النيل وأسفل إحدى الشجيرات العتيقة، جلس على حجر كبير، يقشّر في عود القصب ويمتص منه، ثم يلقي الذي انتهى من عصارته أسفله. غير عابئ بنظافة ولا أي شيء مدام ليس بمنزله. شارد فيمن رآها منذ قليل داخل السيارة التي مرّت أمامه... لم تنتبه إليه كعادتها، فهي أبدًا لا تراه ولن تراه. ورغم أنه يعرف ذلك جيدًا، لكنه لا يتوقف عن التفكير بها. منذ أن كانت طفلة... ثم تزوجت عرفان... ثم انفصلت... ثم تزوجت بهذا البغيض الأخير.

يعلم أن العيب به، ولكن هذه شخصيته، وهذا ما نشأ عليه. حتى صحبته دائمًا ما كانت فاسدة، وذلك ما جعله يصرف عقله عن فكرة الزواج والارتباط. ربما لو أسعده الحظ وكانت من نصيبه، لغيّر من نفسه وأصبح رجلًا صالحًا...

استفاق من شروده، ليرفع أبصاره نحو صاحب الظل الذي حجب ضوء الشمس عنه أثناء مطالعته النيل.

ليتفاجأ بتلك الفتاة... أو المرأة... لا يعرف. سوى أنها طويلة اللسان وقليلة الحياء، حتى في نظرتها إليه الآن. جميلة وجريئة تجذب الرجال حولها كالذباب من أجل نيل رضاها... لكنه لم ولن يكون مثلهم أبدًا.

ـ نعم... عايزة حاجة يا مدام أو يا آنسة؟

قال الأخيرة بنوع من التهكّم قابلته بسخرية، تتخصر أمامه بميوعة يعلمها جيدًا:

ـ وانت بقى محترم جوي وبتنادي بالألقاب؟ ولا غرضك الأصلي تعرف إن كنت متجوزة قبل كدة ولا لأ؟

سمع منها وانتفض، ينهرها بازدراء:

ـ اسم الله يا ختي على حسنك ودلالك! دا على أساس إني ميت في دباديبك مثلًا؟ ولا فاكراني أهطل وبريل زي الهبل اللي حواليكي؟ لا... اصحي وفوقي يا بت! واعرفي إنتِ بتكلمي مين؟ وانتِ مين؟

غضبت نورة شاعرة بالإهانة التي تتحسس منها دائمًا، وهو المساس بأصلها. لتهدر ردًّا عليه:

ـ اسم الله يا حبيبي... بتتني وتتفرد علينا بإمارة إيه؟ اشحال إن ما كنت خريج سجون وحرامي وهجام سابقًا؟ ما تفوق انت لنفسك يا بابا... وأعرف إنك مزدتش علينا بشيء...

تمتم فمه بسبّة وقحة نحو ما أتى سريعًا بذهنه، ليواجهها بنخمينه:

ـ عرفان هو اللي جالك الكلام دا يا بت؟

تفوهت بها ردًّا له، قبل أن تمسك بعدد من خصلات شعرها قائلة بنوع من نعومة، بقصد أن تكيده:

ـ أيوة عرفان... راجل متواضع. عشان كدة ربنا مبارك له في رزقه، وعنده فلوس بالهبل! مش زيك عواطلي... آخرك تمص جصب جنب النيل!

أومأ يحرك رأسه بتفهّم، قبل أن يعود لجلسته مستطردًا:

ـ واضح إن الدغف فتح معاكم وخدتوا عليه جوي... لدرجة إنه يحكيلكم كمان عن أسرار صحابه! المعفن اللي بيعمل حساب للمليم اللي طالع من جيبه! بيكبّ عليكم يومياتي بأقفاص الفاكهة والطلبات اللي بتطلبوها منه! ياللا يا ستي... تصطفلوا بيه ويصطفل بيكم! هو أساسًا يستاهل ناس زيكم!

عادت لغضبها مرة أخرى خلف كلماته، هاتفة به:

ـ تاني هتغلط يا أخ إنت؟! ما تمسك لسانك دا شوية! كلنا ولاد تسعة يا حبيبي، ومفيش حد أعلى من حد... عشان تتآمر وتشوف نفسك!

زفر وهو يلقي عود القصب أسفله، يغمغم بملل منها:

ـ اللهم طولك يا روح... قال يا جاعدين يكفيكم شر الجايين. ممكن يا ست تجيبي من الآخر... وتجولي عايزة إيه بالظبط؟ عشان أنا روحي في مناخيري.

كظمت داخلها غيظها الشديد منه، لترد في الأخير بنبرة يغمرها التفاخر:

ـ صاحبك يا غالي... الغني... صاحب جنانين الفاكهة والبيوت والأطيان... طلب يدي من أهلي امبارح. طلب يد نورة بت الغجر أول ما سمع إننا هنلم عزالنا ونمشي! اتعلّق ومش قادر على البعد...

وختمت بابتسامة ثقة لفتت نظره، ليصب تركيزه بها لحظات، يدير كلماتها برأسه، حتى إذا استوعب أخيرًا، انطلق يجلجل ضاحكًا بلا توقف.

استفزها لتعنّفه وتوبّخه حتى يكفّ ويتوقف:

ـ سمعتك نكتة يا ظريف؟ يا أبو فشّة عايمة إنت؟ عشان تضحك كده؟! ما تتلم يا زفت... واجفل خشمك دا اللي مش راضي يوقف! إنت يا زفت... قبر يلم العفش!

بصقت الأخيرة والتفتت مغادرة بغضبها، حين فقدت الأمل من توقفه. ليظل هو على وضعه حتى بعد مغادرتها لفترة ليست هينة من الضحك، ليغمغم محدّثًا نفسه قبل أن يعود للضحك مرة أخرى:

ـ جاك الطين يا عرفان... دا ذنب مين دا اللي هيعقب بيك يا حزين؟

تعدو بخطواتها السريعة في الطريق نفسه الذي مرّت به من قبل، حين هددت وتوعّدت لشقيقتها الصغيرة المدللة بالفضيحة. وها هي، بكل غباء، تتحدّاها وتقبل الارتباط بزوجها! إذن فلتتحمّل ما قد تُصبه عليها اليوم من سمِّ الكلمات والسباب، حتى وإن وصل الأمر إلى الضرب والفضيحة لها ولشقيقتها.

من سيلومها وهي امرأة تدافع عن زواجها من تلك الأفعى التي إلتفت عليه لخطفه من زوجته وأولاده؟ تشحن طاقتها بكل ما أوتيت من جهد، ولن تقبل اليوم إلا أن تجعلها فضيحة تدوي في البلدة بأكملها والبلاد المجاورة؛ أن تصبح تلك الملعونة وشقيقاتها حديث المدينة لأيامٍ وليالٍ قادمة.

كان ذلك ما يدور ويشتعل في خُلدها، حتى غفلت، في غمرة شرودها، عن سيارة متوقفة بجانب الطريق القديم في الظلام. كان صاحبها قد توقّف منذ ما يقارب الساعة خصيصًا من أجلها، وقد خمّن وتوقّع منها ما ستفعله في تلك اللحظات الفارقة بحكم معرفته الجيدة جدًا بتفكيرها. فهي ابنة عمه التي يحفظها أكثر من خطوط يده.

هتف يجفلها بندائه ليجبرها على التوقف والالتفات إليه، فإذا به يخرج من السيارة التي حجبت سوادها الرؤية عنها، حتى لم تنتبه إليها في الظلام الحالك.

صفق الباب بقوة، ثم تقدّم بخطواته حتى وقف أمامها بطوله الفارع، ليرى وجهها بوضوح. عيناها كالجحيم المشتعل، ملامحها تحوّلت وكأنها ساحرة الشر في قلب الغابة المهجورة. لم يعلم كيف خطرت له تلك الصورة وهو يعيد على مسامعها السؤال مرة أخرى:

ـ سألتك: رايحة فين يا هالة؟ ما جاوبتيش يعني؟

صدر الرد سريعًا منها، لتذهله بفظاظتها، وكأنها تراه المسؤول عن كل ما يحدث لها. فقابل تبجحها بتماسك شديد وردّ:

ـ رد ناشف وقلة أدب ما تصدرش غير من واحدة فاقدة الأدب. إن ما كانش فيه اعتبار إني واض عمّك، يبقى افتكري إني أكبر منك، وواجب عليكي احترامي.

ردّت بأنفاس مهتاجة، غير آبهة بما قال:

ـ من الآخر، عايز إيه يا حمزة؟ موقف عربيتك في الضلمة وطالع تنده عليا؟ هو الطريق دا كان طريقك عشان تتزنق فيه بعربيتك أساسًا؟ ولا يكونش مستني شحنة ممنوعة؟

ـ لا وانتِ الصادقة، مستني اللي أبشع من الشحنة الممنوعة. مستنيكي إنتِ يا هالة، عشان أوقفك قبل ما تخربي الدنيا، كيف ما أنا متوقع وعارف بتفكيرك الإجرامي.

وكأنه ضغط على الجرح، فردّت بحرقة ومظلومية:

ـ أنا اللي تفكيري إجرامي؟ ولا إنت اللي طول عمرك شايفني عفشة عشان أنت عايز كده، كارهني من غير سبب؟ ترفضني وتهين كرامتي بحريم أقل مني وأنا بت عمك! وآخرة المتمة تعين أخوك يتجوز واحدة غيري، واحدة ما تسوى نِكلة في سوق الحريم، وتبقى ضرتي أنا؟ دا أنا أمسح اسمها من الوجود، وأخليها عبرة لكل أهل البلد باللي هعمله فيها. مش كل طير يتاكل لحمه، وأنا لحمي مر وعنقل!

أنهت جملتها وكادت تتحرك، لكنه كان الأسبق في أن يوقفها بحزم:

ـ مش هتقدري يا هالة، ولا هتقدري حتى تجربي منها.

تخصّرت بابتسامة مستخفة لتضاعف استفزازه:

ـ ومين بقى اللي هيمنعني؟ إنت يا واض عمي؟ هتمسكني من دراعي ترجعني؟ ولا تشيلني على كتفك في الدنيا الضلمة عشان الفضيحة تبقى من نصيبك؟ والله لأخلي صرختي توصل لآخر البلد، وأطلع فيها غِل القديم والجديد منك يا حمزة.

بهدوء يُحسد عليه، رغم الغضب المتفاقم بداخله من تربصها المتعمّد لأذيته، رد متحديًا ليفرض سيطرته ويكبح جماحها:

ـ بس أنا لا هشيلك على كتفي ولا هلمسك. إنتِ اللي هترجعي بنفسك زي الشاطرة.

ضحكت ساخرة، تعقّب بمزيد من الاستهزاء:

ـ يعجبني فيك ثقتك الزايدة في نفسك يا حمزة. أصلها بتجيب فايدة مع اللي يسمعلك. إنما أنا... هسمعلك ليه؟

كان رده في البداية صمتًا، يطالعها بثبات وسكون الواثق، قبل أن يقول:

ـ عشان ما تأذيش نفسك وتجيبي الناهية بينك وبين خليفة اللي طول عمرك بتستهوني بيه يا هالة. ودلوك بس افتكرتي تحادي عليه بعدما نفسه جفلت منك بالفعل.

توقف يلتقط أنفاسه قليلًا، يراقب ابتسامتها المستخفة باستهزاء، قبل أن يتابع ويُخرسها:

ـ روحتك المرة اللي فاتت عند اعتماد وتهديدك بسمعة أختها كوم، وروحتك النهارده كوم تاني. المرة اللي فاتت كان ليها حساب، أما المرة دي فلها ألف حساب.

خبّأت ابتسامتها في البداية، لكنها سرعان ما استعادت السيطرة على صدمتها، لتسخر مخمّنة:

ـ وهو أي اللي هيخليها تفرق عن المرة اللي فاتت؟ أكيد اللي حكتلك مرتك أم لسان فالت بعد ما عرفت اللي عرفته من متعوسة الرجا دوكها. لكن تمام، خليها تقعد جنب خيبتها التانية وتهون عليها. عشان أنا ولا هيفرق معايا أصلًا. في الأول والآخر أنا واحدة بتدافع عن بيتها، ومن حقها تهدد وتعمل أي حاجة توقف بيها المسخرة دي...

ـ أي حاجة؟ أي حاجة يا هالة؟ طب شرف الولايا ما فرّقش معاكي، إنما شرفك إنتِ هتقولي فيه إيه؟ لما جوزك يعرف إنك طلّعتي من البلد وروحتي عند بيت راجل غريب في بلد غريبة؟ أظن دي بقي قصة تستاهل الناس تزود عليها وتألّف براحتها مقارنة بقصة العيلة الصغيرة أخت اعتماد.

برقت عيناها بشرّ مطلق، تهدر به بعنف:

ـ إنت اتجننت ولا خيبت يا حمزة؟ هتألف على بت عمك كلام محصلش؟

ـ لا، حصل يا هالة. ولا هتنكري إنك طلّعتي السبوع اللي فات في عربية مخصوص خرجت بيكي برا البلد، عشان توصلك عند بيت راجل غريب. الرجل ده يبقى الأستاذ عليوة، اللي جوزك ضربه الصبح!

ارتجف داخلها بذعر حقيقي، لتسارع بالتوضيح، لاطمة على خدها:

ـ يا مري! عايز تجيبهالي يا حمزة بالبهتان؟ أنا دخلت فعلًا بيت عليوة، لكن زيارة لأخته مش ليه. أنا بنت القناوية وتوبي نضيف!

قابل انفعالها الأخير بهدوء شديد يواجهها:

ـ شوفتي الظلم وسيرة العرض عفشة كيف؟ على العموم، في كل الأحوال الغلط راكبك من ساسك لراسك. سواء شفتي عليوة بذاته ولا زرتي أخته، دا يأكد للأعمى إنك السبب في جيّة الراجل على البلد، عشان يرمي بلاه على اعتماد لأجل ما تغور من وشّك زي ما إنتِ عايزة. لكن سبحان الله، الموضوع قلب العكس.

علم بصدق ظنه حين رأى بأم عينيه تأثير حديثه عليها: أنفاسها المضطربة، عيناها التي كادت أن تدمع وهي تناظره بغل شديد لعدة لحظات. بعد أن كشف خطتها بكل سهولة، فأضاف على حريق صدرها:

ـ أنا ماليش دخل في اللي بينك وبين جوزك. إنتِ حرة، تكملي معاه ولا تنهي. ما يهمنيش، لأن في كل الأحوال البنات عمرهم ما هيسيبوا أبوهم. اللي يعنيني بس الولايا يا هالة. إياك أسمع إنك جرّبتي من اعتماد ولا جبتِ سيرتها ولا سيرة واحدة من أخواتها بالباطل. ساعتها لا هقول بت عمي ولا زفت. هبلّغ جوزك وأعمل قعدة عرفي لكل أفراد العيلة وأشهدهم بالدليل اللي شافك وبلغني. عشان ساعتها هتبقي خسرتي من كله.

... ودلوك ارجعي يلا، ارجعي على بيتك. يا إما ما هستناش لبكرة حتى، وهتصل على جوزك وأبلغه بكل حاجة.

رواية لاجلها الفصل الواحد والاربعون

داخل غرفة بالمركز الصحي التابع للقرية، كانت مستلقية على سريرها الطبي، وقد استرجعت أنفاسها شيئا فشيئا لتعود إلى طبيعتها تدريجيًا بعد أن تلقت الرعاية العاجلة من قِبل الأطباء والعاملين، والفضل يرجع إلى شقيقتها الصغرى التي تدبّرت الأمر ببراعة، حين هاتفت إسعاف القرية لتنقلها بسرعة إلى هذا المرفق الحيوي في البلدة.

كان التشخيص المبدئي هبوطًا حادًا في ضغط الدم كاد أن يوقف قلبها في لحظة غادرة. والسبب؟ شقيقتها التي كانت أمامها الآن، تعبّر عن أسفها بصعوبة وثِقل، وكأنها مجبرة، أو لعلّه كبرياء نفسها التي ترفض الاعتراف بما ارتكبت من أخطاء.

ـ لو كنت أعرف إن ضغطك هيوطى أو إنك هتتعبي بالشكل ده، مكنتش اتكلمت معاكي من الأساس. بس شكلك كنت تعبانة أصلًا من الأول. على العموم... أنا آسفة.

أومأت اعتماد بضعف، تتقبل اعتذارها، رغم الجرح الغائر في قلبها، وتأكدها من عدم جدّية شقيقتها أو اقتناعها بالاعتذار، وإنما تفعل ذلك من باب حفظ ماء الوجه، إن تبقّى منه شيء.

أخرجها من شرودها المظلم رطوبة شفتين صغيرتين حطتا على جبهتها برقة متناهية. من شقيقتها الصغرى الحانية التي كانت بجوارها على الفراش، تضمها بذراعيها، تدعمها وتخفف عنها بصوت باكٍ، لتذكرها أن تضحياتها وتعبها لم تذهب سدى،

ـ سلامة الحلو من كل شر... أوعي تعمليها تاني يا اعتماد. أنا كنت هموت والله في اللحظة اللي قفلتي فيها خشمك، وانحاش فيها نفسك. كنت حاسة إني أنا اللي إنحاش نفسي، وروحي بتروح مني. والله ما حسيت إنها ردتلي غير بعد ما فتحتِ عينك وبصّيتي ليا. ربنا يجعل يومي قبل يومك يا خيتي يا غالية.

ربتت اعتماد على ذراعها بامتنان، توبخها بلطف حتى لا تعيد مثل هذا الدعاء:

ـ بس يا بت... متبقيش عبيطة وتدعي على نفسك تاني. لاحسن والله أزعل منك. وبلاش دموعك دي... ولا تكبّري الموضوع. شوية تعب وراحوا لوحديهم.

ـ لاه... لساهم ما راحوش. ولا ناسية إنك مازلت راقدة في المستشفى، وإبرة المحلول لسه في يدك؟ لازم تخلّي بالك من نفسك. وإحنا كمان واجبنا نحرص عليكي ومنزعّلكيش...

قالتها متوجهة بنظرها نحو شقيقتهما الثالثة روضة، التي التقطت التعقيب لتصب به حنقها بعد لحظات لم تحتملها في مراقبة المحبة الزائدة بين الاثنتين:

ـ خلاص يا ست المسهوكة... إنتي هتعمليها ليلة وتشعلليها بعد ما هديت؟ طب ماهي ربنا خد بيدها، وأنا اعتذرت واتأسفت اها... عايزة إيه تاني؟

جاء رد رغد بهدوء ووداعة تستفزها:

ـ أنا قصدي نفسي معاكي يا روضة. إحنا الاتنين لازم نقدّر ومنزودش على تعب اعتماد. كفاية الضغوط اللي عليها... هنبقى إحنا والزمن عليها؟!

غمغمت روضة في داخلها بما لم تستطع أن تنطق به أمامهما:

ـ يا بوي... علي شغل المثالية اللي يفقع المرارة ويجيب مغص معوى.

ثم قالت بصوت عالٍ وهي تنهض مغادرة:

ـ أنا طالعة برا أشم هوا بالبت اللي نفسها اتكتم من ريحة المستشفى. عن إذنكم.

لكنها وقبل أن تغادر، فوجئت بمزيونة التي دخلت مسرعة بصحبة زوجها فور أن علمت ماحدث لها من شقيقتها عبر الاتصال الهاتفي.

ـ اعتماد حبيبتي... إيه اللي جرالك؟

قابلت اعتماد لهفتها بهدوء تطمئنها:

ـ حاجة بسيطة مش مستاهلة. إنتِ مين قالك بس؟

سارعت رغد بالرد، غير مبالية بنظرتها المحذرة:

ـ أنا اللي قلتلها... لما لقيتها بتتصل عشان تتطمن عليكي. عايزاني أقولها رايقة وزينة بالكذب؟

قالتها بشيء من السخرية التي التقطها حمزة، دالفًا خلف زوجته، ليعقّب:

ـ لا مدام بتقلشي وتهزري تبقى بخير وزينة. ونطمن عليكي. إيه اللي جرالك يا أبلة؟ ده العيال بتعملها على نفسها بشخطة واحدة منك... على رأي الواد ريان.

أضحكها مزاحه وأخرجها من الكآبة التي كانت تغلفها، فردت متسائلة:

ـ طيب وهو شاف فين العفريت ده؟ ومدرسته أصلا في المحافظة، برا البلد.

ـ بيسمع من صحابه اللي في البلد يا ستي.

قالتها مزيونة، لتستهجن اعتماد بمظلومية وقد اندمجت في الحديث معهما:

ـ آه يا أنى يا غلبانة... حتى الأطفال بيطلعوا عليا إشاعات يا ناس!

ـ اللي يخوف أحسن من اللي مابيخوفش سيبك، الأهم خلينا في صحتك دلوك. إيه اللي حصل وخلاكي تتعبي كدة؟ إحنا موصلينك لحد باب البيت زينة وتمام.

ـ عادي... ضغطي وطي فجأة. أكيد إرهاق وتعب.

تفوهت بها اعتماد بكذب لم ينطلِ على الاثنين. فصمتت رغد، لكن ملامحها البريئة كانت أصدق من كلامها، كاشفة أن هناك أمرًا ما حدث...

ـــــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــ

وفي داخل المنزل الكبير، في الشرفة الشاسعة، ذلك المكان المميز لحسنية وجلستها المفضلة مع ولدها الهادئ المتعب، كانت تتباحث معه حول ما أخبرها به حمزة:

ـ طب أنا اللي عايزة أعرفه دلوك... التمثيلية دي هتفضل لحد إمتى؟

ـ أيوة تمثيلية. أخوك مفهّمني كده وأنا على نار، مش عارفة راسي من رجلي. بت عمك قالبة الدنيا في بيت أبوها، وأمها اتصلت ومعرفتش أرد عليها وأقولها إيه.

ـ قوليها إنه خطب، صُح يا أمه؟ وما تنكسفيش من حاجة. يا إما سيبي الأمر ده عليا وأنا هعرف أتصرف معاهم.

تجمدت حسنية لعدد من اللحظات، تطالعه بمزيد من التشتت وقد زادها قوله حيرة:

ـ أسيب الأمر عليك إزاي يعني؟ ههتقولهم اللي قاله حمزة؟

ـ أوعي يا أمه! إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟ هي سمعة بنات الناس لعبة؟!

قاطعها ناهِيًا بحزم، لتخرج هذه المرة عن طورها الهادئ، وتطالبه بانفعال:

ـ واض... إنت جيب من الآخر! إيه اللي في دماغك بالظبط؟ ما تسيبنيش كده عايمة في مية البطيخ، أنا لازم أرسى على بر معاك.

وكان رده الصمت... لتمر عليهما لحظات تبادلا فيها حديث النظرات؛ بين أم تغوص في أغوار ابنها الذي تعرفه أكثر من أي شيء، وابن يعلم ذلك جيدًا ويمنحها المساحة كاملة حتى تستخرج الإجابة بنفسها... ووصلت الرسالة.

ـ جدة حسنية... خدي اربطيلي الحظاظة على يدي أصلها اتقطعت.

كان هذا صوت ريان الذي دلف مقاطعًا جلستهما، لتتلقاه حسنية بحنانها المعتاد ومشاكستها أيضًا:

ـ هات يا خايب هات... حظاظة ومسخرة! شغل عيال البندر الماسخ.

ـ ماسخ ليه؟ دي بلون علم بلدي لاففها على يدي. شوفتيني لابس أسورة بنتة؟

ضحكت حسنية بعد أن أفحمها بمنطقه، فيما ربت خليفة على ذراعه بفخر:

ـ جدع يا واض، عجبني ردك. بس مخليتش أبوك يربطها ليه؟ ولا خالتك مزيونة؟ أنا مش شايف حد فيهم أصلا.

أجابه ريان وهو مندمج فيما تفعله جدته وهي تحكم ربط الحظاظة على يده:

ـ الاتنين مجعدينش، راحوا يزوروا أبلة اعتماد أصلها عيّانة...

قاطعه خليفة بتساؤله، فارتفعت رأس حسنية نحوه لترى الخوف قد اعتلى ملامحه، بينما واصل ريان شرح المكالمة التي أجرتها خالته مزيونة وعرفت فيها عن تعب إعتماد المفاجئ.

ليجفلها فجأة، ناهضا عن جلسته مستأذنًا للانصراف، وكأنها أصبحت تخصه... لا، بل هي فعلًا أصبحت تخصه كما بدا لها الآن.

ـــــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــ

داخل الخيمة التي تُعد مسكنها أينما حطّت الرحال في أي بلد، كانت مضجعة بجسدها، متكئة على وسادة قطنية، والفراش الصوفي أسفلها. في المقابل جلست والدتها على فرشة صوف أخرى متربعة القدمين، تتحدث إليها باهتمام لتعرف ردها حول الموضوع الهام، أو لتقنعها إن لزم الأمر:

ـ يا بت، انطقي! ريّحي قلب أمك وخلينا نرسى على برّ مع الجدع اللي رايح جاي علينا بيتنشق على كلمة منك. مش عايزين نضيّع الفرصة من إيدينا.

قاطعتها نورة بانفعال تخرج عن صمتها:

ـ يا أختي اسم الله على الفرصة! أروح ضرة على مرة وعيال وتبقى فرصة؟!

ـ ومالهم المرة والعيال؟! مدام هتبقي إنتِ الست عليهم؟ والحال والمال هيبقوا في يدك! الراجل واقع فيكي من الدور العاشر، يبقى املكي وعبي كفوفك منه. هو إحنا كل يوم هيجلنا عريس كده يا بت؟ ما على يدك... إن كان عيال عمك ولا الرجالة اللي بيدوروا حواليكي. وكل ما نحط رجلينا في بلد، ما فيش واحد عدل اتقدم لحد دلوك!

زمت شفتيها بحنق شديد، تدرك تلك الحقيقة جيدًا وعن ظهر قلب، لتصحح بشرود:

ـ لا... فيهم اللي اتقدم يا أمه، بس مكملش ولا عرف يكمل المشوار ويتحدى أهله. مقدرش يتحمل ظروفنا ولا قدر حتى يواجه بيا الدنيا زي ما كان معشمني.

أخرجت المرأة تنهيدة مثقلة من صدرها وقد فهمت مقصدها، فغضنت ملامحها بضيق قائلة:

ـ طيب كويس يا أختي إنك فاكرة. الحب والعشق ده كلام ما يجيبش همّه، خصوصًا بقي مع ولاد الأصول اللي شايفينا أقل منيهم. إنتِ جربتي حظك مرة مع واحد من عيال عمك، في جوازة مجعدتش شهرين، وجربتي مع الغريب اللي عمل فيها الغضنفر اللي هيشيلك ويشيل ناسك، وفي الآخر طلع ورق ولا يسواش، وما قدر حتى يكتب كتابه عليكي. يبقى نبص للموجود دلوك. عرفان متجوز ومعاه عيال؟ يبقى تاخدي فرصتك عليه عشان يعوضك. هتتجلعي وتاخدي ما بدالك منه، يا إما ترميه من طول دراعك ويغور في داهية. بس بعد ما تعبي يدك منه وتشبعِي. هو أنا اللي هفهمك؟ دي إنتِ نورة!

تطلعت إليها بحيرة، تزن الكلمات بعقلها، تبحث عن حيلة تراوض بها الرفض داخلها. إنها حتى لا تحتمل الجلوس معه، فكيف ستصبح زوجة له وتعطيه حقوقه؟! كيف وشغفها يتجه في ناحية أخرى ليست منطقية إطلاقًا؟! ذلك الأبله الذي كلما قابلها تشاجر معها، ينظر إليها بازدراء وهو في الأصل لا يسوى شيئًا، يتفاخر بأصله وكأنها أقل منه... ورغم كل ذلك، تتوق دائمًا لرؤيته وخلق الحجج للقائه.

في أقل من عشر دقائق، وصلت السيارة أمام المبنى الذي تتواجد فيه، مقر المركز الصحي الذي يشمل بلدتهم وباقي القرى من حولها. صفّها في موقع مناسب قبل أن يترجل بخطواته السريعة نحو المدخل. وعلى حين غرة، أبصر بطرف عينه ذلك الشاب اللزج، زوج أختها، يقف مع زوجته المزعجة في أحد الأركان قرب السور، أسفل صف الأشجار.

غمغم في داخله ساخطًا على تلك الحمقاء التي بدت من هيئتها ووقفتها المستسلمة أمامه وكأنها توشك على إفساد الخطة والشروط التي وُضعت في جلسة الرجال، حتى تعود إليه مرفوعة الرأس، تعويضًا يرد حق شقيقته التي تنازلت عن حقها في حبس زوجها من أجلها ومن أجل الصغيرة ابنتها.

شتان بين واحدة بلهاء مثلها، وبين عزيزة النفس التي كان يسارع الآن بخطواته ليقصر المسافات ويطمئن عليها.

طرق على باب غرفتها المفتوح على مصراعيه، ليلفت أبصار الحاضرين معها، ثم دلف يلقي التحية، وعيناه ترسل نظرة عتب نحو شقيقه الذي جاء بزوجته دون أن يخبره بتعبها:

جاء رد التحية منهم وأبرزهم كان حمزة، الذي تحمحم متلقِّيًا إياه بالمزاح أمام دهشة الآخرين:

ـ وه! دي البلد كلها شكلها عرفت بتعب الأبلة، منوَّر يا واض أبوي.

رمقه بنظرة خاطفة، رافعًا حاجبه بتحذير، قبل أن يتجه إليها مخاطبًا:

ـ سمعت من الدكتور إن سبب تعبك المفاجئ هو الزعل الشديد، مين اللي زعَّل الأبلة؟

شعرت بحرج شديد نتيجة السؤال الموجَّه إليها أمام الحاضرين، وقد تركز الانتباه نحوهما، فخرج ردها بصعوبة، محاولة الإنكار:

ـ عادي يعني... مفيش حاجة... الدكتور بيهوِّل.

ـ الدكتور بيهوِّل! صح الكلام دا يا رغد؟

تفاجأت الأخيرة من مخاطبته المباشرة لها، فتبسَّمت برد فعل عفوي، وقد بدا أنه يستخدم سلطته كخطيبٍ لشقيقتها حتى يحقق في سبب تعبها.

قطع الحديث دخول "روضة" التي دلفت والأنظار معلَّقة بخليفة، الذي يزعم أنه خطيب تلك الراقدة على سريرها:

ـ ما شاء الله، الأوضة بقت مليانة مسالخير يا أستاذ خليفة.

التفت نحوها بملامح مبهمة يرد تحيتها أولًا:

تقدمت أكثر حتى صارت أمامه، تسأله بفضولها:

ـ شكلك زعلان عشان جيت متأخر؟ معلش، لو أعرف نمرتك عاد كنت اتصلت عليك وبلغتك... بما إنك بقيت خطيب أختي...

ختمت تلقي بنظرة خاطفة نحو شقيقتها، التي امتقعت ملامحها من طريقتها غير اللائقة، حتى ودت أن تفحمها برد جاف يخرسها. لكن خليفة كان الأسبق:

ـ لا، اطمني، أنا مش زعلان ولا حاجة. إحنا لسه في البدايات، وطبيعي دا يحصل. على العموم، المرة الجاية لو اضطريت، هاخد رقم رغد، هتبقى أسهل في السؤال.

خرج منها الاسم بنظرة ذات مغزى نحو "اعتماد"، التي فهمت قصدها الخبيث في جرحها وتذكيرها بحادثة زوجها السابق وأغراضه الدنيئة نحو المذكورة. فجاء التدخل من "مزيونة" التي كانت تتابع وتعي ما لا يعرفه خليفة، فردت لتخرسها بما خطر ببالها:

ـ أيوة يا رغد يا روضة، دي جلوعة العيلة زيها زي ليلى، هي تزيد عنها إيه غير سنة؟

قولها كان كافيًا جدًا لإفحام روضة، فتبتلع غيظها داخلها، أما خليفة فقد أسعده الرد. على عكس اعتماد التي زاغت عيناها بتشتت، وهي تراه يتعامل وكأنه أمر واقع!

استغل حمزة الفرصة، مضيفًا على قول زوجته ومثبتًا:

أومأت رغد بعفوية، مبتسمة بامتنان. ليردف بعدها بأمر:

ـ وانا بقول كفاية كده، نقوم نسيبه معاها لحظة يمكن عايز يطمن عليها واحنا قاعدين.

ونهض يشير إلى زوجته وشقيقتيها لتفهما، أمام صدمة اعتماد التي فقدت النطق، تتابع انسحاب شقيقتيها مع مزيونة، واتخاذ خليفة مقعده بالقرب منها، وكأنه يعيش الدور حقًا. ليجفلها حمزة بكلمتين على عجالة قبل أن يتبعهم:

ـ متشليش هم هالة خالص، أنا اتصرّفت معاها، ومستحيل تقدر تقرّبلك لا انتِ ولا أخواتك.

قالها سريعًا وغادر دون أن يمنحها فرصة للاستفسار. فتعلقت أبصارها به حتى خرج من الغرفة، ثم استوعبت قصده، لتعود ببصرها نحو ذلك الجالس أمامها يراقبها بحنق جعلها تثور:

ـ على فكرة، أنا شايفة الموضوع كده زاد عن حده.

ـ موضوع الخطوبة والكلام... الفاضي ده.

مط شفتيه بابتسامة جانبية جاهد لإخفائها:

ـ بس إحنا لازم نتصرف على أساس الوضع اللي اتحطينا فيه. وانتِ كمان لازم تخلي بالك، الباب المفتوح ده ممكن حد يدخل منه فجأة ويسمعك، تفتكري ساعتها هيقول علينا إيه؟

ـ أنا اللي بسألك، عشان تفكري. وبالمناسبة عايز أنبهك، طليقك الزفت قاعد ضيف عند المحروس جوز أختك.

انفعلت حتى أمسكت رأسها متأوهة بتعب:

ـ الله يخرب بيوتهم... هما الاتنين هيقصّروا بأجلي...

وصلت إليها كهمهمة بالكاد تُسمع، قبل أن يستطرد بجدية:

ـ من غير ما تتعبي نفسك، هما الاتنين أصلًا ما يستاهلوش. لكن لازم الحرص مع جوز أندال زي دول، كل واحد فيهم همه مصلحته في الكلام والحديث لما يكبر. جوز أختك عايز يرجع مرته من غير ما يدفع مليم، وطليقك شكله كده فعلًا له غاية في إنه يرجعك.

ـ كله حَنش العفش دا كمان! هو أنا طايقة أبص في وشّه أصلًا؟

صدرت منها برد فعل عفوي، لتعود لنفسها تستغفر هامسة:

ـ أستغفر الله العظيم يا رب من كل ذنب عظيم... سيرته اصلا بتعصبني.

لم تَرَ ابتسامة أخرى حلت بزاويتي شفتيه، لملمها سريعًا ليعود بجدية:

ـ على العموم أنا كده اتطمنت بعد كلام الدكتور كمان. يلّا بقى، عشان أروحكم معايا في طريقي.

ـ أروحك يا اعتماد، أوصلك لحد بيتك بعربيتي.

تطلعت إليه بعينين متسعتين، يموج فيهما الرفض والدهشة:

ـ توصلني بعربيتك إزاي يعني؟! مينفعش طبعًا. روح انت، متشغلش بالك. أنا هتصرف.

ـ ما اشغلش بالي كيف يعني؟ انتِ ناسية إن قدام الكل دلوك اسمي خطيبك؟ هتبقي أصول مني بقي لما أمشي وأسيبك ترجعي في تاكسي علي بيتك من غيري. دي الناس تاكل وشي يا اعتماد.

حسنًا... لقد أزال حتى الألقاب! اللعنة، ما الذي يحدث معها؟ هي ليست معتادة على ذلك. كيف تجد صوتها أمام من يفرض عليها سلطة وهمية وكأنها صارت حقيقة؟

ـ أستاذ مين بس؟ في واحدة تقول لخطيبها يا أستاذ؟

قاطعها بها، ليقترب برأسه هامسًا وكأنه ينصحها:

ـ على فكرة، أختك روضة أول واحدة هتروح توصل لجوزها لو سمعتك بتكلّمينى بالرسمية دي. ودا ما هيصدّق، هيعمل منها حكاية فوق الحكاية.

رد فعلها كان جمودًا تامًا بفمٍ مفتوح، أهدابها وحدها تتحرك أمامه، وكأنها مصدومة أو غير مستوعبة لما يجري. فنهض فجأة، يحسم الجدال:

ـ أنا هروح أنده لرغد تيجي تساعدك وتسندك لحد العربية. أصلك مهتقبليش إني أسندك أنا طبعًا.

لم ترد، بل ظلت على حالها، تتبعه بأبصارها حتى خرج من الغرفة، وهي وكأنها في حالة من اللاوعي، لا تعرف حلا لهذا الوضع الغريب، ولا تدري ما الذي يصيبها في حضرته. تلفها حالة من الارتباك، ولا تجد القدرة على الرفض. فضربت بكف يدها على جبهتها، مرددة:

ـ يا مَرَي! هي مالها الدنيا بتلف بيا كده ليه؟ أنا كأني دوخت تاني... ودا اسمه إيه ده عشان أتعالّج منه بس يا ربي؟

داخل منزل عرفان، كان يتأنّق أمام المرآة، يبرم شاربه بين إصبعيه بإعجاب وزهو، يداعب خياله صور الجميلة التي ينتظر موافقتها على أحرّ من الجمر. لقد أغراها بالمال الذي يجعلها تخرّ وتنصاع إليه، سيرفعها من حياة الخيش والخيام إلى رفاهية لم تحلم بها في أقصي خيالها يومًا، ليعيش معها أيّامًا وليالي يعود فيها عشر سنوات للخلف. نورة الجميلة تستحق المال الذي يُدفع من أجلها.

في غمرة شروده، لم ينتبه لتلك التي كانت متكئة على إطار الباب، تراقبه منذ فترة بابتسامة ساخرة، وكأنها تقرأ ما يدور في رأسه. حتي كشفت نفسها بمصمصة من شفتيها وصلت إليه، ليلتفت إليها بضيق هادرًا:

ـ واجفة على الباب زي الغيمة وبتمصمصي بخشمك؟ مش عاجبك ولا اي يا بت الفرطوس؟

تنهدت وهي تضرب بكفها على ظهر الآخر قائلة بسخرية لاذعة:

ـ معلش يا جوزي الغالي، أصلي شوفت منظرك وانت بتتمرى خطف قلبي، مقدرتش أمنع نفسي وأنا بتفرج على الجمال والحلاوة. جلابية مكوية، والشال الصوف، والعطر التقيل اللي يزكم النفس من ريحته، ولا الجزمة الجديدة ولا العِمّة والشنب المبروم... دا انت ولا اكنك عريس يا راجل!

أمال برأسه نحوها بنبرة يفوح منها الكيد:

ـ طب ما أنا فعلًا عريس، وقريب جوي هتيجي اللي تنوّر الدار... عروسة إنما إيه! تنوّر في الضلمة من حلاها.

أضافت بها ببرود، تُظهر عدم الاكتراث، قبل أن تتابع:

ـ الغجرية اللي صيتها واصل لآخر البلد... رغم إنها لا رجاصة ولا حتى بتغني، بس حلاها وجَلَعها بيخلي الرجّالة تريل عليها منين ما تخطّي.

قبض على ساعدها فجأة، رافضًا كلماتها الأخيرة:

ـ نَقّي ألفاظك واحترمي نفسك... اللي بتتكلمي عليها دي هتبقى ستّك وتاج راسك.

ـ طبعًا... أمّال! ستّي وتاج راسي.

تركها فجأة، يتحرك بضيق بعد أن عكّرت مزاجه. طاعتها المستفَزّة كانت تشعره بالاختناق، وعدم الراحة، وكأن حيّة تطبق على أنفاسه.

ـ اعمل على كيفك يا عرفان وقلّ جيمتك زي ما انت عايز، بس أنا مش هسكت ولا هسلّم وأرضى بالذل، حتى لو وصلت إني أدبحها وأبخت بدمها عتبة البيت.

توقفت السيارة أخيرًا أمام باب المنزل. ترجّلت مستندة على ذراع شقيقتها، بعد لحظات مرّت عليها كالدهر داخل السيارة التي يقودها برويّة، وعيناه تقتنصان بين الفينة والأخرى نظرات نحو المرأة الأمامية التي عدّلها علي وجهها وقد أستقلت المقعد الخلفي تتوسط شقيقتيها ، لا تعلم لما الإصرار على إثبات الخطوبة المزعومة حتى في أدق التفاصيل!

ـ ما تيجي تتفضل معانا يا أستاذ خليفة؟ إنت مش غريب.

توجّهت إليه روضة بالدعوة أثناء ترجلها بابنتها، فهَدَاها ابتسامة صفراء وهو يردّ:

ـ طبعًا مش غريب... بس ميصحّش والساعة عدّت تمانية. اعتماد هتصل بعد شوية أطمّن عليكي.

توقفت رغد، تجبرها على الالتفات إليه، تحدّق فيه وكأنه يخاطب امرأة أخرى بنفس الاسم.

ـ بقولك هتصل بيكي بعد شوية أطمّن عليكي... ولا استنّي، صحيح.

قطع كلامه وفتح باب السيارة الأمامي، يتناول منه شيئًا قدّمه لها:

ـ تليفونك... للأسف نسيتيه امبارح.

تطلعت إلى ما يقصد، فوجدت العلبة نفسها التي رفضتها منه من قبل بعدما عطّل لها اثنان. ما زال محتفظًا بها ليقدّمها لها الآن!

ـ طب امسكي عنها إنتِ يا رغد، يمكن تعبانة من شيلته كمان.

توجّه بها بمكر نحو الصغيرة، التي التقطته بلهفة وسعادة من أجل شقيقتها بهذا الهاتف باهظ الثمن من ماركة تعرفها جيدًا هي وكل جيلها. غافلة عن غضب صاحبة الشأن ورغبتها في الرفض.

ـ خُد تليفونك، أنا معايا واحد شرياه قريب.

نظر إليها وكأنها تقول شيئًا ينافي المنطق، قبل أن يتوجّه إلى شقيقتها:

ـ ما حدّ يفهّمها يا بنات... إيه دخل هديتي بتليفونها اللي شارياه جديد؟

هتفت بها روضة، لتخطف الهاتف من يد رغد تتأمله بانبهار متابعة:

ـ إنت خطيبها، والهدايا دي شيء عادي جدًا بين الخطّاب.

لوّح بكفّه وقد أغلق عليها باب الاعتراض:

ـ أهي قالتلك أها... تصبحي على خير يا اعتماد.

تمتمت بها مرغمة، تجاري كذبه، ثم مضت مستندة على ذراع شقيقتها. فلم ترَ ابتسامته التي وسعت فمه وأنارت وجهه. من كان يصدّق أن تلك الشرسة سيأتي عليها وقت تصير فيه كالحمل الوديع، في لعبة غير مقصودة وجدت نفسها بداخلها؟

دلفت خلفه تُغلق باب المنزل بعد عودتهما من الخارج، في هذا اليوم المُثقَل بكل الأحداث التي جرت فيه. كان يتقدّمها وهو يحمل ابنه ريان الذي غفا نائمًا داخل السيارة في طريقهم، ليسير به حتى باب غرفته.

ولج داخلها ليضعه على فراشه، فتقدّمت هي تجاور الصغير على التخت، لتخلع عنه الحذاء ثم المعطف بحرص حتى لا يشعر. إلا أنّه تململ وكاد أن يستيقظ، لكنها سارعت لتهدهده، تمسح بكفّها على شعر رأسه وتتمتم بالآيات القرآنية والأدعية الحافظة.

وتوقّف هو لبرهة من الوقت يراقبهما بسعادة تشعّبت داخله؛ زوجته الحانية على طفله وكأنه طفلها الذي أنجبته من بطنها. تلك المشاهد تتكرّر أمامه يوميًا منذ زواجه بها حتى أصبح يعتادها وكأنها أمر عادي، وهي في الحقيقة أمنية عزيزة من الله عليه بها حتى من قبل أن يطلبها منه، كما تفضّل قبل ذلك بأن رزقه بها. هي حقًا هديته الكبرى.

تنهد بخفوت ليجرّ أقدامه بهدوء حتى خرج، ثم تحرّك حتى وصل إلى الغرفة التي تجمعه بها كي ينتظرها.

خرج إلى شرفته يتأمّل السكون داخل المنطقة الهادئة الخاصة بهما وحدهما؛ أفدنة من المزروعات على طول البصر أمامه، وفي الجانب الآخر منزل والديها وشجرة التين العتيقة وما أصبحت تحمله من ذكريات جميلة لقصة العشق التي جمعته بها.

تهون الحياة بكل مشاكلها وهمومها ومسؤولياتها أمام أن يُرزقك الله بمن تحب. هذه هي السعادة الكاملة، أو تكاد أن تكون كذلك، فلا ينقصها سوى هذا الشيء الجميل الصغير الذي ينتظره على أحرّ من الجمر.

وصله صوت صرير الباب مع دفعها له ودخولها، وصوتها ينادي باسمه، قبل أن تشرع في خلع ملابسها، تبدأ بالحجاب الذي كان ملتفًا على رأسها، فانفرط شعرها الحريري بنعومة يتمرّد من عقدته كدائرة في الخلف وينزل على ظهرها. وقبل أن تخلع عنها العباءة السوداء، كانت ذراعاه قد عرفتا طريقهما لتحاوطاها من الخلف، يغرق وجهه بين ثنايا عنقها ليتنعّم بنعومته بعد أن أبعد مجموعة ليست هينة من خصلاته، يمر بشفتيه بتأنٍّ وتلذّذ، ورئتاه تتنشّقان رائحته دون كلل أو ملل.

وكانت هي أيضًا قد سكنت بين ذراعيه مستمتعة بقربه وغرامه لها. من كان يصدق أنّ امرأة مثلها كانت لا تطيق الرجال، يأتي عليها اليوم وتعرف قيمة ذلك الشعور الذي كانت تصفه أمامها عددٌ من النساء كزوجة شقيقها. مهما كان عمر المرأة ومهما كان حجمها بين يدي رجل محبّ، تصبح شيئًا آخر، شيئًا ليس له وصف بالمعنى الحرفي من فرط روعته.

فتحدّث بصوت هائم تلفح أنفاسه بشرتها:

ـ أنا ليه بحس إن اليوم بيطول جوي على ما أوصل معاكي للحظة دي؟ بقيتي بتوحشيني حتى وانتِ معايا وفي بيتي يا قلب حمزة.

فكّت ذراعيه عنها لتقابله مواجهة عينيه بعينيها، فتحاوط بكفّيها الناعمتين وجهه:

ـ إنت اللي قلب مزيونة وعينيها وروحها كمان.

ما أعذب كلماتها لترطّب على قلبه بعد يوم طويل ومشحون. أغمض عينيه متأوهًا، ليقطف من رحيقها الذي يسكره فلا يشبع منها أبدًا. في وصالها حلاوة لم يعرفها حتى في زواجه الأول؛ وصال القرب من الحبيب لا يضاهيه شيء، وهي ليست حبيبة وفقط، بل هي قطعة من روحه.

حين توقّفت قبلتها العاصفة أخيرًا، استند بجبهته على مقدّمة رأسها كي يلتقطا أنفاسهما، ثم تحدّث معبّرًا عما يجيش في صدره:

ـ قلبي بيرفرف في كل مرة بشوفك فيها مع ريان، وحنيتك عليه بتشعلل في راسي عشان أشوف عيالي منك. ولد زي ريان ولا بنت حلوة وشبهك... لا، صحيح أنا مش عايز عيل واحد، أنا عايز عيال كتير، أتكعبل فيهم طول ما أنا ماشي في البيت... ولاد الكلب اتأخروا ليه؟

كانت قد هدأت أنفاسها وشردت دون تجاوب معه، وكأن الحديث لا يعنيها. ليرفع ذراعيه عنها ويبتعد بمسافة، يقابلها بنظراته، يتأمّل عينيها المتهرّبة، وملامح وجهها التي يعتليها شيء من الضيق أو ربما الملل. قبض على صدره ألّا تشاركه ما يتمنى ويتوق إليه:

ـ مزيونة، إنتِ بتضايقي في كل مرة أكلّمك على الخلفة صح؟

همهمت بردّ فعل عفوي قبل أن تتدارك حجم غضبه، فقالت رافعة كتفيها وتهبطهما في اللحظة نفسها:

ـ وأنا إيه اللي هيخليني أضايق؟ وهو في الأول وفي الآخر العيال دي رزق

توقّفت تلتفّ عنه لتشغل نفسها بفك أزرار العباءة قبل خلعها، لكنه كان بالمرصاد، ليقبض على ساعدها ويعيدها مواجهة له هاتفا بها:

ـ أهو دا أكبر دليل إن الأمر مش في بالك ولا هامك أصلًا. ولو استمر التأخير كمان سنين برضو ولا هتسألي، عشان مش فارق معاكي ولا هامك اللي يربطك بحمزة.

دارت حدقتاها بسأم لتدافع عن نفسها بنفاد صبر من إلحاحه:

ـ الله يسامحك يا حمزة، أنا برضو مش هرد عليك، عشان انت عارف ومتأكد إن كلامك غلط. أنا لو كنت مش عايزة خلفة منك على الأقل كنت خدت وسيلة تمنع، لكن ربنا مجابش لحد دلوك، أو يمكن مش كاتب هنتبتر بقي. واحنا ربنا رازقنا بالواد والبت ومكفّينا، ألف شكر وحمد ليه.

ختمت الأخيرة تقبّل ظهر كفّها وباطنه، ليرد هو بعد فترة من الصمت:

ـ يعني إنتِ من الأول كنتي ناوية على الوسيلة بس اللي منعك إصرار العيل الكبير جوزك على خلفة انتِ مش في بالك ولا عايزاها. ويمكن يكون هو دا السبب في إنك محبلتيش لحد دلوك. وأنا واثق مليون المية إن لو قعدت عشر سنين برضو مش هتسألي، والأكيد إنه مش هيحصل طول ما انتِ ما عندكيش الرغبة...

جاءت الأخيرة بصيحة عالية أجفلتها، لتبادله الردّ بحدّة:

ـ وإيه دخل الرغبة في إنه يحصل أو ميحصلش؟ دي حاجة بيد ربنا، اعترض بقى يا حمزة.

ـ لا مش هاعترض ولا هضايق، اعملي ما بدالك يا مزيونة. إذا كنتي انتِ مش هامك تجيبي عيال مني، أنا كمان مش عايز عيال منك.

أنهى صيحته وتحرك يتناول من خزانة ملابسه طقمًا بيتيًا على عجالة حتى يبدّل ما يرتديه الآن، ثم توجّه لمغادرة الغرفة، لكنها تشبّثت بذراعه تمنعه:

ـ استنى عندك، واخد هدمتينك دول وطالع تبيت برا الأوضة عشان بس كلمتين جروا ما بينا؟ دي أول مرة تعملها يا حمزة.

ـ واعتبريها برضو مش آخر مرة. ما هو يعني، أبيت هنا ولا أبيت برا مش فارقة. عن إذنك بقى عشان دماغي تقلت.

ونزع ذراعه منها في الأخيرة ليتمكّن من الخروج صافقًا الباب بعنف، فسقطت هي على الفراش بانهيار، لا تصدّق كيف حدث الشقاق بينها وبينه في أقل من لحظة، لتتبدّل لحظتها من عشق خالص إلى هذا الشجار الحامي.

لماذا لا يقدّر حالتها؟ كيف عليها أن ترضيه في شيء أكبر من طاقتها؟ لقد اتخذت الرضا منهجها فيما قسمه لها رب العالمين حتى قبل أن يرزقها إياه، ثم منّ عليها به وبابنه الذي تراه عطية الخالق لها. يتّهمها أن السبب خلف عدم الإنجاب حتى الآن هو عدم رغبتها، وهي لا تنكر، ولا تريد تكرار مآسيها في محاولات كادت أن تموت بها. لو ذاق مرار الألم مثلها ما كان تحدّث بهذا الجبروت. لا تريد الإنجاب ولكنها تريده، لماذا لا يفهم ويرضى مثلها؟

ـــــــ ✦ ✦ ✦ــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــ✦ ✦ ✦ ــ

كانت اعتماد ما بين الصحو والنوم في تلك اللحظات، بينما شقيقتها رغد تتلاعب بالهاتف الجديد، تستكشف إمكانياته الحديثة والمتطورة، وتخبرها في كل مرة بما تكتشفه، فتجاريها اعتماد بهزة من رأسها وهي تتهيأ للنوم.

حتى صدح صوت نغمة الاتصال الجديدة، فتوسّعت عينا رغد بلهفة نحو الرقم المسجَّل بيد صاحبه:

ـ (خطيبي)؟! إنتِ مسجّلة عمي خليفة باسم "خطيبي"؟! معقول يا أبلة اعتماد؟

أجابتها اعتماد وهي تشير إلى نفسها بتشتّت وعدم تركيز:

هتفت رغد تخبرها قبل أن تضغط على زر الإجابة:

ـ هو إنتِ عندك مية خطيب؟ ما تصحي من نومك بقى!

رمشت اعتماد بعينيها تستوعب العته التي تحدث معها، وهي تراقب شقيقتها تتحدث مع "الخطيب الزائف" بتقدير وفرحة، وعينيها منصبتان عليها، حتى باغتتها رغد وهي تضع الهاتف في يدها بعدما أخبرته:

ـ أيوه يا عم يا خليفة، اهي معاك، كلمها واسألها بنفسك.

ردّت رغد بحزم وهي تعدّل وضع الهاتف على أذنها:

ـ بيسأل عن صحتك، ركّزي بقى ما تبقيش ممجفلة!

تاهت المسكينة بين صوتٍ يناديها باسمها من الهاتف دون ألقاب، وشقيقتها التي تناظرها بابتسامة حالمة وقلوبٍ تكاد تطلّ من عينيها، تتابع مكالمة "الخطيبين".

اللعنة! إلى متى ستستمر هذه التمثيلية السخيفة؟

قالتها بارتباكٍ وصل إليه، وبما أنها تجاريه، فهذا يعني أن شقيقتها لم تغادر بعد. إذن فليأخذ فرصته:

ـ عاملة إيه دلوك؟ لسه الهبوط والدوخة موجودين برضو؟

أجابت بتلعثمٍ واضح تشير لها كي تخرج، والأخري تحرّك رأسها بالرفض:

ـ لا، الحمد لله كويسة دلوك، حتي كنت هنام.

ـ من دلوك يا اعتماد؟ والساعة لسه ما جتش عشرة! لا لا، أنتِ لازم تعودي نفسك على السهر، مينفعش كده يعني.

ضحكت رغد بصوتٍ خافت واضعة كفها على فمها بعد أن التقطت كلماته، لتجبر اعتماد هذه المرة على طردها:

اضطرت رغد في النهاية للانصياع، وخرجت على غير رغبتها.

عادت اعتماد لتكمل المكالمة، دون تمثيل هذه المرة، لكن بحذرٍ حتى لا يعلو صوتها ويصل إلى خارج الغرفة:

ـ ألو... يا أستاذ، ممكن بقى نفضّها؟عشان أنا تعبت.

وكالعادة تلقّى تذمّرها بهدوءٍ شديدٍ يمتص انفعالها:

ـ يا ستي ألف سلامة من التعب، أنا عارف إن الوضع مربط، بس قريب إن شاء الله هتتحل.

تنهيدةٌ خافتة وصلته كإجابةٍ منها، فتابع مردفًا:

ـ طب أنا فعلاً كنت بتصل عشان أطّمن عليكي، ودي مش محتاجة تمثيل.

ابتسامة خفيفة بزغت بطرف فمها، تردّ بذوقٍ يستحقه:

ـ لا طبعًا مش محتاجة تمثيل، علي العموم ألف شكر على السؤال.

ـــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــ ✦ ✦ ✦ـــــ

اختار غرفةً جانبية ليبيت بها ليلته، وربما ليالي أخرى كثيرة — لا يُستبعَد ذلك — فالغضب بداخله يتفاقم بصورة لا يُحتملها.

منذ بداية زواجه بها وهو يقدّر حالتها ويتعامل مع عقدها برويّةٍ وهدوء، حتى تخطّت واستجابت، لتسير الحياة بينهما على أجمل ما يكون.

لكن تبقى أمنيته الأعظم هي ترسيخ العلاقة وتوطيدها بالإنجاب منها. قلبه يهفو لحمل العديد من الأطفال، وهي تُلقي بأحلامه خلف ظهرها ولا تُعيرها اهتمامًا.

يعرف بالمآسي التي تعرّضت لها وهي صغيرة، والتي كانت سببًا في كرهها لتكرار التجربة، لكنه أيضًا يُعوّل على معزّته في قلبها، على ذلك العشق الذي يدفعها لمقاومة أشباح الماضي من أجله.

وهي تعرف جيدًا أنه لن يتركها وحدها أبدًا، سيفعل المستحيل لإنجاح التجربة. لقد فعل الكثير من أجلها، وحان الوقت لتحاول وتفعل هي أيضًا من أجله.

انتزعه من شروده صوت حركةٍ بمقبض الباب، ثم دُفع الباب إلى الداخل، يسبق دخولها عطرها المميز الذي لا تضعه إلا مساءً من أجله.

أغمض عينيه سريعًا متظاهرًا بالنوم قبل أن تقع أبصاره عليها، تاركًا المهمة لباقي حواسه في متابعتها: صوت خطواتها الخفيفة، حتى اقتربت لتحطّ بجسدها على الفراش بجواره.

تضاعفت رائحة العطر في أنفه رويدًا رويدًا مع اقترابها، حتى شعر بها داخل رئتيه حين دسّت نفسها أسفل الغطاء في حضنه، تلصق جسدها الطري بصدره القاسي.

الوضع أصبح خطرًا، وهو بالكاد يقاوم سطوتها عليه؛ لا هو بقادرٍ على ضمّها، ولا بقادرٍ على دفعها عنه. لكنها لم تترك له خيارًا، إذ عدّلت وضعها لتلفّ ذراعه الذي تخدّر من لمستها حول خصرها، والآخر جعلته أسفل عنقها، لتنام قريرة العينين...

نظر من أسفل جفنيه حين شعر باسترخائها، لتتّسع عيناه بغيظٍ شديد حين وجدها قد غاصت في نومٍ عميق.

كم ودّ لو يخنقها في تلك اللحظة! لقد جاءت إلى حضنه لتغفو وتطرد عن عينيه النوم.

ـــــــــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــــ

استيقظ صباحًا أبكر من موعده، يمارس عادته في تأملها.

رغم غضبه منها بعد شجار الأمس، لا ينكر أن فعلتها المفاجئة واندساسها بجواره في الفراش جاءت عليه بمفعول السحر، كالمياه التي سقطت على جمرةٍ مشتعلة فأخمدت اشتعالها وأطفأتها.

شعر بتململها، في إشارةٍ إلى قرب استيقاظها، فأغمض عينيه على الفور متظاهرًا بالنوم.

وبعد لحظات، حين استيقظت، أجاد هو الدور حرفيًا.

دام الصمت منها لثوانٍ، ففطن أنها تراقبه وتفعل ما كان يفعله منذ دقائق.

إذن من المحتمل أنها تكشفه. ليتخذ قراره عمليًا، فتح عينيه فجأة ليقابل عينيها عن قربٍ، تطالعه بنظرةٍ هائمة قادرة على سحق إرادته في مقاومة فتنتها...

تحدثت بنعومة، تلقي عليه تحية الصباح:

ابتلع ريقه بخفة، وتحركت تفاحة آدم في عنقه، ثم اعتدل يرسم خشونةً زائدة، مجاهدًا أهواء نفسه الحمقاء حتى لا يضعف أمام حسنها، وردّ متصنعًا عدم الفهم:

ـ صباح الخير يا ست مزيونة. ممكن أفهم إيه اللي جابك جاري وعلى فرشتي بعد ما سيبتلك الأوضة؟

أجابته بسهولةٍ ومكرٍ تعلمته على يديه:

ـ خوفت يا حمزة، والنوم خاصم عيني وانت مش جاري. الأوضة كانت واسعة جوي عليّا، والفرشة باردة كيف الرصاص، مدريتش بنفسي غير وأنا جاية هنا أدسّي جمبك تحت الغطا.

ـ ولقيتي الدفا بقى؟ وجالك النوم؟

أومأت برأسها مجيبة بابتسامةٍ متسعة:

ـ في حضنك يا حمزة. لما حطيت دراعك عليّا وضميتني ليك، نمت زي العيل الصغير.

ـ أيوه انت يا حمزة، أكيد مش فاكر عشان كنت في سابع نومه.

يذكر جيدًا أنها هي من ضمّت نفسها عليه ولفّت ذراعيه حولها حين كان يمثل النوم كما فعل منذ قليل.

عضّ على شفته بغيظٍ يمنع نفسه بصعوبةٍ من تكذيبها، قائلًا:...

يمكن، برضك الواحد وهو نايم مبيبقاش دريان بحاجة، بس المهم إنك نمتي وادفيتي.

ـ في حضنك يا حمزة، انت نسيت ولا إيه بس؟! إياك تكررها تاني عاد، فرشتك متسبهاش، يا هتلاقيني مطرح ما تروح وراك، إن شاء الله تبيت على المسطبة برا تحت التينة.

نظر لها رافعًا حاجبه، يعلّق باستخفاف:

ـ وه، حصلت كمان تحت التينة؟! وفي الطل كمان؟

ردّت وهي تلفّ ذراعيها حول عنقه:

ـ ولو رُحت السند والهند، برضو وراك وراك.

حسنًا... لقد أصبح الوضع على وشك الخروج عن السيطرة.

ورغم أنه لا ينكر حاجته الشديدة لدلالها، فإنه أيضًا لن يتنازل عما يريده، ولن يضعف، بل الأصح عليه أن يزيد بجرعاته.

نزع ذراعيها عنه بخفّة، بعكس ما يعتريه:

ـ يا ستي تشكري على ذوقك، أسيبك بقى معلش عشان ورايا مشوار، عن إذنك.

ونهض فجأة من جوارها على الفراش، يتركها تناظره بذهولٍ مغمغمة:

ـ وه يا حمزة، مشوارك بقى أهم مني؟!

لتنتفض فجأة عن الفراش هي الأخرى، تتبعه مردفة بخطواتٍ سريعة:

ـ طب والله ما أنا سيباك النهارده!

ـــــ ✦ ✦ ✦ ـــــــــــــ بنت الجنوب ــــــــــــ ✦ ✦

في المنزل الكبير، تحديدًا في شقة خليفة، وقد تأخر قليلًا عن موعد استيقاظه، فلم يشعر بمن دلفت منذ لحظات وجلست بالقرب من تخته تراقبه قبل بدء المواجهة بينها وبينه.

وقد قضت ليلتها على نيران تأكل أحشائها، منذ علمت بما فعله لتلك الحمقاء التي تظن نفسها نداً لها. لولا منع المعلون حمزة من تنفيذ ما كان يدور برأسها لكانت أستراحت الآن بعد أن طردتها من منزلها والبلدة بأكملها. من هي لتتحداها؟ من هي لتساوي رأسها بها وتأخذ ما يخصها؟ نعم هو يخصها لأنه زوجها، حتى وإن تمرد هذه الأيام وبدأ يصدر منه ما لم تتحسبه، لكنه في النهاية لها: هي زوجته وابنه عمه، ولن يشاركها به أحد. لابد أن يعرف بتلك المعلومة ويضعها جيدًا في ذهنه.

ـ خليفة... قوم يا خليفة واصحى، أنا عايزاك... خليفة...

في الأخيرة قد استيقظ، رفع أبصاره إليها بتشتت، ليناظرها بصمت لعدة دقائق حتى عاد إليه وعيه، فاعتدل بجذعه جالسًا، فرك بكفيه على عينيه، ثم زفر بضيق حتى جعلها تردف بحنق:

ـ إيه يا خليفة؟ مالك؟ قلبت وشك ليه؟ اتصبَّحت بوش عفريت؟

احتدت ملامحه نحوها ليرد عليها بضيق:

ـ يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم، إنتِ جاية من بيت أبوكي تصبِّحيني بنكدك؟ عايزة إيه يا هالة؟

ـ عايزة أتحّدت معاك، ما أنا مش هسيب اللي ما بينا معلق كده، لازم أرسّي على حل.

صاحت به لتجلس على المقعد المقابل لتخته؛ لينهض هو نافضًا فراشه بعنف، يحجم نفسه بصعوبة عن الانفجار بها:

ـ يعني مقدراش تتصبري على ما أتصبح زي بقية الخلق ولا حتى أشرب كوباية شاي، على الأقل أهيئ راسي لللت والحديت معاكي.

ـ ليه وهي راسك مش عمرانة من مشاوير العربيات وتوصيل الهانم هي وأخواتها؟

أومأ ناظرًا إليها باستيعاب وقد فهم الغرض من مجيئها المفاجئ، ليرد بحزم ليوقف سخريتها:

ـ أولًا دي عربيتي وأوصل فيها اللي أنا عايزه، ثانيًا إنتِ ميخصكش — أنا حر.

صاحت به بغضب متصاعد: ـ حر إنك تتجوز عليا؟ تخطب وأنا على زمتك؟ ومن مين؟ من واحدة ما أستنضفش، أشغلها خدامة عندي...

ـ اتملي يا هالة بدل ما تجبريني أوقفك عند حدك.

ـ خليني أشوف هتوجفني عند حدي إزاي يا خليفة؟ هتضربني ولا تطلقني؟ في كل الحالات مش فارقة معايا يا حبيبي، عشان أنا على حق؛ أنا بت عمك وأم عيالك، أنا بت القناوي يتجاب عليا ضرة زي دي؟

لم ينجر لعصبيتها أو ينفعل؛ بل العكس، فرغم غضبه الشديد منها استطاع أن يحجم انفعاله رغم قسوة ما يعتريه من الداخل: ـ كل اللي هامك أنا أنا. عارفة يا هالة المشكلة مابينا إيه؟ هي إن الموضوع عندك ما يتعدي سوي المساس بكبرياءك، وإن واحدة زي دي يتقال إنه خليفة فضلها عليكي...

توقف برهة، ثم أردف بأنفاس ملتهبة تصدر من حريق صدره: ـ ما هو مش معقولة يعني واحدة في جمالك تاخد المغرز مرتين؛ الأولى لما حمزة فضل المهندسة بنت البندر عليكي ودلّوك اعتماد الـ...

ـ أيه اللي إنت بتقوله يا خليفة؟ متخربطش في الكلام.

صاحت تقاطعه بانتفاضة سرت داخلها، تنهيه ألا يتابع: ـ إيه دخل ده بده أصلاً؟ ولا أنت بتخلق كلام من مخك عشان تبرر لنفسك؟

ـ لأ مش ببرر لنفسي يا هالة، بس أنا بواجهك بالحقيقة اللي إنتِ مش عايزة تعترفي بيها؛ مش عايزة تعترفي بنارك اللي لسه قايدة من حمزة... ولا قادرة تنسي عملته ولا عارفة تشيله من مخك أصلًا.

صاحت به تنهره، تنهض من جواره بجزع، لا تصدق ولا تستوعب ما أردف به بسهولة، لكنه كان مصراً هذه المرة على إخراج ما في قلبه:

ـ تفتكري الكلام ده هين على راجل زيي إنه ينطجه بلسانه؟ ولا إنها سهلة عليا لما أحس إن مرتي مش شايفاني أصلاً؟ طول الوقت تغلي من حمزة — والمرا اللي يتجوزها حمزة، بتكرهيه وفي نفس الوقت عينك ما بتشالش من عليه لو في وسط قعدة فيها مية نفر.

صرخت بها غير قادرة على سماع المزيد، واضعة كفها على فمها، بجسد يرتجف، وقد كان هو بملامح حجرية أمامها، صلب وقاسي كأنه أصبح رجلًا آخر، أو ربما هو نفسه ولكن هذا الوجه الذي تراه منه لأول مرة. ألهذه الدرجة كانت غافلة عنه؟

ـ على فكرة بقى، كل اللي في دماغك دا أوهام، إنت زرعتها في مخك.

تلقى إنكارها بثبات شديد: ـ اعتبريه زي ما تِعتِبِريه يا هالة، اضحكي على نفسك. إنما أنا بجيبلك من الآخر، عشان الكيل طفح؛ واللي كنت بستحمله زمان— دلوك ماعدش ينفع. شوفي نفسك بقى، عشان أنا عرفت اللي أنا عايزه كويس جوي.

دبت بها روح الكبرياء، لتصيح به متناسية كل ما سبق وعبر به عن معاناته معها:

ـ وانا بقولك لاه يا خليفة، عوز أي حاجة ترضيك لكن جواز عليا لاه؟ يا كده يا كل واحد يروح لحاله.

ارتفع كتفيه وتدليا مرة ثانية يخبرها بهدوء ووضوح: ـ والله الإختيار في يدك وإنتِ حرة.

ــــ ✦ ✦ ✦ـــــــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــــــــــــ ✦ ✦ ✦ ـــــ

يبدو أنها قد عرفت مكانه وميزته؛ لتأتي الآن وتتابعه وهو يسبح في مياه النيل، الغبي الذي يعيب من على أصلهم وهو يغوص في المياه العذبة بكل حماقة دون أن يقدر غرضها الأساسي وهو شرب الناس منها. لكنها لا تنكر حرفيته وكأنه غطاس ماهر؛ تعلم جيِّدًا السبب الأساسي الذي جذبها إليه من البداية رغم غيظها الشديد من تعجرفه وغروره عليها بغير حق — من هو أصلاً ليرى نفسه عليها؟

تنهدت بخفوت لتقع عيناها على جلبابه والصديري الذي يرتديه، فدنت بخفة تلتقطهما، ثم تقوم بجولة تفتيش سريعة. أخرجت منه الهاتف وعددًا من المفاتيح المتشابهة، سحبت أحدها، وحافظة النقود التي فتحتها تقلب فيها سريعًا لتعرف محتوياتها.

فخرج هو بعد لحظات قليلة، ليجدها واقفة في انتظاره تطالعه بجرأة كعادتها والمياه تتساقط منه. فغمغم بسب نابية قبل أن يرد يغمغم بصوت أعلى: ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بيطلعوا منين دول؟

أصدرت من فمها صوتًا ساخرًا لتردف: ـ جنية مية يا غالي، يعني أطلع في أي وقت وأي مكان.

تهكم رافعًا حاجبه، وبنظرة تعرفها جيدًا اقترب وجلس على ذلك الحجر ليمسح بالصديري، يجفف جسده المبلل وشعر رأسه، ليقول بغيظ من متابعتها له: ـ أممم طب يا جنية يا اللي بتطلعي في أي وقت، مش عيب برضه تبصي على شب غريب وهو لوحده كده وفي حته مقطوعة؟ طب حتى راعي إنه صاحب خطيبك، ولا الخشا حتى في دي رايح.

تخصرت أمامه بعدم اكتراث، ثم تحدثت مصححة له: ـ أولًا هو مش خطيبي عشان أعمل حسابه. ثم حكاية الخشا دي خليها مع حد تاني. انت الواحدة تتكسف منك ليه يعني؟ على هيبتك ولا على حالك وجمالك؟

احتدت عينيه في النظر إليها من أعلى إلى أسفل يستهزئ منفعلاً في الرد عليها: ـ لا اسم الله على حلاكي وجمالك انتِ يا بنت، غرك شوية البياض ولا الرجالة اللي بتريل عليكي. لا انتِ تروحي البيت وتبصي على نفسك في المراية كويس يا بت، ولا تسوي بصلة في سوق الحريم.

بضحة واثقة ردت تشير بإصبعها على نفسها: ـ لا أنا عارفة نفسي كويس جوي يا حبيبي. لا محتاجة المرايات ولا الرجالة اللي بتلف ورايا كيف الدبان وين ما رِجْلي تخطي؟ والدليل صاحبك اللي هيموت على كلمة مني، أنا منشفة ريقه وسيباه يلف حوالين نفسه.

ـ وليه بقى سيباه يلف حوالين نفسه؟ مش راضية تردي ولا تريحيه ليه؟ مش قد المقام ولا شايفالك شوفة غيره؟

ـ لا دي ولا دي، الحكاية إنه مش عاجبني أصلاً.

قالتها في رد سريع عليه، ليتابع سخريته: ـ ولما هو مش عاجبك بتعشميه ليه في حبالك الدايبة يا ست البرنسيسة؟ ليلاتي يصرف ويكع دم قلبه عليكي. إنتِ وأهلك مزاج عندك يا أختي.

ـ لا مش مزاج يا غالي، بس أنا عارفة إن يوم ما أرد عليه هبقى مطرودة أنا وأهلي برا البلد. لكن رفضي لطلبه مسألة وقت مش أكتر... على الأقل بعد ما أرسى على بر.

غمغمت الأخيرة بصوت منخفض وصل إليه، مع تلك النظرة التي رمقته بها، ليناظرها باستفهام، لكن سرعان ما توصل إلى تخمينه هاتفا: ـ وه، ليكونش عينك مني يا نورة؟... عينك مني يا بت؟

هتفت هي الأخرى بنكران مكشوف: ـ لا عيني ولا ودني يا خوي، بلاش تتغر في نفسك قوي كده يا عم الوسيم؛ انت مين أصلاً عشان تملا عِيني؟

قهقه ضاحكًا بقوة ليرتدي جلبابه، يردد مؤكدًا: ـ لا أملا عينك يا نورا؟ بالمقارنة مع الدغف عرفان أملا عينك، على الأقل أصغر منه وفاضي وعازب، ولا ورايا مرا ولا عيال. دا غير إن معنديش تقل دم عرفان ولا بجاحته في نظرته للمرا. حكم دا غشيم وبصته مفهومة لأي واحدة مفتحة زيك؛ لو ميالة أكيد تعجبها النظرة دي، أنما لو كارهة زيك تخنقها...

لقد أصاب الحقيقة، حتى أنها لم تجد الحجة هذه المرة لتكذيبه، فقال بتساؤل: ـ ولما أنت ناصح وليك خبرة واسعة كده مع الحريم، ما اتجوزتش ليه لحد دلوك؟ يكونش أنت كمان عندك اللي تشغل بالك؟

بحنق مضاعف اشتعل بأوردتها، شاعرة بالإهانة، تحركت مغادرة من أمامه، تنهب الأرض بخطواتها، حتى إذا وصلت لمسافة آمنة نادت تلفت انتباهه مرة أخرى: ـ عطوة... حاجتك دي؟

تطلّع إلى ما تشير إليه بيدها المرفوعة في الهواء أمامه، ليهمهم متذكرًا يبحث في الصديري أسفل جلبابه: ـ يخرب بيت أبوكي، دي كنها محفظتي والتلفون والمفاتيح، هاتي حاجتي يا بت. والله لو لطشتي من المحفظة حاجة...

تحركت رأسها برفض لتلقي الهاتف وسلسلة المفاتيح على الأرض العشبية أسفلها، حتى أعطته الأمان. لكن عند الثالثة التي هددها بها فاجأته بدفعها بطول ذراعيها حتى سقطت داخل مياه النيل، ليصيح بجزع وعدم تصديق: ـ يخرب بيت أبوكي، المحفظة...

وكان ردها ابتسامة متشفية قبل أن تأخذ طريقها راكضة من أمامه، موقنة أنّه لن يستطيع الإمساك بها، وأن فعل فسيصبح أضحوكة أمام الناس الذين سوف تجمعهم عليه بصراخها.

علّق في أثرها بغيظ شديد وقلة حيلة بعد أن ضاعت فرصته في اللحاق بها والانتقام:

ـ فرسة لما تفرسك ولا دم يصبغك صبغ.

رواية لاجلها الفصل الثاني والاربعون

دوار يلف رأسها منذ ايام ولا يتوقف إلا قليلا، بالإصافة للوهن المستمر وكأنها لا تتغذى ولا تاكل اصلا، وربما هو كذلك فالشهية عندها تقارب المعدومة، وان جبرت على نفسها لا يظل الطعام بمعدتها

خرجت من المرحاض بعد ان أفرغت ما بطنها تستند بضعف على الجدران حتى اذا وصلت إلى التخت ارتمت عليه تسحب الغطاء لتريح رأسها وجسدها ، ثم غاصت فى نوم عميق، فلم تشعر بنفسها إلا بعد وقت لا تعلمه، حين عاد زوجها من الخارج بإزعاجه وندائه :

ـ دا وقت نوم يا منى؟ ارجع الاقي البيت فاضي من العيال وانتي غطسانة في اوضتك, مصيبة لا تكوني نايمة من الصبح كمان؟

بصعوبة شديدة اعتدلت بجذعها لتجلس بنصف نوم وقد عدلت من وضع الوسادة خلفها، تطالعه فقط بوجه عابس،. ليواصل زوجها حانقا وهو يخلع عنه ملابس العمل ليبدلها بأخرى مريحة:

- ساكتة يعني مبتروديش، يبقى زي ما توقعت، حكم الوضع دا بقالوا ايام يا ست منى.

ـ ما تقول عايز ايه يا منصور بدل الغاغة اللي انت عاملها؟ انا صاحية وراسي تقيلة.

ـ تقيلة من كتر النوم يا حبيبتي، مش غاطسة في فرشتك من الصبح، حقك يا ستي، لا وراكي مدارس ولا امتحانات ولا قرف، انا بقى اللي طالع عين امي من الصبح, ولما اجي دلوك عشان اريح ولا اكلي لقمة تسد جوعي اكيد مهلاقيش، ما هي المدام من الصبح نايمة .

جلس في الاخيرة بعد أن ارتدى الجلباب على المقعد الوحيد داخل الغرفة، يصب غضبه في خلع الحذاء عن قدميه، يلقيه على الارض بعنف وضجر،

فتمتمت هي داخلها الاستغفار لتجبر نفسها على النهوض واعداد الغذاء له، بدلا من الجدال الذي لا طائل منه، بالإضافة ايضا أنها لا تملك القدرة على الحديث من الأساس.

ولكن وما ان حطت قدميها على الارض حتى اهتزت في وقفتها فكادت أن تقع لولا أن استندت بيدها الضعيفة على قائم السرير ، حتى اثارت هلع زوجها فنهض يضمها بين ذراعيه كي يعيدها إلى الفراش برفق مغمغما بندم وتساؤل؛

ـ لا اله الا الله، ايه الحكاية؟ ايه اللي جومك مدام تعبانة جوي كدة؟

رمقته من جانب عينيها بغيظ، وانتظرت حتى أراحها على التخت بحرص ثم انضم جوارها، يضمها اليه برعب يجتاحه، فخرج صوتها رغم التعب بنبرة لائمة:

ـ النوم والتعب غصب عني يا منصور، يا عني مش بتدلع ولا اتزفت، راسي تقيلة ومش فيا حيل للخدمة، ما صدقت البيت فضي بعد طلوعك على الشغل والعيال على بيت جدهم عشان انام، بس خلاص انا حاسة نفسي رايقة، هقوم اها....

ـ لا استني رايحة فين؟ مش عايز حاجة.

تفوه يضغط على كتفيها يمنعها من المحاولة، وبشيء من الندم صار يراضيها:

ـ دي هي لقمة مش مستاهلة يعني، اسخنها على البوتجاز ولا اكلها من الثلاجه, المهم انتي اطمن عليكي، مالك يا منى دي مش حالتك دي واصل، هو ايه تاعبك بالظبط في جسمك؟ عشان نشوف دكتور متخصص

تأوهت بين ذراعيه تصف له عما بها:

ـ دايخة على طول يا منصور مش عارفة ليه وجسمي همدان دايما

ـ عادي نشوف دكتور الباطنة يمكن ضغط ولا أنيميا سبب الهبوط.

خمن بها على ضوء ما وصفت له، لكن سرعان ما غير رأيه حين تابعت:

ـ كمان مفيش حاجة بتقعد في معدتي، وكل الوكل معايا ماسخ، طول الوقت عايز ارجع

تبسم رافعا حاجبه وكأنه وقع على اكتشاف مذهل:

ـ حلاوته ، لا احنا كدة نحول من باطنة لدكتورة النسا،.حكم الاعراض دي معروفة، اكيد.....

صاحت بها مقاطعة له, لتدفع ذراعيه عنها، وقد غرق في نوبة من الضحك يستفزها، لتردف بغضب:

ـ بطل ضحكك الماسخ ده يا منصور، والتلميح اللي انا فاهماه, عشان انت عارف زين جوي ان مركبة وسيلة، يعني يستحيل يحصل اللي في بالك

ـ وما يحصلش ليه اللي في بالي؟ بعيد عن ربنا مثلا؟

ـ لا مش بعيد عن ربنا، بس انا واخدة احتياطاتي عشان تعبت ما عادش فيا حيل لا للخلفة ولا لمرار العيال.

قالتها بما يشبه الرجاء، وكان الامر بيده، فاهتز كتفيه يخبرها ببساطه:

ـ براحتك، عايزة تصدقي ولا متصدقيش دا مش هيغير من الوافع لو فعلا حصل....

قاطعته بها للمرة الثانية، لتدفعه عائدا للضحك، حتى اشفق وحاول التوقف حين راى البؤس الذي ارتسم جليا على ملامحها، فسحبها يضمها على صدره يهدهدها، معبرا عن دهشته:

ـ وه وه، اهدي كده انت هتبكي ولا ايه؟ هو احنا لسه اتاكدنا اصلا؟ وحتى لو حصل برضو ما يستدعيش البكا

ـ'لاه يستدعي، ويستدعي قوي كمان، عشان انا من الاساس عمالة أكدب نفسي رغم الشك اللي جوايا، فتاجي إنت تاكدها في وشي!

تفوهت ببؤس وهو يكتم بصعوبه الأ يعود للضحك ثانية ، حتى لا يزيد عليها، فيراضيها كذبا:

ـ معلش يا حبيبتي ما تاخديش عليا، انا إش فهمني اصلا في امور الحريم، سيبك سيبك، بكره نكشف ونطمن ، واكيد هيكون تخميني كدب.

ـ والله انت اللي كداب يا منصور، بتقول كدة على اساس تاخذني على قد عقلي، انما جواك بتتمنى، انا عارفاك عشقك في الخلفة الكثيرة.

لم يملك القدرة على النكران هذه المرة، وقد زاد اتساع ابتسامته, لأنه بالفعل يعشق انجاب الاطفال الكثير منها، ولكن نزولا إلى رغبتها يضطر اسفا الى تقبل الواقع في رفضها وأخذ وسائل المنع، لكن ان صح الأمر وإصاب تخمينه، ما الذي يمنعه من الفرح لأراداة الله التي تغلب كل معوقات .

ـ يارب يكون مجرد برد في المعدة، وما يكون حمل ، ادعي معايا منصور

لكزته بخفة وراسها مازالت على صدره ، ليسمع منها ويردد بحماس:

ليكمل بتحريك الشفاه مستغلا أنها لا ترى وجهه:

ـ في أعلى منزل والديها، امام برج الحمام العتيق، كانت تدور على اعشاش الطيور في ذلك الوقت بعد أن القت إليهم بالحبوب أرضا ليتجمعوا في تناولها

وابنتها ليلى التي فك أسرها اخيرا كما تصف، بعد ان طمأنتتها الطبيبة لتسمح لها بالتنقل والخروج وبعض الحركة ولكن بحرص، فكانت أول زيارة لها اليوم الى منزل والدتها الجديد بعد الزواج، بدعوة من حمزة لها هي وزوجها معاذ لحضور مأدبة طعام الغداء .

كانت تضع الفرخ الصغير بحجرها تطعمه بفمها وتسقيه ايضا، وفي نفس الوقت لا تكف عن الحديث مع والدتها:

ـ رئيس الشركة اللي شغال فيها معاذ، اتصل بيه امبارح وقالوا مستنيك ترجع لشغلك معانا من تاني.

ـ قبل طبعا، بس اتفق معاه يستنى على ما يخلص حملي أن شاء الله ، والمدير وافق لاجل معزة عم حمزة عنده، يعتبرها إجازة من غير مرتب،

ـ زين جوي، ان علاقات عمك حمزة نفعت وجابت فايدة.

ـ عمي حمزة كله فايدة يا امه، مش بس علاقاته

تبسمت مزيونة باتساع ثم التفت عنها تكمل ما تعمل به لتعقب على كلماتها:

ـ هو فعلا كله فوائد وزي العسل كمان، بس خسارة، جايمة عليه الجنونة اليومين دول، وقالب عليا من غير سبب، قال ايه؟ بيتهمني ان سبب تأخير الخلفة مني عشان مالياش رغبة، هي الخلقة كانت بالرغبة؟!

سمعت منها ليلى بلهجة عاتبة ردت:

ـ مزيونة يا حرة، انتي عارفة قصده زين جوي، لأن لو فعلا عندك رغبة، هتسعي وتحاولي عشان لو في سبب يتعالج من بدايتها، عمي حمزة عايز يحس انك مشتاقة للخلفة منه يا امه.

في الأخيرة كانت قد ارتخت ذراعي مزيونة عن فعل أي شيء لتتوقف، وتتنهد بثقل، وهي ومازالت تعطي ظهرها لابنتها التي تشعر معاناتها، كما تعلم جيدا عن حالتها القديمة والتي ربما مازالت تترك أثرا بها يسبب معوقات في الإنجاب، وهذا ما يجعلها ترفض الغوص فيه، حتى لا تعود إلى تلك الدائرة التي كانت تعاني فيها الأمرين، رغم أن الوقت قد تغير والزوج ايضا قد تغير، إلا أن اصعب عقدها القديمة لم تتمكن حتى الآن من تجاوزها.

ـ امه، هتفضلي كتير كدة مدياني ضهرك؟ طب ردي ع الكلام اللي بقوله.

خاطبتها بمرح لتجبرها على الالتفاف نحوها تجيب بمراوغة:

ـ هأقولك ايه يا بت؟ وانتي بتعملي زيه وبتجيبي اللوم عليا وبتمشي ورا كلام الجنان بتاعه، دا احنا لسة مكاملناش غير كام شهر وانا اصلا مباخدتش وسيلة تمنع، يعني لو ربنا رايد، هيحصل في يوم وليلة، اديكي انتي اها، خدتي كل الحرص انتي وجوزك، ومع ذلك برضك حصل وحبلتي...

ـ ومين قالك ان حبلي مكانش فيه إهمال ولا هو جه عن طريق غلطة هبلة مني؟

سألتها مزيونة بتوجس، لتتوقف هي لحظات قبل ان تصارحها بما ظلت تكتمه لأشهر:

هدرت بها مزيونة بانفعال، لتجبرها على التحدث دون مماطلة .

................................

هبطت صفا من شقتها في الطابق الثاني، بناء على طلب ابنها الذي أخبرها بوجود سيدة غريبة داخل المنزل تطلب رؤيتها.

توقفت في منتصف طريقها إلى المدخل، تتأمل تلك المرأة التي تعرفت عليها من خلال ملابسها المتباينة إلى حد ما، رغم شيوعها تقريبًا بين نساء البلدة وما يجاورها من قرى. ومع ذلك، فإن الهوية المعروفة تتجلى في تلك اللمسات التي لا تصدر إلا من فئة واحدة!

إذن، تلك المرأة من نساء الغجر، بجمالها الفاتن، تتقارب مع تلك المواصفات التي سمعت عنها سابقًا... تسلل إلى قلبها شعور من التوجس، هل من الممكن أن تكون هي! تلك التي تشغل بالها منذ أيام، وتمنع عنها النوم لكثرة انشغال خاطرها بها."""

تحفزت في داخلها، فتقدمت حتى وصلت إليها، مرحبة بها بارتياب وتساؤل:ـ يا أهلاً ياااا... مين حضرتك؟

ابتسمت المرأة الجذابة التي كانت تقف مقابلها، تتفحصها من أعلى إلى أسفل بجرأة ووقاحة لا تتناسب مع وضعها كضيفة غير مرحب بها، لترد بعد لحظات زادت من استفزاز صفا، بابتسامة ناعمة واثقة، تفوح منها رائحة المكر:

ـ أنا نورا الغجرية يا ست صفا، سمعتي عني؟

ـ ووه، يخرب بيت أبوكي، وجيالي برجليكي لحد عندي؟

كان هذا الرد الفوري من صفا التي انتابها شعور من الذهول امتزج بالدهشة، ثم غضب اعتلى ملامحها تردف هادرة بها:

ـ انتي ايه اللي جايبك بيتي يا بت انتي؟ فاكراني نايمة على وداني، ولا مش عارفة بعمايلك ولفك على الرجالة المتجوزة عشان تخطفيهم من حريمهم.

شهقت نورة تدعي الإجفال تقول مشيرة بسبابتها على نفسها:

ـ انااااا؟ دا مين اللي بلغك الكلام ده وافترى عليا؟ لا يا ست صفا، انا قاعدة في مكاني مأدبة وربنا العالم بحالي، الرجالة اللي بيرمو بلاهم عليا، ايه ذنبي بقى؟

ـ يعني قصدك ان جوزي انا هو اللي رامي بلاه عليكي؟

سألتها بنبرة خطرة، فردت نورة ببساطة:

ـ لأ طبعا، سي عرفان دا مفيش ارجل منه، اتقدم لابويا رسمي وطلبني ابقى ضرتك في البيت الكبير ده، ما شاء الله، دي حاجة تشرح القلب

قالت الاخيرة وعيناها تدور في أرجاء المنزل، مستمتعة بالذهول الذي لون ملامح صفا وقد امتقعت بشرتها بحمرة قانية وتدلى فكها بشدة ، حتى خرج صوتها اخيرا لتصرخ بها:

ـ يا حلاكي يا جمالك وانتي جاية بقى تعايني البيت اللي هتسكني فيه، وضرتك الهبلة هتفرجك عليه، دا انا اخد روحك قبل ما يحصل

وكانت الأخيرة هي إشارة البدء، لتهجم قاصدة القضاء عليها، والعجيب كان تصرف نورا، التي لم تقاومها، بل اكتفت بحماية وجهها، بين ذراعيها وتركتها تضرب وهي تصرخ بصوت عالي قادر أن يصل لآخر البلدة ، حتى تجمع سريعا الجيران ليفكوا الاشتباك، ويخلصوها من بين يديها،

تشهق نورا من البكاء المفتعل، والحمقاء التي ابتلعت الطعم، تواصل صراخها ومقاومة البشر التي تحكم تقيدها:

ـ سيبوني عليها ، اقطع من جتتها نساير نساير, المعلونة بت الغجر اللي ماليها اصل.

ـ الله يسامحك بتغلطي فيا من غير ما امسك ولا اغلط فيكي، اشهدوا يا ناس عايزة تخلص عليا من غير سبب، اكمني غلبانة و مليش ضهر، ولا عشان غجرية وشغلتي اللف على البيوت، انا لو برقص أو بعمل الحرام كنت هحتاج ولا اللف من أساسه؟

قصف الصوت الجهوري يقتحم الجمع، يلفت الأبصار اليه حتى وصل إليهم يردف حين تفاجأ بتلك المحتجزة بين سيدتين, يسنداها حتى لا تقع، بهيئة مزرية تثير الشفقة وهي لا تكف عن البكاء ؛

ـ نورة! ايه جايبك هنا؟ وإيه اللي مشندلك كدة؟

لم ترد فانتقل بشرار عينيه نحو صفا التي أصابها الرعب وقد شعرت اخيرا بحجم خطأها وتلك الفضيحة اللمت بها حين أساءت التصرف مع تلك الحرباء التي تثير تعاطف جميع الحاضرين ، فما بالها بزوجها الذي كان يفوح منه الخطر، وفي الاصل لم يصفى لها بعد

.................................

ـ انتي متأكدة من كلامك دا يا بت؟

سألت مزيونة ابنتها بحالة من الغضب بعد أن قصت عليها شكوكها وظنونها، لتجيبها الآخرى:

ـ والله زي ما بقولك كدة يا امي، انا كنت في بداية جوازي ولسة معرفتهاش على حقيقتها، بقت تتقرب مني بالظبط بعد سفر معاذ، يوماتي تيجي تقعد معايا ساعة أو نص ساعة على الاقل، وانا كنت بفرح بلعب البنات الصغيرين ، وبعتبره وقت مستقطع من المذاكرة، بما اني لوحدي في الشقة، عرفت عني كل حاجة حتى ميعاد الحباية الساعة تسعة المسا، واتصال معاذ بعدها عشان يتأكد اني اخدتها

دي حاجة تعدي على اي واحدة زيي وشيء طبيعي اني أديها الامان لما اخد منها الحلو بعد ميعاد الحباية اللي كانت تتطلعلي فيه مخصوص وتجيبلي منه طبق عشان تدوقني.

فلما يحصل معايا اسهال أو ترجيع أصدق نصيحتها، انه اكيد برد ولا شيء اخر، واني لازم اشرب حاجة سخنة تدفي معدتي، وانا غافلانة اني مفعول الحبابة اللي اخذتها خلاص راح

للمرة الثانية تسألها والدتها وعقلها لا يستوعب التفكير الشيطاني:

ـ برضو مش قادرة استوعب يا ليلى، عشان الشيء دا لازم يحصل وفي أيام معينة على حسب خبرتي ، ويكون جوزك معاكي، مش مسافر زي ما احنا عارفين كان بيجي يومين بس في الاسبوع .

ـ بقولك كانت عارفة كل حاجة عني يا امي, يعني عارف الايام اللي كان يجي فيها والايام التانية اللي تقصديها, انا لولا أن حصل معايا الموضوع مرتين وفي حضورها والله ما كنت هشك فيها ابدا, يوم في الهوت شوكليت ويوم الميلك تشيك، تجيب كبايتين وتيجي بحجة انها تقعد معايا شويه نشرب الحاجة دي مع بعض وندردش

تخلق مشاكل وهمية بينها وبين اللي حواليها وتطلب مني حل ليها وانا المغفله كنت بصدق واقعد بالساعات افكر معاها فحلول لحاجة ملهاش وجود

انا متأكدة انها كانت بتحط فيهم ملين، وانا بغبائي وعقلي الصغير كنت ببلع الطعم

الست دي مش هينة يا امي، يعني حتى لو اتكلمت القصة محدش هيصدقها، بس انا سيبت حقي عند ربنا وسلمت ان الطفل اللي في بطني دا ممكن تكون هي السبب فيه لكنه في الاخر رزقي ونصيبي الحلو مع راجل ساب شغله وبقى متفرغ ليا ولرعايتي.

اومأت مزيونة تحرك رأسها باستيعاب، ثم رضا بمنطق ابنتها في شكر الخالق على عطيته مهما كانت الأسباب , لكن هذا لا ينفي خطورة تلك المرأة على من حولها، لقد فعلت ذلك بابنتها لمجرد الحقد منها فما بالها باعتماد التي ربما قد تصبح ضرتها في يوم من الايام، الله فقط المنجي من غدرها

داخل غرفتها في تلك الشقة التي اصبحت مسكنها في منزل والديها، بأمر مباشر من والدها الذي أصبح يتجنبها ولا يطيق الحديث معها، حتى بعد أن علم بموقف خليفة في الارتباط بامرأة أخرى وهي على زمته لم يحرك ساكنا أو يتخذ موقفا ينصفها، بل العكس

وكأنه اتفق مع الاخر ان العيب منها وأنها هي السبب فيما الت إليها الأمور، اللعنة عليهم جميعا، لا احد يفهما او ينصفها، ليست سيئة بل قليلة الحظ، وهذا ليس من اليوم وفقط، بل منذ طفولتها، تذكر حين كانت تلميذة في الصف الثاني الاعدادي، كان يعجبها رائد الفصل، ذلك الولد المهذب المجتهد الذي يحصد اعجاب الجميع، دائما ما كان يعرض مساعدته عليها وعلى زميلتها المجاورة لها في المقعد ، وكأنت تظنه يميزها عن الجميع بفضل جمالها اللافت ، لكن صدمتها أتت بعد ذلك حين اكتشفت انه معجب بتلك الفتاة التي تجاورها والاقل منها في كل شئ جمالا ومالا واصلا

ومع ذلك فضلها عليها بل وانتظر حتى انتهت من الثانوية وتقدم لها رسمي ثم تزوجا الاثنان في عمر صغير دون التاسعة عشر ، تماما مثل ما فعل منصور مع منى الذي كان معلمها وانتظرها حتى انهت تعليمها المتوسط، ما الذي يميزهم عنها حتى لا تنال العشق مثلهم وهم اقل منها في كل شيء؟

حتى زوجها الذي كان دائما يبادر في علاقته معها.، رغم الروتينية وقلة اللهفة إلا أنه كان جيد معها حتى ظهرت تلك الخبيثة لتقلبه عليها ثم ينبذها هي في الأخير ويتهمها أنها عينيها من حمزة،...... ، كذاب فهي تكرهه اشد الكره..... نعم تكرهه وتبغضه..... ومع ذلك كانت لا تشبع من النظر إليه.

انتفضت تستفيق من شرودها على صرخة والدتها التي اقتحمت عليها غرفة النوم، تمسك إحدى بناتها الصغار تدفعها نحوها:

ـ بقالي ساعة عمالة انده عليكي من تحت، وانتي ولا سامعة، خدي البت دي وراعيلها، انا ولية صحتي على كدي مش حمل الفرهدة.

اعتدلت هالة جالسة عن التخت الذي كانت متسطحة عليه عليه ترد على قولها:

ـ وه وه, وليه التعب ولا الصراخ عليا، هي صغيرة ولا عمر ستين، دي سبع سنين ، يعني كله خمس ست سنين وتبقى بغلة كبيرة وعلى وش جواز

صاحت والدتها بضجر تنهاها، ثم اردفت بصوت بح من فرط الانفعال:

ـ اسمعي يا بت كبيرة ولا صغيرة تراعليها، بتك شقيه وبتقلد الولد في الزحلقة على ضربزين السلم، ناقصة يدها تفلت, تقع وتجيبلنا مصيبة، جاتكم الهم هتموتوني ناقصة عمر

بصقت كلماتها المرأة ثم ذهبت لتلتف هالة إلى ابنتها بوعيد تمسكها من رسغها

ـ بت يا منة، صح اللي بتقوله جدتك ده، والنعمة ادبحك لو كررتيها انا فيا اللي مكافيا مش ناقصاكي

ـ مش هكررها تاني يا امه، عمري ما هكررها

حين خرجتا من المنزل القديم، كانت تصلهم أصوات الضحكات والمزاح من الثلاثة: معاذ الذي كان يتلاعب بابن شقيقه في لعب الكرة في تلك المنطقة الفاصلة بين المنزلين، وقد نمت فيها العديد من الأشجار التي قام حمزة بزراعتها بنفسه، لتبعث البهجة في قلب كل من يراها.

​وفي هذالتيا الوقت، كان حمزة جالساً على المصطبة الطينية يتابع بمرح ولا يكف عن التعليق وتحفيز الصغير:

​ـ "أيوة يا ريان، خذ الكرة، سجل هدف واغلبه يا ولد."

​قالها ريان بتركيز متشتت مع عمه الذي لا يترك له فرصة للاستحواذ على اللعب، مستغلاً فرق العمر بينهما، الأمر الذي انتبهت له مزيونة، فتدخلت بحماية:

​ـ " لكن انتي كدة مش مديه فرصة يا معاذ، اديه بعض المساحة وراعِ فرق الأجسام."

​عارضها معاذ بمرح وقد بدأ ينطط الكرة على ركبتيه، مما زاد من حنقها في متابعة الصغير المتلهف على لمسها:

​ـ "مش عارف يلعب مع الكبار يبقى خليه على الدكة أو المصطبة أحسن يتفرج وهو ساكت. بس يا ولد على الحِرفنة! وخلي أبوك يبص والمدام بتاعتك، عشان تعرفي أنك متجوزة لعيب كبير"

​ضحكت الأخيرة (ليلى) بفخر له، على عكس والدتها (مزيونة) التي ازدادت حنقاً من أنانيته، لتوجه الخطاب نحو زوجها:

​ـ "هتفضل سايبه مُشحْطَط الولد كده كتير؟ قوم يا حمزة الله يخليك، خذ منه الكرة واديها لريان، أو رد له اللي بيعمله."

​ناظرها حمزة بدهشة معقباً باعتراض نحو ليلى التي كانت تضحك:

​ـ "أمك دي عقلها ضارب، قولي لها تعقل يا ليلى، ما عنديش غير مرارة واحدة يا حبيبتي، ناقص كمان ألعب معاهم."

​سمعت منه مزيونة وتحفزت داخلها، لتأخذ الخطوة بنفسها:

​ـ "طب أنت حر يا حمزة، أنا بقى عقلي صغير وهعملها."

​وتقدمت بخطواتها تقترب من معاذ، ففاجأته بخطف الكرة من بين يديه لتلقيها إلى ريان:

​ـ "خذ يا حبيبي، ولا تحتاج لأحد منهم."

​تطلع الثلاثة نحوها بذهول، ثم إلى الصغير الذي كانت الفرحة لا تسعه في الركض بالكرة، فتخصرت هي ناظرة إلى معاذ بتحدٍ، فضحك هو ضارباً كفاً بكف.

​ـ "خلاص يا عم، بطلنا لعب، أنا أقدر اعترض أصلاً ولا أتكلم يا بنتي!"

​ليتجه بأنظاره نحو زوجته (ليلى) التي انضمت لدعم الاثنين بالتصفيق بكفيها:

​ـ "أيوة يا مزيونة يا جامدة، خد راحتك يا ريان أنت في حمى الكبيرة."

​حمزة الذي غمره الشعور بالانتشاء بما قامت به، سرعان ما تبخرت ابتسامته، وعادت إليه تلك الوساوس المزعجة، فقد وجد مزيونة في طفله (ريان) السلوى تغنيها عن التفكير في إنجاب الأطفال منه.

اعتادت أن تدير شؤونها بنفسها دون الاعتماد على أحد. وفي ذلك اليوم المشمس، أنهت تسوقها في سوق البلدة المكتظ، تحمل سلة مشتريات ثقيلة بين يديها. كانت تعلم أن المسافة إلى بيتها طويلة، وأن وزن السلة بدأ يؤذي ذراعها الذي بالكاد استعاد مرونته بعد التئام الكسر به، لكنها كانت مُصرة على إتمام مهمتها.

​حتى ظهر هو من العدم، يتقدم نحوها بوجه يحمل نوعاً من العبوس، بعد أن رآها من بعيد وهي تتأوه بخفوت من ثقل الحمل، فسار بخطوات واثقة حتى اعترض طريقها بلطف، ماداً يده نحو السلة قائلاً بصوت حازم:

​فطالعته هي برهبة، عيناها تجول في الأجواء حولهما، خوفاً من نظرات البشر المتابعة:

​ـ "أُعطيها لك إزاي يعني؟ طبعاً ما ينفعش، تفضل أنت شوف إيه اللي وراك، أنا سآخذ تاكسي."

​لو تعلم بحجم ما يكتنفه من ضيق، ما كانت تحدثت ولا عارضته من الأساس. فلم يزده رفضها إلا إصراراً. فزفر مُعيداً عليها الطلب بنبرة لا تحتمل الجدال:

​ـ "بلا تاكسي بلا بطيخ، هاتي السلة يا اعتماد، ولا عايزاني أُعلي صوتي ويوصل للناس اللي خايفة منهم؟"

​ـ "نصف اللي في السوق هنا وصلهم خبر إنك خطيبتي، والباقي سيعرف لما نتعارك أنا وأنتِ لو عطلتيني أكثر من كدة."

​ختم كلماته، وعلى حين غرة اختطف السلة منها، فلامست أصابعه الدافئة كفها لتبعث بها قشعريرة سرت كتيار كهربائي، أثارت بها اضطراباً عطلها عن مقاومته، حتى تفاجأت به يبتعد عنها بخطواته السريعة يجبرها على اتباعه إلى المكان الذي يضع به سيارته، والتي فتح حقيبتها الخلفية يضع بها السلة، فتوقفت ناظرة بذهول، حتى هدر بخفوت يحثها:

​ـ "هتفضلي واقفة مكانك كتير؟ اخلصي يا اعتماد عشان أوصلك."

​دقت قدمها على الأرض تقترب منه بتذمر:

​ـ "توصّلني كيف يعني؟ مش ملاحظ إنك زوّدتها قوي، يا أستاذ خليفة!"

​ظهرت أسنانه البيضاء أمامها حين تبسم بملء فمه، يردد معارضاً لها:

​ـ "تاني برضه أستاذ! يا أبلة اعتماد قلنا ما ينفعش، لازم تاخدي عليا وتُناديني باسمي عشان يبقى الوضع طبيعي ما بينا. أنتِ تقولي يا خليفة وأنا أقولك يا اعتماد، فيها عيبة دي؟"

​رمشت بعدم استيعاب، وكأنها امرأة أخرى، ليست تلك شخصيتها، كيف يجبرها بلطفه المبالغ فيه على اتباعه في شيء غير مقتنعة به، ويتجدد رفضها له حتى الآن؟

​ـ "مش موضوع عيبة، بس الحكاية أنت عارف اللي فيها، أنا حاسة إن الأمر أكبر من طاقتي، إني أخدع الناس بشيء ما حصلش. دي مش قادرة أتقبلها. من رأيي نشوف أي طريقة ونحل المشكلة دي، يا ريت."

​هذه المرة كانت الابتسامة تحمل دفئاً غير عادي، فهو يعلم جيداً بحجم معاناتها وما تعيشه من صراع داخلها. امرأة نقية ولا يجد مثيلاتها إلا قليلاً هذه الأيام.

​ـ "حاضر... هنحل المشكلة قريب قوي إن شاء الله. ممكن بقى تدخلي عشان أوصلك، وبعدها نفكر هنعمل إيه يا اعتماد من غير أبلة."

​ابتسامة بزغت على طرف فمها رغم ادعائها التحفظ، لتنصاع في الأخير وتنضم إلى جواره في السيارة مغادراً بها. ما دام فرض عليها أمر تمثيل خطبته لها، إذن فلتعِش اللحظة وتلك المشاعر التي تموج داخلها نحوه، فهي لم تختار .

في طريقها نحو مسكنها في نصب الخيام أعلى المصرف، تمر وسط الحد الفاصل بين أفدنة الزراعات والجسر الرئيسي للبلدة، ذلك الشريط الطولي المصطف بأشجار النخيل وبعض الأشجار الأخرى، ثمارها ملك البلدة بأكملها، وإن كانت هي ليست من أفراد البلدة، إنما تأخذ حقها منها أيضاً.

​وقد كانت في مزاج رائق بعد مشاجرتها والفوز على المرأة الحمقاء وزوجها الأحمق منها، بعد أن فتنت بينهما وكأنها ضربت عصفورين بحجر واحد. تألمها عظام جسدها قليلاً بعد ضرب تلك المتوحشة لها، ولكن لا ضير، هي اعتادت على ذلك، وقد تأكد لها شيء ما برأسها كان يشغلها منذ الأمس.

​وحان الآن موعد نيل مكافأتها الآن، بملء جيوبها وكيسها البلاستيكي، بالعديد من الأنواع التي تعجبها وتنتقيها، حتى لو اضطرت لرشق النخلة التي يقع عليها الاختيار بالحجارة، غافلة عمن أتى من خلفها بشرر نيرانه، يباغتها على حين غرة مستغلاً اختلاء الأجواء من البشر حولهما في وقت الظهيرة، ليدفعها بعنف ويحجزها بين النخلة وبينه:

​ـ وكمان عايشة الدور يا روح أمك... وبتاكلي من خيرنا بعد ما تسرقينا.

​في البداية أجفلت نورا فزعاً جراء فعلته، لكن سرعان ما استكانت حين رأته أمامها، رغم غضبه العاصف، وأصابع يديه التي قبضت جيدها ككلابتين حديديتين تثبتانها، لتقابل ثورته ببرود متجاهلة ألمها:

​ـ خلي بالك، يدك دي في المكان الغلط، أنت اللي هتضر نفسك لو ما شلتهاش حالاً. حضرتك مش حمل مكر بنات الغجر يا سي عطوة.

​قالت الأخيرة بنبرة مستخفة ضاعفت من غضبه ليرفع كفه ضاغطاً على عنقها بعنف أكبر:

​ـ أنا مش عايز أتعامل معاكي أصلاً، ولا عايز أبص في خلقتك حتى، اديني حاجتي يا بت اللي سرقتيها من المحفظة يا حرامية يا بت ال......

​وختم بسبة نابية جعلتها تصدر من فمها صوت طقطقة ساخرة ثم تقول:

​ـ ما بلاش شتيمة بالأمهات عشان ما عندش معاك وأخليك تطول السما ولا أرجعلك حاجتك، تبقى مؤدب هبقى مؤدبة، تعند معايا أنت الخسران.

​لم يرد على الفور فاستغلت تشتته، لتباغته رافعة ركبتها، بضربة دقيقة بين ساقيه اضطرته لتركها على الفور يمسك على موضع الألم، مغمغماً بالمزيد من الألفاظ النابية والفاحشة أيضاً ويردف:

​ـ الله يخرب بيت أبوكي يا بت ال...... وقحة وقليلة حياء من الكل.

​تبسمت بمكر تتحرك من جانبه بثقة:

​ـ قلت لك خليك مؤدب هبقى مؤدبة معاك، إنما قلة الأدب أنا أستاذة فيها يا غالي، استرجل كدة شوية واتحمل، منظرك هيبقى زبالة لو حد عدى وشافك.

​زمجر بغضب شديد ليستقيم متحاملاً على وجعه، يقابلها في وقفتها صارخاً:

​ـ اديني حاجتي يا نورا، بدل ما أبلغ عنكم عمدة البلد يطردكم من عندنا ومن البلاد اللي حوالينا، أنت ما جربتيش جناني لسة.

​أعجبتها نبرة التحدي التي يتحدث بها، فتبسمت ترسم البراءة، وهي ترفع يدها إلى فتحة الجلباب في الأعلى عند الصدر لتلفت أبصاره إلى تلك المنطقة وهي تخرج مجموعة من الأوراق المالية، وعدد من بطاقات الصرف والمفتاح الذي سرقته بالأمس تقدمه إليه بسهولة جعلته يتناولها بعدم تصديق، فتقول:

​ـ ها هي يا سيدي حاجتك كلها، عشان تعرف إني مش حرامية، أنا أخذتهم بس نكاية فيك عشان تبطل تعايرني بأصلي ولا تقولي كلام قبيح، نحن كلنا ولاد تسعة على فكرة.

​رمقها رافعاً حاجبه بتوجس، يبتلع ريقه بعد أن شتته للمرة الثانية، ثم وضع تركيزه في إحصاء الأشياء التي استردها منها، ليتدارك متذكراً اختفاء أهمهم، فرفع رأسه إليها قائلاً:

​ـ الحاجات دي ناقصة، أنت جبتي الفلوس والبطاقات (الفيزا) اللي لطشتيها بس فاضل الأهم، أنا عايز الصورة اللي كانت فيها، هاتي الصورة يا بت.

​ـ صورة إيه؟ صورك الشخصية أنا ما قربتش منها، سبتها في المحفظة.

​سألته ببراءة لا تليق بها، لتستفزه يهدر بخشونة:

​ـ بطلي لؤم يا نورا، الصورة الشخصية موجودة في المحفظة، أنا قصدي على الصورة اللي كانت في جانب لوحدها، اشمعنى هي اللي لطشتيها من الصور.

​تظاهرت بدهشة مفتعلة تدعي التذكر:

​ـ اااه... أنت قصدك على صورة البنت الحلوة اللي لابسة فستان فرح أبيض بموضة قديمة، وبجانبها واحد ضخم محاوطها بذراعيه.

​ـ طب مش لما تقولي مين هي الحلوة دي؟ ولا عريسها ده إيه اللي يخليك تغتاظ منه لدرجة تمسح رأسه كلها بالحبر، مش بس وشه.

​صرخ بها فاقداً الذرة الباقية من تماسكه، ليأمرها بحزم:

​ـ طلعي الصورة يا بت ومترطيش معايا كتير، اخلصي.

​لم تأبه ولم تهتز حتى، بل قابلت ثورته ببرود متناهي تتحداه:

​ـ وإن عاندت وما أعطيتكش الصورة هتعمل إيه؟ هتبلغ العمدة زي ما هددت من شوية؟ ولو تبلغ عرفان صاحب الصورة اللي ماسح وشه بالحبر؟

​وغمزت بطرف عينيها في الأخيرة تربكه وتزيد من اضطرابه فينكر:

​ـ وإيه دخل عرفان بالصورة أصلاً؟ أنت مخك ضارب يا بت أنت ولا عقلك مفوت؟

​هزت كتفها بإغراء لا يناسب اللحظة، حتى تغطي على حنقها وغضبها الشديد منه، فتقول:

​ـ لا مخي ضارب ولا عقلي مفوت، أنا بس ذكية وبفهمها وهي طايرة. صورة عرفان عرفتها من كف يده الكبيرة المحطوطة على ذراع العروسة الحلوة، أصل مميزها الوشم والخاتم الفضي، مُتغطرس من يومه المضروب، أما بقى عن البنية فدي اللي شغلت عقلي صح، لدرجة خلتني أروح لحد بيته مخصوص وأشوف المرة اللي متجوزها، بس يا خسارة، البومة اللي اتعاركت معاها من شوية، ما تجيش في نص حلاوة العروسة اللي في الصورة. يبقى كدة بالفهلوة تبقى مرته الأولى اللي حكى لها عنها قبل سابق. يا ترى يا بن الأصول، إيه اللي يخليك تشيل صورة امرأة صاحبك وتحتفظ بيها في جانب مخصوص من محفظتك حتى بعد طلاقها منه إلا إذا كان......

​ـ اخرسي يا بت، دي أشرف منك ومن عيلتك كلها...

​قاطعها بحدة أزعجتها، حتى استفزها لتصيح به:

​ـ ولما هي أشرف من عيلتي كلها، حاطط صورتها في المحفظة وجنب قلبك ليه؟

​في الأخيرة كان عطوة قد فقد السيطرة على غضبه، ليقبض على عنقها مرة أخرى، ويفاجئها سريعاً بمطواة أخرجها من جيب جلبابه، يرفعها أمام عينيها بتهديد مباشر:

​ـ هتديني الصورة ولا أغز المطواة في بطنك وأخلص عليكي؟ أنا مجرب السجن قبل سابق، يعني مش هتفرق معايا.

​شعرت نورا في تلك اللحظة بالخطر من جانبه، لتقرر سريعاً مهادنته بلطف واستعطاف:

​ـ والله ما معايا الصورة، أمس كنت بتفرج عليها قبل ما أنام وحطيتها تحت مخدتي، اديني فرصة أروح وأجيبها.

​ـ وأنا إيه اللي هيخليني أماطل بس؟ دي مجرد صورة قديمة مش هستفيد منها أصلاً.

​ـ وإيه اللي يخليني أصدق أنا كلامك، ما يمكن متشالة مع اللي طلعوا؟

​قالها بفراسة وعيناه نزلت إلى أسفل جيدها وتلك المنطقة التي أخرجت منها النقود وباقي الأشياء، فتلوت هي بين يديه بإغواء وتمنع:

​ـ يا لهوي يا سي عطوة أنت بتبص فين؟ ولا بتفكر تفتش بنفسك كمان ولا إيه؟، لا أنا شريفة وعمري ما أعمل العيب...

​مرة أخرى يسب ويلعن، ليحل قبضته ويبتعد عنها، تلك الحرباء التي تجره لارتكاب جريمة، ومن خلالها تستطيع التأثير به.

​فبصق على الأرض متصنعاً الازدراء، ثم رفع رأسه إليها بأمر وصرامة:

​ـ تروحي دلوقت وتجيبي لي الصورة حالاً....

​تبسمت برضا، وقد رأت على ملامحه المشتدة ما أسعدها، رغم نكرانه وتمنعه، ليعيد إليها ثقتها في إمكانياتها، ثم ردت بنعومة:

​ـ من عنيا يا سي عطوة، بس استأذنك خليها بكرة في نفس المكان هنا، حكم المشوار طويل، وعلى ما أرجع وأروح تاني هيكون الليل حط على الأرض.... ممكن يا سي عطوة؟

​لوح بكفه بقرف دون أن يلتف إليها:

​ـ غوري وما تنسيش تجيبيها بكرة.

​زاد اتساع ابتسامتها وهي تغادر بطاقة عالية من المرح، أما عنه، فقد ازداد غضباً من نفسه، ليضرب إحدى الأحجار بقدمه، ثم التف يتابع ذهابها، ليغمغم في أثرها:

​ـ طلعتي لي من أنهي مصيبة يا مصيبة.

رواية لاجلها الفصل الثالث والاربعون

*"كنتُ أظنّه غريبًا عن عالمي، لا يشبه ما حلمتُ به يومًا، ولا يلمس شيئًا من خيالاتي القديمة. كنتُ أظنّني سأعيش بجانبه غريبة، أؤدّي دوري في الحياة بصبرٍ لا يُرى.

كنتُ أُجافي قلبه كأنه غريبٌ اقتحم طمأنينتي خطأً، أضع بيننا مسافةً من خوفي، لا من رفضي، وكنتُ أظنّه يريدني فقط لأُكمل حياته، لا لأكون حياته.

لكنني لم أدرِ أن الله كان يخبّئ لي حبًا يُنبت فيّ الحياة من جديد.

شيئًا فشيئًا... بدأ وجوده ينساب إليّ كالماء في الأرض العطشى، كأنني كنتُ أبحث عنه دون أن أدري.

حضوره يسكن اضطرابي، كل نظرةٍ منه تُسكن ضجيجي، وكل مرةٍ احتواني فيها شعرتُ أني أعود إلى نفسي لا إليه.

كنتُ سأخسر الكثير لو لم يُكتب لي أن أراه على حقيقته، أن أفهم أن الحب لا يُخلق من الصورة التي نرسمها، بل من الروح التي تلامس أرواحنا في صمت.

لم يكن القدر هو من رسم طريقنا، بل هو الذي أيقن بحبّه، وآمن بي، وصبر حتى وصلتُ.

أما أنا... فقد وصلتُ متأخرة، لكنني حين وصلت، التحمتُ به كما تلتصق الروح بروحها، لا فكاك بينهما ولا ندم.

هو ليس نصيبي فحسب، بل يقيني الذي لم يخذلني يومًا."**

الخاطرة الروعة لمبدعة/ سنا الفردوس (بطوط)

ارجو من حضراتكم طلب بسيط بالدعوات لها

ان ربنا يقضي حاجتها ويفك كرب عائلتها،

​"الملك لك لك يا صاحب الملك، الملك لك لك يا صاحب الملك"

​الكروان الجميل ما زال يغرد في الخلاء، مستغلاً هدوء الأجواء من حوله، وهي تردد من خلفه، مستمتعة بنسمات الفجر العليلة في ذلك الوقت.

​اختلفت الأماكن ما بين منزل والديها القديم وجلستها الآن في شرفة الغرفة التي تجمعهما مع زوجها، ولكن يظل الشعور واحدًا. فها هي تعود لتلك الحالة التي اعتادت عليها منذ سنوات؛ في كل مرة يأتي فيها اختبار ابنتها في الدراسة، يجتاحها القلق وكأن الأمر يخصها هي. حتى وإن تغيرت المعادلة وأصبح لها مستقبلها الذي يشغل تفكيرها، يظل الحلم الأهم هو التحاق ليلى بالجامعة.

​"يا رب اقف معها ووفقها يا رب."

​دعاؤها الخافت وصل إلى ذلك الذي وقف منذ لحظات يراقبها، وقد استيقظ حين شعر ببرودة الفراش ومكانها الخالي جواره.

​لا يمل من تأملها؛ فرؤيتها فقط تبعث السكينة في روحه. وقد كانت غافلة في غمرة تضرعها إلى الخالق حتى يقف مع ابنتها في الاختبارات النهائية، والفاصلة في تحديد مستقبلها. هل عليه أن يغار أيضًا من ليلى وقد أصبحت تستحوذ على الحيز الأكبر من تفكيرها؟

​أتى السؤال منها حين انتبهت لوجوده، فأهداها ابتسامة عذبة قائلاً، وقد اتجهت أقدامه نحوها:

"يعني عايزة تصحي وتقومي من جاري وأنا محسش؟"

​في الأخيرة، كان قد اقترب منها ليدنو إليها ويحاوط وجهها بين كفيه ثم يَثْلُمُ جبهتها بشفتيه؛ قبلة طويلة حانية قبل أن يجلس على ذراع التخت بجوارها، يضمها إليه مردفًا:

".ـ قلبي اللي حاسس بيكي، هو نفسه اللي صحاني.

​تقبلت لفتته بترحاب، تحتضن كف يده بامتنان شديد قائلة:

"يِسْلَم لي قلبك يا ضي عيني، وسامحني إن كنت قلقت راحتك، لكن والله غصب عني، قلقانة جدًا يا حمزة."

"ـ عارف، وعارف سبب القلق، انتي أصلا لا على حامي ولا على بارد من امبارح مسا، بس انا بقولك اها، ليلى مش بس هتنجح، لا دي هتفاجأك كمان بتفوقها في كلية تفتخري بيها"

​رفعت رأسها إليه برجاء تفضي إليه بهواجسها ومخاوفها:

"ـ يا ريت يا حمزة، نفسي والله ، بس خايفة لا يكون الحمل أثر على تركيزها, خايفة إن هي نفسها تتعب في اللجنة، بت جارتي ألقديمة أم حسنين، كانت شاطرة قوي وكل سنة تطلع من الأوائل، لحد ما جات في سنتها الأخيرة صدمت أهلها وصدمتنا كلنا بمجموع يكسف، رغم انها كانت طول الوقت قافلة على نفسها الأوضة تذاكر ، و مكانتش بتساعد امها ولا تشيل قشاية حتى في البيت، يا خوفي يحصل مع ليلى اللي حصل معاها"

​ضحك حمزة بخفة يشدد من ضمها إليه قائلاً:

" والله انتي مخك ضارب، طب يعني اللي كانت بتقفل على نفسها الأوضة دي انتي ضمنتي انها كانت بتذاكر طوال الوقت اللي حابسة نفسها فيه؟ وبرضو حتى لو مشيت معاكي انها كانت بتذاكر فعلا، دا مش مقياس على فكرة، يعني انا مثلا كنت من ضمن العيال اللي تلم المنهج كله في إسبوع الامتحان أو قبله بحاجة بسيطة وغيري اقل، المهم هو التركيز والتوفيق من عند ربنا .

​تمتمت وهي تضمه إليها بقوة، ألصقت رأسها على صدره، لتجد فيه ملاذًا من التفكير، وتستمد منه الراحة والاطمئنان. ولم يُقصّر هو في الضغط بأنامله على جسدها ليضمها إليه، بتقديم الدعم والمؤازرة التي هي في أشد الحاجة إليها الآن، كي تكسب في معركتها الأخيرة، بعد سنوات من التضحية والإيثار."

​أما عن ليلى، التي ارتدت ملابسها وكانت تتجهز الآن، تضع اللمسات الأخيرة في لف حجابها أمام المرآة قبل الخروج والذهاب إلى تأدية الاختبار.

​تخاطب زوجها الذي دلف عائداً من الشرفة يغلق الهاتف بعد انتهائه من مكالمة هاتفية:

ـ اقعد تتكلم في التليفون وتأخرني على الامتحان يا معاذ.

تبسَّم لها وهو يتناول متعلقاته من درج الكومود قائلاً:

ـ ما كلُّه برضه عشانك يا ست ليلى، حمزة بيتصل يوصيني، وأمك ماسكة راسي من امبارح أسئلة عنك. المشكلة أنَّه كلُّه صداع على دماغي، وأنتِ نفسك صاحبة الأمر، خايفين لَيَزْعُجوكي أو تتوَّتري. يا غُلبك يا معاذ.

​قهقهت ضاحكة رداً على طريقته، ليواصل هو بفكاهة وهو يتأملها:

ـ ما يعرفوش إن البرنسيسة بقالها ساعة بتتعدَّل قدام المرايا، وكأنها رايحة فرح صاحبتها.

تخصَّرَت بزهو أمامها تُعقِّب على قوله:

ـ ليه يا حبيبي، عايزاني أروح مبهدلة ولا أقل من البنات؟ يعني مش كفاية البلونة الصغيرة والباشا اللي يبين نفسه من تحت الفستان.

​كان في الأخيرة قد اقترب منها ليحاوطها من الخلف بذراعيه التي امتدت على البروز البسيط لبطنها، يَربُت عليها، يُحدِّث انعكاسها في المرآة أمامه، مُقبِّلاً وجنتها المنتفخة، يبث داخلها الاطمئنان بطريقة فكاهية:

ـ وماله لما يظهر ويبيِّن نفسه؟ ده حبيب أبوه اللي هيحضر مع أمه امتحانها، عشان لو نسيت الإجابة، يديها رفسة يفوِّقها تفتكر على طول.

​ضحكت للمرة الثانية، حتى إذا توقف، علقت بجدية وحب له:

ـ أهي خفة دمك دي هي اللي مخلياني بنسى إن في امتحان أصلاً. بس حبيب أبوه ده هو نفسه حبيب أمه، كفاية إنه سبب في زيادة ارتباطي بيك أكثر وأكثر يا معاذ، أتدلَّع على حسَّه عشان عارفة إنك مش هترفض لي طلب، وحتى لما أغلط أنت اللي تفوِّت وتعدِّي لي بسببه، مش بقولك حبيب أمه!

​تنهَّد يخطف قبلة أخرى من وجنتها مرة أخرى، يود إطالة الحديث بينهما، لكن الوقت لا يسمح، ليضطر بفك ذراعيه عنها بيأس قائلاً:

ـ والله كلامك حلو يا أم الغايب، بس شكلك نسيتي الامتحان صح، وباين الوقت هيفوتنا.

سمعت منه لتلقي بنظرها على الساعة تُزيِّن رسغها، لِتَنتفِض مُهرولة نحو حقيبتها:

ـ يا لهوي ده أنا كده هيضيع عليَّ أول مادة فعلاً لو ما لحقتش. بسرعة يا معاذ عشان توصِّلني بالعربية.

جاء رده وهو يسبقها دون أن يفوت فرصته في التنمر عليها:

ـ على ما تخلّصي النزول بخطوات البطريق، أكون أنا سخَّنت العربية...

...............................

​كانت اعتماد في هذا الوقت تلاعب الصغيرة ابنة روضة، التي كانت غائبة في غرفتها منذ ما يقارب الساعة، تاركة لها الصغيرة التي تُدخل البهجة إلى قلبها بضحكاتها ولعبها. حتى تذكرت اعتماد موعد خروجها، لتنهض بالطفلة هذه المرة متجهة إلى غرفة والدتها لتُعطيها إياها. ولكن ما إن اقتربت من الباب، وقبل أن ترفع يدها وتطرق عليه لتستأذن في الدخول، حتى توقفت فجأة مع سماع النهنهات التي صارت تصل إليها بوضوح، ثم حديث الذل والرجاء:

​ـ يا محمود، أنا إيه ذنبي بس؟ والله، والله كل يوم بفتح السيرة قدامها عشان تحس على دمها، لكن مفيش فايدة! كل مرة تسمعني الكلام الماسخ. قوله إن دا جلسة رجال ولازم تتنفذ... أيوه، والله عارفة معاكش المبلغ الكبير بتاع التعويض، بس... بس يعني لو أبوك يساعدك، ولا عيال عمامك اللي حضروا الجلسة، ولا واحد فيهم ربنا يقدّره ولو بمبلغ صغير؟... خرست يا محمود وسيبت** سكوتي لربنا. بس... بس أنت لو تقدم أي حاجة... طب أبويا الحاج رافض يديك مليم، أمك يا محمود لو طلعت غويشة واحدة من إيدها، هتجيب على خمسين ألف جنيه و... محمود، متتهمنيش إني حن عليك! أنا لا ببصلها ولا زفت. أنا بس... يا محمود... يا محمود... منك لله يا اعتماد، منك لله!

​في تلك اللحظة، كانت اعتماد تفتح عليها الباب، لتجدها تنظر إلى الهاتف الذي اسودّت شاشته مع انتهاء المكالمة من جانبه بوجهها كما يبدو، فصبّت روضة اللوم والانهيار على الحلقة الأضعف لها، وهي شقيقتها.

​والتي ابتلعت الغُصة المؤلمة وتقدمت بصمت تام، حتى اقتربت لتضع الطفلة في حجرها، ثم التفتت لتغادر كاتمة على جرحها بالملح.

​ولكن هذا لم يُرضِ روضة، التي تحدثت من خلفها في تبرير أحمق بعد أن علمت بسماعها المكالمة:

ـ على فكرة بقى، أنا دعيت من قهرتي، يعني لازم تعذريني، وتقَّدري الضيقة اللي أنا فيها.

​أغمضت اعتماد عينيها بتعب شديد ومرارة جثمت في حلقها، حتى تحاملت على ألمها لتلتف إليها وتتحدث بصعوبة:

ـ ومين يقدر الضيقة اللي أنا فيها في عيشتي مع واحدة زيك زي الأتب اللي في الضهر، ولكنه بتقل الحجر ومع ذلك مقدرش أشيله؟

​انتفضت كعادتها لا تتحمل الإهانة والوصف المُحق فيها، لتعارضها بلوم:

ـ أنا برضه اللي زي الأتب؟ ولا أنتِ اللي شوفتي نفسك بعد ما فوزتي بالحليوة ابن البهوات، ومعدتيش حاسة بأختك ولا بوجعها؟ طب أديكِ سمعتي بنفسك، أبوه رافض يساعده وولاد عمه، حتى أمه رافضة تطلع غويشة واحدة من إيدها تسد حتى ولو ربع المبلغ. يعني محدش حاسس ولا همه!

​ردت اعتماد بعد انتهائها من عبارات المظلومية التي تتجدد منها يوميًا، تخاطبها بمنطق العقل الذي لا تعرفه من الأساس:

ـ "محدش فيهم راضي يساعده حتى أمه"، دا ميخليكيش تنتبهي إنه لو راجل أمين، كان هيلاقي الكل يسارع في مساعدته، مش يجيله الرفض حتى من أقرب ما ليه؟ أنتِ بس اللي مسلماله أمرك، زي ما سلمتيه دهبك وضيعه، زي ما كان هيضيعك برضه ويمضيكي على قرض. أنتوا تستاهلوا بعض على فكرة. بس أنا ذنبي إيه عشان تحسبيني عليا؟ قولتلك روحيله وخلصيني من همك، لكن أنتِ مصرة تبقى الروحة رسمي بالتنازل مني عن التعويض اللي اتقرر في جلسة الرجال، وعشان لما يغدر ويرميكي، تلاقيني برضك في ضهرك ، بس دا مش هيحصل يا روضة. بلّغي الصايع بتاعك إني مش هتنازل عن حقي وإن وصلت إني أحبسه هعملها. أما أنتِ بقى، غوري في داهية وادعي عليا براحتك.

​ختمت كلماتها وتحركت مغادرة، تتجاهل صياح تلك الجاحدة من خلفها، تدّعي قوة زائفة وعدم اكتراث، ولكنها من الداخل، تتهادى كجبل صُنع من الرمال، ليسقط حتى يختفي ويتلاشى تمامًا.

​ها هي تطل من أعلى الدرج، تراه جالسًا في وسط الردهة الأمامية لمنزل والديها، يداعب الصغيرتين، يدغدغهما بأنفه حتى تصدح ضحكاتهما الطفولية فتصل إليها وإلى خارج المنزل.

​عدة مرات أتى لرؤيتهما في غرفة الاستقبال الخارجية دون أن تعلم هي في معظم الأحيان سوى بعد انصرافه.

​أما اليوم فقد جاء طالبًا رؤيتها. هل تراه تراجع عن الخطبة المزعومة لتلك المدعوة اعتماد؟ أم أتى في أمر آخر؟ ستعرف الآن.

​ـ مساء الخير يا خليفة. قومي من على حجر أبوكِ يا بت.

وجهت الأخيرة إلى الصغيرة التي كانت تصدر منها القهقهات العالية أثناء دغدغة ابيها لها بأنفه، لتجبره على الانتباه إليها، ونجحت بالفعل.

غتوقف هو يزفر داخله، ليقبّل ابنته وشقيقتها، ويصرفهما بلطف، ثم يتفرغ لها. وقد اتخذت جلستها في الكرسي المقابل له مباشرة، فبادرته بسؤالها:

​ـ نعم يا خليفة. بلغني أنك جاي مخصوص تقابلني. يا رب تكون جاي في خير!

قالت الأخيرة بمغزى مقصود، لتزيد من ثقل المهمة التي أتى من أجلها.

ضاق صدره من البداية، ولكنه مُصرّ على إنهاء النقاش بقراره الحاسم الفاصل:

ـ نعم الله عليكِ يا ستي، بس أنا كنت جاي نخلّص الأمور المعلقة ما بيننا.

ـ أمور إيه بالظبط؟ وضّح يا وَلَد عمي. يكونش هتردّني المرة دي؟

ـ دا على أساس إن أنا اللي كنت طلعتك من البيت غضبانة مثلًا؟ على العموم أنا جاي أوفّر عليّ وعليكِ التعب والشد والجذب. شوفي عايزة إيه يا هالة وأنا أنفذه لك. أنتِ بنت عمي قبل ما تكوني أم ولادي اللي عمري ما هفرّط فيهم، والود ما بين عيلتي وعيلتك لا يمكن يعكّره مشاكل ولا انفصال.

​اشتدت ملامحها عند الأخيرة وكأنها تلقت صفعة، بعدما فاجأها بطلبه الصريح، بطلب الانفصال منها!

​ـ يعني أنت جاي وتقول لي: اطلبي وأمري لأجل أطلّقك وأجيب الشحاتة الواطية مكانك؟

ـ احترمي نفسك يا هالة وماتغلطيش فيها.

ـ وكمان مش هتحمل عليها كلمة؟ لا، دي شكلها عاملالك عمل سفلي مُحكم!

إلى هنا ولم يتحمل، ليضرب بكف يده ذراع الكرسي بحدة:

ـ سفلي ولا علوي، اخلصي قولي طلباتك عشان لَتّ وعجن أنا مش عايز.

توقف فمها عن الكلام تتطلع إلى زوجها الماثل أمامها، البحر الهادئ الساكن وقد ثارت أمواجه الغادرة ليلفظها إلى خارج محيطه بقوة، دون ندم أو تردد. لكن لا والله لن يحدث.

​هدأت قليلًا من ضجيج الحرب الدائرة داخلها، ونيران البغض التي تود حرق الجميع دون استثناء، لتتريث قليلًا وتمتص حماسه والتحفز لأن يرمي يمين الطلاق عليها بسهولة. فقالت بعد فترة من التفكير:

​ـ وإن قلت لك إني مش عايزة أطّلق، وقابلة بالضرة؟

ـ نعم الله عليك يا وَلَد عمي. أنا عارفة إن أنت سويت الدنيا مع أبويا اللي بيحبك زي ولده، يعني في كل الحالات موافقك على كل قرار. يبقى أنا اللي هطلع العَفشة وأرفض!

​تعقد حاجباه بريبة في البداية وكأنه يتحقق مما وصل لأُذنيه. لكن ما أن استعاد ذاكرته حتى ذكّرها:

ـ بس دا ما كانش كلامك يا هالة، ولا أنا أصلًا هأصدق إنك تقبليها عشان فاهمك أكثر من نفسك. يا بنت عمي، زي ما دخلنا بما يرضي الله، نطلع بما يرضي الله والود موصول ما بيننا...

​ـ وأنا بقول لك لأ يا خليفة ومش قابلة بانفصال... لكن هأغصب على نفسي وأقبل الضرة عشان ما أخربش بيتي...

​وهل يظنها يصدقها؟ ومنذ متى كان يهمها عمار البيت من الأساس؟

عاد خليفة بظهره إلى الخلف يحدق بها بتمعّن، ربما يصل لقراءة واعية إلى ما يدور برأسها. وقد كانت ترسم وداعة لا تليق بها، لتزيد من بث الشكوك داخله، فيقرر مصارحتها وليحدث ما يحدث:

ـ وإن قلت لك أن أنا اللي مش هاقدر يا هالة، خصوصًا بعد كلامنا الأخير اللي فضلت ساجنه في صدري من فترة طويلة، عشان عارف إن يوم ما هأطلّعه هيبقى خَلَصِت...

​ـ لا، ما خَلَصِتش يا خليفة، وأوهامك دي تشيلها من مخك، عشان أنا عارفة نفسي زين، وبرضه مش قابلة طلاق.

​حقًا تثير انبهاره في إنكارها، وتشبّثها الغريب الآن، رغم قسوة ما أخبرها به، والذي ارتد أثره على لغة جسدها، وهي تواصل بعصبية وإصرار يقارب الجنون:

​ـ عايز تطلّق غيابي؟ اعملها وجِب لنفسك العيبة. أما لو هتجيب المأذون، يبقى أنا بنفسي هأطلَع للشيخ وأبلّغه قدام الجميع رفضي، وتجيب لنفسك برضه العيبة. أنا واحدة باكية على عمار بيتي يا خليفة. أنت بقى عايز تخلص من مرأتك وعيالك عشان مرأتك الجديدة؟

​اللعنة على ذلك الإصرار الغريب.

انتفض عن مقعده فجأة يُنهي ذلك الجدال العقيم، قاطعًا بعبارته الأخيرة:

ـ تمام، أنتِ حرة يا هالة، بس أنا برضه صاحي لك، وفاهم قوي اللي بيدور في دماغك...

​أنهى حديثه العاصف وخرج بخطواته السريعة، قبل أن يختنق بطاقة الشر التي انتشرت في الأجواء.

أما عنها وقد كانت تغلي كَبُركان على وشك الانفجار، فقد انتظرت حتى اختفى تمامًا من المنزل، لتردد بتوعد:

ـ أنا فعلًا حرة يا خليفة، وبكرة تشوف هالة بنت عمك هتوجب إزاي معاك يا عريس

ارتدى ملابسه بملامح مكفهرة، وخرج من غرفته وهو في طريقه بالذهاب إلى عمله، فوقعت عيناه على تلك التي احتلت مقعدها بانتظاره في وسط الصالة.

​زفر يتطلع إليها بقرف، قبل أن يتخذ طريقه للمغادرة، فـ أبت هي إلا أن توقفه، تجذبه من ذراعه الضخم:

​ـ "طب قول حتى صباح الخير، دا السلام لربنا."

​نفض ذراعه عنها يُبعدها عنه بازدراء:

​ـ "السلام لـ أهل السلام، لكن انتِ لا طايقك ولا أطيق أبص في وشك."

​ـ "يا أخي الرحمة، الرحمة عشان ربنا يرحمك، كل ده عشان الملعونة الغجرية! وهي اللي رمت بلاها وجات برجليها لحد بيتي، كنت عايزني أخدها بالحضن وهي جاية تشاركني في بيتي وفي جوزي؟"

​ـ "وبعد ما ضربتيها وعملتِ لي فضيحة في وسط الخلق، استريحتي ولا فشيتي غيظك؟ كل يوم بكرهك أكتر من اللي قبله."

​صرخت باكية وقد فاض بها من قسوته:

​ـ "وآخرك دا هيوصل معايا لحد فين؟ موتني أحسن واستريح يا عرفان، بدل المُر اللي بتزقّهولي في حلقي مع كل كلامك السَّم اللي بترميه في وشي.

أنا لما شوفتها نار قادت في جسمي يا عرفان، مادرتش بنفسي غير وأنا بَهْجُم عليها، كان نفسي أغرَز ضوافري في وشها اللي فرحانة بيه، أأذيها وأعورها، المهم تحس بالوجع اللي أنا حاسّة بيه. الضرة مُرَّة يا عرفان، مُرَّة قوي."

​ضاقت عيناه نحوها ليدنو مُقربًا وجهه منها، يرد على خطبتها العصبية:

"ولما هي نارها كاوية كده، ما حسِّتيش بيها ليه من الأول؟ لما عملتِ السِّحر وخلَّتيني أهجر فَرشة مراتي وهي لسه ما كملتش العشرين، كنتِ تتغندَري قدامها وتتزوَّقي وهي زي البيت المهجور، تكيدي فيها كل يوم وهي المسكينة ملهية في تعبها وتربية بنتها، حتى النَّفَس كنتِ بتِعدِّيه عليها، وأنا بغباوتي كنت بساعدك..."

​توقف يستدرك حجم الجرم الذي كان يرتكبه معها في حق المظلومة وابنتها، بتلك الذكريات التي تتوارد في ذهنه، ليدفعها بعنف من أمامه:

​وقعت منهارة على الأرض نتيجة دفعته، تذرف دموع القهر والندم.

​داخل الفصل الخالي من التلاميذ، نظراً لقضاءهم الإجازة، جلست في آخر مقاعده كي تختلي بنفسها بعيداً عن الجميع؛ هي وأحزانها ولا أحد آخر.

​بعد حديثها العاصف مع روضة وحسمها في اتخاذ القرار، ربما كانت قاسية تلك المرة، ولكنها لم تترك لها خياراً. منذ صغرها لم تكن أبداً ضعيفة الشكيمة، ولكنها تحولت منذ زواجها بهذا الفاسد. سيطر على تفكيرها، ومحا إرادتها في مقاومته... ولكن أن تصل لدرجة الدعاء عليها، هذا ما لم تتوقعه على الإطلاق.

​هل كانت ظالمة لها لتنال منها ذلك الجحود والنكران؟ ألهذه الدرجة هانت عليها؟

​كانت العبرات تسقط من عينيها دون أن تشعر في غمرة شرودها، حتى انتفضت على صوت طَرْق قوي على الباب، لتُفاجَأ به.

​استدركت سريعا لحالتها فور انتباهها لحضوره، فدنت تحني رأسها إلى الأسفل كي تمسح على عجالة بأناملها آثار الدموع التي ما زالت عالقة على خديها.

​ثم رفعت وجهها إليه وقد اقترب من محل جلوسها، تلملم شتاتها في مقابلته، وتبادره بسؤالها:

​- إيه؟ في حاجة يا أستاذ خليفة؟

​تبسم كعادته كلما تحدثه برسمية، ليجيبها بعد ذلك:

​- لا والله يا أبلة اعتماد، أنا بس كنت جاي النهاردة أسأل على تقديم البنت الصغيرة، للسنة اللي جاية إن شاء الله، وبالمرة أشوفك، بما أنك خطيبتي قدام الناس يعني وكده...

​قَطَعَ في الأخيرة ناظراً إليها بتساؤل حين انتبه على الذبول الذي كسا ملامحها ليردف:

​- أنتِ في حاجة النهاردة مزعلاكي يا اعتماد؟

​نفت سريعا بتحريك رأسها لتعارضه بارتباك:

​- حاجة إيه كمان اللي هتزعلني؟ آآه، بخصوص تقديم البت الصغيرة، لو كنت سالتني من الاول على إجراءات التقديم كنت هدلَّك واسهل عليك الدنيا...

​لم يرد، بل اكتفى بالصمت هذه اللحظات، وحدق بها مطولًا حتى امتدت يده نحو وجنتها التي تحمل آثار الدموع، مشيرًا إليها، وكاد أن يلمسها:

​شهقت وارتدت رأسها للخلف تُنبهه بغضب:

​- "أنت اتجننت يا خليفة ولا افتكرت إنك خطيبي صحيح؟"

​- "لا مفتكرتش يا اعتماد، عشان أنا فعلًا حاليًا صفتي خطيبك قدام الناس، يعني إشهار. وأجيبلك النا هية، أنا واخد الموضوع جد، مش تمثيلية زي ما أنتِ فاكرة وبتخدعي نفسك."

​صدمها بجديته، لتذهل شاخصة العينين لعدد من اللحظات حتى تمالكت قواها أخيرًا، مُرددة بعدم استيعاب:

​- "أنا كمان بخدع نفسي؟ أنت واعي بتقول إيه؟ لا اصحَ لعقلك لو سمحت، أنا مش هَيّنة ليك ولا لغيرك عشان تفرض عليَّ أمر اضطرتني الظروف إليه. شكلك نسيت مين هي أبلة اعتماد؟"

​وعلى عكس انفعاله السابق، تلقى ثورتها بهدوء شديد، مُضاعفًا من صدمتها بقوله:

​- "لا منستش مين هي اعتماد، ولا أنا الراجل الناقص اللي يستغل الظروف عشان أفرض عليكي الأمر الواقع، بس أنا شاريك في الحلال، أنا عايز أتجوزك يا اعتماد..."

رجفة سرت داخلها حين نطقها صريحة دون مواربة، أنه يطلبها بالفعل. فاختلطت المشاعر داخلها: ما بين خوف... وفرح... وترقب.... ثم عقل أيقنت به أن هذا الأمر استحالة أن يحدث.

​نفضت عنها الذهول، فواجهته مستنكرة:

"لا بقى، أنت شكلك عِشت الدور بجد! فوق يا خليفة، وافتكر إنه تمثيل. عشان لو جينا للجد، ما ينفعش، ولا أنا هوافق عليه. سامعني؟"

​"وإيه اللي يخلّيه ما ينفعش إن شاء الله؟" سألها ببساطة، ليضطرها إلى الإجابة بعصبية:

"عشان أنت راجل متجوّز، وليك بيتك وعيالك! ولا دي نسيتها؟"

​مطَّ بشفتيه دون أن يتأثر بثورتها، قائلًا:

"حاجة غريبة. مع إنه نفع في التمثيل، وما حدش اعترض. حتى مراتي نفسها تقبلت الأمر إني أتجوز عليها."

​"هالة قبلتني عليها ضرة؟" صاحت بها مندهشة، فواصل يضاعف من صدمتها:

"وأنا هكدب عليكي ليه؟ على العموم، كده يا أستاذة ثبت لك بالدليل القاطع إن اللي مشينا فيه على إنه تمثيل بيتحول بطريقة غريبة إنه يبقى حقيقة. وده اللي أنا طالبه منك دلوقتي: إنك تحددي ميعاد نيجي أنا وأمي وأخواتي نحدد فيه كتب الكتاب."

​نهضت تقابله بعقل تشتت من طريقته الغريبة في إقناعها:

"كمان كتب كتاب حتة واحدة! طب إيه رأيك بقى إن نفضّها من الخطوبة اللي ما حصلتش دي أصلاً، ويا دار ما دخلك شر.

​هذه المرة تبسَّم باتساع حتى ظهرت أسنانه البيضاء، ليخالفها بمرح:

"آسف يا أبلة اعتماد، أنا متمسك بالخطوبة اللي ما حصلتش إنها تبقى حقيقة. يعني لو اتصرفتِ من نفسك وادّعيتي فسخ الخطوبة، أنا هقول إنه ما حصلش. عن إذنك بقى، أسيبك تفكري مع نفسك في تحديد ميعاد الفرح، يا خطيبتي."

​وتحرك يغادر، يتركها في حالة من التخبط فاغرة فاهها بعدم تصديق:

هل بالفعل تحوّل التمثيل لحقيقة؟ وكيف تتخذ قرارها في ذلك الوضع غير المفهوم؟

​رغم الاتصالات المستمرة منذ الصباح، وتأكيد معاذ عدة مرات بأن الأمور تسير على أحسن وجه، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لها، لدرجة أنها أجبرت زوجها العزيز على مرافقتها للذهاب إلى مقر اللجنة التي تؤدي فيها ليلى امتحانها.

​وتوقفت السيارة أمام مبنى المدرسة التي وصفها لهما معاذ داخل المحافظة، فالتفت إليها يخاطبها بيأس:

​ـ المدرسة قدامك أهي يا ست مزيونة، الدنيا هس، ومفيش غير كام واحد من الأهالي اللي زي حالاتك، ملطوعين جنب الحيطان في انتظار انتهاء الامتحان، مش طلعتي مجنونة لوحدك يا مزيونة.

​ردت من جانبها بابتسامة ومشاعر يغلب عليها القلق:

​ـ وماله يا حمزة؟ ما الأهالي كمان خايفين على مستقبل عيالهم، ربنا يجبر بخاطرنا جميعاً يا رب.

تمتم بها حمزة بينما انصرف ذهنه نحو الجهة المقابلة له، بعد أن وقعت عيناه على أحد الأفراد من نقطة الشرطة التي تحرس اللجنة، ليردف:

​ـ يا ما شاء الله، ده إحنا كمان لينا معارف هنا، وسط اللجنة! اللي هناك ده يبقى الظابط كمال، صاحبي من أيام الدراسة، مش هينفع ما أسلمش عليه.

​ـ روح يا حمزة، أنا كمان مش هتحمل قعدة العربية، هطلع بره أستناها، زمانها قربت تطلع.

​ـ والانتظار في العربية ولا براها هيفرق إيه يا مزيونة؟

​حِنّ عليَّ يا حمزة، سيبني على راحتي، القلق بياكل قلبي والله.

​زفر بضجر ليستسلم في الأخير تحت إلحاحها، موافقاً على اقتراحها الأحمق كما يراه:

​ـ ماشي يا مزيونة، على العموم، هي كلها عشر دقايق، ولا ربع ساعة بالكتير ويخلص وقت الامتحان، اقفي في الضِلّ على ما أخلص أنا مقابلتي مع حضرة الظابط.

​ـ يا حبيبي يا حمزة، ربنا يخليك ليَّ يا رب، ويجبر بخاطرك زي ما أنت جابر بخاطري.

​تلقى دعوتها بترحيب شديد وبنبرة اختلط فيها الشجن نحو الشيء الذي يتمناه بشدة، ومع ذلك لا يستطيع إجبارها على تحقيقه، حتى تأتي الإرادة منها أو من الله.

​ـ يا رب يا مزيونة، يجبر بخاطري ويحقق اللي باحلم بيه

كانت بالفعل أمام مبنى المدرسة. تمتمت بالأدعية والذكر باستمرار ليعين ابنتها ويعينها ويوفقها.

​وفي غمرة انشغالها الشديد، تنقل نظرها بين شاشة هاتفها لتتفقد الوقت، وبين باب المدرسة تنتظر بلهفة فتحه وخروج ابنتها كي تبشرها.

​لم تنتبه للذي قَدِم حتى اقترب منها بمسافة قريبة يتأملها بذهول شديد، حتى إنه لم يعرفها في البداية.

​لقد بدت أمامه شديدة الجمال بملابسها العصرية الزاهية، وكأنها عادت لسنوات العشرين. "من تلك المرأة التي ينظر إليها الآن؟ هل بالفعل هي مزيونة؟"

​مبالغته في تأملها ارتدت بأثره عليها، لتنتبه إليه أخيراً، فانتفضت متراجعة خطوتين للخلف تسأله:

ابتلع ريقه، يتمالك أنفاسه في الرد على سؤالها:

​ـ نفس السبب اللي جابك، جيت عشان خاطر بنتي وامتحانها.

رمقته بشك، ثم صرفت نظرها عنه متجهة نحو باب المدرسة الذي لا ترغب في الالتهاء عنه. فواصل هو حديثه، لا يقوى على أن تفوته الفرصة في التحدث إليها:

​ـ مكنتش أعرف إن الجواز من واحد غيري بيحلّي كده يا مزيونة، لا وكمان بيرجع السن لورا. تفرقي إيه عن بنت تلاتاشر اللي اتجوزتها غير في حاجات بسيطة، زي العود اللي اتنصب والجسم اللي اتشد، وكأنك بس نضجتي واتخرجتي من الجامعة، مش واحدة بعد شهور قليلة هتبقى جدة!

​ـ ها... وإيه تاني كمان يا غالي؟

قالها حمزة الذي ظهر فجأة من العدم، بعد أن انتبه بوجود هذا الأحمق أثناء حديثه مع الضابط صديقه.

​خاطبه بتحفز للقتال، غير عابئ بهلع زوجته التي صارت تضغط على ذراعه حتى يملك غضبه ولا يثير الفضائح. أما الآخر فقد كان يطالعه ببغض لا يخفيه، حتى أجابه بمراوغة كعادته:

ـ وه يا نسيبنا، مالك كده متعصب ليه؟ معلش... نسيت نفسي في الحديث، بس اعذرني، دي أول مرة أشوف أم بنتي بعد جوازها منك، واتفاجئت بالتغيّر اللي حوّلها لواحدة تانية تقريباً.

​زجره حمزة بأعين استعر داخلها الجحيم، يضغط بعنف على قبضة يده التي تناديه للانتقام من ذلك البغيض وتهشيم فكيه، ولكن منعه الحرص الشديد على صورته وسمعة زوجته التي قد تُمسّ أمام الضابط صديقه، والذي جاء ليستكشف الأمر:

​ـ السلام عليكم، خير يا حمزة في حاجة؟ ولا الراجل ده عامل مشكلة معاك؟

تردد حمزة لثوانٍ قليلة في الإجابة، فتولى عرفان الرد وبطريقته الملتوية كالعادة:

ـ حد الله يا بيه، ربنا يكفينا شر المشاكل، ده أنا نسيبهم حتى، والبنت اللي بتمتحن جوه، "ليلى" مرة ولدهم معاذ، تبقى بنتي. ولا إيه يا حمزة باشا؟ طمّن صاحبك الظابط يا راجل، ده افتكرنا بنتعارك وإحنا أصلاً حبايب.

​عض حمزة على نواجذه، وبصعوبة شديدة أجبر نفسه على مجاراة هذا القميء:

ـ فعلاً يا كمال باشا، أبو ليلى نسيبنا ويعتبر من أهلنا.

وعلى فكرة دي المدام زوجتي، مزيونة الحرة.

​تفوّه بالأخيرة بفخر، وبنظرة مقصودة نحو عرفان الذي امتقعت ملامحه. التفت بجسده عن حوار الثلاثة في التعارف، حتى خرجت ليلى لتهرول والدتها نحوها حتى تطمئن منها على سير الامتحان

داخل السيارة التي اجتمع فيها الأربعة:

​حمزة الذي يقود السيارة وزوجته في المقعد الأمامي بجواره، وليلى استقلت المقعد الخلفي مع زوجها معاذ الذي أتى على موعد خروجها بدقة ليشهد تلك اللحظة التاريخية في اجتماع حمزة ووالد زوجته مع مزيونة.

​فعلق معاذ مشاكساً، ولكن بحرص خوفاً من غضب شقيقه الذي كان ينفث دخاناً من فتحتي أنفه وأذنيه:

​ـ حاسس إني لما تأخرت فاتني كتير، شكل وجود الضابط كمال جاء بفايدة كبيرة في حقن الدماء.

​سمعت مزيونة والتوى ثغرها بتوجس، حتى أدارت وجهها عن ذلك الغاضب، والذي خرج عن صمته ينهره:

​ـ اتلِم ياض أنت كمان بدل ما ألمك، أنا على آخري أصلاً.

​رد معاذ ببساطة مُبدياً تفهماً:

​ـ خلاص يا برنس ولا يهمك، أنا أصلاً مش فاضي وبراجع ورقة الامتحان مع زوجتي العزيزة.

​وبالفعل، انشغل الأخير بمراجعة ورقة الامتحان مع ليلى، تتابعهما مزيونة بتركيز وتتدخل في بعض الأحيان، حتى فاض الكيل بحمزة ليُصمِت الجميع بصيحته:

​ـ أنا اللي عايز أعرفه دلوقت، الباشا ده إيه اللي جابه النهاردة؟ على أساس إنه يهمه قوي تعليمها ولا المجموع اللي هتجيبه؟ هو أصلاً من إمتى مهتم وعارف بمواعيد دراستها؟

​تفاجأ بالإجابة التي صدرت من ليلى، لتلجمه عن المواصلة حين تابعت:

​ـ هو فعلا أول مرة يحضر أو يهتم بيوم امتحاني، بس أعمله إيه؟ وهو بدأ يهتم ويسأل، ده في الأول وفي الآخر أبويا.

​سقطت كلماتها على رأسه كَدَلْوِ ماء مثلج تُطفئ نيراناً مشتعلة، ليتدارك ويمسك لسانه حتى لا يندفع ويُخطئ بالقول عليه أمامها:

​ـ لا طبعاً ده أبوكي وله حق عليكي مهما حصل، معليش يا ليلى، عمك حمزة عصبي النهاردة شوية.

​ـ قول شويتين يا حبيبي، ده احنا مش عارفين نكلمك من ساعة ما دخلنا العربية، في إيه يا عم؟

​تفوه بها معاذ، ليجبره على الاندماج قليلاً، وعيناه انصبت على تلك التي كانت تنظر عبر النافذة إلى الخارج، آخذة على خاطرها منه بعد انفعاله عليها أيضاً.

لي​رد ببيت الشعر الذي طَلَّ برأسه معبراً عن حالته:

​ـ معذور يا حبيبي، ولازم يبقى عنديكُم دم وتقَدَّروا:

​غيرة الراجل نار في مَرَاجِل... نار بتنوّر مابتحرقش

شمسنا حامية وعِرقنا حامي وطبعنا حامي

واللي تخلّي صعيدي يحبها... يبقى يا غُلْبها

​لم تَقْوَ مزيونة على كتم ابتسامتها، ليُصَفِّق له معاذ بتهليل، ويضيف بمرح هو الآخر نحو زوجته التي غمرها الابتهاج هي أيضاً:

​ـ أيوه بغير لا أنا نقصان ولا ضعفان

واللي قالوا لك غيرة الراجل قلة ثقة أو قلة فهم... خلق حمير,

رواية لاجلها الفصل الرابع والاربعون

تلك اللحظة التي نرفع فيها أيدينا إلى السماء، نطلب ونتوسّل بقلوبٍ أنهكها الرجاء، نُرسل أنيننا في صمتٍ، نظنّ أن الدعاء لم يُستجب بعد، بينما الحقيقة أن الله سمع وقَبِل منذ اللحظة الأولى؛ لكنه يؤجّل العطاء حتى تتهيّأ أرواحنا لاستقباله، وحتى يأتي في أجمل صورة وأكمل وقت.

فكلّ ما نراه تأخيرًا هو في الأصل تدبير، وكلّ ما نحسبه فواتًا هو لُطفٌ خفيّ يسوقه الله إلينا بحكمةٍ لا تُدركها أعيننا.

كم مرة ظننا أن الطريق قد أغلق، ثم انفتح من حيث لم نتوقّع؟ وكم مرة خذلنا ما أردناه، فوهبنا الله ما لم نطلبه فكان الخير كله فيه؟

إنه اللُّطف الإلهيّ الذي يتقدّم قلوبنا بخطوة، فيحجب عنّا ما يؤذينا، ويمنحنا ما يُصلحنا وإن بَدَا مؤلمًا.

فالحمد لله دائمًا وأبدًا، على اختياراتٍ غلبت أمانينا، وعلى رحمةٍ لم تُفارقنا وإن غابت الإجابة عن مرادنا.

فـ الخير كلّه فيما اختاره الله لنا، وإن تأخّر، فهو قادمٌ بلُطفٍ لا يُوصف، ووقتٍ لا يُخطئ موعده. 🌿✨

الخاطرة الروعة والمراجعة من المبدعة/ القمر سنا الفردوس (بطوط)

مرٌت عدة أيام وهو في حالة غضب لا يهدأ، وعقله لا يكفّ عن التفكير منذ آخر لقاء جمعه بتلك الملعونة المتلوّنة. كم مرة رآها في شارعٍ أو زقاق، وقبل أن يتمكن من الاقتراب منها، تختفي كأنها زئبق، أو تنحشر داخل تجمعات الناس أو بين النساء.

حتى هنا، في هذا المكان الذي أخذ وعدها بأن تأتيه بطلبه، لم تطأه قدماها إلا اليوم.

كانت أسفل شجرة السنط، تلتقط منها مادة الصمغ الطبيعي ومجموعة كبيرة من الأوراق، تحشرها داخل كيسين من القماش، لكلٍّ منهما استخداماته، سواء طبية تقليدية أو أشياء أخرى يعرفونها هم، بحكم ترحالهم الدائم واستغلالهم لموارد الطبيعة.

أكثر ما يميّز هذه الشجرة هو أشواكها الكثيفة، وهو ما جعلها تأخذ حذرها بتركيزٍ شديد. وكان هذا في مصلحته هو، فور أن وقعت عيناه عليها.

احتبست أنفاسه، وتوهّجت عيناه بوميض صيّاد وجد فريسته، ليقترب نحوها ببطءٍ شديد، بالكاد تلامس أقدامه الأرض حتى لا تنتبه وتهرب منه كما في كل مرة. تقدّم خطوة، خطوتين، حتى إذا حانت اللحظة، وثب نحوها كالفهد، يقيّدها بذراعٍ، والآخر يكتم به أنفاسها.

تلوت بشراسة، وصوتها يزمجر أسفل كفّه القابضة على فمها بقسوة، تغمغم بكلمات بذيئة وشتائم بالجملة. فشدّد هو قبضته، ورجّها رجًّا وهو يزمجر مهددًا:

ـ اِهمدي... واقفلي خشمِك ده من الشتايم والكلام الزِفِر! أنا عطوة مش غريب يا أختي، يعني عارفة غرضي زين قوي؟ آخد حاجتي وأسيبك تغوري في داهية...

خفّت مقاومتها وارتخى جسدها اللَّيِّن بين ذراعيه، مالت برأسها للخلف حتى التقت عيناها بعينيه، تطالعه باستسلامٍ وإغواءٍ جعله ينتفض ويتركها على الفور بغضبٍ متعاظم، زاجرًا بخشونة:

ـ لا يا روح أمّك، بلاها الحركات دي... عشان ما اتعصّبش عليكي أكتر.

رغم قوة الدفعة التي جعلت ظهرها يصطدم بجذع الشجرة بعنفٍ كاد أن يؤذيها، إلا أنها تجاهلت الألم، وقد وجدت ما يخفف عنها في الارتباك الذي حلّ بهيئته ونبرة صوته التي تجلّى فيها الاضطراب رغم تصنّعه غير ذلك، لتزيد من نعومتها وهي تخاطبه باسمه:

ـ وه، وتتعصب عليا ليه بس يا سي عطوة؟ هو أنا عملتلك حاجة؟

ارتفعت قبضته نحوها حتى كاد أن يضربها، لكنها توقفت في الهواء، ينهاها كازًّا على أسنانه حتى تكفّ عن ألاعيبها معه:

ـ في قبر هيلمك إن شاء الله لو ما اتعدلتيش وجبتي الأمانة اللي عندك! أنا مش فاهم والله، غايتِك إيه من حِتّة صورة؟

سمعت منه، فـقطّبت حاجبيها تتظاهر بالاستفهام، لكن سرعان ما بدّلت لتضرب بكفّها على جبهتها مدّعية التذكّر:

ـ قصدك الصورة الـ... أخ... يا وعدك يا نورة، أنا كيف نسيتها دي؟

للمرة الثانية تدفعه للهجوم عليها، وهو بالكاد يحاول أن يتحاشاها، ليباغتها بالقبض على قماش الرداء الذي ترتديه، يدنو بوجهه أمامها صارخًا:

ـ يا بنت الـ... قلتلك بلاها اللوع، ليه غاوية تختبري صبري عليكي؟

أصبحت المسافة الفاصلة بين الوجهين لا تتعدى السنتيمترات، وهو يهدر بالسباب والشتائم التي لا تعيرها اهتمامًا، وقد شرَدت بتلك الملامح الخشنة دون وسامةٍ ظاهرة. ليس جميلاً بالمعنى المعروف، ولكن به شيئًا يجذبها إليه، ذلك الشيء تعرفه تمامًا، وهو ما يصبّرها على وقاحته ومعاملته الدونية لها دون وجه حق.

أما هو، فقد حاول بشتى الطرق أن يمنع ذلك الإحساس بالتأثّر تجاه تلك الملعونة، أو جنيّة البحر كما وصفها في أول لقاءٍ بينهما. لا تكتفي بجمالها الرباني، بل تدفع بأسلحتها الأنثوية حتى تجعله يفقد تركيزه في معظم الأحيان، وتُصعّب عليه مهمته، وهذا ما يضاعف من غضبه.

ـ ساكتة وعمّالة تِسبّلي في عينيكي على أساس إني ممكن أتأثر بواحدة زيّك؟ إدّيني غرضي وغوري، أنا مش طايق أبص في خلقتك أصلاً!

قابلت نورة مبالغته في تحقيرها وتعمّده توجيه الإساءة بابتسامةٍ داخلها، رغم ادعائها المسكنة واستجداءه:

ـ الله يسامحك يا سي عطوة، دايمًا كاسر نفسي. على العموم، أنا برضك مش هشيل منك، بس أعمل إيه؟ شكلي اتلهيت ونسيت الصورة، حتى مش فاكرة حطّيتها فين؟... آه!

صدرت الأخيرة منها بألمٍ حقيقي حين حطّت أنامله تقبض على عنقها ككلّابةٍ حديدية، يضغط بكامل قوته حتى كاد أن يقتلها خنقًا بالفعل، لولا أنه استدرك فعلته قبل فوات الأوان حين رأى التغيّر السريع في ملامحها؛ إذ تحوّلت بشرتها إلى الاحمرار الداكن بسبب احتباس الدم وعدم وصول الأكسجين، واتسعت عيناها بشكلٍ غير طبيعي وهي تناظره بخوفٍ وذُعر.

استفاق نازعًا كفّيه عنها، يراقبها وهي تأخذ أنفاسًا عميقة ومتقطعة، وكأنها تتعلم التنفّس من جديد. تبع ذلك نوبة سعالٍ قوية ومؤلمة، وجسدها يحاول من خلالها إدخال أكبر قدرٍ ممكن من الأكسجين.

حتى إذا استردّت بعضًا من وعيها، تطلّعت بعينين باكيتين تؤنّبانه:

ـ حرام عليك، كنت هتاخد روحي فُطيس عشان صورة! تهون عليك روح بني آدم على حاجة ما تستاهلش؟ قيمتها إيه المرا دي عندك عشان تودي روحك في داهية؟ ولا لما أنت حاببها جوي كده، ما اتجوزتهاش ليه بعد ما اتطلقت من عرفان؟

صرخ بها، وقد التمعت عيناه لأمرٍ لم تفهمه، لينهي بتهديدٍ صارم:

ـ قدامك بكرة يا نورة. إن ما جبتيش الصورة، يبقى اللي وقّفته من شوية هكمّله المرة الجاية، وقولي على نفسك يا رحمن يا رحيم.

ــ ✦ ✦ ✦ ــــــــــــ بنت الجنوب ـــــــــــ✦ ✦ ✦ــ

يوم اختبارٍ جديد قد تمّ الانتهاء منه بعد ليلةٍ من السهر والقلق، يليه انتظارٍ أمام لجنتها حتى الاطمئنان على خروجها مبتسمة كالعادة، فلا يتبقى سوى انتظار النتيجة.

أما الآن، فقد حان موعد العودة إلى المنزل الكبير، وقد كان اليوم ممتلئًا بالأشخاص بحضور الشقيقات المتزوجات وأطفالهن.

حسنية التي تترأس الجلسة كعادتها، بصحبة منى وزوجها، مع غياب باقي الشقيقات المنشغلات في المطبخ والأعمال المنزلية لوالدتهن.

ـ يا مساء الخير، دا الحبايب كلهم موجودين!

ألقى حمزة تحيته مرحبًا، ليقابله منصور فاتحًا ذراعيه بمبالغةٍ في رد التحية:

ـ نسيبي الغالي، وحشتني يا غالي!

تقبّل حمزة عناقه مرحبًا بشكٍّ قائلاً:

ـ وفاتح دراعاتك وبتحضن كمان؟ لا شكلك رايق النهارده. يلا المهم إنك وحشتني أنت كمان. وأنتِ يا بت يا منى، عاملة إيه؟ مش عادتِك تبقي هادية؟

أومأت له بابتسامةٍ كإجابة، فتكفّلت والدتها بالرد عنها قبل أن تتجه بالحديث إلى البقية:

ـ سيبوا منى في حالها، مش فايقالكم! طمِّنينا يا بت يا ليلى، عملتِ إيه في الامتحان؟ سبع ولا ضبع؟

ضحكت ليلى، ليأتي الرد من معاذ الذي هلّل بتفاخر:

ـ سبع وسبع الرجال كمان يا حسنية! حرمنا المصون كدها وكدود.

قالتها منى وهي تسحب ليلى لتجلسها بجوارها بعد أن اقتربت منها الأخيرة لتصافحها وتقبّلها، فيأتي دور مزيونة التي دلفت خلفهم مع ريان:

ـ آهه، والبرنسيسة التانية كمان جت! تعالي يا ندلة يا اللي ما بتسأليش. لازم أنا أسأل، لكن أنتِ لأ.

شهقت مزيونة مهرولة إليها بطيبتها:

ـ يقطعني يا حبيبتي، هو أنا أقدر أستغنى عنك برضو؟ حبيبتي يا غالية، والله ملخومة في امتحانات ليلى.

قابلت منى عناقها بحبٍّ دون جدال، فتدخل حمزة مدافعًا عن زوجته:

ـ بتبرّري ليه يا ملكومة أنتِ؟ على أساس هي مقطعة رجليها على البيت؟

ـ شوف البارد ده كمان! أنا ليا عذري يا حبيبي.

ـ عذر مين يا أمّ عذر؟ كان على رجليكِ نقش الحنّة يا أختي؟

قالها حمزة بسخرية، فجاءه الرد من منصور ضاحكًا:

ـ المدام يا عمنا، منى أختك حامل!

شيء من الذهول أصاب حمزة وهو يلتفت نحو شقيقته التي صارت تتلقى التهاني من مزيونة وابنتها وشقيقها معاذ، لينضم إليهم مهنئًا بعد أن تأكّد من صدق صهره:

ـ مبروك يا منى، مع إنك موقّفة من كذا سنة، أنا افتكرتك استكفيتِ...

ـ لا يا حبيبي، استكفينا إيه؟ هو في حد يستكفى من العيال برضو؟

تفوه بها منصور بعفويته، غافلًا عن أثر كلماته على من يرسم الإبتسامة اندماجًا معه، لكن داخله غصّة تكونت في حلقه لا يستطيع البوح بها.

ـ طبعًا يا حبيبي، هو أنت محتاج تعبّر ولا تتكلم أصلاً؟ والله يا حمزة واخدة كل احتياطاتي، وحالفة من جوايا ما أكرر الغلطة تاني، لكن إرادة ربنا غلبت، أكيد من دعوات الفقري ده، أنا عارفة لما يحط دماغه في حاجة...

ضحك زوجها بصخب أمام تعليقات البقية وتهنئتهم، ليصيب الصمت حمزة وهو يتابعهم.

أما معاذ فصار يهلّل بقدوم طفلٍ سيكون أصغر من طفله، كي يأخذ فرصته ويضربه إن لزم الأمر!

وليلى التي كانت تقيس بطنها بجوار منى، وقد كانت متقاربة معها في الحجم تقريبا ولا تختلف عنها سوى بفرق قليل رغم فرق شهور الحمل بينهما.

حسنية تنظر إليهم برضا، بينما مزيونة التي ظهرت عليها الفرحة بحق، لم تنتبه إلا مؤخّرًا إلى نظرة زوجها الغريبة إليها قبل أن يقوم ويستأذن مغادرًا، فصارت تتبعه بعينيها حتى اختفى خارج المنزل، وعقلها قد وصل أخيرًا إلى سرّ حالة الغموض التي تكتنفه.

سألت عن مقر تواجده حتى وصلت إليه، لتطأ قدماها ذلك المكان الجديد عليها، رغم عدد الشهور التي قضتها في المنزل منذ زواج ابنتها، ثم زواجها هي أيضًا لتصبح فردًا من العائلة. هذه أول مرة تدخل الإسطبل.

تلك المساحة المصممة بعناية من الخشب الداكن الذي اكتسب لونًا عتيقًا بفعل الزمن. رائحة التبن الجاف النظيف وجلد السرج المدبوغ تفوح في الهواء، ممزوجة بعبقٍ ترابيٍّ لطيف. وعبر السقف المائل، تتسلل أشعة شمس الأصيل الذهبية لتستقر في شكل أعمدة من النور.

وفي ركن الإسطبل، حيث الضوء أكثر خفوتًا، وقعت عيناها عليه. يقف بوضعٍ شبه ثابت، يسند ظهره إلى إحدى الدعامات الخشبية، نظراته مثبتة على حظيرةٍ واسعة قليلًا، حيث ترقد الفرس الأم، وإلى جانبها كان المهر المشاغب الذي لا يكف عن الحركة، حتى نهض ليشغل المساحة حولها بالقفز يمينًا ويسارًا. مشهدٌ يسرّ العينين، وهو يراقب بصمتٍ ثقيل.

تبدو على ملامحه علامات الإرهاق والهمّ، بالتأكيد هي انعكاس لما يدور برأسه من أفكارٍ تعلمها جيدًا.

نادته كي تنتشله من شروده، وتجذب انتباهه إليها، فتعلق بصره بها حتى اقتربت منه، تخاطبه بابتسامة يشوبها الاضطراب:

ـ إيه الحكاية؟ طلعت من جارنا واختفيت فجأة! حضرنا الأكل، وبقينا ندور عليك عشان تتغدى معانا مش لاقيينك، غير بس الواد ابن أختك منى هو اللي دلّنا، وقال إنه شافك كنت داخل عند الفرسة من يجي ساعة، معقولة كل ده قاعد بتتفرج عليها يا حمزة؟

ـ عادي يعني، أنا ممكن أكون سرحت ونسيت الوقت. على العموم أنا أصلًا ما ليش نفس. روحي اتغدي إنتِ معاهم عادي، وأنا شوية كده وهاجي أشرب الشاي معاكم بعد ما أعمل مكالمتين مهمين.

لم تستجب، بل تجمّدت برهة قبل أن تباغته بقولها:

ـ حمزة، هو إنت زعلان عشان مني طلعت حامل؟

احتد بصره نحوها بضيق، ينفي مستنكرًا:

ـ لا طبعًا! إيه اللي بتقوليه ده؟ هحقد على أختي وجوزها يعني؟ نقّي كلامك يا مزيونة!

شعرت بالحرج حين انفعل عليها، لتعبر عن أسفها بصوتٍ مختنق وعينٍ احتجزت فيها الدموع:

همّت أن تلتف وتبتعد عنه، وقد تحركت قدماها خطوتين إلى الخلف كي تغادر، ولكنه كان الأسبق، يمنعها قابضًا بيده القوية على ساعدها ليردّها إليه:

ـ رايحة فين وهتسيبيني؟ أنا لسه سمحتلك تمشي أصلًا؟

قال الأخيرة بنبرةٍ مازحة، ليرفع ذقنها إليه متطلعًا إلى عينيها التي التمعت بالعبَرات، فزاد ذلك من ثقل ما يشعر به، ليضمها بين ذراعيه دون سابق إنذار، مرددًا بندم:

ـ ما عاش ولا كان اللي ينزّل دمعتِك، حتى لو كان حمزة نفسه.

تلقت مبادرته بلهفة، لتشدّ عليه بذراعيها، تسند رأسها على صدره الدافئ، وفي رحِب حضنه الذي تجد فيه ملاذها، لتقول:

ـ أنا حاسة بيك يا حمزة، وعارفة إن اللي جواك مش حقد ولا غيرة عفشة. إنت نفسك تخلّف مني، وأنا أكتر والله، بس... بس...

ـ بس إيه يا مزيونة؟ بس إيه بس؟ اتكلمي الله يرضى عنك، خلينا نشوف لو في مشكلة نحلّها.

لم يكن حديثًا، بل كان رجاءً، وكان ردها الصمت. شعر برجفتها واضطراب أنفاسها، لقد بدأت تتخذ الأمر بجدية لكنها تحتاج إلى الجرأة:

ـ أنا معاكي يا مزيونة وهصبر عليكي، بس المهم تاخدي الخطوة معايا وتجمّدي قلبك. شوفي، نبتدي بإيه؟ دكتورة نِسا ولا دكتورة نفسية تاخدي وتدي معاها في الحديت؟

أيضًا كان ردها الصمت، لكنه لم يدم طويلًا هذه المرة حين قطعته قائلة:

ـ لا دكتورة النسا ولا النفسية هيجبوا فايدة إن ما كنتش أنا مستعدة. اصبر عليا شوية كمان يا حمزة، هانت...

أغمض عينيه وتنهد بتعب، يقبّل مقدمة رأسها عدة مرات قائلًا بقنوط:

ـ أصبر عليكي مية سنة كمان، ولا يهمك يا قلب حمزة.

رفعت وجهها المغرق بالدموع، تتبسم في تضاد مع هيئتها، لتقول بعشقٍ صادق:

ـ أنا بحبك قوي يا حمزة، وبحب ريّان عشان بشم ريحتك فيه، حتى أحيانًا بتمنى أجيب عيل شبهه، يعني يبقى واخد منك ومنه.

ظهرت أسنانه البيضاء نتيجة ابتسامةٍ متسعة حلت بزاوية شفتيه بعد سماعه ولأول مرة لرغبتها في الإنجاب منه. إذن قد اقتربنا، ليغمره الفرح بعد كلماتها، فيأتي رده العملي على الفور، إذ دنا بوجهه يقبّل ثغرها الذي ألطف على قلبه بما يتمنى سماعه.

بادلته مستجيبة بلهفة، فإن كان يرغبها ويرغب الإنجاب منها مرة، فهي أيضًا تعلقت بقربه وأصبحت ترغبه وترغب الإنجاب منه آلاف المرات.

داخل حجرة المُدرِّسات، وقد تقلص عدد اللاتي يعملن في ذلك الوقت إلى اثنتين فقط تقومان بالأعمال الإدارية. كانت إحداهن اعتماد، والأخرى في المكتب المقابل لها.

كل واحدة منهكة فيما يخصها، حتى رفعتا رأسيهما في اللحظة نفسها، تزامنًا مع الرائحة التي هبّت فجأة تتخلل أنفاسهما مع دخول إحدى السيدات الجميلات برداء العباءة السوداء الباهظة الثمن.

وقفت لحظة تُطل بكليتها من مدخل الباب، وبابتسامةٍ سامة ألقت التحية على المرأة ثم على اعتماد التي أصابها الذهول وهي تراها:

ـ صباح الخير يا أبلة عطيات... صباح الخير يا... أبلة اعتماد! ولا أقولك يا ضُرتي أحسن؟

خرجت الأخيرة بصوتٍ خفيض إلى حدٍّ ما، لتصل العبارة واضحة إلى اعتماد من تلك المسافة القريبة. أما عطيات فقد انتفضت من محلها ترحب بها بمبالغة:

ـ يا أهلًا يا أهلًا بالست هالة، ست الناس بنت العيلة! ده إيه الطلة البهية دي!

قابلت هالة تحيتها بتواضعٍ مُزيَّف، تُصافح المرأة وتتبادل معها الحديث بعجالة أمام اعتماد التي أصابها الذهول بالخرس، والتصقت بالمقعد تراقب الحديث الذي يبدو وديًا أمامها:

ـ عاملة إيه؟ عاملة إيه الست حسنية؟ يا رب تكون بخير. سلّمي لي عليها يا شيخة، من بدري ما شفتهاش.

ـ ما تشوفي وحش يا حبيبتي، هي زينة الحمد لله، بس إنتِ عارفة عاد، هي طول الوقت مشغولة في البيت المليان بعيالها وعيال عيالها.

ـ ربنا يزيدكم ويبارك يا حبيبتي. أنا لازم أعدي عليها بنفسي. لكن إنتِ ما قلتِليش، جاية النهاردة عشان تقديم البنت برضه؟

نفت هالة بابتسامةٍ غير مفهومة، وعينها اتجهت نحو اعتماد تجيبها:

ـ للأسف يا غالية، أنا مش جاية عشان البِت، دي موضوعها اتحل من البداية، والفضل طبعًا يرجع لأبوها، ربنا يخليه. إنما أنا النهاردة جاية لحاجة تانية خالص، جاية لحبيبتي اعتماد... ضُرتي القادمة.

الذهول هذه المرة لم يكن من نصيب اعتماد فقط، بل أصاب زميلتها عطيات أيضًا، والتي صارت تنقل بصرها بين الاثنتين باضطرابٍ ملحوظ.

حتى استفاقت الأخيرة واستعادت بأسها، لتطلب من زميلتها بلطف:

ـ أبلة عطيات، ممكن بعد إذنك تطلبي من الدادة أم صالح تعمل لنا فنجانين قهوة من البن الخصوصي بتاعي؟ معلش يعني.

أومأت المرأة برأسها بارتباك وعجالة:

ـ تمام حاضر... أم صالح مش موجودة النهارده،بس أنا هعملكم أحلى فنجانين قهوة...

وخرجت تُهرول من أمامهما، وكأنها في سباقٍ للحاق بالقطار.

أما هالة فقد تقدمت خطوتين وجلست دون استئذان أمام مكتب اعتماد، تضع قدمًا فوق الأخرى بقصدٍ واضح، لم تغفل عنه الأخرى، لتبادرها بالحديث مباشرة:

ـ ممكن أفهم إيه اللي جابك عندي يا هالة؟

ردت الأخيرة بعد أن زمّت شفتيها بسخرية:

ـ أممم... وحسّك عليّ كمان! بعد ما خدتي الثقة من حمزة نفسه، اللي بيزُق أخوه على جوازه منك، وإنتِ ما صدقتي؟ أموت وأعرف عملتيها إزاي دي؟ قلبك قواكي تكلميه وتحكي معاه وتفضفضي؟ أمّال فالحه بس تلبسي الوش الخشب قدام الكل في البلد، لكن عند عيال القناوي الأمور بتتغير...

قالت الأخيرة بغمزةٍ بطرف عينها، لتُشعل الدماء في رأس الأخرى، فهَدرت بها:

ـ احترمي نفسك يا هالة، وبلاها تلميحاتك الماسخة. مش محتاجة أدافع عن نفسي، عشان أنا فوق مستوى الشبهات أصلًا. عندِك نية تسمعي وتفهمي، أنا ممكن أحكي لك عن الأسباب اللي أدت لكده يعني...

ـ أدّت وزفّت! سيبك من أمور السهوكة اللي ابتدت تظهر عليكي على كِبَر، عشان أنا صاحية وفاهمة جويّ لألاعيبك. على العموم هو اللي جابه لنفسه، حد يسيب هالة ويبُص لاعتماد؟!

حقًا جرحها الوصف، ورغم غلاظة قولها، إلا أنها تؤمن داخلها بقوة أنها بالفعل لن تتفوق عليها في الجمال، لكن لِمَ التفكير، وهي لم تحسم أمرها من الأساس؟!

لتتنهد بيأس، وبنبرةٍ مهزومة سألتها:

ـ تمام خالص يا هالة، إنتِ عندِك حق. ممكن أعرف طلبك إيه مني بقى؟

سمعت منها، وكان رد فعلها أن مالت رأسها بأنوثةٍ وميوعة تخبرها:

ـ ولا حاجة يا سِتّي، أنا بعد كلام خليفة، راجلي وحبيبي، هيبقى ليَّ رأي تاني؟ على العموم يا سِتّي، لو ليكي غرض فيه اتجوزيه، وأنا قابلة بيكي ضُرّة، مدام نصيبي كده.

تعقد حاجبا اعتماد باستنكارٍ وريبة، لتعقّب علي وقاحتها سائلة:

ـ ليا غرض فيه؟! بغض النظر عن الجملة المستفزة، إنتِ عايزة مني إيه بالظبط يا هالة؟

زادت ابتسامتها اتساعًا لتعيد وتؤكد بثقةٍ وغرور:

ـ كلامي مالوش غير معنى واحد بس يا حبيبتي. مش إنتِ اخترتي وعرفتي توقعي الراجل رغم تحذيري ليكي؟ يبقى خلاص بقى... مبروك عليكِ جوزي يا ضُرتي!

اهتز رأس اعتماد بتشتت، لا يمكنها استيعاب تصرفات تلك المرأة. هذا الهدوء المبالغ فيه وإظهار التسامح في أمرٍ كهذا أبعد ما يكون عن شخصيتها. اللعنة! ماذا تدبّر لها؟

ـ بقولك إيه يا هالة، بصي... انسي كده يا حبيبتي وشيلي الفكرة خالص من دماغك، أنا مش هكمل. إيه رأيك؟

أصدرت من فمها صوت استهزاء قائلة:

ـ على أساس إن أنا هبلة وهصدقك يعني؟ على العموم، أنا جيتك بنفسي وبلغتك بموافقتي، ما تنسيش بقى يا غالية تبلغي حبيبي خليفة بموقفي، عشان يعرف إن أهم حاجة عندي راحته.

ونهضت تلملم حقيبتها استعدادًا للخروج، حتى قطع عليها دخول الأستاذة عطيات، حاملة صينيةً وعليها بعض الأشياء قائلة بحماس:

ـ أنا جيت بالعدة بتاعة القهوة كلها. شوفي بقى مزاجك إيه يا ست هالة، مظبوط ولا سادة ولا زيادة؟ وأنا أعملك من علبة الأبلة اعتماد.

ـ معلش يا حبيبتي، اشربي إنتِ مكاني.

ـ يا ريت كنت بشربها! أنا آخري كوباية شاي لو قدرت. اقعدي يا هالة، ده الصنف اللي بتجيبه اعتماد، مش أي حد يشربه.

مرة أخرى رفضت على عجالة وهي تغادر الغرفة:

ـ مرة تانية يا عطيات، تشكري يا حبيبتي.

وخرجت تترك اعتماد في حالةٍ من الذعر، وداخلها قد حسمت أمرها أن تنهي تلك الخطبة المزعومة، حتى ولو كان ذلك ضد رغبتها.

أما عن هالة، والتي خرجت من مبنى المدرسة رافعة الرأس بشموخٍ وغرور، بعد أن نفّذت هدفًا لا بأس به، حين رأت الرعب الذي غلَّف ملامح اعتماد، فقد غمرها شيء من الزهو.

هي الأدرى بمصلحتها الآن؛ فإن استمرت، فعليها أن تتوقّع العواقب، وإن صدقت وعدها بالابتعاد، تكون قد جنَّبت نفسها وأشقاءها الأذى الذي تستحقّه.

كانت في طريقها لتنعطف من الشارع الرئيسي كي تكمل طريقها داخل الشارع الآخر، حتى أبصرت بعينيها السيارة التي تعرفها جيدًا، سيارة زوجها، وهي قادمة نحوها.

تراجعت على الفور إلى خلف إحدى الأشجار في ركنٍ منزوٍ إلى حدٍّ ما، كي تتخفّى، وفي الوقت نفسه تراقب حتى وصوله إلى أمام المبنى.

ترجّل منها، مرتديًا جلبابه الأنيق، وساحبًا في يده كيس هدايا كادت عيناها أن تخرج بسببه، ثم دلف إلى داخل المدرسة.

أخرجت هي سريعًا هاتفها من حقيبتها واتصلت بالرقم الذي كلَّفته سابقًا بمراقبته:

ـ أيوه يا واد يا حسني، ما بلغْتنيش ليه إن عمك خليفة جاي المدرسة؟ مش أنا مبلغاك يا زفت تحط عينك وسط راسك معاه؟!

بلا خالتي بلا زفت، وبطّل حلفاناتك دي! أكيد انشغلت عنه في قعدة مع أصحابك الفاشلين، أنا عارفاك... بتقول إيه؟

ودخل مكتبة الساعدي يعمل إيه؟ أنا شوفت كيس هدايا معاه... إيه؟ جايب هدايا عيد ميلاد وسلسلة فضة كمان بحرف الـ (A)!

أنهت المكالمة وعيناها مصوَّبتان على مدخل المدرسة، تردِّد بفحيحٍ ووعيد:

ـ ماشي يا اعتماد... شكلك من أولها هتجيبي نهايتك معايا...

ـــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــ بنت الجنوب ـــــــــ ✦ ✦ ✦ـــــ

أما في داخل المدرسة، فقد كانت اعتماد في حالة من البؤس جعلتها لا تنتبه إلى دخوله، إلا حين صار أمامها، لترفع عينيها عليه تناظره بفتورٍ وهو يلقي التحية ويسأل عن الأستاذة عطيات التي لم تكن موجودة في ذلك الوقت:

ـ صباح الخير، حلو... الأبلة عطيات مش موجودة، هي راحت فين صحيح؟

قالها بنوعٍ من المزاح، لم تستجب له، وهي تجيبه بجدية:

ـ الأبلة عطيات طلبها المدير. كويس إنك جيت، عشان أنا كنت عايزاك.

ـ وإيه؟ عايزاني مرة واحدة؟ طب تحبي نتكلم هنا برضو، ولا ناخد راحتنا في أي كافيه برّا؟

أومأت بموافقةٍ نابعةٍ من يأسها:

ـ في أي حتة بعيد عن هنا، بس يا ريت يكون دلوك... لو فاضي يعني؟

رغم تسرُّب شعورٍ غير مريحٍ من نبرتها، إلا أنه تلقّى دعوتها بحماسٍ شديد:

سمعت منه، ونهضت تلملم أوراقها ومتعلّقاتها وتضعها داخل حقيبة يدها، ثم خرجت معه دون أن تنتبه إلى كيس الهدايا الذي ما زال بيده.

وقد وجدها فرصةً جيّدةً جدًا لمفاجأتها، فهذا الطلب كان برأسه منذ البداية، لكنه خشي من رفضها.

استقلّ الاثنان السيارة، لتسير بهما إلى وجهتهما، غافلين عن زوج عيونٍ كانت تراقبهما، وقد اشتعل داخلها الجحيم.

وقد حسمت الأمر في القضاء على تلك المخادعة التي توعِد بشيء وتفعل خلافه؛ حتى علَّقت بها خليفة الرزين، ليأتي ويقدّم لها الهدايا كالمراهقين وهو لم يدخل بها بعد! فما بالها بعد أن يتزوّجها؟

ـــــ ✦ ✦ ✦ ــــــــ بنت الجنوب ــــــــ ✦ ✦ ✦ـــــ

عادت نورة الغجرية إلى نَصْب الخيام الذي تتخذه مسكنًا لها في تلك البلدة منذ فترة ليست بالهينة.

كانت في طريقها إلى خيمة والديها حين تفاجأت بمن يظهر لها من العدم ويعترض طريقها:

ـ وِهْ، عروستي الحلوة! أخيرًا طليتي تنوَّري دنيتي، بعد ما قعدت بالساعات على الخيش في انتظارك!

قابلته بابتسامةٍ لا تصل إلى عينيها:

ـ أهلاً يا عرفان، معلش، لو أعرف إنك قاعد ما كنتش اتأخرت. على العموم تعالى اتفضل...

ـ يزيد فضلك يا عروسة، أنا ورايا مصالح مهمة ما ينفعش تتأخر.

على العموم إحنا هنروح من بعض فين يعني؟ بكرة نكتب الكتاب ونعلّي الجواب.

قطّبت ناظرةً إليه باستفسار، فأردف مجيبًا:

ـ أيوه يا عروسة، ما أنا حددت مع أبوكي من شوية، واتفقنا على كل حاجة. بكرة كتب الكتاب والحنة، وبعده دَخْلتنا يا قمر...

ـ دخلة مين يا غالي أنت؟ أنت بتخرّف؟ بتقول إيه بالظبط؟

قاطعته بانفعالٍ أثار غضبًا كان يكتمه منذ فترة، فهو ليس بالغبي حتى تنطلي عليه ألاعيبها، ومع ذلك كان يستمتع بخداعها طمعًا في الفوز في النهاية.

اشتدّت تعابير وجهه فجأة، يرمقها بحدّةٍ قائلًا:

ـ نقّي كلامك زين يا نورة، عشان أنتِ مش قد غضبي.

وإن كان على التخريف، فأنا آخر واحد يهلفط بكلمة مش في مكانها.

اسمعي يا بت، أنا صاحي لك قوي وواعي لألاعيبك معايا. أكتر من شهرين دلوك وأنا رايح جاي وواجع دم قلبي عشان ننجز، وأنتِ كل شوية تطلعي بحجة وتطلعي بطلب!

عملة مرتي لما ضربتك، أنا ما حاسبتكيش عليها، بس ركنتها وخلتني أحسم أمري.

مدام اتفضحت جدام الخلق وكده كده عرفوا إني هتجوز غجرية، يبقى إيه اللي هيخليني أستنى؟ دا غير إني دافع كتير قوي...

صمت قليلًا يلتقط أنفاسه وهو يراقب ملامحها الجميلة وقد أصابها الذعر، ثم أردف بحزم:

ـ أنا جبت لك شنطة هدوم جوا، اتفرجي عليها ونقّي اللي ينفعك لبكرة.

دا غير إني عامل ليلة كبيرة، دابح ومكلّف، عشان أوكِّل كل ناسك.

أخرج تنهيدة ساخنة يمشطها من أعلى إلى أسفل بنظراتٍ وقحةٍ أثارت القشعريرة في جسدها، ثم أردف أخيرًا:

ـ يلّا شوفي هتعملي إيه عشان تجهزي من دلوك، ما فيش وقت. وأنا كمان ألحق أخلّص اللي ورايا... أسيبك بقى يا لهطة القشطة، بكرة ميعادنا إن شاء الله...

أخرج تنهيدة أخري ثم غادر لتدخل الأنفاس إلى صدرها أخيرًا، وتحركت سريعًا نحو خيمتهم لتجد والدتها أمامها، فصرخت بها:

ـ ممكن أعرف الخَرْتيت دا اتفق معاكم على إيه بالظبط؟ عمال يخرّف بكلام ويقول كتب كتابنا!

رفعت والدتها الفِراش الذي كانت تعمل على طيِّه، ثم وضعته في ناحيةٍ مع بعض الأغراض الخاصة بهم استعدادًا لتنظيفها، وردّت عليها بعد أن حدَّقتها بنظرةٍ صارمة:

ـ وهيهزَّر ليه إن شاء الله؟ عيل صغير هو؟ عرفان اللي كنتِ فاكراه أهبل وآخره كلام، طلع حاسب كل مليم صرفه علينا، على أساس إنه عريسك! وحلف مية يمين إنه لو ما نفّذناش بُكرة بكتب الكتاب، ليكون جايب البوليس ولمّمنا كلنا في بوكس واحد!

قالت نورة بعصبيةٍ وهي تشيح بيدها:

ـ اسم الله على جنابه! طب يعملها كده ويشوف معانا حق ولا باطل!

تركت المرأة ما بيدها لتزجرها بنفادِ صبر:

ـ لأ، هينفّذ يا أختي، وهيعمل كتير قوي! لمِّي الدور يا نورة، أنتِ اتغليتِي عليه كتير، وخلّيتيه صرف كتير. كل حاجة وليها تمن، ومادام وعدتيه وأدّيتيه كلمة، يبقى خليكِي كدّها. إحنا مش حِمل أذية.

كانت نورة في حالة من النكران، حتى بدأت تستوعب أخيرًا حجم المصيبة التي وقعت فيها هي وأهلها، فقالت محاولةً تليين نبرتها:

ـ خلاص يا أمَّه، نسيب البلد دي خالص، إحنا لينا فيها إيه أصلاً؟ قولي لأبويا وللعيال نلمّ حاجتنا عشان نِرحل من العشية.

ضاقت حدقتا والدتها وهي تطالعها بغيظٍ شديد قبل أن تفحمها:

ـ على أساس إن دي حاجة تفوته؟ عرفان قالها بالمفتشر يا نورة، إنه مطوِّق البلد برجالته، عشان لو حد فكّر بس، مش مجرد التفكير زيّك كده! ابعدي يا بت، ابعدي خلينا نكنس وننفض، ورانا فرح.

قالتها المرأة وهي تُزيحها من أمامها، تؤدي ما نوَّهت عنه بجديةٍ دون اكتراثٍ لصدمة ابنتها التي يرفض عقلها مجرد التصديق.

أيُعقل أن تُجبر على زواجٍ لا تريده؟!

هي الحرّة التي لا يُغلبها أحد، تأخذ دائمًا ولا تُقدِّم شيئًا.

مَن عرفان هذا حتى تُضطر إلى معاشرته على غير إرادتها؟

وقعت عيناها فجأةً على تلك الصورة التي سقطت من الفِراش، فانحنت ترفعها وتتأملها طويلًا... تلك التي كادت بسببها تُزهَق روحها، تُرى، أتكون سببًا في نجاتها أيضًا؟

كانت تسير في طريقها بعينين يغشاهما ظلامٌ دامس، والغلّ يشتعل في قلبها كجمرٍ متّقد، فيما الشيطان يؤجِّج الفكرة في رأسها حتى لم تعد ترى أمامها شيئًا.

لن تسمح لتجربتها المريرة أن تتكرّر مرةً أخرى.

تلك الملعونة التي سيطرت على عقل زوجها لا بدّ من الخلاص منها فورًا؛ فهي من جلبت الأذى لنفسها، وهي من أخطأت في حقّ امرأةٍ متزوّجةٍ لا تريد سوى الحفاظ على بيتها، إذن فلتتحمّل العقاب.

توقّفت فجأة أمام إحدى الصيدليات البيطرية التي تعرف صاحبها جيدًا، لتجد نفسها، دون تفكير، تدلف إليه وتقول مباشرةً:

ـ إزيّك يا توفيق، كنت عايزاك في طلب.

أجابها الرجل الأربعيني بلهفةٍ وابتسامةٍ متملِّقة:

ـ اُؤمري يا ست الكل، عينيا ليكي.

قالت بصوتٍ خافتٍ يحمل خبثًا مكتومًا:

ـ عايزة سِم يتحطّ في الأكل أو الشرب، لا يعمل ريحة ولا يبان في الطعم.

ممكن تجيبهولي يا توفيق... وتاخد اللي أنت عايزه؟

✦ ✦ ✦ ــــــــ بنت الجنوب ـــــــــ ✦ ✦ ✦

استغلَّ الفرصة على أكمل وجه، ليأخذها إلى مقهي يُطلّ على النيل مباشرةً، حيث جمعتهما طاولة في ركنٍ منزويٍ إلى حدٍّ ما، وسعادةُ الدنيا تغمر قلبه.

الجوّ رائع، والنيل أمامه، والجميلة التي كان يرجو موافقتها تجلس قبالته الآن، لكنّها حزينة بعض الشيء، وهذا ما لا يتقبّله في يومٍ كهذا. يومُ ميلادها يجب أن ترى فيه السعادة وتشعر بها.

قالت باستغرابٍ حين مدَّ يده بـكيس الهدايا ووضعه أمامها مباشرةً:

نظرت إليه بضيقٍ واضح وهي تُعارضه:

ـ وأشوف ليه؟ ما هو باين إنه كيس هدايا. أنا بسألك: إيه لازمتُه؟ وأنا مالي بيه من الأساس؟

تنهد برويّةٍ كعادته، فقد اعتاد على ردودها الانفعالية، بل أصبح يتقبّلها برحابة صدرٍ تُشبه صبر العاشقين:

ـ ماشي يا أبلة اعتماد، هـشرحلك عشان تفهمي.

أنا يا ستي راجل لا بيا ولا عليّا، اتفاجئت النهارده بـ"عمّ الفيس" يجيبلي إشعار إن النهارده عيد ميلاد الأبلة اعتماد، ولازم تدخل تهنيها بنفسك. بصراحة حسّيتها بايخة، وقلت لازم أقولها عملي.

جاءت تهنئته بدفءٍ وصدقٍ تخلّل نبرته، فتجمّدت أمامه في حالةٍ من عدم الاتزان، قبل أن تمتد يدها بتردّدٍ لتكشف محتويات الكيس الممتلئ بالهدايا، رغم عدم نيتها في تقبّلها.

لكن ما إن وقعت عيناها على تلك الأشياء الصغيرة القيّمة حتى شعرت بانهيارٍ داخليٍّ مفاجئ:

دبدوب صغير من النوع المنتشر بين الفتيات الصغيرات، وميدالية أنيقة بأول حروف اسمها، وساعةٌ رائعة، ثم الأخيرة... سلسلةٌ من الفضة بداخلها خرزةٌ زرقاء، وأول حرفٍ من اسمها بتصميمٍ مميّز.

ـ كان نفسي أجيبها دهب، بس أنا مستني موافقة الأبلة. مع إني باحب الفضة برضه، بس الدهب في حالتي دلوك معناه عهد جديد، وأمنية بتمناها تتحقق.

فهمت مقصده تمامًا... فهو يقصد موافقتها على الارتباط به بصورةٍ حقيقية، خاليةٍ من التمثيل.

عند هذه اللحظة فقدت آخر ذرةٍ من تماسكها، فتساقطت دموعها، ودخلت في نوبةٍ من البكاء وهي تقول بانهيار:

طول عمري بدعي ربنا بالـعوض، قوم لما ييجي، ييجي في الوقت الغلط!

ليه بتشوّق قلبي على جنةٍ عارفة إني عمري ما هطولها؟

ليه بعد ما اتعودت على حياتي الناشفة تاجي تفوّقني لنفسي وللدنيا؟

ليه يا خليفة؟ وأنا فقدت الأمل واستريحت، تقلب عليّا المواجع ليه بس؟

وأنهت ببكاء يثير فزعه عليها وييتنفر غضبه:

ـ ليه البُكا دا كله يا اعتماد؟ أنا جايب الحاجات دي عشان أفرّحك، مش أحزّنك!

فيه حاجة مزعلاكي؟ من ساعة ما شفتِك وأنا حاسِك غريبة، مش طبيعية.

توقفت عن البكاء بصعوبة، تستجمع قواها، وتحاول حسم الأمر حتى تنهي كل شيء:

ـ معلش... دي حالة دراما وتأثر مالوش لازمة.

بس المهم دلوقتي الطلب اللي هطلبه منك، وياريت ما تراجعنيش فيه.

سألها بتوجس فجاءته الصدمة بإجابتها الحاسمة:

ـ نفضّ التمثيلية دي يا خليفة، وكأن شيئًا لم يكن.

قالها بلهجةٍ إستنكارية، فأكّدت له بنبرةٍ لا تحتمل النقاش:

ارجع لمراتك أم ولادك، أو اتجوز غيرها، أنت حر.

عشان أنا خلاص قررت أرجع لطليقي... الأستاذ عليوة.

يعني ما فيش داعي للتمثيلية دي من أصلها.

رواية لاجلها الفصل الخامس والاربعون

لماذا تحزن، وقد أصبح الحزن جزءًا منها؟

هل كانت تأمل أن ينقلب الحظ البائس، فتنعم بالسعادة التي كانت تتمنى؟

وهل كانت ستعتاد على ذلك إن صار؟ كيف؟ وقد التصق بها الحزن منذ مولدها، وتاهت السعادة عن طريقها، لتذهب إلى من يستحقها، أما هي فلا وألف لا.

ذلك هو حديث نفسها الذي لا يتوقف، وهي متكوّرة في فراشها كالجنين. حتى الدموع جفّت ولم يعد لها وطأة.

فقد أصبحت كالميتة، بجسد منهك وروح ممزقة كقطعة قماش لم تعد فيها مساحة صالحة لارتدائها، بعد تلك المقابلة التي تمت معه.

أتى لها بما يفرحها، كي يحتفل بعيد مولدها الذي لا تعترف به في قائمة الأيام المهمة أصلاً، من كثرة ما أهملته.

أتى ليحتفل معها، حاملاً لها الهدايا، وكان ردها بالعكس، أن تصدمه برفضها وتطالب بابتعاده عنها. كل كلمة وكل حرف في تلك المقابلة حُفِر في عقلها:

(ـ تمثيلية إيه؟ وكلام فارغ إيه! عايزة تفهميني إنك بتتكلمي جد؟

تهز رأسها بعلامة التأكيد، والدموع تتساقط على وجنتيها، غير قادرة على مواجهة عينيه، ليصيح بها منفعلًا:

ـ حُطي عينك في عيني، عليوة مين اللي هترجعي له؟ أنا أصلاً مش مستوعب إنك بتتكلمي صح!

فهميني لو حد هدَّدك، أو حصلت حاجة من جهة الواطي جوز أختك، ولا الكلب اللي بتجيبي سيرته؟

ـ ما فيش حد هددني، افهم بقى الله يرضى عنك.

صحتْ ردًّا عليه بانهيار، غير قادرة على الجدال من الأساس، لتزيد عليه بتصميم:

ـ أنت اللي ناسي إنك متجوز، ووراك عيال ومسؤولية وزوجة، ده كله يجرحها...

ـ بس أنا قلت لك إن هي وافقت بالضُرة.

قاطعها بها، ليأتي ردها الفاصل بقوة:

ـ كدب... ما فيش واحدة ترضى على نفسها بالضُرة، ولا أنا كمان أقبل أروح على واحدة، ويتقال عليَّ خطّافة رجالة.

ـ ما حدش يقدر يجيب سيرتك بحرف يا اعتماد، سيبك من أمر هالة، أنا كفيل بيه، خليكِ في الطلب اللي طالبه منك، أنا مش عيل صغير عشان أقول كلام في الهوا، واللي أنتِ شايفاها تمثيلية دي، أنا اعتبرته حقيقة من أول يوم.

توقف يتابع بلهجة صادقة لامست شغاف قلبها:

ـ مش فرض أمر واقع، دي فرصة جات لي من السما وأنا مسكت فيها بإيديا وسناني عشان عايزك... أنتِ محتاجاني وأنا محتاج لك، حتى لو أنكرتي وهربتي بعينك مني، زي دلوقتي، وأنا عارف ومتأكد إن في شيء عظيم هو اللي وصلك للحالة دي، والشيء ده أنا لازم أعرفه.

انتفضت ناهضة من مقعدها أمامه، لتنهي الجدال بفظاظة، كي تقطع عليه أي فرصة لاستدراجها في الحديث:

ـ فيه ولا ما فيش، أنا بلَّغتك رأيي يا خليفة، وأنت حر مع نفسك، عايز تتجوز يا سيدي اتجوز، بس أنا بقى رافضة آخد لي راجل بعيال، عن إذنك.

ـ لكن قبلتي فجأة ترجعي لواحد كنتِ قرفانة حتى ما تبصي في وشه؟ هتعمليها إزاي دلوقتي بعد ما طيَّرتلك سنانه؟

التفتت إليه برأسها ترمقه بنظرة مشتتة زادت من حيرته، ثم استدارت سريعًا تغادر من أمامه، وكأن الشيطان يلحقها.

تاركة له الهدايا، وتاركة كل شيء جميل خلفها، من رجل الأحلام الذي كانت تتمناه، ولكنه جاء في الوقت الخطأ كي يزيد من عذاباتها. والآن نفسها صارت تتمنى الرحيل، ربما تجد الراحة)

"حتى النهاردة كمان هتفضلي لازقة في سريرك ومش هتروحي شغلك؟"

ما كان هذا سوى صوت رغد، شقيقتها التي تموت قهراً عليها من وقت أن دلفت إليهم منذ عدة أيام تخبرهم أنها قد انفصلت عن خطيبها المزعوم، ولن تكمل الزواج المزعوم بسبب خلاف حدث بينهما، وتهديد صارم بألا أحد يتدخل. بالطبع لم تسمع لها وتواصلت في الخفاء مع خليفة الذي أكد لها أنه لم يرضَ بالانفصال ويحاول أن يتواصل معها ولكنه لا تعطيه فرصة، وقد أغلقت هاتف هديته، والهاتف الخاص بها لا تستعمله سوى للضرورة القصوى.

ـ يا اعتماد، ناوية تروحي النهاردة ولا......

قاطعتها بها لتعتدل فجأة بجذعها، وتشرع في ترك الفراش مُردِفة لها:

ـ روحي إنتي اعمليلي كوباية شاي بس على ما أتوضى وصليت وجهزت نفسي.

ردت رغد التي أشرق وجهها لرؤيتها تترك تختها، الذي لازمته عدة أيام:

ـ حلو خالص، بس أنا هحضر فطار وغصب عنك هتاكلي، مش هسمحلك تكسفيني زي كل مرة.

أومأت اعتماد رأسها دون صوت في استسلام لها، وحتى تخفف عن شقيقتها التي تموت هلعاً من الخوف عليها، عكس الغير مبالية الأخرى والتي تتظاهر بالتضامن معها وهي في الحقيقة قد أصابها بعض الراحة لعدم تفوقها عليها بالزواج من رجل إصبعه فقط بعشرة من أمثال زوجها الفاسد.

ـ ​"أختك ولا بنتها حد فيهم صاحي؟"

هتفت مستفسرة من رغد التي كانت على وشك فتح الباب ومغادرة الغرفة، فردت المذكورة وهي تضع يدها على المقبض قبل فتحه والخروج، وقد فضحها بعض الحماس الذي يثير الريبة:

ـ لا اطمني خالص، هي في سابع نومة دلوقت، يعني أنا وإنتي بس اللي هنفطر مع بعض بروقان وهدوء.

غمغمت اعتماد في إثرها، بعد أن غادرت سريعاً من أمامها، لتضيف بسخرية:

ـ وسعادة وراحة بال كمان! يعني هو الكلام بفلوس؟!

وقفت بنصف الدرج تتابع نزول ابنها الذي دفعت به كي يوقظ زوجها الذي غفا على الأريكة الخشبية التي تتوسط مدخل المنزل. تلك الأريكة التي كانت تحتلها دائمًا في السابق مزيونة وابنتها. دارت الدائرة لتصبح مكانًا لنومه عليها.

من كان يصدق أن ينقلب الحال إلى حال مختلف على الإطلاق؟ لقد استسلمت هذه المرة تاركة أمرها للقدر يفعل كيفما يريد، فهو نفسه أصبح لا يعنيها، بعد أن قطع كل أربطة المحبة بقسوته معها.

فكانت النتيجة عكس ما توقعت وهيأت نفسها إليه. العروس التي جاءت بأقدامها إليها توعدها بليالٍ من الذل والقهر، ترد إليها ما كانت تفعله هي في ضرتها السابقة. اختفت فجأة في يوم زفافها إليه، لتتركه في حالة من الجنون لم تهدأ حتى الآن في بحثه عنها رغم مرور العديد من الأيام. لا تنكر أنها أشفقت عليه رغم اتهاماته وافترائه عليها بعد ذلك في أنها المتسببة لما حدث، بعمل سحر جعل العروس تطفش منه. جرحها وأهانها بافترائه عليها بهتانًا وزورًا، ولكنها لم تصرخ أو تتهمه بالجنون، بل لم تملك إلا الإنكار بصدق، لأن جريمتها السابقة هي من جعلتها في نظره محل شك. إذًا، عليها تحمل النتائج والصبر على جفائه كما نصحتها والدتها، ليس حبًا فيه ولكنها مضطرة من أجل الأبناء وتربيتهم.

تنبهت حواسها حين استجاب لمحاولات ابنها أخيرًا معه، لينهض جالسًا بجذعه، فتراجعت هي للخلف في زاوية تمكنها من الاختفاء بعيدًا عن إبصاره، تكتفي بالإنصات:

— عايز إيه يا وش البومة؟ بتصحيني ليه يا وَاد؟

زفر الصغير بملامح يعلوها العبوس يجيبه بتأفف هو الآخر:

— يعني هكون عايز منك إيه على الصبح؟ عايز تكمل نوم روح على قوضتك، نومتك هنا على الكنبة وفي وش الباب كمان هتجيب لنا الكلام. فَرْض حد دخل علينا، هيقول عليك إيه لما يشوفك كده؟

— يقولوا اللي يقولوه يا بن الـ... انت إيه اللي يخصك؟

قابل الصغير سَبَّه بنوع من اللامبالاة:

— يا سيدي أنت حر، نام إن شاء الله حتى في حوش البهايم، أنا مالي يا عم.

ختم ينفض يديه عنه ليستدير متجهًا إلى باب الخروج، فهتف يوقفه:

— واد يا ناصر، أمك هي اللي بعتاك صح؟

التفت إليه المذكور باستخفاف لاذع:

— أمي ولا خالتي! مش عاجبك النومة في الطَّلّ وعلى الخشب القاسي، اعمل ما بدالك يا سيدي.

أنهى وتابع مغادرًا ليغمغم في أثره عرفان بسخط وسباب:

— آه يا بن الكلب، ترد الكلمة بكلمتين، ناقص عليك بس تِشتمني، رباية ناقصة زي اللي جابتك... بتعمل نفسها زينة دلوقت، وعايزة تطمن عليَّ، بعد ما خدت الخازوق والبلد تقريبًا كلها ضحكت واتمسخرت على عِرفان بعد هروب الغجرية ليلة فرحه عليَّ.

توقف يزفر حريقًا من صدره، وقد استحضر عقله واقع ما يعيشه الآن من ذلك، ونظرات مهينة من البشر التي تواسيه نهارًا وتتحدث في ظهره ليلًا:

— ماشي يا نورا، أنا وإنتي والزمن طويل. إن ما كنت أشرب من دمك وأخلي قصتك حكاية على لسان البشر... مبقاش أنا راجل، وشنبي ده يبقى على حرمة!

الذي كانت الحركة به مختلفة عن كل الايام الهادئة، لمناسبة غير عادية, خطط لها اليوم بثقة كاملة في زوجته التي سوف تقوم بها على أكمل وجه.

نادى بأسمها ويده تحمل عدة عدد من علب الحلوى والعديد من أنواع الفاكهة الطازجة.

جاء الرد من والدته التي كانت تفترش الارض وبجوارها حزمة اعواد من نبات الملوخية تقرطف أوراقها وتضعهم في إناء كبير من الالمونيوم بجوارها

ـ مالك بمزيونة ؟ لازم لسانك ينادي عليها وفي الروحة وفي الجاية؟

ضحك يضع ما يحمله على الطاولة التي تتوسط الردهة، ثم اقترب منها يغازلها بمشاكسة:

ـ وماله لما انده عليها في الروحة وفي الجاية؟ بنده على حد غريب انا عشان اعمل حساب حد؟ ولا انتي عايزاني أبدل واقول حسنية، حسنية

كان في الاخيرة قد افترش الأرض بجواره، يشمها من كتفيها ويقبل خدها، لتصدح ضحكاتها الجميلة:

ـ والله انت بكاش وعمرك ما هتكبر بعمايلك دي،

قبلها من جانب رأسها هذه المرة يتحدث بامتنان جدي:

ـ طول ما انتي عايشة عمري ما هكبر، هفضل ولدك الغلس، اللي ما يصدق لاقي فرصة عشان يتلزق فيكي.

بادلته حسنية قبلته بواحدة على وجنته هو الاخر قائلة برضا وقد فهمت المغزى خلف لفتته:

ـ وانا عمرك ما شوفتك غير ولدي الحنين ابو عقل صغير، اللي كان هيغير عليا حتى من أبوه

تمتم بها بتذمر زاد من تسلية المرأة التي صدحت ضحكتها مرة أخرى وهي تواصل مناكفته:

ـ وتالت ورابع وخامس كمان، دا انا لو نسيت عمايلك وانت صغير افتكرها دلوك وانت شحط كبير وبتكررها مع ريان العيل الصغير، في غيرتك على مزيونة........

ـ هغير من ولدي امه، كلام ايه ده؟

عارضها يدعي الضيق، لتؤكد هي بتصميم:

ـ ايوة يا خوي غاير، على العموم الحلوة اللي بتغير عليها, قاعدة جوا في المطبخ واكيد مشغولة في هم العزومة ومسمعتكش.

سمع منها وهم ان ينهض ولكنها تابعت؛

$ لو جدع بقى ما تقومش حالا دلوك وتفر عليها زي العيل الصغير

سمع منها وتردد لحظات حتى غلبته رغبته لينهض فجأة معارضا لها:

ـ طب افرضي عايزاها في حاجة مهمة، دا انتي عليكي حركات يا حسنية، بقيتي عفريتة والله لما كبرتي

وتحرك ذاهبا تتبعه ضحكات المرأة لا تتوقف

وبخطوات متزنة اقترب من المطبخ الذي كانت قابعة به، ومنهمكة في إعداد مأدبة الطعام التي هم بصدد القيام بها اليوم،

كانت مُنكَبَّة بتركيز شديد على تقطيع الخضروات، ويبدو أن صوت مزاحه مع والدته لم يصلها، ليستغل فرصته ويدلف متسللاً بخفة، حتى إذا وصل إليها تمتم بجوار أذنها:

قطع جملته مضطراً حين شهقت مُجفَلة وتناثر عدد من الخضروات على الأرض. تمتمت بِلَهْث واضعة يدها على قلبها:

ـ حرام عليك يا حمزة، كده برضه تخلعني؟

رد بتسلية وهو ينحني ليلتقط قطع الخضروات التي افترشت الأرض بسببه:

ـ خَلْعة مَطْرودة يا قلب حمزة، على العموم ممكن تبقى بفايدة برضه على حسب عوايدنا ما بتقول.

فهمت مغزى ما يقصده، لتجاريه بابتسامة مضطربة:

ـ إن شاء الله، محدش عارف عاد، لما ربنا يكون رايد بالخلفة، بيدبّر الأسباب. المهم بقى، روح شوف وراك إيه؟ أنا عايزة أخلّص اللي ورايا قبل الضيف ما ييجي.

استقام بجسده يعيد حبات الخضروات إلى مكانها قائلاً:

ـ وافرضي طب الضيف وإحنا مش طابخين حتى، هو إنتي فاكراه غريب على بيتنا؟ ده ياما كل وشرب فيه، قبل ما يقطع فجأة ويشوف مستقبله.

قطَّبت مندهشة وقد غلبها الفضول في السؤال:

ـ وإيه اللي يخليه يقطع فجأة عن صحوبيتك بالسنين دي كلها حتى لو هيشوف مستقبله؟

طالعها لحظات بصمت وكأنه يبحث عن إجابة، حتى رد أخيراً:

ـ يعني، تقدري تقولي كده خلاف حصل ما بينا، بس كان خلاف كبير شوية، أو شويتين تلاتة حتى. عادي بتحصل يعني، إحنا مش ملايكة، اسيبك تشوفي طبيخك واروح انا اطل على خليفة، يمكن ربنا يهديه ويفك من الحالة اللي هو فيها.....

صعد إلى غرفة شقيقه الذي تسيطر عليه حالة من الاكتئاب الغريب هذه الأيام، ليطمئن عليه ويحاول معه، كما يفعل يوميًا هذه الأيام حتى يخرجه من ذلك الحزن، بعد أن باءت محاولاته بالفشل مع اعتماد التي تلتزم صمتًا غريبًا وابتعادًا غير مُبرَّر. لم يكن يعلم كيف تطورت الحالة من خطوبة مزيفة إلى شيء بهذا العمق، ولكن لِمَ التعجب؟ فكلاهما كانا في أشد الحاجة إلى بعضهما البعض.

كان باب الغرفة مفتوحًا، ليتمكن من الدخول بسهولة، فدلف مُلقيًا التحية:

لم يَلقَ ردًا للتحية؛ فشقيقه لم يكن نائمًا على فراشه أو جالسًا حتى في الشرفة، فنادى هاتِفًا باسمه، ليأتيه الرد بحضوره هذه المرة خارجًا من مرحاض الغرفة:

* أنا أهو يا سيدي، خليفة بذات نفسه.

طالعه حمزة متفاجئًا بهيئته، وقد هذَّب لحيته ليُشرق وجهه الوسيم الذي تليق عليه، وبخطواته السريعة يتجه نحو خزانة ملابسه الخشبية الضخمة، يُخرج جلبابًا مُنَشَّى (مكويًا) ليرتديه، ليُعلِّق حمزة الذي أصابته الدهشة:

* ما شاء الله عليك، شكلك مُختلف النهاردة، بس على فين العَزْم على الصُبح وبدري كده؟

رد خليفة الذي اتجه نحو المرآة لتمشيط شعره:

بفراسة ليست غريبة عنه سأله حمزة:

* المِشوار ده يخص اعتماد صح؟ واضح من الحماس اللي أنت فيه، هي فتحت تليفونها؟

نفى خليفة وهو ينحني ليلتقط الحذاء كي يرتديه:

* لا مش هي، بس أختها رغد هي اللي بلغتني، إنها طلعت أخيرًا وراحت شغلها في المدرسة. نفسي أعرف سر قَلْبِتها المُفاجِئة، مش هسكت غير لما أعرف.

أُعجِب حمزة بإصراره، ليُثني عليه بتحفيز:

* جَدَع يا خليفة متستسلمش معاها، هي راسها ناشفة ومقفلة، بس أنت أكيد هتعرف تتعامل معاها. المهم بس متتأخرش على العزومة، الراجل بقاله سنين مدخلش البيت، أكيد هيسأل عليك.

ألقى خليفة بالشال الصوفي على كتفيه، مُنهيًا اللمسة الأخيرة لتأنقه، يلتفت إلى شقيقه بابتسامة كانت غائبة عنه منذ أيام:

* لا اطْمِن إن شاء الله مش هتأخر، ما هو كان صاحبي أنا كمان، مش صاحبك أنت لوحدك... أسيبك بقى.

تابعه حمزة حتى إذا خرج من الغرفة، غمغم داعيًا له:

أما في الطابق الأعلى، داخل شقة معاذ وليلى التي كانت تضحك بلا توقف في هذا الوقت مستمتعة بالحديث الذي يدور بين زوجها المجنون مع جنينها.

وقد كان مُقرِّبًا وجهه من بطنها ويسرد بجدية بعد أن انزاح عن كاهلهما همُّ المذاكرة وكابوس الامتحانات التي تحرم عليهما حتى النوم بصورة طبيعية:

* واخد بالك زين يا واد، أمك الهبلة أبوك وَقَّعها بشوية تين، ومن شجرتهم كمان! يعني حتى متعبتش في تمنهم... إيه بتقول إيه؟... أيوه يا سيدي، كان في شيكولاتة برضه والمرسال ما بينَّا كان عزوز...

قالتها بصوت بالكاد تمتلكه من فَرْط ضحكها، حتى وضعت يدها على بطنها تطالبه بجدية:

* شوية تانية وهولِد يا معاذ، هتتحمل أنت الذنب.

سمع منها فاستقام على الفور بجلسته مستجيبًا لتهديدها:

* لا يا ستي وعلى إيه؟ الطيب أحسن، أنا بس كنت بوصيه، يِنزل بس وأكمِّل نصايحي معاه.

* أوووعى! والنعمة لو فكرت وقلت له كلمة هزعل منك!

قالتها تنهاه بتحذير رافعة السبابة أمام وجهه، فتناول إصبعها يُقبِّله:

* وأنا مقدرش على زعلك يا أم الغالي.

ارتخت عن تشدُّدها، فتابع مُوضحًا بمَعْسول كلماته:

* بهزر معاكي يا مجنونة، هو أنا عبيط عشان أقولها بالطريقة دي؟ دي قصتنا هتبقى أحلى حكاية أحكيها للعِيَال عشان يعرفوا أن الحب العفيف ما فيش أعظم منه شيء في الكون. ربنا يقدِّرني وأربيهم صح، عشان يعرفوا يُمَيِّزوا بين القشرة اللي بِرُخص التراب وبين الغالي اللي نضَّحي عشانه بروحنا، يا روح معاذ أنتِ.

عادت إلى ليلى ابتسامتها، وغمرها الانتشاء بغزله، حتى استدركت لمرور الوقت فانتفضت تبعده عنها:

* صحيح العزومة وصاحب عم حمزة، يا لهوي! زمانها داخلة على عشرة! خدتني في الحكاوي معاك ونسيتني.

افتر فاهه بدهشة يُطالعها وهي تزحف على الفراش بركبتيها حتى أنزلت قدمًا، وبعدها قدمًا أخرى، لتأخذ وقتًا حتى استقامت بجسدها، ثم تحركت بخطوات بطيئة خطوتين، ثم تذكرت فجأة قائلة:

* أدخل الحمام الأول وبعدها أنزل عشان أساعد أمي.

خرج عن صمته وهو يُتابعها تُغيِّر مسارها:

* حلو خالص! رُبع ساعة وأنتِ بتنزلي من السرير، ثم نُص ساعة في الحمام، وبعدها نُص ساعة ثانية على ما غيَّرتِ عَبايتك ونزلنا السلم. إن شاء الله بس نلحق الغدا!

أمام المرآة، كانت جالسة بـرِدائِها الحريري. يدها تلامس شعرها المنسدل على كتفها بتمهل، وعيناها مثبتتان على صورتها في الانعكاس. يعلو ملامحها شرود ترافقه برود وثقة تامة.

​لقد وردها منذ قليل الاتصال الذي أنبأها بقرب تحقيق هدفها، بعد أيام من الانتظار مرت دون جدوى. رغم خطورة الفكرة من الأساس، إلا أنها تجد المبرر الكافي كي تريح رأسها، وقد وعدت نفسها هذه المرة بعدم تكرار خسارتها مجددًا.

​لقد نُفّذ السهم ولا عودة للوراء أبدًا. اليوم هي في تفرغ تام لتلقي كل جديد، فحتى أطفالها ليسوا معها، وقد ذهبوا إلى منزل والدهم، بناء على طلب من جدتهم.

توقفت السيارة الغريبة أمام مدخل المنزل الذي وصل إليه بصعوبة، رغم معرفته الوثيقة به. هذا يعود إلى طول فترة الابتعاد والتغيرات التي طرأت على القرية التي هجرها تقريباً إثر خصامه مع حمزة.

سنوات عديدة قادرة على طمس الهوية، وليس تصفية الخصام فقط. ربما لأنه كبر وتعقَّل عن تهوره، أو ربما كان السبب آخر، وهو تعرفه على زوجة حمزة الحالية التي لم تكن أبدًا من توقعاته. لم يُكلِّف نفسه بالسؤال، مع أن بإمكانه عمل تحريات كاملة عن الأسرة لو أراد طوال سنين ابتعاده عن المحافظة بأكملها، ولكنه لا يريد حتى لا يفتح جروحًا قديمة هو في غنى عنها. ومع ذلك، الفضول يقتله، ورغبة من داخله جعلته يتقبل دعوة حمزة للحضور بترحاب شديد.

تنهد بثقل يترجل من السيارة فور أن انتبه لخروج الأخير لاستقباله أعلى درج المدخل، ومعه العزيزة والدته. يا الله، كم اشتاق إليها تلك المرأة الحنون!

أغلق باب السيارة ليتقدم نحو الاثنين بهيبته، ليُذهل المرأة التي لم تعرفه في البداية حتى همس إليها حمزة يؤكد على هويته. الأمر الذي جعلها تصدق هذه المرة باقترابه منها وابتسامة ذكرتها بالولد الذي كانت تعتبره ابنها، لتهلل في استقباله بحرارة:

ـ بسم الله تبارك الله، كمال باشا بحاله عندنا يا ولاد؟ يا حلاوة يا حلاوة.

ضحك المذكور وهو يقترب يُقبّل رأسها:

ـ زي ما أنتِ يا ست، أنتِ ما اتغيرتيش؟ دا ابنك نفسه كبر وعجز. ما شاء الله عليكي، إيه الحلاوة دي؟

جذبته حسنية إليها تُقبّل وجنته بسجيتها:

ـ دا اللي بدر منور يا حضرة الظابط يا قمر.

ـ يا ستي رائد والله، افهمي بقى، كام مرة هقولها؟

قالها حمزة وهو يقرب صديقه إليه لينال نصيبه من ترحيبه بعناق رجولي ومودة صادقة، وكأن كل ما مر من سنوات جفاء وخصام لم يؤثر على صداقتهما.

ـ سيبها تناديني يا ولا حتى، أنت مالك يا أخي؟

انتشت حسنية تعقب على قوله وهي تسحبه من يده:

"أيوة يا حبيبي، ولدي وربنا العالم. تعالَ ادخل، تعالَ."

همَّ أن يستجيب لسحبها، ولكن استوقفه زوج من الصغيرات اللواتي كنَّ يشاهدنه بانبهار، حتى شعر نحوهنَّ بألفة غريبة وكأنه يعرفهن:

ـ بسم الله ما شاء الله، القمامير دول بناتك يا حمزة؟

لم يُجبه الأخير، وقد تكفلت والدته بالإجابة:

ـ دول بنات خليفة، مِنة وجنا. هو في مشوار وزمانه على وصول.

ردد الأسماء، وامتدت كفّه لتصافح الصغيرتين، حتى تغيرت ملامحه مع تركيزه في ملامح الأولى التي تقارب الملامح التي يحفظها في رأسه، يشعر بشيء غير مفهوم.

شكُّه ازداد مع مجيء زوجة حمزة، تسحب في يدها ريان الصغير، والذي قدمه إليه حمزة على أنه ابنه. ينتابه شيء من التشتت، يجعله يندم بالفعل أنه لم يسأل ويُجرِ تحرياته. مَن تزوجت؟ تلك التي كانت سببًا في تغير مسار مستقبله وخصامه مع أعز أصدقائه.

يتأفف ضجرًا وكمدًا وغيظًا داخل سيارة الأجرة التي تقطع المنحدرات الصعبة في طريقها إلى تلك البلدة التي جاءها مختبئًا فيما سبق، والآن يأتي إليها مجبورا من أجل...

إنه حتى لا يحتمل التلفظ باسمها، وقد أصبح الآن بسببها متورطًا في شيء لا يعجبه على الإطلاق، قد يؤدي به إلى داهية سوداء، أو ربما هلاكه... ولكن لم يكن لديه اختيار.

زفر حريقًا من صدره، يستعيد برأسه ذكرى تلك الليلة حين جاء متأخرًا إلى منزله، بعد السهرة الطويلة التي قضاها في شرب الخمر والممنوعات مع عرفان الذي كان يحتفل بمناسبة زواجه في اليوم التالي.

برأس مُثقَل وخطوات غير متزنة ومُترنّحة، هذا ما يفعله الخمر برأسه. بعض الاضطراب البسيط لكن لا يزيد على ذلك، فهو مُعتاد على كل الممنوعات.

منزله الصغير غير المُرتب، نتيجة سُكنه وحده، لا شيء في مكانه، ولا يعنيه حتى إن كان نظيفًا أم لا. لكن اليوم به شيء غريب، شيء أصبح ينتبه له أثناء ما كان

يُدندن بإحدى الأغنيات التي كانت تتردد في هذا المساء من المُغنّي على آلة الربابة:

ـ "ويا بت جمالك هَبشني، والهبشة جت في العباية، رمان خدك دَوّشني، خلّى فِطاري عِشاي، آه يا عيني، يا عيني، يا عيني آه، ..... آه يا عيني، يا عيني، يا عيني......"

توقف عن الغناء فجأة وعيناه تتفحّصان ما تراه أمامهما، حتى أصبح يفرك كفيه على عينيه ليتأكد أنه لا يهذي، ولكن وما أن يعود ويفتحهما مجددًا، حتى يُفاجأ بنفس المشهد...... هي، وليس غيرها....

خرجت كلماته بعفوية وبدون تفكير، فجاءه الرد منها وهي تتراقص كتفاها بدلال:

ما إن سمع صوتها وتأكد من هويتها حتى بَرَقَتْ عيناه مُتسعتين على آخرهما، يطالعها مُتجمدًا فاقد النطق لحظات بفم مفتوح، حتى استطاع أن يتكلم:

ـ يخرب بيت أبوكي، وأنتِ إيه اللي جابك هنا؟ ودخلتي بيتي كيف؟

راوغت كعادتها لتتقدم خطوتين من أمامه حتى جلست على الكرسي المواجه له قائلة:

ـ وِه يا سي عطوة، دي مقابلة تقابلني بيها برضو، دا المثل بيقول: "لاقيني ولا تغديني" اخص عليك......

قَطعت بشهقة عالية بدت كالصرخة حين تفاجأت به يقبض على ساعدها يُنهضها عُنوة، والشرر كاد أن يتطاير من عينيه، وشفتاه ترتجفان من فرط الغيظ المكتوم، مرددًا:

ـ أمور الاستهبال دي ما تخُشّش عليا يا بت، أنا لافف وداير:

ـ انطقي يا بت وقولي دخلتي هنا إزاي؟ لأبلّغ عنك العُمدة دلوقت يبعت الغفر يسحبوكي من قفاكي ويعملولك فضيحة، ولا أكلم خطيب الهنا أحسن، ييجي يلمّ المرة اللي هيكتب عليها بعد ساعات.

واجهته بتحدٍ غير آبهة بألم ساعدها:

ـ وماله اعملها فضيحة، وفي الحالتين أنا المستفادة، لو جبت العمدة والغفر، هقول إن أنت اللي كنت عايز تغويني، وأنا لما رفضت أصريت تاذيني في سُمعتي. أما بقى لو جبت عرفان، فدي هتبقى أحلى وأحلى، هخليه برضو يقتنع ببراءتي على حساب أخلاقك الزفت، لما أوريه صورة مرته اللي بيحلم صاحبه الخاين...

اشتدّت قبضته أضعافًا حتى شعرت بها على وشك الكسر، ومع ذلك الألم، تراقب رد فعله العنيف، وقد برزت عروق جبهته وكأنها حبال مشدودة، يتحدث ضاغطًا على أسنانه:

ـ أنا فاض بيا منك وقرفت، عايزة إيه من الآخر قولي....

صرخ بالأخيرة حتى صدر منه بعض الرذاذ على وجهها، فمسحت بإبهام يدها الحرة تجيبه بهدوء:

ـ عرفان مقفّل مداخل ومخارج البلد برجالة من طرفه، وأنا مش عايزة عُندي أهوَن من أتجوّزو، لكنه واخد وصولات أمانة على أبويا، يعني فيها حَبس.

ـ وجاية لي أنا أهبب لك إيه الله يخرب بيت أبوكي؟

ـ تنجدني يا سي عطوة، تشوف لي أي طريقة أبعد فيها عن وشه العفش.

هذه المرأة تنوي بالفعل على قتله.

صرخ بها شاعراً ببوادر لإصابة بجلطة دماغية أو شلل رباعي يصيبه؛

ـ يا بت أنا ما عنديش مرارة ليكي، يعني أخلّص عليكي أريح لي من شغل "حَلَق حوش" اللي بتعمليه معايا ده، هي حتة صورة وبتاعتي، فاكرة نفسك هتشتريني بيها؟!

قالت جملتها، ويدها تدخل في جيب صدرها تُخرج الصورة وتضعها في يده، ليتركها على الفور شاعراً ببعض التشتت حين رآها تسقط على الكرسي، غارقة في نوبة من البكاء:

ـ حتى أبويا وأهلي قلبهم عليّ، عمالة أصرخ فيهم وأقول مش طايقاه، وهما ما فيش فايدة، كلهم ما صدّقوا، مفكرينه هيغْرَف ويدّيهم، مش هامّهم إن كنت أتحمله ولا لاء، أنا حُرمة زي باقي الحريم، نفسي في استريح وأتستّر، لكن مع واحد عرفان! تيجي إزاي دي؟

لا يُنكر أن بكاءها أثّر به، وجعله يتعاطف معها، وهو في الأساس غير مُتقبّل لزواجها من ذلك الثور المُستغل لحوائج البشر حتى ينال مُراده. بها شيء ما ذكّره بمزيونة، عُقدة حياته، والتي لو انتظرت فقط حتى تكمل السن العادي لفتيات القرية في الزواج، كانت ستكون من نصيبه حتمًا، ولكن عرفان استغل حاجة أهلها للمال كما يفعل الآن مع نورا وأهلها.

عند خاطره الأخير، انتفض فجأة، مُتخذًا القرار الذي سوف يندم عليه بعد ذلك وربما كان السبب في هلاكه في المستقبل:

ـ اسمعي يا بت، أنا هساعدك تهربي، لكن تغوري بعدها في أي مصيبة بعيد عن هنا.

وبالفعل ساعدها في الهروب سليمة من البلدة، ولكنها لم تبتعد.....

بحث عنها داخل المدرسة التي تعمل بها حتى وجدها أخيرًا في ركن مُنزوٍ هادئ خلف أحد المباني، تظلل عليها شجرة كبيرة. كانت جالسة أسفلها مكتّفة الذراعين بشرود، وفنجان القهوة الذي أعدته بجوارها ساخنًا. عيناها تنظران إلى السماء، حتى أنها لم تنتبه لحضوره سوى بعد فترة من مراقبته لها، وقد كان واقفًا بالقرب منها تمامًا يتأمل ملامحها الحزينة بصمت موجع، يريد معرفة السبب خلف ما أوصلها إلى تلك الحالة.

وقد عادت إليه الشراسة الآن لتوبخه:

ـ حضرتك مينفعش اللي أنت بتعمله ده؟ أنت إيه اللي جابك هنا أصلاً؟

زفر بحنق ليتغاضى عن جلافتها معه، وتناول كرسيًا خشبيًا يقرّبه حتى يجلس مقابلًا لها، قائلًا بتحدٍ:

ـ حضرتي أعمل اللي أنا عايزه، مدام حضرتك مش مريحاني ومطلعة عيني في اللف وراكي، أنا عايز أعرف بالظبط إيه اللي صايبك يا اعتماد؟

صمتت لحظات تطالعه بتردد امتزج بدهشتها من إصراره، حتى ردت:

ـ أنا مش فاهمة إيه لزوم السؤال من أصله؟ قولتلك إن تمثيلية الخطوبة دي خلصت خلاص، يا ريت أنت كمان تقتنع، عشان نخلص بقى من الربطة السودا والكلام والحديت.

ضايقه الوصف، ولكنه مضطر للصبر عليها ليصل إلى ما يريده:

ـ بس أنا ما عنديش استعداد أقتنع يا اعتماد عشان عايزك بالفعل، وكل عمايلك معايا بتخليني أتمسك بيكي أكتر، حتى لو أنكرتي وادَّعيتي العكس.

انتابها الارتباك تأثرًا بقوله ونظرته الدافئة، القادرة على سحق مقاومتها لطوفان المشاعر التي تغمرها بحضوره. بحثت برأسها عن مهرب من عينيه، لتجد سلوتها في الارتشاف من فنجان القهوة الذي أعدته لنفسها تدَّعي لامبالاة مكشوفة:

ـ أنا شايفة إن الأمر اتطور معاك لدرجة خلتك تتوهم إني فعلًا ميّالة لك. من رأيي يا أستاذ خليفة تحاول تطلع الفكرة دي من راسك، عشان تقطع على نفسك طريق الوهم.

ـ بس أنا ما عنديش نية أشيلها من راسي، لأنه أساسًا معشَّش في قلبي، للمرة المليون بقولهالك، أنا رايدك يا اعتماد، رايدك في حلال ربنا.

بماذا تفسر هذا الاضطراب الذي يكتسحها من سحر كلماته؟ جسدها بأكمله يهتز برد فعل غريب عنها، يعيد عليها مرة أخرى نيَّتَهُ زواجها منه رغم رفضه، يُشعرها بأنها امرأة ومرغوبة من رجل مثله، رجل هو المثال الحي لكل الصفات التي تحلم بها، رجل...

اهتز الفنجان الذي ترتشف منه بصورة مفاجئة وارتعشت يدها، تشعر بدوار خفيف، وصداع بدأ ينخر في رأسها. تضع الفنجان ببطء وبصعوبة على الأريكة بجوارها،

فتحاول أن تتصرف بصورة طبيعية، تهم بالرد عليه، ولكن فجأة اتسعت حدقة عينيها، وتجمَّد الدم في عروقها. تشعر باختناق مفاجئ، ولسانها يلتوي، تتسارع أنفاسها وهي تخرج الكلمة بصعوبة، صوتها أشبه بالهمس.

قُطعت لعدم قدرتها على الاستكمال، لينتبه هو لحالتها ويصيبه الهلع مع رؤية وجهها الذي شحب لونه، وعيناها تجمَّدتا.

لم تُجب وكأنها فقدت القدرة على النطق، وبدأ خليفة يتقدم نحوها بخطوات سريعة، وبدأ جسدها بالارتعاش بشكل لا إرادي، فحاولت أن تقف ولكنها فقدت توازنها.

"اعتماد!" صرخ بها قبل أن تسقط بين ذراعيه، جسدها ارتخى، في استعداد للغياب عن الوعي.

وبدون تفكير حملها بوجع ارتسم عليه الرعب واليأس، وهو ما زال يردد في النداء عليها ليأتي ردها العنيد رغم تعبها الشديد تعارضه بصوت بالكاد يخرج:

ـ أنت بتعمل إيه؟ نزلني... نزلني الناس... النااااا...

تضاعف الهلع داخله، ليُهرول بأقدام عرفت طريقها نحو باب الخروج، أو نحو أول صنف بشر يقابله، يصرخ طالبًا المساعدة:

ـ حد يفتح البوابة، ولا يلحقنا بسرعة بالعربية، اعتماد بتضيع مني، بسرعةةةة!

رواية لاجلها الفصل السادس والاربعون

ها هو يعود إلى ذلك النذل مرة أخرى، رغم علمه بـدناءة أصله واستعداده لخيانته في أقرب فرصة مقابل المال، ولكنه لم يجد بديلاً غيره. حين خرج بها ليلاً، يخبئها داخل حقيبة السيارة التي استأجرها حتى وصل بها تلك البلدة التي لا يعرف ملاذاً غيرها.لا يعلم أين كان عقله في تلك الساعة! حتى يستجيب لها ويساعدها. يغمره غضب شديد من نفسه، ومع ذلك لم يندم ولو للحظة أنه نجّاها من الزواج من عرفان... اللعنة عليه، ولِـمَ يشغله أمرها من الأساس؟!ـ جُمعة... أنت يا زِفت!هتف يطرق على باب المنزل الطيني القديم، ليخرج له الآخر بعد لحظات يستقبله بوجه ناعس:ـ أيوة أنا جيت أهو... عُطوة! أنت إيه اللي جابك دلوقتي؟دفعه الأخير بيده ليزيحه عن طريقه ثم يدلف إلى داخل المنزل قائلاً:ـ جاي أتأمل في جمالك يا خوي، ولا مشتاق لخِلقتك العَكِرة؟ روح طُس وشك بشوية مية يا جمعة عشان تفوق وأنت بتكلمني، مش ناقصة ضيقة خَلق.تذمر جمعة برفض مردداً:ـ أنت اللي متضايق؟ يعني تصحيني من عز نُومتي وأنا راجع من شيفت المستشفى هلكان من التعب والسهر، وفي الآخر أنت اللي غضبان كمان!حدجه عطوة بضجر قائلاً بنفاذ صبر وهو يضع الأكياس التي جاء بها على الطاولة:ـ ولو أخّرت عنك يوم واحد تتصل بيّ وتِرطّ عليَّ المصاريف اللي بتدفعها، ومش قادر توفّي عشان معكش فلوس!تبسّم جمعة بانتباه كالصقر وهو يشاهد حزمة الأوراق النقدية التي يخرجها الآخر من جيب جلبابه، ثم وضعها في يده، ليتلقفها جمعة يردد بامتنان وتملق:ـ من يد ما نعدمها يا عطوة يا غالي. تحب أندهلك على نورا تشوفها؟رد بحدة وهو ينهض وصراع يدور داخله:ــ لا تنده ولا تِزفت. أنا جبتلك اللي يكفّيها على ما تلاقي لها حتة تانية تتاويها، وأنا راجع أشوف مصالحي.ونهض بالفعل تاركاً جمعة يطالع ذهابه بذهول مغمغماً:ـ ده على أساس إنك بتشتغل أصلاً؟ مش كل مصاريفك من ورث أبوك اللي ما بيخلصش.زجره عطوة بنظرة مشتعلة كرَدّ صامت دون أن يكلف نفسه بالرد، عاقداً عزمه بضرورة الذهاب. ولكن ما إن وصل إلى المنزل الذي أجّره بمساعدة ذلك النذل جمعة كما يسميه، حتى تباطأت أقدامه عن السير بتردد. شيء يدعوه للدخول إليها، وشيء يأمره بالانصراف. استقر على الأخير يشرع في الهروب إلا أن صوتها الناعم استوقفه:ـ هتمشي من غير ما تشوفني يا عطوة؟تجمد محله لحظات قليلة حتى حسم والتفت إليها، يجدها خارجة من باب المنزل، بعباءة محتشمة وحجاب يغطيها حتى رقبتها بالكامل، تشبه أهل القرية، وقد تخلت عن اللمسات التي تُميّزها هي وأهلها. ومع ذلك لم تتخلَّ عن سحرها، ليزفر بحنق رافضاً تأثيرها عليه:ـ معلش ورايا مصالح... على العموم أنا سايبلك فلوس مع جُمعة، دا غير خزين البيت على ما تلاقي حل... في موضوعك.ـ يعني هو الموضوع اتلخّص في فلوس وبس؟ مستكتر تطمن عليّ بنفسك؟ على العموم أنا برضه شايلة جميلك وفي رقبتي لآخر يوم في عمري.نبرتها العاتبة ورِقتها الجديدة عليه تزيد من وَطأة ما يجتاحه من مشاعر متناقضة لا يريدها ولا الاعتراف بهذا الشيء من الأساس.لينفض عنه الضعف، يرد بخشونة متعمدة، كي يشرع في الذهاب:ـ جميل ولا حكاوي عاد! أنا عملت اللي يمليه عليّ ضميري وخلاص. عن إذنك بقى، عايز ألحق أدخل البلد قبل الشمس ما تغيب.أنهى كلماته يهم بالذهاب ليردف بأمر بعد أن استدار بكليته عنها:ـ خشي البيت على كده، ومتوقفيش لوحدك في نص الشارع.أذعنت تطيعه بالعودة إلى المنزل بابتسامة تزيّن ثغرها، ويوماً من بعد يوم تزداد الثقة داخلها بقرب التسليم منه لأمر القلب.............................إحساس الرضا الذي يغمرك حين تُنجز المطلوب منك على أكمل وجه، فترى السعادة على وجوه الذين وثقوا فيك وكنت على قدر المسؤولية،ذلك ما كانت تشعر به مزيونة وهي تتطلع من مدخل المطبخ إلى ثناء الضيف ومدحه في الطعام الذي كان يتناوله بتَلَذُّذ واشتياق يعبر عنه في كل لحظة إلى زوجها الذي يبدو مُنْتَشِيًا بتفاخر لما صنعته زوجته، ومعه حسنية ومعاذ على طاولة السفرة التي حضر عليها حتى الأطفال، ولكن هي لم تقبل رغم دعوته لها وترحيبه بمشاركتهما هي وليلى. وقد منعها الحياء عن طاعته في ذلك الأمر، والتزامها باتباع العادات والتقاليد التي نشأت عليها.أما ليلى ابنتها فلم تحتج لجهد، فقد خجلت هي أيضاً أن يرى أحد شراهتها في الطعام نتيجة حملها، لتأخذ راحتها على أرض المطبخ تفترشها، واضعة العديد من الأصناف حولها، تأكل وتمدح في الطعام أيضاً:ـ يا حلاوتك يا مزيونة يا قمر، عاملة الرقاق باللحمة عَظَمَة، وصينية البشاميل ضَرْب نار، ولا المحشي! يا عيني على المحشي، يا روحي على المحشي!تبسمت مزيونة لمشهد ابنتها التي كانت مُتَرَبِّعَة ببساطة ودون تكلُّف، بعض الطعام في الأطباق أمامها، والبعض الآخر في الأواني نفسها كحلة المحشي التي كانت تنتقي منها وتتناول بتلذذ، الأمر الذي أثار استهجانها بعض الشيء لتنبهها:ـ طَب يا ناصحة لِمِّيها شوية، أي حد هييجي ويشوف منظرك كده يقول عليكي إيه؟ضحكت لها بصوت خافت ترد عليها قبل أن تضع قطعة من اللحم داخل فمها:ـ هيقولوا إني مَفْجوعة وبيئة مثلاً؟ عاااادي، خلاص بِنْتِك شالت بُرْقُع الحيا، حالياً أنا عندي هم بطني والأكل مُقَدَّم على الجميع، وأكلك أنتِ بالذات يا مزيونة مَتْلُومِينِيش عاد.ـ لا يا أختي مش هلومك، اعملي ما بَدَالِك.قالتها مزيونة بنوع من السخرية، وما كادت أن تلتف عنها لتعود لما تفعله، حتى اصطدمت رأسها بشيء قاسٍ، لتَجْفَل بصدر زوجها الذي يوازي مستوى طولها، يبتسم بمرح وهو يجذبها معه إلى الداخل، فغمغمت هي بتوبيخ:ـ للمرة التانية النهاردة تَخْضني يا حمزة، شكلك ناوي علَيَّ!رد ضاحكاً وعيناه ذهبتا نحو ليلى التي كان مشهدها وحده يثير التسلية:ـ وأنا بكرر للمرة التانية يا ستي، خَلْعَة تِطْرُد خَلْعَة، يالا كله خير، وأنتِ يا ليلى إيه اللي عاملاه على الأرض ده؟ ما كنتي جيتي معانا وخلاص، قولتلك عَمِّك كمال مش غريب، تتبعي كلام أمك المجنونة؟أومأت رأسها توافقه بابتسامة تشمل وجهها:ـ لا، أنا هنا باكل براحتي، ياريت بقى تِمْنَع معاذ ما يجيش اللحظة دي على ما أخلَّص أُكِل ، بدل ما يطَلَّقْنِي ويِسْتَعِر من منظري لو شافني كدة.أومأ وقد ازداد مَرَحًا يُطمئنها قبل أن يعود إلى جميلته:ـ حاضر، هخليه لازِق برا جنب الراجل، على العموم إحنا خلصنا أكل، والجماعة طِلْعُوا الجنينة...ـ يعني أصُب الشاي، أنا مهدّية النار عليه أصلاً على البوتجاز!قالتها مزيونة بلهفة وهي تبتعد متوجهة نحو الموقد الغازي، إلا أنه أوقفها يَسْحَبُها إليه من ذراعها:ـ طَب استني هنا بس الأول.وقبل أن تستفسر، كانت شفتيه تحُطَّانِ على جبهتها بقبلة يعبر بها عن امتنانه قائلاً:ـ دِي عشان رفعتي راسي قدام الراجل اللي جاي عَزُومَتِي بعد غِيبَة سنين، وأنتِ خليتي السفرة ولا تنظيم الهوانم!تبسمت بخجل وقد لفَّها الارتباك لترد بتلعثم:ـ إااا مِش لدرجة دي يعني يا حمزة، المُهِم إنه عجبك أنتَ الأول، ما أنت ذوقك عالي.عَقَّب يوافقها متغزلاً:ـ آه والله، أنا دي متأكد منها، كفاية إن اخترتك أنتِ عشان أعرف إنه عالي قوي قوي قوي!ضحكت لمبالغته التي تعشقها، ولكنها لا تعرف كيف تجاريه، فتطالعه بقلة حيلة:ـ وَه يا حمزة، يا بُوي خَفّ كلامك ده، أنا مابعرفش أرد عليك والله.ـ وَاهِين تلاتة يا قلب حمزة، أنتِ لا تِرُدِّي ولا تِتْعِبِي نفسك، كفاية تبقي كده بطبيعتك معايا، وأنا عَلَيَّ الكلام والفعل.وختم بغمزة بطرف عيناه، تسبق ضحكة ذات مغزى، فهمت عليها تبادله إياها، لتميل عليه بجسدها، فحاوطها بذراعيه، حتى أجفلهما حَمْحَمَة صغيرة بالقرب منهما، فالتفتا برأسيهما نحو ليلى التي كانت مازالت جالسة على الأرض، تتبسم لهما بأسف لا يخلو من مكر:ـ مَامَعَلِش، بأستأذنكم هقوم بس الأول أروح أنده لمعاذ.قالتها تَهُمُّ بالنهوض لتتحامل بكفيها على الأرض، فينهيها حمزة بأمر:ـ لا خليكي مكانك يا ستي مَتْقُومِيش... أنا كنت نَاسِيكِي أصلاً يا حزينة.ثم أردف بعبوس وضيق حين استجابت لأمره:ـ أنا أصلاً كنت داخل آخد الفاكهة والحلويات، هُمَّ فينهم؟وجه الأخيرة نحو زوجته التي أشارت نحو الأطباق المرتصة على صينية على إحدى الجوانب، فرفعها إليه ليذهب من أمامهما يغمغم بحنق:ـ أخلَص من رَيَّان تِطْلَعْلِي ليلى، لازم في كل خَرَابَة ألاقي عفريت!..............................خارج المنزل في الحديقة التي تغيرت كثيراً عما يذكرها، كان جالساً بصحبة حسنية، المرأة الجميلة التي كان في أشد الاشتياق لها، ومعاذ الطفل الصغير الذي كَبُر فجأة وتزوج والآن هو في انتظار طفله. يا له من شيء عجيب!أتمر السنوات بهذه السرعة، ليعود هو إلى ذلك المنزل، فيمر شريط الذكريات بذهنه كأنها حدثت بالأمس.لم يكن من أهل المنزل ولا حتى من أبناء البلدة، بل هو ابن المدينة الذي تعرف بحمزة أيام الدراسة، وتوطدت العلاقة بينهما بشدة، لدرجة كانت تجعله يتردد على القرية بصورة يومية في بعض الأحيان.عشق البلدة وطبيعتها، ووجد في حضن الأسرة والعائلة الملاذ. حنان حسنية الذي تَغْدَق به على الجميع، كان ينال نصيبه منه وكأنها أمّه الحقيقية، المودة والعزوة التي يفتقدها، نظراً لعدم وجود أشقاء له، فهو وحيد والديه.ثم كان الحب الذي أذهب أنفاسه وجعل الفؤاد ينبض لأجل امرأة كان على استعداد أن يجعلها أميرة على عرش قلبه، لو فقط قبلت به، ولم تصدمه برفضها، وتفضيل... اللعنة!خلع النظارة السوداء عن عينيه فجأة وألقاها فوق الطاولة أمامه، ليسمح بكفّيْه على صفحة وجهه بضيق متعاظم من نفسه. مجرد التفكير فيها هو ذنب في حد ذاته...ـ مالك؟ في حاجة يا ولدي؟كان هذا سؤال حسنية له، حين انتبهت لتَبدُّل مزاجه فجأة، فسارع في طمأنتها:ـ لا يا ست الكل، ما فيش أي حاجة. أنا بس حسيت بشوية حر فخلعتها. هو حمزة راح فين؟ـ أنا أهو يا سيدي، لَحَقْت أوحشك عشان تسأل عليا؟تفوَّه بها حمزة الذي كان قد اقترب ليضع الصينية التي يحملها على الطاولة، وبها أطباق الحلوى والفاكهة، فعقَّب كمال بانبهار لا يخلو من دهشة:ـ إيه ده كله يا بني؟ أنت عايز تجيب لي السكر! ثم ليه الصَّرْف والأَوڤَرَة أصلاً؟ هو أنا غريب؟ـ لا مش غريب، بس كده مزاجي يا سيدي، عندك مانع؟قالها حمزة بِتَفَكُّه ليتبادلا الشد والجذب مع صديقه، وحسنية تستعيد معهما مناكفات الماضي. يتابعهم معاذ الذي كان يتدخل على استحياء، نظراً لضعف علاقته بكمال، حتى وردَه اتصال من أحد الأشخاص، ليضطر لتركهم. ولكن ما هي إلا ثوانٍ حتى عاد إليهم بالخبر الذي وصله:ـ حمزة... خليفة أخوك في مستشفى البندر مع خطيبته الأبلة اعتماد!.........................لا يوجد حجة كي يتركها هذه المرة، ولن يمنعه أحد من مرافقتها ولا حتى هي. للمرة الثانية ينقذها وهي على شفا الموت، يحملها بين ذراعيه ويركض بها حتى المشفى.في الأولى، كانت العلاقة بينهما عابرة تحيطها المشاحنات والشجار في بعض الأحيان، لم يكن قد فهم مشاعره نحوها بعد. أما في الثانية، والتي حدثت منذ ساعات، فالله وحده الأعلم كيف كان حاله! قلبه الذي كاد أن يتوقف من فرط الخوف عليها، الارتجاف الذي اكتسح خلاياه، وهو يجاهد بصعوبة لئلا تخور أعصابه عن نجدتها.لماذا يتآمرون على قتلها؟ ويضمرون كل هذا الغِل نحوها؟ إنها لا تفعل شيئاً سوى ادعاء القوة بالزور، ترتدي قناع الشراسة الزائفة من أجل حمايتها وحماية شقيقاتها. تلك المرأة التي يهابها جميع من يقابلها، بداخلها هي أضعف النساء.لقد وضعها القدر مرتين في طريقه كي ينقذها، والآن هو لن يسمح أبداً أن تتكرر تلك الحوادث لها أو أن يمسها أحد بسوء. لن يتخلى عنها أبداً أبداً.فاق من شروده حين شعر بحركة لإصبعها المجاور لكفه التي كانت مستندة على طرف التخت الطبي، ليتمعن بوجهها بتركيز شديد وهو يلاحظ تحرك أهدابها وبعض العضلات قرب عينيها وجبهتها، حتى فتحت بصرها للنور أخيراً تستوعب المكان الذي هي فيه. تتأمل السقف قليلاً، ثم تدير بمقلتيها في الأنحاء حتى وصلت إلى وجهه المقارب لها. تراه قد ازداد وسامة بتلك الابتسامة الرائعة التي يطالعها بها وهو يخاطبها:— حمد الله على السلامة يا أبلة اعتماد، كدة برضه توقفي قلبي عليكي؟انتظرت لبرهة من الوقت حتى استوعبت لتسأله، وهي تتذكر ما مرت به رويداً رويداً:— أنا إيه اللي حصل معايا؟ ليه حاسَّة بوجع وجسمي كله مختل؟ صحيح أنا كنت في الوحدة مش هنا... أنت كنت شايلني يا خليفة؟!ضحك في الأخيرة وقد شعر بالتسلية ليزيد عليها:— أيوه شيلتك بين دراعاتي الاتنين وفَرّيت بيكي على الوحدة، قعدت معاكي وهما يسعفوكي، وبعدها شيلتك تاني برضه وجيت بيكي على هنا يعملولك غسيل معدة.— غسيل معدة!تمتمت بها باندهاش سرعان ما ذهب وعقلها يستعيد لحظات ما سبق تلك الخطوة، لتردف:— انت كنت جنبي وأنا برجّع يا خليفة؟أومأ بعينه بابتسامة عابثة:— حتى في مرة فيهم حصلت كم جلابيتي، بس عادي يعني فداكي.وكان في الأخير قد رفع ذراعه لترى البقعة التي كانت ظاهرة رغم المسح عليها بالماء، لتغمض عينيها بحرج شديد، تشيح بوجهها عنه:— أنا آسفة...ضحك بخفوت وامتدت يده ليعيد وجهها إليه بلمسة من ذقنها، يخاطب ملامحها المذهولة:— وليه الأسف من أصله؟ حد قالك إني قرفت مثلاً؟ بالعكس ده أنتِ لو بهدلتي جلابيتي كلها، والله ما كنت هزعل ولا هَقْرَف حتى، كفاية عليا إني اطمنت عليكي في الآخر وشوفتك وأنتِ راجعة للحياة من تاني، راجعة لخليفة اللي روحه كانت تروح منه لو حصلك حاجة لا قدر الله.تجمدت أمامه وكأن الصوت لم يصلها، تطالعه فقط بصمت حتى ظهر رد فعلها بتنهيدة من العمق، وعينان ترقرقت بهما الدموع، وبصوت مغذَّب تترجاه:— بلاش كلامك ده الله يخليك يا خليفة، أنا قلبي مش متحمل والله، لا حمل أحلام ولا حمل مشاكل، يكفيني اللي أنا فيه...— بس إحنا مش بنتكلم في حلم إحنا بنتكلم في واقع يا اعتماد، وبالنسبة للمشاكل أنا كفيل بيها.ذلك الدفء الذي يتحدث به هو أكبر دليل على صدقه، ولكن طاقتها التي نفدت من كل شيء تجعلها رافضة حتى التفكير. فهم الصراع الذي يدور داخلها فأشفق أن يضاعف عليها وهي في تلك الحالة، ليردف مغيراً دفة الحديث:— على العموم مش وقته الكلام دلوقت، خلينا في موضوع التسمم اللي حصل معاكي، تفتكري أكلتي ولا شربتي إيه بالظبط؟ عشان الظابط اللي هيحقق معاكي زمانه داخل دلوقت يسألك...........................الشاشة مُدارة أمامها، وهي جالسة في غرفة المعيشة، عيناها على الفيلم الذي يُعرض، وعقلها في وادٍ آخر. بعد انتهائها من المكالمة التي أجرتها مع ابن شقيقتها والذي أخبرها بآخر التطورات، ألقت الهاتف من يدها على الأريكة جوارها بفتور، وشعور غير مفهوم يجتاحها.أولها غضب استعر داخلها حين سمعت بالأقاويل التي انتشرت في البلدة على لسان أفرادها، تصف شهامة الخطيب المِغوار الذي كان يركض حاملًا الأستاذة المريضة إلى الوحدة الصحية للبلدة، ثم الذهاب بها إلى مشفى المحافظة. حديث عن خوفه عليها ولهفته، يتناقل بمبالغة تثير الاستفزاز.كيف وصل إليها في تلك اللحظة؟ ولماذا يتكرر نفس المشهد في إنقاذها على يده؟ تُرى ماذا يقولون عنها هي الآن؟ "شفقة على ابنة العم المغدورة"؟ أم "شماتة في الزوجة المغرورة" كما يُشاع عنها؟ يا لها من إهانة لها في كلتا الحالتين.ولكن الشيء الغريب الذي لا تفهمه هو عدم انزعاجها بخبر نجاتها من تجرع السم وفشل المحاولة...................حين كان الثلاثة يسيرون داخل الطرقة في اتجاه حجرة المريضة على حسب الوصف، كان هو في ذلك الوقت جالساً على أحد المقاعد المخصصة للحضور، وكأنه كان في انتظارهم.​ليتقدموا نحوه سائلين بلهفة:​ـ إيه اللي حصل يا خليفة؟... اللي سمعناه ده صح عن تسمم اعتماد؟​أومأ لشقيقيه ثم وقف يرحب بالذي تفاجأ بحضوره معهما:​ـ طب استنوا بس أسلم على الراجل... كمال باشا!​اختصر الآخر المسافة بينهما ليضمه بعناق رجولي، يتبادلان الترحيب ببعضهما، قبل أن يعرض عليهم مجالسته في كافيتريا المشفى.في الكافيتريا​اتخذوا طاولة لهما وحدهما ويدور الحديث بينهما:​ـ كيف يعني ما كالتش حاجة من برا؟ طب لو حاجة داخل البيت، خواتها ما اتسمّوش زيها ليه؟​كان هذا السؤال الذي تفوّه به حمزة، ليأتي رد شقيقه بتشتت:​ـ والله ما أعرف، بس على حسب كلام رغد أختها الصغيرة واللي فطرت معاها، ما حصلهاش حاجة. دا غير إن باقي الأكل زي طبق اللانشون والجبنة أكلت منه أختها وبنتها الصغيرة كمان. يعني على الأقل لو في حاجة يبقى الطفلة تاخد الضرر الأكبر، لكن ده ما حصلش غير معاها هي وبس!​ـ إزاي يعني؟ طيب ما يمكن أكلت حاجة أو بسكوتة حتى. كل حاجة مش مستبعدة.​سأله بمهنية اعتاد عليها، فكان رده النفي أيضاً:​ـ هي أكدت للظابط إنها ما كلتش، ولا شرت غير كوباية شاي بعد الفطار مع أختها وفنجان قهوة كانت بتشربه ساعة ما كنت بكلمها، وبعدها حصلها اللي حصل.​ـ طب كده ممكن تكون القهوة فيها حاجة لا قدر الله.​هتف بها معاذ في تخمين منه خطر على البقية أيضاً، فوافقه خليفة:​ـ ممكن فعلاً، أنا قولت للظابط وهو أكيد هيشوف شغله.​عقّب كمال بحماس:​ـ حلو خلاص، يبقى تقرير المعمل الجنائي هو اللي هيحسم. أنا ههتم بالقضية بنفسي، ولو طلع الموضوع فيه شق جنائي خليك واثق إني هجيبلك حق...​توقف فجأة وهو ينظر إلى خليفة ثم واصل:​ـ ... آه خطيبتك! صحيح أنا شوفت بناتك ما شاء الله عليهم. هي مامتهم مطلقة؟​همَّ خليفة بالتوضيح أمام صمت شقيقه الأكبر الذي اكتنفه شيء من الحرج، ولكن سبقه معاذ الذي رد بعفوية:​ـ لا يا باشا، مراته الأولى تبقى بنت عمه. يطلقها كيف؟ اعتماد تبقى الجوازة التانية إن شاء الله. خليفة البطل هيعملها، ويتنيهّا...​قال الأخيرة بتفاخر ومرح، قابله المذكور بابتسامة عجز عنها حمزة الذي شعر بالضيق وهو يلاحظملامح الجالس امامه قد شحبَتْ، وبدا السؤال مُرتسماً على وجهه بوضوح، سؤال عجز لسانه عن النطق به: هل يُعقل أن تكون بنت العم التي ذكرها معاذ هي ذاتها التي ترك البلدة من أجلها في الماضي؟​رمق حمزة بنظرة خاطفة لا تحمل معنى واضحاً، ثم غرق بعينيه نحو الفنجان الذي يرتشف منه، وقد تاه عقله بعيداً عنهم تماماً.........................عودة إلى غرفة اعتماد، التي التصقت بها شقيقتها الصغرى، تحتضنها بيديها الاثنتين، تردد بأسى وخوف عليها:ـ سلامتك يا خيتي سلامتك! إن شاء الله أنا يا رب، إن شاء الله أنا ولا تتعبي أبداً تاني.قابلت اعتماد فِعلها ضاحكة بسخرية حتى تخفف من جزعها، وعيناها تنقلان ما بين شقيقتها الثانية التي كانت ملتزمة الصمت كعادتها، فلا تتحدث إلا فيما يخص مصلحتها.وفي الناحية الأخرى، كان حاضراً في ذلك الوقت منصور، الذي بلغه الأمر بحكم عمله في المدرسة، ليسحب زوجته للاطمئنان عليها، والتي كانت تشارك في المزاح أحياناً:ـ يا مجنونة، ما أنا رايقة أهو قدامك! لزومها إيه الشحتفة؟ أنا رايقة وزي الفُل أهو قدامك، فضحتينا.ـ لا يا اعتماد، أنتي بقيتي تخلعيني كتير اليومين دول.ـ مش أنتي بس يا حبيبتي اللي بتخلعك، إحنا كمان شعرنا هيشيب بسببها. ما تحفظي نفسك يا بت بالقرآن والأدعية تحميكي من العكوسات والمصايب اللي بتحصل معاكي دي يا جَزِينة.ردت اعتماد وهي تبتسم لها بتعب:ـ والله بقرأ الورد اليومي والأدعية. هعمل إيه تاني؟تدخل منصور:ـ ما هو دا اللي بينجّيكي برضه يا اعتماد. ربنا ما يجيب حاجة عَفشة تاني.ـ تسلَم يا أستاذ منصور ربنا يخليك.عادت منى لمشاكستها:ـ أيوة بس متنسيش عاد إن في المرتين تبقى على وشك الموت (لا قدر الله) وخلفاوي هو اللي يطير بيكي عشان ينقذك! ولا فُرسان الروايات يا ناس!حقاً أخجلتها حتى اندفعت الدماء إلى وَجنتيها، نافيةً عنهما شحوب المرض، وكأنها عادت فتاة مراهقة تتلعثم في الرد عليها:ـ ياا ستي... ربنا يبارك في صحته. هو إنسان محترم وخلوق و...ـ وإيه تاني؟جاء السؤال من مدخل الغرفة حيث كان واقفاً هو مستنداً على إطار الباب، يزيد من خجلها وهي لا تعلم متى أتى ليتدخل في الحديث معهم.فكان ردها غمغمة غير مفهومة، ضاعفت من تسليته، ليعود مكرراً وهو يقترب منها غير آبه بالحاضرين:ـ أنتي بتكلمي نفسك يا أبلة اعتماد؟ ما تعلّي صوتك يا شيخة. هو أنا مينفعش أسمع كلمة حلوة منك عني؟ـ أيوة يا أختي، على الأقل ريحي قلب الراجل اللي مشحطط في المستشفيات!أضافت بها منى بطريقتها لتساعد شقيقها، لتضاعف خجل اعتماد الذي حدجتها بنظرة محذرة حتى تكف عن عبثها، وهي تجاهد لـتنفض الخجل عنها متماسكةً تزييفاً:ـ لا طبعاً إزاي؟ ألف شكر يا أستاذ خليفة.ـ تااني أستاذ خليفة؟ أنا لساني خطيبك يا أبلة اعتماد ولا أنتي نسيتي؟تفوه بها ضاحكاً بتحدٍ على معارضتها، وقد ثبُت الأمر عليها وعلى الجميع أنه خطيبها بالفعل وقريباً زواجها.........................توقفت به سيارة الأجرة ليترجل منها، يكمل طريقه مشياً على الأقدام إلى منزله. يسير في اتجاهه مستقيماً حتى أوقفه أحد الأشخاص منادياً باسمه:ـ عطوة...ميّز عطوة صوت صاحبه دون جهد، ليجبر نفسه على الالتفاف إليه، بتوتر يحاول إخفاءه، ليرد بنبرة تبدو عادية وهو يراه جالساً على الأريكة الخشبية بجوار حارس البوابة للبلدة من تلك الناحية:ـ أيوة يا عرفان، معلش ما خدتش بالي منك. إزيك يا عم صميدة؟رد الأخير التحية إليه، أما عرفان فقد نهض من جوار الرجل ليقترب مقابلاً له، ليفاجئه بقوله:ـ غايب بقالك كام يوم ومحدش عارف فين بتختفي! طب اسأل على حال صاحبك ولا اطمن عليه بعد الخازوق اللي خده من بنت الغجر!تحركت تفاحة آدم بحلقه، وقد جفّ ريقه من مجرد التلميح، ولكنه ما زال ثابتاً على مراوغته يبرر:ـ ما أنا كنت معاك أول يوم وبدور مع الرجالة عليها، وتاني يوم كمان جيتلك. هما بس اليومين دول كان معايا مصلحة مع مَعرفة هي اللي شغلتني عنك، معلش سامحني. بس أنت لِسَّاك بتدور؟ دا الموضوع عدى عليه أكتر من أسبوعين!ـ ولو عدى سنين كمان مش هفوّتها!قالها عرفان ليردف بمزيد من الإصرار:ـ بحق ما ضحكت عليَّ ونهبت فلوسي وبعدها هربت، تفضحني وتخلي سيرتي على كل لسان... لأدوقنها من العذاب ألوان هي واللي ساعدها، إن كان مرأة ولا راجل، ولا إن كانوا من أهلها ولا أغراب!ارتجف قلب عطوة وهو يشاهد الوحشية التي تجلّت على الملامح القاسية. يعلم أنه قادر ولن يوقفه شيء إن وجدها ووجد الفرصة للقضاء عليها وعلى من ساعدها كما نوّه أمامه، وهذا ما يخشاه. وما عليه إلا أن يجاريه.ـ ربنا يعتِرك فيها يا عرفان، ربنا يعتِرك فيها..........................عاد حمزة أخيراً إلى المنزل، ليجده تقريباً فارغاً، بعد انصراف المعظم عنه. أبناء أشقائه قد عادوا إلى منازلهم ووالدته ذهبت إلى غرفتها على موعد نومها، فلم يتبقَّ إلا زوجته العزيزة التي كانت جالسة على مقعد وحدها.بعيداً عنها، كانت ليلى تشاهد على شاشة التلفاز، وقد انتبه إليها الآن وبجوارها نائماً على الأريكة ابنه ريان غارقاً في النوم.ـ مساء الخير.ألقى التحية عليها بسجيته، فلم يجد منها رداً سوى بنظرة حَانِقة توجهها إليه. الأمر الذي جعله يقترب حتى جلس بالقرب منها كي يشاكسها، مداعباً بأنامله على طرف ذقنها:ـ بقول مساء الخير، ما بترديش ليه؟ واكلة سد الحنك؟ ولا خشمك واجعك؟استفزها بمناكفته لتنزع يده عنها بغيظ:ـ بطل غلاستك دي يا حمزة عشان أنا أصلاً فيَّا اللي مكفيني منك.ـ وه! ده شكله الجميل زعلان، صح؟تفوه بها عاقداً حاجبيه بتساؤل واندهاش، ليزيد من قربه منها، قائلاً بمكر:ـ طب قبل ما تقلبي وشك عرفيني السبب، يمكن يكون سوء تفاهم ولا سوء نية منك عشان تضربي الليلة وِبدلة الـ...ـ بسسس!قاطعته بها تغلق بكفها على فمه، حتى لا يكمل وقاحته، لتتجه بأبصارها نحو ليلى التي كانت تشاهد المعروض على الشاشة مدّعية عدم الانتباه، معتمدة على سمعها الجيد.فعادت هي إليه بنوع من الاطمئنان لتحذره:ـ إمسك لسانك الفالت ده، لاحسن وِديني لأزعل منك بجد يا حمزة.أومأ بعينيه إليها في طاعة، لترفع كفها عن فمه بحرص، فيفاجئها بابتسامة تفهمها جيداً زادت من حنقها لتثور به:ـ فاضي ورايق قوي، وأنا قاعدة على أعصابي بأغلي وبافور بقالي ساعتين، من ساعة ما بلغتني منى باللي حصل لاعتماد. دي عِملة تعملها يا حمزة؟ البت راحت للموت وجات وأنا قاعدة هنا نايمة على وداني!حسناً، لقد فاجأته بحجتها، ويعطيها الحق في زعلها. فتخلى عن عبثه يحاول ترضيتها:ـ لا، عندك حق تزعلي، بس أنا والله ما كنت أعرف بالتفاصيل غير لما وصلت المستشفى، ويمكن انشغلت مع كمال والقعدة معاه بعد ما اطمنت عليها ونسيت ما أتصل. سُوهِّي عليّ يا ستي، سامحيني فيها دي.تذمرت بصوت عاتب ترفض حجته بعد لحظات من القلق الشديد التي اجتاحتها منذ قليل:ـ لا يا حمزة، أنا زعلانة منك بجد. الكلام اللي سمعته من منى عن حالة اعتماد وإنها كانت هتروح فيها لولا ستر ربنا خلى دمعتي فرّت، ليه ما بلغتنيش؟ كنت جيت على المستشفى، كنت اتصلت حتى، المهم ما أحسش الإحساس العَفِش ده.تقبّل عتابها وحدتها أحياناً عليه بصدر رحب، حتى أصبح يراضيها بالكلام المفهوم والهمس في بعض الأحيان الذي لا يصل إلى ليلى، حتى دوت ضحكات الصلح بعد لحظات، ليقررا الذهاب إلى منزلهم الخاص، آخذَين ريان من جوارها.يتركها بحالة من الحالمية، ساهم في زيادتها الفيلم الرومانسي الذي كانت تشاهده، حتى جاء زوجها أخيراً يخاطبها بصوت مُجهد:ـ مساء الخير. إقفلي الشاشة عندك وتعالي نكمّل فوق.انتفضت بحماس تغلق الشاشة بالفعل لتقترب منه قائلة:ـ ماشي، يبقى هتكمّله معايا وهنعمل أنا وأنت جَعدة رومانسية بالفاكهة وأطباق التسالي جمبينا.رد باستنكار:ـ تسالي إيه وكلام فارغ إيه؟ أنا أصلاً مخي مصدع يا برنسيسة. هطلع أترمي على السرير وأنام، على الله بس أغير هدومي.صدمها برفضه، حتى كادت أن تعاتبه ولكنه لم يعطها فرصة ليتجه إلى الدرج يسبقها في الصعود، فتجدد بها الأمل مغيّرة الخطة، توقفه قبل أن يصعد:ـ طب بلاش من فُرجة الفيلم، تبعني عاد في طلبي الصغير.تنهد بنفاذ صبر يسألها:ـ وإيه هو طلبك الصغير يا ليلى؟ خلصيني!تبسمت بمرح تخبره:ـ بما إن البيت فاضي وأمي الحاجة نايمة، يعني ما فيش غير أنا وأنت هنا، إيه رأيك نستغل الفرصة وتعمل معايا حركة رومانسية تفضل في خيالنا لحد آخر العمر؟ضاقت حدقتيه، يطالعها باستفهام لتفاجئه بطلبها:ـ شيلني يا معاذ واطلع بيَّا السلم!مال برأسه إليها بعدم تصديق، يراها ترفع ذراعيها إليه، يردد بدهشة:ـ أنتي بتتكلمي جد يا ليلى؟ عايزاني أشيلك، وأطلع بيكي السلم! ليه يا حبيبتي، شايغاني وَنش؟! أنا لحم ودم يا أُمّه!ـبرقت عيناها الجميلتان، لا بالدهشة وحسب، بل بالصدمة من الوصف الذي صدمها، ولجمها عن الرد لحظات، حتى استعادت بأسها المعهود:أنا عايزة وَنش يا معاذ؟ أنا عايزة وَنش! طب غُور، غُور من وشي!اندفعت تضربه بقبضتيها لتزيحه من طريقها وتسبقه في صعود الدرج تواصل:ـ إياك تكلمني تاني يا معاذ، إياك تكلمني!ليغمغم بدوره في أثرها، وهو يدلك على ذراعيه وصدره مكان ضرباتها:ـ قال أشيلها قال وأطلع بيها السلم كمان! عشان أتمزّق ولا يجيني الغضروف, مش كفاية قليلة أدب ويَدْك طويلة............................في اليوم التالي،تَكَلَّفَ بالعمل المُوَسَّع داخل المدرسة التي وقع بها الحدث، بعد أن ثَبَتَ له من المؤشرات الأولية أن السبب قد يكون بفعل القهوة التي شربتها، أو يمكن أن يكون شيئًا آخر، ربما، سيعرف كل شيء فهو لا يغلب في طرقهليُجري تحقيقًا مع جميع الحاضرين، وخصوصًا من يدخل إلى غرفة المدرِّسات والمكان الذي تُعَدُّ به القهوة.وبما أن الدراسة لا تعمل في هذا الوقت، والعاملون فيها يُعَدُّون على أصابع اليد، كانت أقرب واحدة إلى الشك هي زميلتها عطيات.والتي جاء ردُّها مفاجِئًا له:ـ اعتماد دي حبيبتي وعشرة عمري، ولا عمري هأذيها أبدًا، وليه أصلاً يحصل مني؟ بس أنا عندي إحساس قوي أو شك بمعنى أصح في الشخص اللي ممكن يكون عمل كدة.سألها كمال بانتباه:ـ مين يا أبلة عطيات؟ قولي الاسم والدوافع.ردت المرأة:ـ لا أنا مش هقول دوافع، أنا هحكي يا باشا وأنت تحكم بنفسك.أومأ ليطمئنها:ـ احكي يا أبلة عطيات.

ها هو يعود إلى ذلك النذل مرة أخرى، رغم علمه بـدناءة أصله واستعداده لخيانته في أقرب فرصة مقابل المال، ولكنه لم يجد بديلاً غيره. حين خرج بها ليلاً، يخبئها داخل حقيبة السيارة التي استأجرها حتى وصل بها تلك البلدة التي لا يعرف ملاذاً غيرها.

لا يعلم أين كان عقله في تلك الساعة! حتى يستجيب لها ويساعدها. يغمره غضب شديد من نفسه، ومع ذلك لم يندم ولو للحظة أنه نجّاها من الزواج من عرفان... اللعنة عليه، ولِـمَ يشغله أمرها من الأساس؟!

هتف يطرق على باب المنزل الطيني القديم، ليخرج له الآخر بعد لحظات يستقبله بوجه ناعس:

ـ أيوة أنا جيت أهو... عُطوة! أنت إيه اللي جابك دلوقتي؟

دفعه الأخير بيده ليزيحه عن طريقه ثم يدلف إلى داخل المنزل قائلاً:

ـ جاي أتأمل في جمالك يا خوي، ولا مشتاق لخِلقتك العَكِرة؟ روح طُس وشك بشوية مية يا جمعة عشان تفوق وأنت بتكلمني، مش ناقصة ضيقة خَلق.

ـ أنت اللي متضايق؟ يعني تصحيني من عز نُومتي وأنا راجع من شيفت المستشفى هلكان من التعب والسهر، وفي الآخر أنت اللي غضبان كمان!

حدجه عطوة بضجر قائلاً بنفاذ صبر وهو يضع الأكياس التي جاء بها على الطاولة:

ـ ولو أخّرت عنك يوم واحد تتصل بيّ وتِرطّ عليَّ المصاريف اللي بتدفعها، ومش قادر توفّي عشان معكش فلوس!

تبسّم جمعة بانتباه كالصقر وهو يشاهد حزمة الأوراق النقدية التي يخرجها الآخر من جيب جلبابه، ثم وضعها في يده، ليتلقفها جمعة يردد بامتنان وتملق:

ـ من يد ما نعدمها يا عطوة يا غالي. تحب أندهلك على نورا تشوفها؟

رد بحدة وهو ينهض وصراع يدور داخله:

ــ لا تنده ولا تِزفت. أنا جبتلك اللي يكفّيها على ما تلاقي لها حتة تانية تتاويها، وأنا راجع أشوف مصالحي.

ونهض بالفعل تاركاً جمعة يطالع ذهابه بذهول مغمغماً:

ـ ده على أساس إنك بتشتغل أصلاً؟ مش كل مصاريفك من ورث أبوك اللي ما بيخلصش.

زجره عطوة بنظرة مشتعلة كرَدّ صامت دون أن يكلف نفسه بالرد، عاقداً عزمه بضرورة الذهاب. ولكن ما إن وصل إلى المنزل الذي أجّره بمساعدة ذلك النذل جمعة كما يسميه، حتى تباطأت أقدامه عن السير بتردد. شيء يدعوه للدخول إليها، وشيء يأمره بالانصراف. استقر على الأخير يشرع في الهروب إلا أن صوتها الناعم استوقفه:

ـ هتمشي من غير ما تشوفني يا عطوة؟

تجمد محله لحظات قليلة حتى حسم والتفت إليها، يجدها خارجة من باب المنزل، بعباءة محتشمة وحجاب يغطيها حتى رقبتها بالكامل، تشبه أهل القرية، وقد تخلت عن اللمسات التي تُميّزها هي وأهلها. ومع ذلك لم تتخلَّ عن سحرها، ليزفر بحنق رافضاً تأثيرها عليه:

ـ معلش ورايا مصالح... على العموم أنا سايبلك فلوس مع جُمعة، دا غير خزين البيت على ما تلاقي حل... في موضوعك.

ـ يعني هو الموضوع اتلخّص في فلوس وبس؟ مستكتر تطمن عليّ بنفسك؟ على العموم أنا برضه شايلة جميلك وفي رقبتي لآخر يوم في عمري.

نبرتها العاتبة ورِقتها الجديدة عليه تزيد من وَطأة ما يجتاحه من مشاعر متناقضة لا يريدها ولا الاعتراف بهذا الشيء من الأساس.

لينفض عنه الضعف، يرد بخشونة متعمدة، كي يشرع في الذهاب:

ـ جميل ولا حكاوي عاد! أنا عملت اللي يمليه عليّ ضميري وخلاص. عن إذنك بقى، عايز ألحق أدخل البلد قبل الشمس ما تغيب.

أنهى كلماته يهم بالذهاب ليردف بأمر بعد أن استدار بكليته عنها:

ـ خشي البيت على كده، ومتوقفيش لوحدك في نص الشارع.

أذعنت تطيعه بالعودة إلى المنزل بابتسامة تزيّن ثغرها، ويوماً من بعد يوم تزداد الثقة داخلها بقرب التسليم منه لأمر القلب.

إحساس الرضا الذي يغمرك حين تُنجز المطلوب منك على أكمل وجه، فترى السعادة على وجوه الذين وثقوا فيك وكنت على قدر المسؤولية،

ذلك ما كانت تشعر به مزيونة وهي تتطلع من مدخل المطبخ إلى ثناء الضيف ومدحه في الطعام الذي كان يتناوله بتَلَذُّذ واشتياق يعبر عنه في كل لحظة إلى زوجها الذي يبدو مُنْتَشِيًا بتفاخر لما صنعته زوجته، ومعه حسنية ومعاذ على طاولة السفرة التي حضر عليها حتى الأطفال، ولكن هي لم تقبل رغم دعوته لها وترحيبه بمشاركتهما هي وليلى. وقد منعها الحياء عن طاعته في ذلك الأمر، والتزامها باتباع العادات والتقاليد التي نشأت عليها.

أما ليلى ابنتها فلم تحتج لجهد، فقد خجلت هي أيضاً أن يرى أحد شراهتها في الطعام نتيجة حملها، لتأخذ راحتها على أرض المطبخ تفترشها، واضعة العديد من الأصناف حولها، تأكل وتمدح في الطعام أيضاً:

ـ يا حلاوتك يا مزيونة يا قمر، عاملة الرقاق باللحمة عَظَمَة، وصينية البشاميل ضَرْب نار، ولا المحشي! يا عيني على المحشي، يا روحي على المحشي!

تبسمت مزيونة لمشهد ابنتها التي كانت مُتَرَبِّعَة ببساطة ودون تكلُّف، بعض الطعام في الأطباق أمامها، والبعض الآخر في الأواني نفسها كحلة المحشي التي كانت تنتقي منها وتتناول بتلذذ، الأمر الذي أثار استهجانها بعض الشيء لتنبهها:

ـ طَب يا ناصحة لِمِّيها شوية، أي حد هييجي ويشوف منظرك كده يقول عليكي إيه؟

ضحكت لها بصوت خافت ترد عليها قبل أن تضع قطعة من اللحم داخل فمها:

ـ هيقولوا إني مَفْجوعة وبيئة مثلاً؟ عاااادي، خلاص بِنْتِك شالت بُرْقُع الحيا، حالياً أنا عندي هم بطني والأكل مُقَدَّم على الجميع، وأكلك أنتِ بالذات يا مزيونة مَتْلُومِينِيش عاد.

ـ لا يا أختي مش هلومك، اعملي ما بَدَالِك.

قالتها مزيونة بنوع من السخرية، وما كادت أن تلتف عنها لتعود لما تفعله، حتى اصطدمت رأسها بشيء قاسٍ، لتَجْفَل بصدر زوجها الذي يوازي مستوى طولها، يبتسم بمرح وهو يجذبها معه إلى الداخل، فغمغمت هي بتوبيخ:

ـ للمرة التانية النهاردة تَخْضني يا حمزة، شكلك ناوي علَيَّ!

رد ضاحكاً وعيناه ذهبتا نحو ليلى التي كان مشهدها وحده يثير التسلية:

ـ وأنا بكرر للمرة التانية يا ستي، خَلْعَة تِطْرُد خَلْعَة، يالا كله خير، وأنتِ يا ليلى إيه اللي عاملاه على الأرض ده؟ ما كنتي جيتي معانا وخلاص، قولتلك عَمِّك كمال مش غريب، تتبعي كلام أمك المجنونة؟

أومأت رأسها توافقه بابتسامة تشمل وجهها:

ـ لا، أنا هنا باكل براحتي، ياريت بقى تِمْنَع معاذ ما يجيش اللحظة دي على ما أخلَّص أُكِل ، بدل ما يطَلَّقْنِي ويِسْتَعِر من منظري لو شافني كدة.

أومأ وقد ازداد مَرَحًا يُطمئنها قبل أن يعود إلى جميلته:

ـ حاضر، هخليه لازِق برا جنب الراجل، على العموم إحنا خلصنا أكل، والجماعة طِلْعُوا الجنينة...

ـ يعني أصُب الشاي، أنا مهدّية النار عليه أصلاً على البوتجاز!

قالتها مزيونة بلهفة وهي تبتعد متوجهة نحو الموقد الغازي، إلا أنه أوقفها يَسْحَبُها إليه من ذراعها:

وقبل أن تستفسر، كانت شفتيه تحُطَّانِ على جبهتها بقبلة يعبر بها عن امتنانه قائلاً:

ـ دِي عشان رفعتي راسي قدام الراجل اللي جاي عَزُومَتِي بعد غِيبَة سنين، وأنتِ خليتي السفرة ولا تنظيم الهوانم!

تبسمت بخجل وقد لفَّها الارتباك لترد بتلعثم:

ـ إااا مِش لدرجة دي يعني يا حمزة، المُهِم إنه عجبك أنتَ الأول، ما أنت ذوقك عالي.

ـ آه والله، أنا دي متأكد منها، كفاية إن اخترتك أنتِ عشان أعرف إنه عالي قوي قوي قوي!

ضحكت لمبالغته التي تعشقها، ولكنها لا تعرف كيف تجاريه، فتطالعه بقلة حيلة:

ـ وَه يا حمزة، يا بُوي خَفّ كلامك ده، أنا مابعرفش أرد عليك والله.

ـ وَاهِين تلاتة يا قلب حمزة، أنتِ لا تِرُدِّي ولا تِتْعِبِي نفسك، كفاية تبقي كده بطبيعتك معايا، وأنا عَلَيَّ الكلام والفعل.

وختم بغمزة بطرف عيناه، تسبق ضحكة ذات مغزى، فهمت عليها تبادله إياها، لتميل عليه بجسدها، فحاوطها بذراعيه، حتى أجفلهما حَمْحَمَة صغيرة بالقرب منهما، فالتفتا برأسيهما نحو ليلى التي كانت مازالت جالسة على الأرض، تتبسم لهما بأسف لا يخلو من مكر:

ـ مَامَعَلِش، بأستأذنكم هقوم بس الأول أروح أنده لمعاذ.

قالتها تَهُمُّ بالنهوض لتتحامل بكفيها على الأرض، فينهيها حمزة بأمر:

ـ لا خليكي مكانك يا ستي مَتْقُومِيش... أنا كنت نَاسِيكِي أصلاً يا حزينة.

ثم أردف بعبوس وضيق حين استجابت لأمره:

ـ أنا أصلاً كنت داخل آخد الفاكهة والحلويات، هُمَّ فينهم؟

وجه الأخيرة نحو زوجته التي أشارت نحو الأطباق المرتصة على صينية على إحدى الجوانب، فرفعها إليه ليذهب من أمامهما يغمغم بحنق:

ـ أخلَص من رَيَّان تِطْلَعْلِي ليلى، لازم في كل خَرَابَة ألاقي عفريت!

خارج المنزل في الحديقة التي تغيرت كثيراً عما يذكرها، كان جالساً بصحبة حسنية، المرأة الجميلة التي كان في أشد الاشتياق لها، ومعاذ الطفل الصغير الذي كَبُر فجأة وتزوج والآن هو في انتظار طفله. يا له من شيء عجيب!

أتمر السنوات بهذه السرعة، ليعود هو إلى ذلك المنزل، فيمر شريط الذكريات بذهنه كأنها حدثت بالأمس.

لم يكن من أهل المنزل ولا حتى من أبناء البلدة، بل هو ابن المدينة الذي تعرف بحمزة أيام الدراسة، وتوطدت العلاقة بينهما بشدة، لدرجة كانت تجعله يتردد على القرية بصورة يومية في بعض الأحيان.

عشق البلدة وطبيعتها، ووجد في حضن الأسرة والعائلة الملاذ. حنان حسنية الذي تَغْدَق به على الجميع، كان ينال نصيبه منه وكأنها أمّه الحقيقية، المودة والعزوة التي يفتقدها، نظراً لعدم وجود أشقاء له، فهو وحيد والديه.

ثم كان الحب الذي أذهب أنفاسه وجعل الفؤاد ينبض لأجل امرأة كان على استعداد أن يجعلها أميرة على عرش قلبه، لو فقط قبلت به، ولم تصدمه برفضها، وتفضيل... اللعنة!

خلع النظارة السوداء عن عينيه فجأة وألقاها فوق الطاولة أمامه، ليسمح بكفّيْه على صفحة وجهه بضيق متعاظم من نفسه. مجرد التفكير فيها هو ذنب في حد ذاته...

كان هذا سؤال حسنية له، حين انتبهت لتَبدُّل مزاجه فجأة، فسارع في طمأنتها:

ـ لا يا ست الكل، ما فيش أي حاجة. أنا بس حسيت بشوية حر فخلعتها. هو حمزة راح فين؟

ـ أنا أهو يا سيدي، لَحَقْت أوحشك عشان تسأل عليا؟

تفوَّه بها حمزة الذي كان قد اقترب ليضع الصينية التي يحملها على الطاولة، وبها أطباق الحلوى والفاكهة، فعقَّب كمال بانبهار لا يخلو من دهشة:

ـ إيه ده كله يا بني؟ أنت عايز تجيب لي السكر! ثم ليه الصَّرْف والأَوڤَرَة أصلاً؟ هو أنا غريب؟

ـ لا مش غريب، بس كده مزاجي يا سيدي، عندك مانع؟

قالها حمزة بِتَفَكُّه ليتبادلا الشد والجذب مع صديقه، وحسنية تستعيد معهما مناكفات الماضي. يتابعهم معاذ الذي كان يتدخل على استحياء، نظراً لضعف علاقته بكمال، حتى وردَه اتصال من أحد الأشخاص، ليضطر لتركهم. ولكن ما هي إلا ثوانٍ حتى عاد إليهم بالخبر الذي وصله:

ـ حمزة... خليفة أخوك في مستشفى البندر مع خطيبته الأبلة اعتماد!

لا يوجد حجة كي يتركها هذه المرة، ولن يمنعه أحد من مرافقتها ولا حتى هي. للمرة الثانية ينقذها وهي على شفا الموت، يحملها بين ذراعيه ويركض بها حتى المشفى.

في الأولى، كانت العلاقة بينهما عابرة تحيطها المشاحنات والشجار في بعض الأحيان، لم يكن قد فهم مشاعره نحوها بعد. أما في الثانية، والتي حدثت منذ ساعات، فالله وحده الأعلم كيف كان حاله! قلبه الذي كاد أن يتوقف من فرط الخوف عليها، الارتجاف الذي اكتسح خلاياه، وهو يجاهد بصعوبة لئلا تخور أعصابه عن نجدتها.

لماذا يتآمرون على قتلها؟ ويضمرون كل هذا الغِل نحوها؟ إنها لا تفعل شيئاً سوى ادعاء القوة بالزور، ترتدي قناع الشراسة الزائفة من أجل حمايتها وحماية شقيقاتها. تلك المرأة التي يهابها جميع من يقابلها، بداخلها هي أضعف النساء.

لقد وضعها القدر مرتين في طريقه كي ينقذها، والآن هو لن يسمح أبداً أن تتكرر تلك الحوادث لها أو أن يمسها أحد بسوء. لن يتخلى عنها أبداً أبداً.

فاق من شروده حين شعر بحركة لإصبعها المجاور لكفه التي كانت مستندة على طرف التخت الطبي، ليتمعن بوجهها بتركيز شديد وهو يلاحظ تحرك أهدابها وبعض العضلات قرب عينيها وجبهتها، حتى فتحت بصرها للنور أخيراً تستوعب المكان الذي هي فيه. تتأمل السقف قليلاً، ثم تدير بمقلتيها في الأنحاء حتى وصلت إلى وجهه المقارب لها. تراه قد ازداد وسامة بتلك الابتسامة الرائعة التي يطالعها بها وهو يخاطبها:

— حمد الله على السلامة يا أبلة اعتماد، كدة برضه توقفي قلبي عليكي؟

انتظرت لبرهة من الوقت حتى استوعبت لتسأله، وهي تتذكر ما مرت به رويداً رويداً:

— أنا إيه اللي حصل معايا؟ ليه حاسَّة بوجع وجسمي كله مختل؟ صحيح أنا كنت في الوحدة مش هنا... أنت كنت شايلني يا خليفة؟!

ضحك في الأخيرة وقد شعر بالتسلية ليزيد عليها:

— أيوه شيلتك بين دراعاتي الاتنين وفَرّيت بيكي على الوحدة، قعدت معاكي وهما يسعفوكي، وبعدها شيلتك تاني برضه وجيت بيكي على هنا يعملولك غسيل معدة.

تمتمت بها باندهاش سرعان ما ذهب وعقلها يستعيد لحظات ما سبق تلك الخطوة، لتردف:

— انت كنت جنبي وأنا برجّع يا خليفة؟

— حتى في مرة فيهم حصلت كم جلابيتي، بس عادي يعني فداكي.

وكان في الأخير قد رفع ذراعه لترى البقعة التي كانت ظاهرة رغم المسح عليها بالماء، لتغمض عينيها بحرج شديد، تشيح بوجهها عنه:

ضحك بخفوت وامتدت يده ليعيد وجهها إليه بلمسة من ذقنها، يخاطب ملامحها المذهولة:

— وليه الأسف من أصله؟ حد قالك إني قرفت مثلاً؟ بالعكس ده أنتِ لو بهدلتي جلابيتي كلها، والله ما كنت هزعل ولا هَقْرَف حتى، كفاية عليا إني اطمنت عليكي في الآخر وشوفتك وأنتِ راجعة للحياة من تاني، راجعة لخليفة اللي روحه كانت تروح منه لو حصلك حاجة لا قدر الله.

تجمدت أمامه وكأن الصوت لم يصلها، تطالعه فقط بصمت حتى ظهر رد فعلها بتنهيدة من العمق، وعينان ترقرقت بهما الدموع، وبصوت مغذَّب تترجاه:

— بلاش كلامك ده الله يخليك يا خليفة، أنا قلبي مش متحمل والله، لا حمل أحلام ولا حمل مشاكل، يكفيني اللي أنا فيه...

— بس إحنا مش بنتكلم في حلم إحنا بنتكلم في واقع يا اعتماد، وبالنسبة للمشاكل أنا كفيل بيها.

ذلك الدفء الذي يتحدث به هو أكبر دليل على صدقه، ولكن طاقتها التي نفدت من كل شيء تجعلها رافضة حتى التفكير. فهم الصراع الذي يدور داخلها فأشفق أن يضاعف عليها وهي في تلك الحالة، ليردف مغيراً دفة الحديث:

— على العموم مش وقته الكلام دلوقت، خلينا في موضوع التسمم اللي حصل معاكي، تفتكري أكلتي ولا شربتي إيه بالظبط؟ عشان الظابط اللي هيحقق معاكي زمانه داخل دلوقت يسألك.

الشاشة مُدارة أمامها، وهي جالسة في غرفة المعيشة، عيناها على الفيلم الذي يُعرض، وعقلها في وادٍ آخر. بعد انتهائها من المكالمة التي أجرتها مع ابن شقيقتها والذي أخبرها بآخر التطورات، ألقت الهاتف من يدها على الأريكة جوارها بفتور، وشعور غير مفهوم يجتاحها.

أولها غضب استعر داخلها حين سمعت بالأقاويل التي انتشرت في البلدة على لسان أفرادها، تصف شهامة الخطيب المِغوار الذي كان يركض حاملًا الأستاذة المريضة إلى الوحدة الصحية للبلدة، ثم الذهاب بها إلى مشفى المحافظة. حديث عن خوفه عليها ولهفته، يتناقل بمبالغة تثير الاستفزاز.

كيف وصل إليها في تلك اللحظة؟ ولماذا يتكرر نفس المشهد في إنقاذها على يده؟ تُرى ماذا يقولون عنها هي الآن؟ "شفقة على ابنة العم المغدورة"؟ أم "شماتة في الزوجة المغرورة" كما يُشاع عنها؟ يا لها من إهانة لها في كلتا الحالتين.

ولكن الشيء الغريب الذي لا تفهمه هو عدم انزعاجها بخبر نجاتها من تجرع السم وفشل المحاولة.

حين كان الثلاثة يسيرون داخل الطرقة في اتجاه حجرة المريضة على حسب الوصف، كان هو في ذلك الوقت جالساً على أحد المقاعد المخصصة للحضور، وكأنه كان في انتظارهم.

​ـ إيه اللي حصل يا خليفة؟... اللي سمعناه ده صح عن تسمم اعتماد؟

​أومأ لشقيقيه ثم وقف يرحب بالذي تفاجأ بحضوره معهما:

​ـ طب استنوا بس أسلم على الراجل... كمال باشا!

​اختصر الآخر المسافة بينهما ليضمه بعناق رجولي، يتبادلان الترحيب ببعضهما، قبل أن يعرض عليهم مجالسته في كافيتريا المشفى.

​اتخذوا طاولة لهما وحدهما ويدور الحديث بينهما:

​ـ كيف يعني ما كالتش حاجة من برا؟ طب لو حاجة داخل البيت، خواتها ما اتسمّوش زيها ليه؟

​كان هذا السؤال الذي تفوّه به حمزة، ليأتي رد شقيقه بتشتت:

​ـ والله ما أعرف، بس على حسب كلام رغد أختها الصغيرة واللي فطرت معاها، ما حصلهاش حاجة. دا غير إن باقي الأكل زي طبق اللانشون والجبنة أكلت منه أختها وبنتها الصغيرة كمان. يعني على الأقل لو في حاجة يبقى الطفلة تاخد الضرر الأكبر، لكن ده ما حصلش غير معاها هي وبس!

​ـ إزاي يعني؟ طيب ما يمكن أكلت حاجة أو بسكوتة حتى. كل حاجة مش مستبعدة.

​سأله بمهنية اعتاد عليها، فكان رده النفي أيضاً:

​ـ هي أكدت للظابط إنها ما كلتش، ولا شرت غير كوباية شاي بعد الفطار مع أختها وفنجان قهوة كانت بتشربه ساعة ما كنت بكلمها، وبعدها حصلها اللي حصل.

​ـ طب كده ممكن تكون القهوة فيها حاجة لا قدر الله.

​هتف بها معاذ في تخمين منه خطر على البقية أيضاً، فوافقه خليفة:

​ـ ممكن فعلاً، أنا قولت للظابط وهو أكيد هيشوف شغله.

​ـ حلو خلاص، يبقى تقرير المعمل الجنائي هو اللي هيحسم. أنا ههتم بالقضية بنفسي، ولو طلع الموضوع فيه شق جنائي خليك واثق إني هجيبلك حق...

​توقف فجأة وهو ينظر إلى خليفة ثم واصل:

​ـ ... آه خطيبتك! صحيح أنا شوفت بناتك ما شاء الله عليهم. هي مامتهم مطلقة؟

​همَّ خليفة بالتوضيح أمام صمت شقيقه الأكبر الذي اكتنفه شيء من الحرج، ولكن سبقه معاذ الذي رد بعفوية:

​ـ لا يا باشا، مراته الأولى تبقى بنت عمه. يطلقها كيف؟ اعتماد تبقى الجوازة التانية إن شاء الله. خليفة البطل هيعملها، ويتنيهّا...

​قال الأخيرة بتفاخر ومرح، قابله المذكور بابتسامة عجز عنها حمزة الذي شعر بالضيق وهو يلاحظ

ملامح الجالس امامه قد شحبَتْ، وبدا السؤال مُرتسماً على وجهه بوضوح، سؤال عجز لسانه عن النطق به: هل يُعقل أن تكون بنت العم التي ذكرها معاذ هي ذاتها التي ترك البلدة من أجلها في الماضي؟

​رمق حمزة بنظرة خاطفة لا تحمل معنى واضحاً، ثم غرق بعينيه نحو الفنجان الذي يرتشف منه، وقد تاه عقله بعيداً عنهم تماماً.

عودة إلى غرفة اعتماد، التي التصقت بها شقيقتها الصغرى، تحتضنها بيديها الاثنتين، تردد بأسى وخوف عليها:

ـ سلامتك يا خيتي سلامتك! إن شاء الله أنا يا رب، إن شاء الله أنا ولا تتعبي أبداً تاني.

قابلت اعتماد فِعلها ضاحكة بسخرية حتى تخفف من جزعها، وعيناها تنقلان ما بين شقيقتها الثانية التي كانت ملتزمة الصمت كعادتها، فلا تتحدث إلا فيما يخص مصلحتها.

وفي الناحية الأخرى، كان حاضراً في ذلك الوقت منصور، الذي بلغه الأمر بحكم عمله في المدرسة، ليسحب زوجته للاطمئنان عليها، والتي كانت تشارك في المزاح أحياناً:

ـ يا مجنونة، ما أنا رايقة أهو قدامك! لزومها إيه الشحتفة؟ أنا رايقة وزي الفُل أهو قدامك، فضحتينا.

ـ لا يا اعتماد، أنتي بقيتي تخلعيني كتير اليومين دول.

ـ مش أنتي بس يا حبيبتي اللي بتخلعك، إحنا كمان شعرنا هيشيب بسببها. ما تحفظي نفسك يا بت بالقرآن والأدعية تحميكي من العكوسات والمصايب اللي بتحصل معاكي دي يا جَزِينة.

ـ والله بقرأ الورد اليومي والأدعية. هعمل إيه تاني؟

ـ ما هو دا اللي بينجّيكي برضه يا اعتماد. ربنا ما يجيب حاجة عَفشة تاني.

ـ تسلَم يا أستاذ منصور ربنا يخليك.

ـ أيوة بس متنسيش عاد إن في المرتين تبقى على وشك الموت (لا قدر الله) وخلفاوي هو اللي يطير بيكي عشان ينقذك! ولا فُرسان الروايات يا ناس!

حقاً أخجلتها حتى اندفعت الدماء إلى وَجنتيها، نافيةً عنهما شحوب المرض، وكأنها عادت فتاة مراهقة تتلعثم في الرد عليها:

ـ ياا ستي... ربنا يبارك في صحته. هو إنسان محترم وخلوق و...

جاء السؤال من مدخل الغرفة حيث كان واقفاً هو مستنداً على إطار الباب، يزيد من خجلها وهي لا تعلم متى أتى ليتدخل في الحديث معهم.

فكان ردها غمغمة غير مفهومة، ضاعفت من تسليته، ليعود مكرراً وهو يقترب منها غير آبه بالحاضرين:

ـ أنتي بتكلمي نفسك يا أبلة اعتماد؟ ما تعلّي صوتك يا شيخة. هو أنا مينفعش أسمع كلمة حلوة منك عني؟

ـ أيوة يا أختي، على الأقل ريحي قلب الراجل اللي مشحطط في المستشفيات!

أضافت بها منى بطريقتها لتساعد شقيقها، لتضاعف خجل اعتماد الذي حدجتها بنظرة محذرة حتى تكف عن عبثها، وهي تجاهد لـتنفض الخجل عنها متماسكةً تزييفاً:

ـ لا طبعاً إزاي؟ ألف شكر يا أستاذ خليفة.

ـ تااني أستاذ خليفة؟ أنا لساني خطيبك يا أبلة اعتماد ولا أنتي نسيتي؟

تفوه بها ضاحكاً بتحدٍ على معارضتها، وقد ثبُت الأمر عليها وعلى الجميع أنه خطيبها بالفعل وقريباً زواجها.

توقفت به سيارة الأجرة ليترجل منها، يكمل طريقه مشياً على الأقدام إلى منزله. يسير في اتجاهه مستقيماً حتى أوقفه أحد الأشخاص منادياً باسمه:

ميّز عطوة صوت صاحبه دون جهد، ليجبر نفسه على الالتفاف إليه، بتوتر يحاول إخفاءه، ليرد بنبرة تبدو عادية وهو يراه جالساً على الأريكة الخشبية بجوار حارس البوابة للبلدة من تلك الناحية:

ـ أيوة يا عرفان، معلش ما خدتش بالي منك. إزيك يا عم صميدة؟

رد الأخير التحية إليه، أما عرفان فقد نهض من جوار الرجل ليقترب مقابلاً له، ليفاجئه بقوله:

ـ غايب بقالك كام يوم ومحدش عارف فين بتختفي! طب اسأل على حال صاحبك ولا اطمن عليه بعد الخازوق اللي خده من بنت الغجر!

تحركت تفاحة آدم بحلقه، وقد جفّ ريقه من مجرد التلميح، ولكنه ما زال ثابتاً على مراوغته يبرر:

ـ ما أنا كنت معاك أول يوم وبدور مع الرجالة عليها، وتاني يوم كمان جيتلك. هما بس اليومين دول كان معايا مصلحة مع مَعرفة هي اللي شغلتني عنك، معلش سامحني. بس أنت لِسَّاك بتدور؟ دا الموضوع عدى عليه أكتر من أسبوعين!

ـ ولو عدى سنين كمان مش هفوّتها!

قالها عرفان ليردف بمزيد من الإصرار:

ـ بحق ما ضحكت عليَّ ونهبت فلوسي وبعدها هربت، تفضحني وتخلي سيرتي على كل لسان... لأدوقنها من العذاب ألوان هي واللي ساعدها، إن كان مرأة ولا راجل، ولا إن كانوا من أهلها ولا أغراب!

ارتجف قلب عطوة وهو يشاهد الوحشية التي تجلّت على الملامح القاسية. يعلم أنه قادر ولن يوقفه شيء إن وجدها ووجد الفرصة للقضاء عليها وعلى من ساعدها كما نوّه أمامه، وهذا ما يخشاه. وما عليه إلا أن يجاريه.

ـ ربنا يعتِرك فيها يا عرفان، ربنا يعتِرك فيها.

عاد حمزة أخيراً إلى المنزل، ليجده تقريباً فارغاً، بعد انصراف المعظم عنه. أبناء أشقائه قد عادوا إلى منازلهم ووالدته ذهبت إلى غرفتها على موعد نومها، فلم يتبقَّ إلا زوجته العزيزة التي كانت جالسة على مقعد وحدها.

بعيداً عنها، كانت ليلى تشاهد على شاشة التلفاز، وقد انتبه إليها الآن وبجوارها نائماً على الأريكة ابنه ريان غارقاً في النوم.

ألقى التحية عليها بسجيته، فلم يجد منها رداً سوى بنظرة حَانِقة توجهها إليه. الأمر الذي جعله يقترب حتى جلس بالقرب منها كي يشاكسها، مداعباً بأنامله على طرف ذقنها:

ـ بقول مساء الخير، ما بترديش ليه؟ واكلة سد الحنك؟ ولا خشمك واجعك؟

استفزها بمناكفته لتنزع يده عنها بغيظ:

ـ بطل غلاستك دي يا حمزة عشان أنا أصلاً فيَّا اللي مكفيني منك.

ـ وه! ده شكله الجميل زعلان، صح؟

تفوه بها عاقداً حاجبيه بتساؤل واندهاش، ليزيد من قربه منها، قائلاً بمكر:

ـ طب قبل ما تقلبي وشك عرفيني السبب، يمكن يكون سوء تفاهم ولا سوء نية منك عشان تضربي الليلة وِبدلة الـ...

قاطعته بها تغلق بكفها على فمه، حتى لا يكمل وقاحته، لتتجه بأبصارها نحو ليلى التي كانت تشاهد المعروض على الشاشة مدّعية عدم الانتباه، معتمدة على سمعها الجيد.

فعادت هي إليه بنوع من الاطمئنان لتحذره:

ـ إمسك لسانك الفالت ده، لاحسن وِديني لأزعل منك بجد يا حمزة.

أومأ بعينيه إليها في طاعة، لترفع كفها عن فمه بحرص، فيفاجئها بابتسامة تفهمها جيداً زادت من حنقها لتثور به:

ـ فاضي ورايق قوي، وأنا قاعدة على أعصابي بأغلي وبافور بقالي ساعتين، من ساعة ما بلغتني منى باللي حصل لاعتماد. دي عِملة تعملها يا حمزة؟ البت راحت للموت وجات وأنا قاعدة هنا نايمة على وداني!

حسناً، لقد فاجأته بحجتها، ويعطيها الحق في زعلها. فتخلى عن عبثه يحاول ترضيتها:

ـ لا، عندك حق تزعلي، بس أنا والله ما كنت أعرف بالتفاصيل غير لما وصلت المستشفى، ويمكن انشغلت مع كمال والقعدة معاه بعد ما اطمنت عليها ونسيت ما أتصل. سُوهِّي عليّ يا ستي، سامحيني فيها دي.

تذمرت بصوت عاتب ترفض حجته بعد لحظات من القلق الشديد التي اجتاحتها منذ قليل:

ـ لا يا حمزة، أنا زعلانة منك بجد. الكلام اللي سمعته من منى عن حالة اعتماد وإنها كانت هتروح فيها لولا ستر ربنا خلى دمعتي فرّت، ليه ما بلغتنيش؟ كنت جيت على المستشفى، كنت اتصلت حتى، المهم ما أحسش الإحساس العَفِش ده.

تقبّل عتابها وحدتها أحياناً عليه بصدر رحب، حتى أصبح يراضيها بالكلام المفهوم والهمس في بعض الأحيان الذي لا يصل إلى ليلى، حتى دوت ضحكات الصلح بعد لحظات، ليقررا الذهاب إلى منزلهم الخاص، آخذَين ريان من جوارها.

يتركها بحالة من الحالمية، ساهم في زيادتها الفيلم الرومانسي الذي كانت تشاهده، حتى جاء زوجها أخيراً يخاطبها بصوت مُجهد:

ـ مساء الخير. إقفلي الشاشة عندك وتعالي نكمّل فوق.

انتفضت بحماس تغلق الشاشة بالفعل لتقترب منه قائلة:

ـ ماشي، يبقى هتكمّله معايا وهنعمل أنا وأنت جَعدة رومانسية بالفاكهة وأطباق التسالي جمبينا.

ـ تسالي إيه وكلام فارغ إيه؟ أنا أصلاً مخي مصدع يا برنسيسة. هطلع أترمي على السرير وأنام، على الله بس أغير هدومي.

صدمها برفضه، حتى كادت أن تعاتبه ولكنه لم يعطها فرصة ليتجه إلى الدرج يسبقها في الصعود، فتجدد بها الأمل مغيّرة الخطة، توقفه قبل أن يصعد:

ـ طب بلاش من فُرجة الفيلم، تبعني عاد في طلبي الصغير.

ـ وإيه هو طلبك الصغير يا ليلى؟ خلصيني!

ـ بما إن البيت فاضي وأمي الحاجة نايمة، يعني ما فيش غير أنا وأنت هنا، إيه رأيك نستغل الفرصة وتعمل معايا حركة رومانسية تفضل في خيالنا لحد آخر العمر؟

ضاقت حدقتيه، يطالعها باستفهام لتفاجئه بطلبها:

ـ شيلني يا معاذ واطلع بيَّا السلم!

مال برأسه إليها بعدم تصديق، يراها ترفع ذراعيها إليه، يردد بدهشة:

ـ أنتي بتتكلمي جد يا ليلى؟ عايزاني أشيلك، وأطلع بيكي السلم! ليه يا حبيبتي، شايغاني وَنش؟! أنا لحم ودم يا أُمّه!

ـبرقت عيناها الجميلتان، لا بالدهشة وحسب، بل بالصدمة من الوصف الذي صدمها، ولجمها عن الرد لحظات، حتى استعادت بأسها المعهود:

أنا عايزة وَنش يا معاذ؟ أنا عايزة وَنش! طب غُور، غُور من وشي!

اندفعت تضربه بقبضتيها لتزيحه من طريقها وتسبقه في صعود الدرج تواصل:

ـ إياك تكلمني تاني يا معاذ، إياك تكلمني!

ليغمغم بدوره في أثرها، وهو يدلك على ذراعيه وصدره مكان ضرباتها:

ـ قال أشيلها قال وأطلع بيها السلم كمان! عشان أتمزّق ولا يجيني الغضروف, مش كفاية قليلة أدب ويَدْك طويلة...

تَكَلَّفَ بالعمل المُوَسَّع داخل المدرسة التي وقع بها الحدث، بعد أن ثَبَتَ له من المؤشرات الأولية أن السبب قد يكون بفعل القهوة التي شربتها، أو يمكن أن يكون شيئًا آخر، ربما، سيعرف كل شيء فهو لا يغلب في طرقه

ليُجري تحقيقًا مع جميع الحاضرين، وخصوصًا من يدخل إلى غرفة المدرِّسات والمكان الذي تُعَدُّ به القهوة.

وبما أن الدراسة لا تعمل في هذا الوقت، والعاملون فيها يُعَدُّون على أصابع اليد، كانت أقرب واحدة إلى الشك هي زميلتها عطيات.

ـ اعتماد دي حبيبتي وعشرة عمري، ولا عمري هأذيها أبدًا، وليه أصلاً يحصل مني؟ بس أنا عندي إحساس قوي أو شك بمعنى أصح في الشخص اللي ممكن يكون عمل كدة.

ـ مين يا أبلة عطيات؟ قولي الاسم والدوافع.

ـ لا أنا مش هقول دوافع، أنا هحكي يا باشا وأنت تحكم بنفسك.

رواية لاجلها الفصل السابع والاربعون

جاري كتابه الفصل الجديد من احداث الروايه وسيتم نشره فور انتهاء الكاتبه منه عاودو زيارتنا الليله او يمكنكم متابعة مجموعتنا وصفحتنا على الفيسبوك ليصلك الفصل فور الانتهاء من كتابته ونشره

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

com.مكتبة

اكتشف عالمًا مليئًا بالروايات المشوّقة 📖، الكتب الثقافية 📘، والقصص المثيرة 🕵️‍♂️ المتاحة للتحميل مجانًا بصيغة PDF. سواء كنت من محبي الأدب الكلاسيكي أو الروايات الحديثة ✨، ستجد كل ما يغذي عقلك وينعش روحك. انضم إلينا واكتشف سحر القراءة مع مكتبة دوت كوم! ✨📖


إتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *